الجمعة، 5 يوليو 2024

نصوص الشوارع

 إضاءة على كتاب (نصوص الشوارع) للكاتب الأديب "طلعت شناعة" منشورات 1990.

 بقلم. محمد فتحي المقداد


الكتابة ساخنة طازجة ما زالت تحتفظ بنكهتها يوم كُتبت قبل ثلاثة عقود ونصف.

العنوان "نصوص الشوارع" لافت وجاذب لمتابعته وقراءة ما انطوى تحته.  

 وفي دلالة العبارة هذه (الحلم أتاني، فاجأني في الشارع وحدي، قال: هي الأرصفة نخيل الصعاليك؛ فابدأ الرقص يسّاقط الحب ثمرًا جَنِيًا .. اغمس الأضلاع بالحنّاء والبدن وتقبّل دعاء الهابطين إلى محراب قلبك) على رؤية الكاتب لفكرة العنوان.

فالشوارع مسارح استعراضات تعدّد الألوان فيها والأشكال والكلام والأصوات واختلاطاتها المُتعالقة. وفي الشوارع الكثير من فضاءات الأمكنة، فالشارع فضاء من فضاءات واسعة في المدينة أو القرية.

استخدم الكاتب "طلعت شناعة" لنصوصه اللغة الأدبية العالية بمستوى أدائها البنائي والتصويري الحداثي. مشاهد بتتاليات سريعة يربط بينها المكان "الشارع". هذه النصوص لفتت انتباهي لإعادة اكتشاف الشوارع بصخبها والحركة السريعة والمتسارعة فيها، وأصبحت ضرورة حياتيّة للبشر، للشّراء وقضاء الحاجيّات والتنزّه والمواعيد اللقاءات والتسكّع والتلصّص والابتزاز والمراقبة، نصوص الشوارع ملئية بالحياة النابضة بالأمل والأشواق والبهجة، واليأس وفي الجانب المظلم للشوارع المليء بالإحباط والفقر والبطالة والمتسكعين والنشالين والمتحرشين. وفي الحركة العابرة من المشاة والأرصفة والمحلات التجارية والمطاعم والمقاهي والحمامات العامة والحدائق والنوافذ والأبواب المطلة على الشوارع، والأضواء الضجيج والسيارات والمشاة، ولكل مرتاد للشارع له غرضه وهدفه. وكثيرًا ما تأتي اللقاءات العابرة صدفة، لتجدّد الذكريات وتتورد الأحلام والأمنيات.

الأربعاء، 3 يوليو 2024

سؤال حول الكتابة. من الصمادي

 

 

*سأل الكاتب والقاص محمد علي فالح الصمادي:

(سلام من الله عليكم. أكتبُ قصة قصيرة إجابة لسؤال: لماذا نكتب؟

الروائي و القاص  لماذا تكتب  حوار مركب لمجموعة اصدقائي؟)

 

*إجابة الروائي محمد فتحي المقداد على سؤال القاصّ محمد الصمادي بالتالي:

الكتابة هَمٌّ يعيشه بل هموم مُثقِلة لكاهل كلّ من يقترف ليس جريمة أقول، بل هي إدمان مَشوبٌ بقلق دائم يستوطن بواطن النفس، ويستغرق حالات تفكير نازفة لدواخل الكاتب. الكتابة ليست رفاهًا ولا مهنة يُكتَسب منها الرّزق عمومًا، أراها حاجة ضروريّة مُلحّة، لتتلطّخ الصفحات بدم المخاض عند ميلاد الفكرة، ساعتها يكون مأزق الكاتب الذي يحشره في عنق الزجاجة، فإذا استطاع الإفلات والخروج لفضاء التدوين، يستعيد أنفاسه، وتهدأ روحه وتعود نبضات قلبه لمعدلها الطبيعيّ، وتزول مخاوفه وهواجسه، ويملأ صدره بأوكسجين يُساعده باستعادة أنساغ الحياة.

رغم كلّ المُكابدات والمعاناة لكنّها متعة حقيقية، لأنّها مُحاكاة عالية المستوى بما يرتقي فوق مستوى البطن بكثير إلى مُخاطبة العقول الراقية بوعي لإيصال رسالة ما.

بلا شكٍّ بأنّ كتابة القصّة بكافّة أشكالها الأدبيّة فيها من الصّعوبة، لأنّها تحتاج لحشد قُدُرات الكاتب إلى درجات التأهُّب القُصوى للإحاطة بكافة جوانب النصّ، والتي هي ضرورة تأثيثه باللّغة المُعبرّة ذات الدّلالة الدّقيقة على المعنى المُراد، وحصر الموضوع بنقاط محددّة، وزمن ومكان، وكيفية بناء شخصيّة البطل القائمة على الفعل والحركة داخل النصّ، واِسْتبطان العوامل النفسيّة والظّروف المرافقة حسب حاجة النصّ، بحيث لا تكون أحمالًا زائدة، تُثقل كاهله؛ فيترهّل.

انتاج نصّ عالٍ بمُستواه يحتاج وقتًا ليس بالقليل من الكاتب، بما يستلزم بالقراءة والإعادة والتدقيق والمُراجعة، لتفادي التناقضات والفراغات غير المُبرّرة، لأنها من مَقتَل لأيّ نصّ أدبيّ، والرُّكن الأهمّ المُوازي لذلك هو الاستماع للملاحظات النَّاقدة للنصّ، والتفريق بين النصّ والكاتب، على اِعْتبار أنّ النّقد مُوجّهٌ للنصّ فقط.

من مهارة الكاتب اِستطاعته توهيم القارئ وتوريطه في صوابيّة وأحقيّة نصّه، ولا بدّ من المفارقات وتتاقضاتها والانزياحات والدّهشة الخادمة لفكرة ونسيج ودَوَالّ النصّ،

 لفتح سماءات التأويل على أوجه عدّة، وهي دلالة على ثراء النص واكتنازه، وكلّ هذا يجعل من القارئ شريكًا يُكمل بعض المسكوت عنه والمخفي وراء السّطور والكلمات، وبذلك تكوم رسالة الكاتب وصلت بسلام واِطْمئنان لمن قصدهم.

.... 

