الأحد، 29 أكتوبر 2023

إضاءة الى رواية أسيليا

 

للفن آفاق في رواية "أسيليا" للروائي أحمد الغمّاز.

 

بقلم الروائي. محمد فتحي المقداد

 

المقدمة:

بالفنون على اختلافها تتّسع دائرة الرُّؤى لتشكيل شبكة علاقات اجتماعيَّة مُتماهِيَة حدّ التوحُّد والاِنْدماج، ومُتشابِكة من الصَّعب الفصل بينها. الشّعوب لا تنسجم إلّا مع معتقداتها وفنونها وعاداتها وتقاليدها. وبذلك تكون الفنون بمختلف أنواعها وأشكالها لوحة تعبيريّة عن حالة اجتماعيّة، فتعكس مدايات من التفكير والحركة للآخرين بأبعاد لونيّة وتمثيليّة ومونولوجات، تبعث برسائل واضحة أحيانًا، وبأخرى مُرمّزة لا تُفكّ شيفرتها إلا بقراءة واعية  على محامل التحليل والتدليل والتأويل. بهذه التَّقدمة القصيرة التي جاءت مُدخلًا طبيعيًّا صالحًا إلى رحاب رواية "أسيليا" للروائي "أحمد الغمّاز".

وفي معني كلمة "أسيليا" عنوان الرواية فقد كتب المؤلف بذلك على لسان البطلة أسيليا: (اغترب والدي في اليونان ثلاث سنين، كان يعمل بحّاراً على متن مركب للبضائع، عندما وضعتني أمّي أطلق عليّ اسم يوناني، أسيليا، وعندما سألته أمّي، وهي غاضبة، قال لها: إنّها تعني الوردة الجورية، لم تقنع بالتبرير، وقالت: أنّها اسم لعشيقته في اليونان، وظلّ هذا الاعتقاد حتّى كبُرتُ ودخلتُ الجامعة) ص١٩. وحقيقه الاسم كما ورد على لسان أسيليا: بأنّ معنى اسمها هو الوردة الجوريّة، وعلى رأي الأمّ الغاضبة من زوجها؛ فتتهمه: بأنّ أسيليا هو اسم عشيقته اليونانيّة، وهو كذلك اسم لبنت يونانية، ومثل الاسم كذلك "روزا" في مجتمعات أخرى، ولا ننسى أنّ أشهر امرأة عربيّة عملت في الصحافة "روز اليوسف". وكذلك الفنّانة "وردة الجزائرية"

وتروي أسيليا عن بطل الرّواية الفنّان بناء على محادثة جرت بينهما عبر وسائل التواصل: (خالد لا يرى باللّوحة سلعة يشتريها الأغنياء؛ ليُعلّقوها على جُدران صالة الطّعام في البيوت الباذخة. هو يؤمن بأنّ اللّوحة لمن يُحبّها ويفهمها ويُقدّر اللّون والمعنى)ص٦١. وبهذا تتّضح وظيفة الفنّ كرسالة في خدمة المجتمع، وليس عبثًا يقوم به الرّسّامون التشكيليُّون إرضاء لنهمهم وهرطقاتهم، على رأي من قال بأنّ: (الجنون فنون)

 

وصف الرواية:

توصف رواية "أسيليا" بالرّواية المُثقّفة، الكاشفة بوضوح عن ثقافة عميقة، وسعة اطّلاع عند الرّوائيّ "أحمد الغمّاز".

اللّغة السّليمة صياغة وسَبْكًا بما يُرضي ذائقة المُتلقّي الأدبيّة، ويُشبع نَهَمه لمتابعة القراءة حتّى نهايات الحدث الروائيِّ، وعلى أيّ مَحمَل كان فاللغة هي الوعاء الذي يتّسع لاستيعاب جميع أنواع النّشاطات البشريّة بمختلف أشكالها وانتماءاتها. ووسيلة الكاتب لإيصال رسالته بطريقته، وهو ما تمتع به الروائي "الغمّاز"، وهي دليل تجربته الماكنة المُتمكّنة في هذا المجال.