كتب محمد الصمادي:

القصة القصيرة التالية تستعرض حوارًا فلسفيًا حول التداخل بين الأجناس الأدبية، حيث يجتمع ناقد وباحثة (إيمان العمري)، قاص (محمد الصمادي)، وروائي (محمد فتحي) في نقاش شيق.


---

إيمان الصالح العمري 

محمد فتحي المقداد 

محمد صمادي 

**عنوان القصة: التداخل الأدبي**


في إحدى أمسيات الأدب والثقافة، اجتمع ثلاثة أصدقاء في مقهى قديم يتنفس فيه المكان رائحة الكتب القديمة وعطر القهوة الطازجة. إيمان العمري، الناقدة والباحثة الأدبية، جلست بين محمد الصمادي، القاص المعروف بقصصه القصيرة العميقة، ومحمد فتحي، الروائي الذي تألق برواياته الطويلة والمعقدة.


إيمان: "ما رأيكم في الحديث عن التداخل بين الأجناس الأدبية؟ أصبحت الحدود بين القصة القصيرة والرواية تتلاشى في بعض الأحيان."


محمد الصمادي (مبتسمًا): "بالتأكيد، إيمان. في بعض الأحيان أكتب قصة قصيرة وأجد نفسي أتجاوز الحدود المرسومة لها، لتصبح أقرب إلى رواية صغيرة."


محمد فتحي: "هذا صحيح، محمد. أنا أيضًا أجد نفسي أحيانًا أكتب فصولًا من رواياتي تتسم بخصائص القصة القصيرة، خصوصًا عندما أركز على أحداث معينة أو شخصيات فرعية."


إيمان: "هل تعتقدون أن هذا التداخل يُثري الأدب أم يُضعفه؟"


محمد الصمادي: "أرى أنه يُثريه. فالأدب يجب أن يكون حرًا ومتجددًا، لا يلتزم بقواعد صارمة. التداخل بين الأجناس الأدبية يفتح المجال للإبداع والتجريب."


محمد فتحي: "أوافقك الرأي. الرواية بطبيعتها تتسع لكل شيء: السرد الطويل، الوصف الدقيق، والتفاصيل العميقة. ولكن إضافة عناصر القصة القصيرة يمكن أن يمنحها إيقاعًا وحيوية."


إيمان: "إذاً، أنتم ترون أن الأدب يجب أن يتجاوز هذه الحدود الفاصلة، ليصبح أكثر ديناميكية وحيوية؟"


محمد الصمادي: "بالتأكيد، الأدب يجب أن يعكس الحياة، والحياة ليست محددة ولا مقيدة. يجب أن نسمح للأدب أن يتنفس ويتطور."


محمد فتحي: "هذا هو التحدي الحقيقي للأدباء والنقاد، أن يفهموا ويقدروا هذا التداخل والتنوع، وأن ينظروا إلى الأعمال الأدبية من منظور شامل ومفتوح."


إيمان (مبتسمة): "إذاً، لنشرب نخب الأدب المتجدد والمتنوع، ولنستمر في دعم الكتابة الحرة والإبداعية."


رفع الأصدقاء الثلاثة فناجين القهوة، متفقين على أن الأدب الحقيقي لا يعرف حدودًا ولا يقبل القيود، وأن كل جنس أدبي يمكن أن يتداخل ويتمازج ليخلق لنا عوالم جديدة مليئة بالإبداع والجمال.


بهذا الحوار، استعرضت القصة القصيرة آراء مختلفة حول التداخل بين الأجناس الأدبية، مؤكدة على أهمية الإبداع والحرية في الكتابة.

...... 

قصة ثلاثية الأبعاد 

بقلم. محمد الصمادي 

" قلم وفكر وقصيدة وقصة ومقطع من رواية"


في إحدى الأمسيات الهادئة، اجتمع في مقهى صغير في قلب المدينة ثلاث شخصيات لامعة، كل منهم يحمل في جعبته عالمًا من الأفكار والإبداع. كان اللقاء بين الشاعرة المبدعة إيمان صالح العمري، والروائي المتميز محمد فتحي المقداد، والكاتب القاص محمد صمادي.


بدأت الأمسية بكلمات إيمان، التي ألقت قصيدة نابعة من قلبها، تفيض بالمشاعر والعواطف. كانت الكلمات كالسحر، تلامس أرواح الحاضرين وتنسج بينهما خيوطًا من الحنين والشجن. تحدثت إيمان عن أهمية الكتابة التشاركية في إثراء المحتوى الأدبي، وكيف أنها تؤمن بأن التعاون بين الأدباء يمكن أن يخلق نصوصًا فريدة ومميزة.


أخذ محمد فتحي المقداد دوره في الحديث، معبرًا عن تقديره لمبادرة إيمان في تعزيز الكتابة التشاركية. شارك بعضًا من تجاربه الروائية وكيف أن تبادل الأفكار والنقاشات مع زملائه الأدباء كان له دور كبير في تطوير رواياته. كانت كلماته تشع بالتواضع والاحترام، وتؤكد على أن الأدب هو نتاج جهد جماعي، حتى وإن كان الكاتب هو من يخط الحروف.


حين جاء دور محمد صمادي، شكر إيمان ومحمد على شهاداتهما وكلماتهما الطيبة. وأكد على أنه كان دائمًا موضع اهتمام ورعاية زملائه عبر السنوات الماضية، وأنه يشعر بالفخر والامتنان لكونه جزءًا من هذه المجتمع الأدبي الراقي.


في نهاية الأمسية، اقترحت إيمان أن يكتبوا قصة قصيرة مشتركة، يكون أبطالها هم أنفسهم. وافق الجميع بحماس، وبدأوا في رسم ملامح القصة التي ستجمع بين قلم إيمان الفذ، وفكر محمد الوقاد، وروح محمد الودودة.


كانت تلك الأمسية بداية لمشروع أدبي جديد، يجسد قوة التعاون بين الأدباء، وكيف يمكن للكلمة أن تكون جسرًا يعبرون من خلاله إلى عالم أرحب من الإبداع والتأمل.

الثلاثاء، 25 يونيو 2024

مشاغبة حلم. قصة قصيرة

 

مشاغبة حلم..

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

من غير المعقول أبدا عدم توقف هاتفي عن إصدار أصوات نغمات الإشعارات.. حاولت إغلاقه بعدما أقلق منامي، لأنني عجزت عن معرفة مصدر ها. وبعد جُهد جهيد جاءتني فكرة الاستعانة بصديق ممن تأخروا بسهرتهم مثلي في فضاءات العالم الافتراضي؛ أرشدني لاتجاه آخر غير التطبيقات المُفعّلة على هاتفي.

أخيرًا، ومع شقشقة الأفق عن خيوط النور، ومع نسائم الصباح التي فتحت آفاق ذهني إلى أن اهتديتُ للسبب. انتبهت لتواجد هذا الشخص (محمد الصمادي) الذي في الصورة كأنه حاول مشاغبتي في الحلم مع أول إغفاءة النوم، ولم أدر أنّه تحرك عكس الاتجاه بشكل غير مألوف، عندما انخرط بحديث طويل. كنت أستمع له بانبهار من اتساع خياله. وهو يقول: "شعرت بالعطش أثناء كتابة نص" جرعتان والبقية تفاصيل"، كنت في حالة تجلٍّ نسيتُ نفسي، ولم أشعر بشدّة العطش وحاجتي لكأس ماء، ولمّا خذلتني كفّة قدمي اليُمنى الخَدِرَة وكأنَّ النمل ينهش أعصابي، عجزتُ تمامًا عن القيام، مددتُ يدي إلى قاع الوادي السحيق. أسفل  بيتي الذي يتربع على القمّة في بلدة "عنجرة"؛ فاغترفتُ بيدي أوّل مرة وثانية وثالثة، إلى أن انطفأ ظمئي".  قلقي في الصورة اِنْعكس على الهاتف مما تسرَّب من كلامه. وتابع حديثه بعيون مُتحفّزة وبثقة عميقة: " وفي جلسة أخرى، ومع أوَّل رشفة من فنجان قهوتي، مددتُ يدي لأتلمَّس حجارة بُرج قلعة عجلون المُواجه لي على الجهة الأخرى، أحسستُ بنبضِ الحجر السّاخن، الذي لم تتسرَّب إليه بُرودة السِّنين الطَّويلة، إلى أطلّ بوجهي وجه مُعلِّمُ البناء أثناء تركيبه لهذا الحجر الكبير، وحدجني بنظرات مُرعبة اخترقت خلايا دماغي، بينما عيناي مُركَّزتان على راحة يده الضَّخمة على زاوية الحجر. لم أستوعب ضخامة حجمه الذي يحتاج لرافعة حديثه لتضعه في مكانه. صحوتُ وبيدي الولَّاعة، النَّار اشتعلت بأوراقي، وضاعت الجرعتان النسخة الأساسيَّة". رنين الهاتف لم يتوقف إلا بعد قيامي واستعادة نشاطي وتجهيز نفسي لصلاة الفجر.

الجمعة، 21 يونيو 2024

تقديم. أحمد سعيد بادي

 

على سبيل الإشارة والتقديم للمجموعة القصصية (دقيقة واحدة) للروائي محمد فتحي المقداد. سوريا. 


بقلم. أحمد سعيد البادي. اليمن 



لا أعرف كيف يمكن لجدول تقديم نهر؟! لكنها المعزة لصديقي الأستاذ القدير والأديب الأريب والروائي الجميل محمد فتحي المقداد، هي من رمتني في هذا الغمار الصعب وتلبية لإرادته الغالية على نفسي حتى وإن كانت أكبر من قلمي.

عرفت الأستاذ محمد فتحي المقداد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا عن طريق تطبيق (الواتساب)، وإن ظل هذا التعارف عبر العالم الافتراضي – فحتى الآن لم يتح لنا اللقاء على أرض الواقع – إلا أن هذا التعارف قد سما ونما حتى صار صداقة عزيزة تباهي صداقاتي التي أقيمها على أرض الواقع، وحقيقة أهدتني هذه المواقع العديد من الصداقات التي أعتبرها من كبرى مكاسب هذا العالم الافتراضي.

كانت بداية تعارفنا عبر مجموعة (ملتقى القصة القصيرة الإلكتروني التفاعلي) وهي مجموعة مختصة بفن القصة القصيرة، حين قمت بتقديم قراءة انطباعية لنص من نصوصه قام بنشره في المجموعة، فنالت تلك القراءة إعجابه، وجاءني على الخاص يستأذنني نشرها في موقع آخر، ثم دعوته إلى مجموعة ثقافية أخرى كنت أحد مؤسسيها، وظل عضوا بارزا فيها، ثم توالت لقاءاتنا في عدة مجموعات أدبية وثقافية، ودام تواصلنا على الخاص نناقش نصوصا، ونبحث مواضيعا، فتزداد تلك العلاقة متانة وقربا.

وفي خضم ذلك أتيح لي قراءة العديد من أعمال الأديب المقداد، من رواياته وقصصه وكذلك مقالاته الأدبية وحتى قراءاته ودراساته النقدية.

فالمقداد هنا كان يتماهى فيه الكاتب مع الناقد، وتستشف له رؤية خاصة في الأعمال التي يقدمها، لذا ليس غريبا عليه هذا التميز الذي نجده في هذه المجموعة القصصية الموسومة بـ(دقيقة واحدة.. فقط)، والتي نجد المقداد يشتغل فيها على ثيمة رئيسية جدا مميزة وهي (الحدث القائم في دقيقة واحدة)، يصطاد بتلك الرؤية من بحر الحياة العامة والخاصة والبيئة السورية، تلك الأحداث المسجلة في تلك الدقيقة لا أكثر، فالزمن دوما له ارتباطه الوثيق والتلازمي مع الحدث، سواء أكان هذا الزمن موضوعيا أو نفسيا.

رغم أن القصة الحديثة جاءت عبر مناديها لتقول أن عناصرها المكونة من رؤية وموضوع وشخصية ولغة وبناء وأسلوب، هي أهم العناصر التي يجب الالتفات لها، وهنا الموضوع القصصي قد يشمل حدثا أو يكون عبارة عن حالة شعورية ترتسم على الشخصية مكونة عقدة القصة أي أننا قد لا نجد حدثا ملموسا في القصة الحديثة وكذلك الزمن قد لا نجده بارزا أيضا، ولذا وكما جاء ذلك في كتاب (فن كتابة القصة) لفؤاد قنديل، لكننا سنظل نلحظ دوما وجودهما ومشاركتهما في بناء النص القصصي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فالزمن هو الصندوق الأسود الذي سيظل دوما لتسجل فيه القصص.