كما أنّ التَّسلسُل المنطقيّ لسرديّة الرّواية تدرّج بتصاعُد الحدث وتوتيره ليصل إلى مدايات مثيرة، تفتح آفاقًا ورؤى جديدة من خلال نوافذ المكان ما بين في العاصمة "عمّان" إلى مدينة "ليون" الفرنسيّة على نهر "السّون"، وما بين عمّان و"لُيون" مسافات استطاعت "أسيليا" بطلة الرواية تجسيرها بذائقتها لتلّون هذه المساحات بألوان الفرح والحياة والتفاؤل والأمل، والنّظر لآفاق المستقبل.

الرواية بمُجملها سيرة البطل "خالد مختار" بمنشئه الشرقيّ المحافظ الذي تعلّم في مدارس وجامعات الوطن الأردن. ومن ثمّ انتقاله لمتابعة الدراسات العليا في جامعة ليون، فكان جسر تواصل من بين خُصوصيّته الشرقية العربية التي حملها في بواطنه قضية فلسطين، تسري في عروقه مسرى الدم والأنفاس.

كما أن رواية "أسيليا" تقنيًا جاءت بأسلوب الروايتين في رواية، وهو لون من الكتابة صعبة التنفيذ بحاجة لقدرات فائقة تقنيًّا لدى الكاتب، ففي الواقع هي سيرة "خالد مختار" ونشأته وظروف عائلته في الزمان والمكان بجزئه الأول من حياته. وسيرة "خالد مختار" في سفره في فرنسا المختلفة تمامًا ببُنى وأنماط الحياة والتفكير السُّلوكيات المُنفتحة على عوالم الحريّات الشخصيّة  بلا حدود بعيدًا عن الرّقابة الاجتماعيّة.

ولو قُدّر فصل مَساريْ الرِّواية عن بعضهما لخرج منها روايتين مكتملتين شروط رواية جيّدة.

 

الفن وآفاقه في الرواية:

سنتوقّف في هذه الإطلالة على رواية أسيليا. نقطة مهمة محوريّة متأصلة في شخصية الفنّان "خالد مختار" وهو في بلاد الاغتراب في فرنسا؛ لإكمال دراساته العليا لمرحلة الماجستير، والفنّانة الفرنسيّة التي التقاها "جوليا". والطّبيبة النفسيّة الأردنيّة "أسيليا"، عندما أرادت استخدام الفنّ لعلاج بعض الحالات النفسيّة، ورُفِض اقتراحها من المدير المسؤول.

هذه المحطّات الثلاث سنحاول الكشف عن رؤى كلّ واحدة منها، والقضايا التي تحملها، والهُوّة الواسعة بالاختلاف بين طريقة الفهم والتفسير والتأويل، وما قيمة الفنّ إذا يكن نابعًا من واقعنا ومن أجل خدمة قضايانا المصيريّة. وضوح الرّؤية يقودنا للتوقّف أوّلًا عند "خالد مختار"، عندما استثارته لوحة القائد الفرنسيّ "نابليون بونابرت" التي رسمتها النحّاتة "جوليا" أحد أبطال رواية أسيليا؛ لمناقشة قضية تاريخيّة، ما زالت آثارها تنسحب بعقابيلها على حياتنا المعاصرة.

وبتسليط الضوء على بعض اقتباسات من الرواية، ظهرت نقطة مهمّة لا يمكن تجاوزها  على جميع الأوجه، ربّما تكون قضيَّة الانتماء للوطن وقضاياه، هي أحد أبرز المحاور الرّئيسة التي قامت عليها السرديَّة الروائيّة. خالد مختار بطل الرّواية حمل قضيّة الوطن السّليب، ومناقشة الأسباب، والإشارة إلى القوى الاستعماريّة التي فعلت جريمتها بتهجير الشّعب الفلسطينيّ، وإقامة دُويلة الكيان الصُّهيونيّ الغاصب. يقول خالد مختار:

(فارس فرنسا هذا تحطّمت أسطورته على جدران مدينة فلسطينيّة  في الشّرق الأوسط تجاور البحر اسمها عكّا،  تقاطعت مصالحه مع مصالح اليهود الذين احتلّوا فلسطين) ص18.