والمقداد هنا يقدم لنا هذه الأحداث المؤطرة بإطار الدقيقة بالتصوير الدقيق والبطيء– إن صح التعبير- ويقدم لنا الزمن بعدة أبعاد تضفيه شخوص النصوص من خلال انفعالاتها وذكرياتها فلا نجد الحدث ظاهر أكثر بالأبعاد التي يضيفها عليه الزمن.

ففي قصة (البصارة) أول النصوص في هذه المجموعة، نجد أن الحدث المستغرق في دقيقة يتمثل في استيقاف البصارة أو المنجمة الغجرية للراوي وطلبها منه المكوث معها دقيقة واحدة  فقط لتقرأ له طالعه في الفنجان، وترى له حظه من خلال أدواتها الخاصة من ودع وغيرها:

(قُبيل مُغادرتي لقهوتي، قرعَت باب البيت المفتوح على مصراعيْه في مثل هذا الوقت من كلّ يوم.

لذّة لَكْنَتِها الغجريّة بطعم قهوتنا العربيّة، عندما ألقت التحيّة.

هَمَمْتُ بالمغادرة، أجلستني بطلب التمهّل، بعد أن غرزت عينيْها في فنجاني تركيزًا باحثة عن مجهول. تُدوّره بين أصابعها، وتزمّ شفتيْها؛ لتكميل خارطة خطوط الفنجان الممتّدة إليها مَسحًا. قالت:

- "بالله عليكَ اِمْنَحْني دقيقةً واحدةً فقط.")

من هنا كانت بداية انطلاق الحدث المحدد سيره في دقيقة، وخط نهايته تقريبا كان هنا:

(أتفقَّد السَّاعة، اِطْمأنَنْتُ إلى أنَّني ما زلتُ ضِمْن الدقيقة. همَمتُ بالنُّهوض، بينما نَثَرت كيسها على بلاط الأرض.

تابعت:

" -إذا تَطَابَقت قراءتي للفِنْجان، مع الأحجار؛ فأنتَ من أصحاب السَّعد هذا اليَوْم" .

لبرهة تُهتُ في غيابات الذِّكْريات المُلهِمَة، كأنَّ يدًا رقيقةً لامَسَتْ عُنُقي، تزامن مع آخِرِ كلماتِها السَّاحرة.

دَعوْتُ الله في سِرِّي أن يُخيِّب مَسعاها عندي، وأنا مُقيمٌ على حُكْم اليقين فيها وبفعلها الكاذب.)

لكن الزمن قدم بصورة بطيئة بفعل عدة تقنيات فبداية النص اعتمد على الوقفة الوصفية كمحاولة لتجميد الزمن حيث هنا الراوي عبر تأمله في الشخصية يقدم لنا رسمها الممتزج بمشاعره:

(رشاقةُ حركة يديْها المدروسة في كلِّ مرَّة تُفرِغُ فيها خليط الحصى، وقِطَعُ العظم والوَدَعِ من كيسها القماشيِّ الأسودِ المعقودِ بقطعة خيط عتيق.

وجهُها الموشومُ بخطوط مُتشابكةٍ على ذقنها تحت شَفتيْها الرّقيقتيّن، مُوحٍ بطمأنينة تولَّدت للتوِّ، اِبْتسامتُها تفسحُ المجال لِلألَاء نَابِها الذَّهبيِّ إبهارَ عينيَّ؛ لتنقُلا اِكْتمال اللَّوحة بكامل بهائها للمُخِّ.

محاكمةٌ صوريّة مُسبقة الحُكم: "كَذَبَ المُنجّمُون، ولو حاولوا أن يكونوا صادقين". لم يمنعني من مُقاطعاتها، والإفلات من رجائِها المُتوسّل بسماعِها، ولو لمرّة واحدة..!!)

ولذا نجد أغلب النصوص قد اعتمد فيها الكاتب على ضمير المتكلم من أجل أن تعطي ذلك البعد عبر الانفعالات والمشاعر والذكريات لزمن الحدث.

وأحيانا نجد أن لزمن الحدث بعدا ممتدا للمستقبل كما في نص البصارة أيضا، فالراوي بعد انقضاء تلك الدقيقة مع البصارة الغجرية، نجد أنه يقف على ذلك التأثير الذي أحدثه فيه ذلك الزمن المنقضي:

(اِبْتسامتُها عريضةٌ مُنبئةٌ عن تَطابقاتٍ في ذِهْنِها، لا عِلْم لي بما ستقولُ، اِرْتسمتْ بشائرُ فَرِحةٍ على وجهها، تألّقَتْ في عينيَّ مُجدّدًا. حاولتُ إزاحة وجْه الجيوكندا من مُخيِّلتي، وكدتُ أصرخُ على دافنشي، كيف خانته فِطنته عن هذا الوَجْه القمريِّ المُتلألئِ نورًا يتغلغل في قلوب مُحيطيه؟.

اِبْتسامتي طيلةَ يوْمي لم تَبْرَحْني، على غير العادة، تساؤلاتُ الزُّملاء والزَّميلات تنهال عليَّ.)

وفي نص (سلطان النوم)

بدا البناء مختلف بعض الشيء وكذلك حتى في استخدام ضمير السرد، حيث اُعتمد هنا على ضمير الغائب وحضور الراوي العليم، ونجد الحدث المحصور في دقيقة يفاجئنا منذ البداية وكان متمثلا في رنين المنبه والذي يسعى البطل إلى إيقافه، هي لحظة الصحوة التي تريد أن تتفلت من زمام النوم:

(رنينٌ مُتواصلٌ على مدار دقيقة كاملة، يُصارع ظلام الغُرفة بإصرار عنيد على أداء مُهمّته المُؤتَمَن عليها. لا يهدأ إلّا غفوة قليلة؛ لمناوشة فرصة جديدة؛ قاطعًا سلسلة سيرة شخير ونخير بموسيقاها الصّاخبة كاسرة صمت اللّيل الموحش بهدوئه المُريب، وظلامه المُخيف بتخيّلاته الدّائمة.)