 بينما تقول جوليا: (لم يتبقّ على إنهاء التمثال إلا القليل، كان من المفترض أن أنتهي منه قبل ديسمبر، لكني أجّلته لأكشف عنه الغطاء في مهرجان الأنوار الذي ستحتفل به ليون كلها بالضوء المُلوّن الساحر في الثامن من ديسمبر، وسأرقص رقصتي المجنونة تلك التي وصفها ذلك الشاب المشرقي في مقهى ساحة تيرو)ص٢٣.

ويرى خالد مختار القضية بمنظار آخر مختلف تمامًا، الأمر الذي يذكرنا باختلاف البُنى الفكرية والثقافية بينها. بنية شرقيّة مُجللة بأصالتها العربية التي لا تتنازل عن قضيتها، فيقول: (لوحة النابليون على شكل تمثال، وجوليا تقف بجانبه فخورة، لم أكترث كثيراً، ولم أعلق بكلمة واحدة، سبّبت لجوليا الحنق بعدم اكتراثي، - قالت: أيها الشرقي المتعالي، وضحكت لترطب الأجواء. قلت لها: ليس تعاليًا، وانما رجلك هذا لا يعني لي شيئاً سوى أنه مهد لسرقة أرضي، لكن لا يمكنك إنكار فضله على فرنسا. وضحت لها: بأن فرنسا تعني لي شيئاً واحدا فقط، هو أني أكمل دراستي بها وبعد عام أو أقل أكون قد حصلت على شهادة الدكتوراه، وأعود لبلدي) ص٤٩.

 والاختلاف سنّة الحياة وسبيل البشر لمواصلة مسيره بما يراه مناسبًا، وهو ما يظهر عند جوليا بقولها: (قررت أن أختار أعظم رجل في تاريخ فرنسا وأعشقه، تصور أننا نتبادل الحب في ليالي كثيرة، لا، لست مجنونة، قل عني ما تشاء) ص٥٠.

بالعودة إلى أسيليا الطبيبة المعالجة في مصحّة نفسية، بطبيعتها المخبوءة على جوهر مكنون، والمُثقلة بأحمالها الاجتماعية المعيقة ربما لرؤاها الطموحة من أجل الارتقاء، وهي تحمل بداخلها فنّانة كامنة هاوية؛ واعية لتأثير الفنّ في بث التفاؤل في نفوس مرضاها؛ فتقول في حديث لصديقتها: (اقترحتُ على أميرة، أن نتفق مع بعض الفنّانين التشكيلييّن ليرسموا المرضى كبورتريه، وقلتُ: أن هذا سوف يساعدهم كثيراً على التحسّن السريع بجانب العلاج الدوائي، وسوف نعلق كل لوحة تخص المريض في غرفته الخاصة، تصوري يا أميرة، حين نتقبلهم نحن كأطباء في الوقت الذي رفضهم به المجتمع)ص37.

فيما كان جواب صديقتها. د. أميرة بالتالي: (ضحكت. وقالت: يا أسيليا هل تظنين بأن الدكتور رأفت سيوافق على هذا الاقتراح، بالطبع سيعتبره بذخاً لا طائل منه) ص٣٦.

تصطدم د. أسيليا بجواب المدير. د. رأفت غير المقتنع بفكرتها أساسًا؛ فحاول تهميشها ببرودة أعصاب ولا مبالاة قال: (إن التكلفة ستكون مرتفعة، وهذا برأيي ترف غير مبرر) ص40.

لتعود إلى رأي أمّها: (مشكلتك في هذه الحياة أنَكِ لا تعرفين التغاضي) ص40. وكان ردّها الغاضب بوجه المدير: (وقفت وصحت بوجهه، أرى يا دكتور رأفت بأن تكلفة الإقامة أيضاً مرتفعة، والمرضى يستحقون الاهتمام أكثر، أغضبته كلماتي، لكنه كان مراوغًا كثعلب، قال: عملكِ هنا كطبيبة يا دكتورة أسيليا وليس مديرًا ماليًا، غادرت مكتبه بكلمة واحدة: عن إذنك) ص٤٠.

الخاتمة:

في هذه العُجالة المضيئة على. رواية "أسيليا" توقفنا على (أهمية الفنّ بأن يكون لكلّ الناس، وليس فقط في المعارض)ص61. والفنّ للجميع بمحاولة تثقيفيّة، وهي إحدى بل أهمّ وظيفة للعمل الروائي؛ بنشر الوعي بأهميّة الفنون بمختلف أشكالها وألوانها؛ لتكون مُنطلقًا صالحًا في خدمة القضايا الوطنيّة والقومية، ولتعزيز قضيّة الانتماء للوطن وقضاياه. وقد كانت رسالة رواية "أسيليا" واضحة غير خافية على القارئ والمتابع.

 

عمّان. الأردن

29/10/2023

الجمعة، 27 أكتوبر 2023

قيمة العنوان وجمالياته. جريدة الوطن القطرية

 http://www.al-watan.com/news-details/id/94511/d

/20170831%20class=


---------------

هذه مشاركتي.. 

-------------

تصطرع الأفكار في الدماغ لتتمخض عن كلمات متآلفة متناسقة لتكوّن نصًّا أدبيًّا رشيقًا مقروءًا، ويبقى النص مهيض الجناح غير قادر على التحليق إلّا إذا اقترن بعنوان يحمل دلالة رمزيّة خاضعة للتفسير و التأويل، وارتباطه بخيوط رابطة للكلمات و المعاني.

العناوين تسعبد الكاتب ليعيش حالة هذيان ما بين اللاوعي و الجنون، ليآتي بعنوان متجدّد غير مستهلك أو تقليدي، فكما يولد الطفل ويولد اسمه معه، فالعنوان ملازم للنص لا غنى عنه أبدا، وهو عتبة لا يمكن الولوج لبواطن النص إلا من خلالها.

العصف الذهني له دور خطير في استخلاص العنوان مجرّد حضور الفكرة، ومن الممكن أن يتأخر أثناء معالجة الفكرة بالكتابة، وأحيانًا يستعصي فيكون الانتظار سيّد الموقف، واللجوء لاستشارة الأصدقاء طلبًا منهم المساعدة.


محمد فتحي المقداد

قاص وروائي سوري

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2023

قصيدة سلطان الخضور

 

الأنا والآخر في قصيدة

"قد تمطر حروفي". د. الشاعر. سلطان الخضور

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

المجموعة الشعرية "قد تمطر حروفي" تتراوح نصوصها عروضيًا ما بين العمودي والتفعيلة والمنثور. وبالتوقف بداية في رحاب العنوان الذي أثار شكوكًا قلقة بتساؤلات تباعدت وتقاربت؛ لتتلمّس بعضًا من المرامي التي ذهب الشاعر إليها، وما قد ظهر منها على وجه التأكيد.

وكما ورد الكلام حول الحرف (قد) الذي ابتدأ به العنوان، بمتابعة ذلك في المصادر النحوية من خلال بحث الجوجل، تبيّن أنها (حرف يفيد التحقيق، إذا جاء مع الفعل الماضي. مثل: "قد جاءنا نذيرٌ". قد: حرف يفيد التشكيك إذا جاء مع الفعل المضارع. مثل:"قد ينجح سعيدٌ"). من مصادر النت.

قد تُمطر السّماء عادة، وقد لا تمطر، أمر مُتوقّع احتمال الحدوث أو عدمه، ولكن الحروف هنا التي قد تمطر أو لا.. ومطر الحروف جاء شعرًا بأشكاله وفنياته، وأفكاره الواضحة والمُرمزة، بحاجة للقراءة بمحبة، وقابلية استقبال عقلية متفتحة تستوعب الدلالات والتحليلات والتأويلات.