ولكن الزمن هنا لا يُستوقف، بل يأخذ بعده في (الحلم) الزمن الغائب أو الزمن الذي يمكن القول بأنه خارج الوعي به:

(يدُ فطين تتحرّك على غير هُدًى بحثًا عن مصدر الصّوت، المُنبّه غير مُراوغ في تعبيره بإعلانه الصّريح حتّى وإن كان مُزعجًا، استمرّت وتيرة الحُلُم المناوئة لعناد الرّنين إلى مَدَايات تقطر تفاؤلًا:

   "المدينة عادت إلى سابق عهد شبابها الأوّل، قبل أن تشيخ في ربيعها القرمزيّ اللّون على مدار سنواتها العشر. في عيد شمّ النّسيم خرج العمّال للاحتفال بمنجزاتهم التي يفخرون بها مُباهاة....ألخ النص)

 لكن في نص (ضجيج)، تأتي صورة عكسية تماما عن نص (سلطان النوم) فالحدث المحصور في دقيقة نجده في (الحلم) والواقع هو من يمثل له البعد الآخر:

(... يسقط مكانه في أرض الغرفة، استند للحائط، وهو يتحسّس أثرَ بَللٍ مُنسرِب بينهما. "الحمد لله إنّه تعرّق". أخذ نفَسًا عميقًا، وراح في إغفاءة بعدما تمدّد على سرير)

وهنا رغم أن النص اُعتمد فيه ضمير الغائب ولكن الراوي يبدو أنه كان محدودا ولم يأخذ دور الراوي العليم ولذا نجد أن البعد الواقعي كان أقوى حضورا.

لكن في نص (الحكواتي) وهو برأيي أجمل نصوص المجموعة الذي حضر فيه الراوي العليم مضيفا زخما سرديا في النص مع تلك التداخلات في الحوارات الداخلية للبطل، وأخذ الزمن فيه أبعادًا عديدة، إذ يبتدئ النص بوقفة زمنية مَثلَ فيها الحدث في توقّف الحكواتي عن الاسترسال في سرده للحكاية المنتظرة منه في المقهى:

(الحكواتي على غير عادته توقّف فجأة عن الاسترسال في حديثه. لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة،...)

وتلك الوقفة الزمنيّة كان فيها كل درامية النص وحركته، وكانت مفارقة قوية حضرت في تقنية النص، وهذه المفارقة في تلك الأبعاد للزمن:

1-   بعد الذاكرة (لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة، كوجه ذاك التمثال المُنتصب في ميدان العاصمة الرّئيس، بإطلالته العُلويّة من فوق القاعدة الرُّخاميّة العالية بمشهديّة بانوراميّة...) هنا الرجل الذي يرقب الحكواتي جعله يعود بذاكرته للوراء، وذلك التمثال والحكايا التي تدور حوله، إنه لم يُقم هناك إلاّ للرصد وكجهاز استخباراتي كما يعرف ذلك من سياق النص.

2-   البعد النفسي (عينا الرّجل ما زالتا مُصوّبتَيْن إلى فم الحكواتي. الحكواتي مُجهَدٌ من أثر  معارك جسّاس والزّير، حاول إزاحة تراكُم نظرات زبائن المقهى جميعًا عن شَفَتيْه، تثاءب على غير عادته، وضع كفّه اليُمنى على فمه، بحركة من أصابعه، دفَع بالعوائق ممّا يظنّ من نظراتهم- المُتراكمة إلى جوفه.) هنا نجد الحكواتي يدخل في الانفعال والإحساس بثقل تلك اللحظة عليه من جراء ذلك الرجل صانع العقدة للحكواتي والنص أيضا.

3-   البعد المشهدي (...الجميع صامتون بانتظار إكماله للمشهد. أعينهم تتركَّز  نظراتها في وجهه، من جديد مَسَح وجنتيْه، وحَوْل أنفه، ومحيط فمه، وآثار تعرّق جبينه.) لحظة التوقف تلك من الحكواتي كان لها انعكاس على المشهد أمامه.

4-   الوقفة الوصفيّة (اعتدل في جلسته. أصلح طُربوشه الأحمر ذي الشُّربوشة السوداء المتناغمة بحركاتها المنفعلة؛ بفعل اهتزاز رأسه مع نهاية كلِّ عبارة حارّة إذا حمي الوطيس.  تنحنح بصوت مسموع في أرجاء صالة المقهى، وضرب بعصاه الرّفيعة على طاولته، نظّارته ثابتة على رأس أنفه، لكنّ عيناه تنظران من خارج الإطار إلى صفحات الكتاب العتيق، ذي الورق الأصفر،...) هنا حتى هذه الوقفات الوصفية تعطي تجسيما للزمن.

وهكذا نجد هذه الأبعاد تتعاقب على النص، حتى تأتي نهاية هذه اللحظة المشحونة بخاتمة يظهر انعكاس تأثيرها على المشهد حول البطل الذي لا يعرف ذلك الصراع إلا القارئ عبر الراوي العليم(دوّامة من الصمت غيّبته تفكيرًا في متاهاتها، ولم يَعِ شيئًا من إجابتها: قالوا:

-"هناك كاميرات مُراقبة داخل عينيْ التمثال".

   اعتذر من زبائن المقهى، وغادر قبل انتهاء موعده عند ختام المشهد كما هو معتاد في كلّ سهرة.

   تأفّفٌ. ضجرٌ. قرقرة النراجيل سيطرت، ودُخَّانها لم يتوقّف صدوره من أفواههم.)

وهكذا يتلاعب المقداد بالزمن مع الحدث، وبهذا التجسيم عبر تلك الأبعاد النفسيّة والمشهديّة، وبُعد الذكريات والوقفات الوصفية؛ فنعيش الحدث فما بين النص والواقع مرصودا بدقة التصوير البطيء الذي يُشبع الإحساس به.