 

دراسة القصيدة:

نص "قد تمطر حروفي" عنوان نص تعالى لتتخذ منه المجموعة الشعرية عنوانها. (قد تمطر حروفي وعدًا) (وقد تعاجلني مساء)، ما بين الوعد والمساء تتسارع، لوعد (أستله من بين الجفون) والتشكك الخائف من دموع المساء الحيرى لتعالج الحالة (أو تعالجني عند الفجر بابتسامة صفراء)، وما بين المساء والفجر ليل طويل مشحون بالهموم واقع بين المعاجلة والمعالجة، وببنهما تستطيل الحالة لتسيطر على (قلبي المجروح). (أنا الذي أسكنُ همس الشعر، وتسكنني القوافي) والسكن بحاجة مسكن لم تتركه القصيدة نهبًا للتشكيك والتأويل، بل جاء الخبر بتحديد المكان: (قرب الشطآن). وكان مُتساوقً ما بين الماضي والحاضر (يبحثون عن زلة)، وما بينما مساحات يتحرك فيها الأنا والآخر، الأنا المتمثلة بالشاعر حينما يقول (أنا الذي)، والآخر (يا صديقي)، ومآل القصد أن الشاعر يريد من يسمعه ويحمل معه قضيته، ويكون نصيرًا له.

الأنا في القصيدة بلسان الشاعر: (أما الذي أسكن همس الشعر//وتسكنني القوافي//قرب الشطآن//تلاحق معناي وساوس الحُراس)، ولماذا السكنى قرب الشطآن المفتوحة على عوالم رحبة تتسع لشاعر مهموم مهجوس بمعانيه الحاملة لقضيته الكبرى؛ لتأتي الإجابة ب: (تلاحق معناي وساس الحُراس)، (يبحثون عن زلة// أو هفوة) للخروج من حالة الرعب والخوف والتشكك من أسباب قد تأتي مع مطر الحروف: (ليقذفوا حرفي المثقل بالأحزان//ويقصفوا حدود الوهم//بالصوت والسوط//أو بقنبلة دخان).

 (أنا الذي بغيمك المُترف//أستظل من لهيب شمسك الحيرى)، ويتابع توجهه للآخر: (يا صديقي على عتبات القصر قد ألتقيك//فنستلّ حوارينا ونعود) و يطلب منه كذلك: (واحمل على جسدك المُثقل//وهمًا على وهم//وحمل همًا على همّ)، ويحثه عند العجز، فإذا لم تستطع ثقل الحمولة، وبلهجة الأمر القاطع لإيجاد مساحة ثغرة للخروج من المأزق: (ارحل// علك تعثر على الظل// وتتقي حرّ الكلام//ولهيب اللسان).

ولم تتوقف الطلبات من الآخر "الصديق" أيضًا بصيغة الأمر لأن الظروف لا تحتمل: (يا صديقي// اسكن هناك//في منطقة الرماد//وقل عاش الصمت في العروق) وكأن هناك فيه المتسع لحرية الكلام داخل النفس (المونولوجات)، (وقل عاش الرفض في الحلوق).

وبعد الاطمئنان على الصديق حينما استقر خارج دائرة الشك والخوف، جنح الشاعر إلى تبرير لهجته الآمر لصديقه: (يا صديقي//لن تكون رسولًا في زمن القهر// فالصمت والبوح سيّان// إن تفرح أو تترح سيّان// إن تبكي أو تضحك سيّان//استرح ودع عنك الآن) وبعد اطمئنانه بأمان صديقه. يعود لحاله: (دعني أنتظر على رمال الشطآن//علّ الريح تهبّ). ولم يترك مجالًا لكل ما حصل ذ، فكان تبرير (قد تمطر حروفي): (لأقيم من جديد//على شاطئ الأحزان//على ذكرى الخامس من حزيران). ففي المكاشفة لقضية نكسة حزيران 1967، لتكتمل مأساة وطن ابتدأ مشكلته بالنكبة، وما تبعها من ويلات.