ويظل ينتبه أديبنا المقداد للعلاقة بين الزمن والحدث على أنها علاقة متلازمة، والحدث في الزمن لا ينظر إليه من جانب واحد، مشيرا إلى ذلك بأصابع فنان، فهذا الحدث في دقيقة واحدة.. فقط؛ يمكن أن تبصره عبر (البصارة) مستقبلا ينتظرك على حد زعمها على الأقل، وتستطيع أن تشيد به (لحظة عامرة)، والدقيقة الواحدة يمكن أن تتحول إلى (انتظار)، وقد يأخذك فيها (سلطان النوم) لكنه النوم اليقظ، وقد تفيق بعدها لتمر عليك دقيقة أخرى لا أكثر وأنت في صدمة الحب الأول فما (الحب إلا...)، وفي هذه الدقيقة يمكن أن يتم فيها (تبادلات) عديدة، لكن عليك أن تكون في (حذر هادئ)، دعها تمر دون (ضجيج)، ففي هذه الدقيقة قد تتردد حكاية صامتة في جعبة (الحكواتي) فليست كل الحكايا من الكلام المباح. ودقيقة واحدة مع (ذات النظارة) امرأة عبر نظراتها المتوارية ستحاول النبش في ذاكرة متعبة، لتتوالى عليك (متتاليات) من المشاهد كشريط فيلم سينمائي، ولتصبح تلك الدقيقة (رسالة منتظرة)، أو (حديث لم يكتمل)، أو (لحظة ذهنية) فيها قد تُسرق رواية كاملة، وقد تتحول إلى (لوحة جريحة)، وتصير (في بيتنا صورة)، ويتم فيها (كتابة)، أو (درس جغرافيا). كل تلك المفردات السابقة والتي تجدها قد حصرت بين قوسين، هي عناوين الدقائق التي حصر فيها الحدث، والتي أتركها لك أنت القارئ العزيز لتكتشف تفاصيلها وتتعرف على شخوصها عبر منممات قصصية من رسم قلم المقداد.

 

أحمد علي بادي

1٠ - 6 - ٢٠٢٤م

الحديدة - اليمن

الخميس، 20 يونيو 2024

إضاءة رواية ريما كلزلي

 

إضاءة على رواية

"في فم الذئب" للروائية "ريما آل كلزلي"

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

الكاتب والأديب يكتب ويُؤشّر إلى مواطن الجمال والخلل تصريحًا وتلميحًا، وهو غير معنيّ بالبحث عن حلول، لأنّ الأدب بهذا المنحى هو مرآة عاكسة لحال وأحوال المجتمع، من خلال مشاهدات وتعاملات ليصنع منها لوحات ناقدة، على أمل أن تصل رسائله من خلالها لأذُن واعية لمسؤول أومُخطّط لاتخاذ قراراتهم وإيجاد سبُل المعالجة والحلول الناجعة لأيّة قضيّة.

ورواية "في فم الذئب" هي من مدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة، فاللّوحات عالجت قضايا اجتماعيةّ عديدة، وانطلقت من "البيت والأسرة" قاعدتا الأساس لأيّ مجتمع.

ابتدأت الرّواية من حيث انتهت بالتركيز على مرحلة الطّفولة لأنّها اللّبنة الأولى، لتكون المُنطَلق الأساسيّ بتشكيل الشخصيّة للإنسان المُستقبليّ بما يحمل من صفات خَلقيّة، وأفكار وقِيمٍ خُلقيّة، وخُطط لبناء مستقبله المهنيّ والأخلاقيّ. والرّواية جاءت على مساحة فَصليْن ابتدأت الكاتبة بالعُقدة منذ بدايتها، وذهبت في بناء شخصيّات الرّواية وهيّأتها لحُمولة الحدث، ومن ثمّ على مهل راحت تُفكفك خيوط وتشابكات الحدث الروائيِّ بوعي لطبيعة القصّة وتشعباتها زمانيًا ومكانيًا،ذ؛ لاستدراج القارئ وتوريطه لمتابعة القراءة إلى النهاية.

توصف الرّواية بأنّها منحازة بأبعادها المباشرة وغير المُباشرة للهمّ الإنسانيّ، والأبعاد التربويّة، لتأخذنا إلى مسار صراع الأجيال والفروقات التكوينيّة. وتسليط الضوء على المُفارقات المُتشكّلة ما بين انزياحيّة العنوان، ومفارقة سلوكات "خالد" طالب الحقوق الثريّ المُنحَرف في مهاوي العلاقات المُحرّمة والانحلال الخُلقيّ، بتسليط الضوء على ثالوث التفكُّك الأسري والمال الذي اشترى به الأعراض والمُخدّرات بالوصول إلى حالة الإدمان. والنهاية الطبيعيّة في مهاوي الضّياع في السُّجون والإصلاحيَّات.

لقد أجادت الروائية "ريما آل كلزلي" بالاشتغال على فكرتها، وحافظت على بناء سرديّتها الروائية بتسلسل منطقيّ بلا مفارقات تقنيّة مُخلّة، جاء ذلك على محمل لغة صحيحة شفيفة تكاد أن  تكون خالية من الأخطاء، وفي الفصل الأول وفي جزء من الثاني جاء دور الأم قاصرًا عن مجاراة الحدث الجلل بانحراف الأبناء، وهو ما اتضح من تصرفات الأم المتسترة على أخطاء ابنها "خالد".

كما أن أم البنت "شذى" كانت تعلم بعلاقات ابنتها مع "خالد"، والغرابة في الأمر أنها تعاطت مع الحدث الجلل بسطحية وما كان منها أن تحرص على زجر ابنتها، بل كانت أقرب إلى مباركة علاقة ابنتها "شذى" والرضا بمسارها الانحرافي. وهو نفس دور الأم الذي قتل ابنها في الفصل الأول. في هذين الموقفين لدور الأم لم يتضح المبرر لقصور دور الأمهات، وإظهارهن بحالة من اللا مبالاة تجاه حالة مصرية تمسّ ابنها وابنتها. فهل كان ذلك مقصودًا لإظهار وإبراز صورة أخرى.

الأمر حريٌّ بقراءة فيما وراء السّطور، بالذهاب لمنحى آخر الطبيعة الاجتماعية لمسرح الحدث الروائيِّ، والأم غير الواعية لتنتقم وتثأر لنفسها من زوجها الذي تزوج بأخرى، من خلال إهمال أبنائها. فالإصلاح المطلوب للآبناء بإعادة تربيتهم وتثقيفيهم بطبيعة مُهمة الآباء والأمهات، والعمل على حمل أمانة تربية الأبناء على السّلوك القويم. بعيدًا عن أنانيّاتهم الشخصيّة.

 

 

 

الأربعاء، 12 يونيو 2024

لا أحد يضحك في هذه المدينة

 لا أحد يضحك في هذه المدينة

قصة قصيرة


بقلم. محمد فتحي المقداد


صديقي الكاتب - أقصد كاتبُ هذا النصِّ- يتأفّف بضيق ترتسم ملامحه على وجهه بألوان لوحة مُحتقِنةٍ بألوانها القاتمة: "المشكلة لا أطيق العناوين الطويلة، وممَّا زاد الطّين بلّة ثقب ذاكرتي الذي اِبتلعَ مفرداتي التي طالما أفاخرُ نفسي بغناها وكثرتها". لا رغبة لديّ للتعليق على كلامه، ولا على اِسْترساله المُتكرّر؛ الملل لم يُفسح فرصة للتفاعل معه، ولا أذكُر. منذ متى كان لقاءنا ترفيهًا وترويحًا لأنفسنا..! ساعتها. تأجّحت رغبة عارمة بالإفلات من إساره؛  للانطلاق إلى ساحات ذكريات تباعدت المسافة بيني وبينها. انتشت دواخلي بفرح غامر لم يُترجَم، إلّا بمباعدة كلام صديقي الكاتب عنّي مسافة شعوريّة؛ كي لا يمحو شيئًا فرحتُ من أجله؛ رغبتي بالهروب من أجوائه، غلّبت فكرة الاِعْتذار منه بحُجّة اتّصالٍ جاءني من زوجتي لأمر عائليّ طارئٍ، بينما مثّلتُ هيئة عليه  بتلقّي مُكالمة في غمرة  اِسْتغراقه في لُجّة ذاته بسرد حكاياته، التي حفظتها من كثرة إعادتها في لقاءاتنا الدوريَّة من كلّ أسبوع. أسرعتُ بخطواتي لأبتعدَ عنه، قبل أن يتذكّر شيئًا يدورُ في ذهنه، فيُرجعني أو يلحق بي. 

موعدنا هذا ما زال ثابتًا منذ خمس سنوات مُتتالية، بعد تقاعدنا من التربية والتعليم لم يتخلّف أحدنا عنه. نكهة الأماكن في دمشق ذات مذاق روحيٍّ مُنعٍشٍ. السَّاعة الخامسة في مقهى "الروضة"، وقبل وصولي إليه لا بدّ من المرور على كشك الجرائد والمجلّات المُقابل لبوّابة البرلمان، لشراء جريدة لمقاومة مَلَل الانتظار؛ ريثما يصل صديقي الكاتب المُتأخّر دومًا عن مواعيده بما لا يقل عن نصف ساعة على أقلّ تقدير.

ركبتُ (سرفيس) مساكن برزة بعد عشرة دقائق من وصولي للموقف. من حسن حظّي أن نزل أحد الركّاب لأصعد وأجلس مكانه. لم أستطيع التمكُّن من كامل الكُرسيّ أرداف جاري الضخم احتلت نصف مكاني، على مضض قبلتُ بصمتٍ دون أدني احتجاج كي يُفسح وينزاح قليلًا. 

من فوره فتح حديثه، يقترب برأسه من رأسي، شفتاه أظنّ أنهما لامستا أذني اليسرى: 

"الحمد لله -يتكلم بعصبيّة، وتكشيرة وجهه تقطع الرّزق- أن ابني الكبير انتقل من فرع البنك الذي كان يعمل به، إلى فرع خارج البلد، وراتبه سيكون بالدّولار". أنفاسه تتدفّق بتوتّر مُتقطّع لاهثة، وتدفع إلى أنفي رائحة كريهة، ولا خيار لي إلّا بالإشاحة بوجهي إلى الجهة المُعاكسة، لكزني بطرف كوعه في جنبي الملاصق له لمتابعة كلامه.

الكُرسيّ المُفرَد عن يميني، يجلس عليه رجل يبدو أنّه خمسينيّ، هاتفه النقّل ملتصق بأذنه، لم أواجه صعوبة بالتقاط ما قال:

-"يا سيدي مشان الله، ربي يخليلك أولادك. بنتي تخرّجت من ثلاث سنوات، وعجزنا بإيجاد وظيفة لها. نعم.. نعم.. خرّيجة كليّة التربية. معلم صف. ربي يحفظك ولن أنسى لك هالمعروف ما دمت على قيْد الحياة. لا يهمّ وإن كان عقدًا. المهمّ أن يكون لها راتب يساعدنا على ظروفنا الصّعبة". نتوء عروق وأوردة يده القابضة على الهاتف ظاهرة، يكاد الدم ينفزر منها، وتغضّنات جبينه رسمت خطوطًا عميقة بعمق بؤسه. 

نبرات جافّة التقطتها أُذُني قادمة بتقديري من الكرسي الخلفي مباشرة، صوته الأجشّ يحمل غضبًا غير معقول، في حديثه لامرأة كبيرة أربعينيّة تلبس نظّارات شمسيّة سوداء تُخفي معظم ملامح وجهها الوضيء: 

-"من غير المعقول هذا التكريم المُفاجئ للجميع لمن كتب قصيدة واحدة، والأنكى حينما قدّمه مدير الحفل بالشّاعر الكبير، لا أدري كيف سوّاه شاعر وكبير..!؟ ومن هم مثلكِ ومثلي يا عزيزتي، لم يُرحّبوا بنا مجرّد ترحيب على الأقلّ، هزُلت.. أليس كذلك.. أفكّرُ بمقاطعة نشاطاتهم إذا لم يعتذروا ويعيدوا الاعتبار لي على الأقلّ، فلا أريد فرض ذلك عليك. لكِ الخيار وأنت حرّة". تنحنحتْ، واِكْتفتْ بذلك. كنتُ أودّ سماع صوتها علّه يُرطّب حرارة الموقف، ويُزيح عنّي شيئًا من كآبة صديقي الكاتب، لأغرق في مستنقع كآبات لا حصر لها.

تتوالى القصص من الكرسي الأماميّ، الأوّل لجاره الذي على يساره بجانب الشُبّاك: 

-" أتذكُر جارنا الصحفيّ كان بيته في مدخل حارتنا أول بيت.. آسف بل البيت الثاني هذا هو بيته". 

-"ما به؟". 