بعد الهزيمة يأتي استخلاص العبرة والدرس وسبل الرد والنهوض من جديد: (أنا الأشياء//أنا من يعشق النهار). (أنا الغيم يا سيدي.. أنا الغيم//يمطر في الحلق شوكًا//ويمطر حكمة في المساء). ويلفت نظر الآخر لقضيته: (يا صديقي أنا من حمل الشمس بيد//ويدي الأخرى تصلبت//بهشيم الآهات)، و(ولم أصلب يا سيدي// لم أصلب//نهصتُ من بين الركام//واقتفيتُ أثر المجد//فزق التلال)، و(أنا الحق يا سيدي.. أنا الحق//أنا من يجيد الرتق//بعد لقاء الكفين)، و(نفضت الغبار عن مراياي// وأشعلتُ شعلة الخير فيّ//رأيتني// أقيم شراع الحق بالحق//رأيتُ جمجمتي بعيني// تتفتح على مستقبل آت)، وبإشارته للمخاطر والمعوقات: (لكن أسافين العابثين//دقت بخاصرتي). وفي نهاية النص رسوخ قضية: (ولا يوقظ الحق إلا الحق)، وسيغمض عينيه ويغضي عن الحق من كان في عيينيه حَوَل.

 

الأنا والآخر:

وبتتبع بسيط للأنا والآخر من خلال الألفاظ والكلمات في القصيدة، وذلك على سبيل المثال، لتأكيد أهمية الخطاب الحامل برسالته للآخر، وهو الأمر القصدي المُراد من الشاعر بتأكيده، لايصال صوته ورسالته.

*الأنا: (حروفي. أستله. تعاجلني. تعالجني. تلاعجني. تجافيني. قلبي. أسكن. تسكنني. معناي. حرفي. أستظل. أنام. أعيش. أقفز. أعبر. أداعب. أقطف. لأقيم. نهضت. اقتفيت. غسلت. غسلته). هذه الصيغة الفعلية من الأنا بين الماضي والحاضر، أما ال(أنا) بصيغة المتكلم ااذي يوجهه خطابه للآخر ورد في معظم ثنايا القصيدة، ومرة جاء للتأكيد على الذات المتكلمة عن نفسها وعن الآخر، والموجودة في قلب الحدث، ومرة وقد وردت على شكل الدرس الخطابي: (أتعرف كيف يُلاك الصدقُ) و(أتعرف من يستوي النيّئ من لحم البشر) و(أتعرف من يركب اليابسة) و(أتعرف من يلوك الكلام)، بهذه الصيغة تظهر انعكاس مهنة المعلم والأستاذ عند "سلطان الخضور" على قصيدته بوضوح تامّ.

الخاتمة:

بعد هذه الجولة القصيرة في رحاب قصيدة "قد تمطر حروفي"، ذات الرمزيّة الوطنية بعمق معانيها، ودلالاتها الواضحة مرة والتأويلية أخرى. وتتساوق بتعالقاتها في مآلاتها الأدبية مع نوع أدبي جديد ألا وهو "القصة الشاعرة"، وهو ما تذهب إليه القصيدة في مشوار طويل  يبعده  القصصي، وهو ما يعدّ مأثرة القصيدة الجمالية، وبذلك تكتسب قضية البُعد الثالث، مبتعدة على إشكالية اللوحة المُسطحة.

 

عمان. الأردن

17/ 10/ 2023

 

_____________

 

 

 

 

 

القصيدة موضوع الدراسة:

 

قد تمطر حروفي

 

 شعر. د. سلطان الخضور

 

قد تمطر حروفي وعدًاً

أستلّه من بين الجفون

وقد تعاجلني مساء

بدموع حيرى

أو تعالجني عند الفجر

بابتسامة صفراء

أو تلاعجني صبحًاً

أو عند المساء

لا تعرف متى تجافيني

أو تهدهد قلبي المجروح

بنار الحنين

***

أنا الذي أسكنُ همس الشّعر

وتسكنني القوافي

قرب الشّطآن

تلاحق معناي وساوس الحرّاس

يبحثون عن زلّة

خرجت دون قصد

قصمت حدود الوهم

أو هفوة حملتها الرّيح

على غير المعنى

وإلى غير الزّمان

ليقذفوا حرفي المثقل بالأحزان

ويقصفوا حدود الوهم

بالصّوت والسّوط

أو بقنبلة من دخان

***

أنا الذي بغيمك المترف

أستظل من لهيب شمسك الحيرى

وأنام ليلي على كتفي

والجفن ينتظر همسك الدافئ

يبيت الليل

خلف حاجز الوهم

بلا سقوف

وبلا جدران

***

يا صديقي

قد ألتقيك على عتبات القصر

فنستل حوارينا ونعود

فنقّل فؤادك ما شئت من الهم

واحمل على جسدك المثقل

وهمًا على وهم

وهمًّا على هم

أو أرحل

علّك تعثر على الظل

وتتّقي حرارة الكلام

ولهيب اللسان

***

يا صديقي

اسكن هناك ... هناك

في منطقة الرّماد

وقل عاش الصّمت في العروق

وعاش الرّفض في الحلوق

 

****

يا صديقي

لن تكون رسولًاً في زمن القهر

فالصّمت والبوح سيّان

إن تفرح أو تترح سيّان

إن تبكي أو تضحك سيّان

دع عنك الآن واسترح

استرح أنت الآن

ودعني انتظر

على رمال الشّطآن

دعني انتظر

علّ الريح تهب

وتأخذني كما الرّيح

إلى قارب يقذفني

فتلفظني موجات البحر

على الرّمل

تقذفني

وأعود لشاطئ النّسيان

***

أنا الرّيح يا صديقي

أنا الرّيح

أعيش تارة هنا

وتارة هناك

أقفز فوق الأشياء

أقفز فوق الشّوك

وفوق الشّوق

وأعبر كل الأشواك

أداعب وجه البرتقال

ورائحة الليمون

وأقطف من زهر اللوز

وأعود محمّلاً برائحة البرتقال

لأقيم من جديد

على شاطئ الأحزان

على ذكرى الخامس من حزيران

 

***

أنا كلّ الأشياء

أنا اللّيل

أنا من يعشق النّهار

أنا الذي سرقوا فرحته

عند الفجر

وجلدوه بسوط الكلمات

أنا الغيم يا سيّدي

أنا الغيم

يمطر شوكًا في الحلق

ويمطر حكمة المساء

***

يا صديقي

أنا من حمل الشّمس بيد

ويدي الأخرى تصلّبت

بهشيم الآهات

***

لم أصلب يا سيدي

لم أصلب

نهضت من بين الرّكام

واقتفيت أثر المجد

فوق التّلال

***

ها هم

تعلّموا السّحر

ولم يتقنوا رمي الحبال

ألقيت بعصاي

فانتصبت تبحث

عن الظل

عن اللّيل

عن الحبال

عصاي انتصبت

فشقّت الغيم وأمطرت

غسلْتُ وجهي

غسلْتُهُ بمداد الغيم طهرًاً

وتوضّأت بحبات المطر

وألقيت بنفسي بعيدًاً

أبحث عن خيمة تظلّلني

من سياط الكلمات.

***

يا سيّدي الحق

أتعرف كيف يلاك الصّدق؟

أتعرف من يستهوي النيء

من لحم البشر؟

أتعرف من يّركب اليابسة

ويحيل الحفرة بركة ماء؟

أتعرف من يزرع البحر

ويسقي زرعه من الدّمع؟

أتعرف من يلوك الكلمات؟

***

أنا الحقّ يا سيدي

أنا الحق

أنا من يجيد الرّتق

بعد لقاء الكفين

يخرج صوت

لا أحبّ ذاك الصّوت

ولا أحبّ ذاك السّوط

سوط الكلام

وصوت الكفّين يلتقيان

فيرفعان سوطًا مجدولًاً

لجلد الحق بلا حق

لن أنبش الماضي

ولن أوقظ الذّكريات

***

نفضتّ الغبار عن مراياي

وألهبت شعلة الخير فيَّ

رأيتني

أقيم شراع الحقّ بالحق

رأيت جمجمتي بعيني

تتفتح على مستقبل آت

لكن أسافين العابثين

دقّت في خاصرتَي

ولا يوقظ الحقّ إلا الحق

وسيغمض عينيه عن الحق

من كان في عينيه حول

أو يمضغ الدّفلى

ويبتلع شوك الرّبيع على عجل.

...

 

 

تأملات قرآنية