-"أحد الأصدقاء المشتركين كتب على صفحته خبر موته في حادث سيّارة في ألمانيا".

-"كم حلمتُ بالهجرة، ولكن ضيق الحال لم يسمح لي، ولم أستطيع تأمين خمسة آلاف دولار مبدئيًا لدفعها لأحد وسطاء المُهرّبين. على ما أذكرُ أنّني سألتُ أحد أقربائي بعد وصوله إلى السُّويد، كيف الوضع عندكم في الشّمال؟. وأرسلتُ له صورة التقطتناها بمكان قبل ثلاث سنوات بعدسة هاتفي، قال: "أُفْ.. أأنتَ في نيويورك أو في دُبيّ؟" نبّهتُهُ: "دقّق في الصورة ستكتشف أنّها لي ولك". 

جاءت إجابة الأوّل: "يا للوقاحة والنّذالة.. يا أخي المصاري بتغيّر النّاس، وبتجاهلهم مآسينا". 

بجانب السّائق تجلس امرأة وبجانبها شابّ يلبس بدلة رسميّة وربطة عنق. المرأة منهمكة بحديثها للشابّ: 

-" قسمًا بالله..!! أنّ الفراق موحش، لم أستطع دخول غرفة نومنا منذ وفاته قبل أربعة أشهر، ما زال عطره عابقًا بالمكان. حُزني لم يسمح لي بفتح النّافذة". 

-"هانت الأمور. كلّها عشرة أيّام وتفتحيها بلا أدنى تردّد". 

-"الأهمّ عندي الآن اِنْتهاء حصر الإرث فأولاده لو اِسْتطاعوا لحرموني من البيت الذي أوصى به لي، وبعض الأموال، كما أخبرتكَ: يعتبرون زواج المرحوم عبثًا، واِتّهموني بالنّصب والاحتيال". 

-"لم يبق أمام القاضي إلّا الجلسة القادمة ليُصدِر حكمه القطعيّ بخصوص القضيَّة، ولا داعي للقلق، فأنا أتابع الدعوى باهتمام بالغ. بشرفي كنتُ قد ربحتُ قضايا إرث كبيرة ومعقدّة ولم تأخذ معي وقتًا طويلًا". 

-"طمأنتني.. سأفتحُ النّافذة قبل وصولنا للبيت". 

غفلت عن صوت هدير المُحرّك المُزعج، يحرق أعصابي على الدوام، ما إن أشارت المرأة للسَّائق برغبتها النزول عند المفترق القادم. بعد تأكّدي من أنّه ما زال أمامي ربع ساعة بالوصول إلى بيتي. تولدت رغبة بالنزول ومُتابعة المشي وحدي، ولم أحسب حسابًا لوجع رُكبتي الذي يتأزّم مع المشي لمسافات طويلة. 

حاولتُ صناعة ابتسامة ساخرة، وأنا أتابع المرأة عندما شبكت ذراعها وتأبّطت ذراع المحامي، وهما يكملان سيرهما باتجاه مدخل العمارة التي تسكن فيها. شيّعتهما بنظراتي، انتبهت لجلدة وجهي المشدودة عندما تلمّستها.

كتاب أحمد الشقيرات

 كتاب وثائقي جديد. للأستاذ الباحث الأردني أحمد صدقي الشقيرات. Ahmad Sadqi Shoqerat.

وهو دراسة وثائقية في أوراق ًسعد الدين المقداد" الذي كان نائب حوران في مجلس المبعوثان العثماني بدورته الأولى زمن السلطان عبد الحميد، بدورته الثالثة ايام الاتحاديين بعد عزل السلطان عبد الحميد، وكان زمن السلطان" محمد رشاد".

دراسة الوثائق وإعادة ترتيبها زمنيا ومكانيا تحتاج لمهارة باحث متمرس مطلع، ولنفس طويل مُتأنٍّ، وهذا يستلزم جهدا ووقتا، الأمر الذي لإخراج هذا الكتاب فقد استغرق لأكثر من ثلاثين سنة. كما أن الباحث اشتغل على المقارنات والمقاربات وعلى ذهنيته المنصبة على عمل نخبوي غير قابل للانتشار شعبيا مثل الأعمال الأدبية الروائية أو أي شكل من أشكال الأدب. الدراسات في العادة يهتمّ بها الدارسون من ذوي الاختصاص.

لكن الأمر الجدير والدافع للاهتمام بالكتاب. هو إلقاء الضوء على الجغرافيا الاجتماعية والسياسية لمنطقة هضبة حوران والتي تشكل مساحة جغرافية من جنوب دمشق من جبل المانع عند حدود مدينة الكسوة شرقا إلى صحراء الزلف والصفا، وغربا إلى حدود فلسطين ولبنان وجنوبا إلى سيل الزرقاء في المملكة الأردنية الهاشمية. وحوران قديما أصبحت وفق تقسيمات "سايكس بيكو" جزء في سوريا الذي يشكل إداريا محافظة درعا والجزء الجنوبي من محافظة القنيطرة، ومحافظة السويداء الممتدة على تشكيل جبل حوران، وفي المملكة الأردنية محافظة إربد ومحافظة عجلون و محافظة الزرقاء حسب الخرائط العثمانيّة وتقسيماتها الإدارية. 

كما أن الكتاب جاء على دراسة حياة "سعد الدين المقداد" الذي ولد في بصرى الشام 1858، وهو أول نائب لحوران في المجلس. وعمل على إدخال البريد والتلغراف منذ 1908إلى بصرى. وطالب بمد سكة للقطار من درعا إلى بصرى. وكذلك طالبةبنقل مقر الحكم الإداري العثماني من الشيخ مسكين إلى درعا. وأوقف التعديات على بعض القرى الحورانية من الجوار من قرى جبل حوران. وفي هذه الدراسة أخذ الأستاذ الشقيرات مجموعة من الوثائق التي كانت محفوظة عند الأستاذ "حسين سعد الدين المقداد" . وحصل على غيرها من مركز الوثائق العثمانيّة في اسطنبول. وتأتي أهمية الدراسة لأنها تضيء على جانب مهم من تاريخنا المعاصر وتعالقاته المتشابكة. كل التحايا لك أستاذ أحمد الشقيرات، وبوركت جهودك.

تأملات قرآنية