الأحد، 12 يونيو 2022

أحمد الحشوش. يحاور فتحي المقداد

 مرحبا أخي محمد

هذه هي المحاور الأبرز للكتاب

كتاب تجارب وقصص حياة ملهمة

المحاور

أحمد الحشوش. مأدبا. الأردنّ

____________

 

 

١_ الطفولة والشباب. ظروف النشأة والتكوين.

كيف أثر الماضي في الحاضر وكيف تعامل الحاضر مع الماضي في كل مرحلة.

ج1- بتوقيت بُصرى: أنا ابن السّنابل الذهبيّة، المعجونُ بسُمرة تربتها الحمراء.

أنا الآن من مُدن الأطراف، من أقصى جنوب الجُنوب في سوريا، منذ أوّل نبضة للحياة استنشقتُ عبقَ التّاريخ وصخب الحضارة، مراتع طفولتي عند موطئ قدم النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، في محيط "الرّاهب بحيرا"، و"مبرك النّاقة" التي حملت نسخة مصحف سيّدنا عثمان رضي الله عنه إلى الشّام.

من (بُصرى الشّام) من محافظة درعا، وحسب تأريخ أمَّي خديجة: أنّها ولدتني سنة الصّهاريج (حاويات ضخمة يجرُّها القطار) بسبب انحباس المطر لمواسم مُتتابعة،  وحسب التقويم الحكوميِّ الرَّسميِّ، كما هو مُسجَّلٌ في وثائقها الدّالة، والتي تثبت أنّني أنا بذاته، فإنه يكون: (1\1\1964). أحد أبناء الحرّاثين، يزرعون ليأكلونِ.

تهجَّأتُ بُصرى مع أول كلمة نطقتُها: (ماما)، في مدرستها الابتدائيّة الشرقيّة في عُرفنا، ورسميًّا (مدرسة بصرى الشام الثانية للبنين)، ثمّ إلى المرحلة الإعداديّة والثانويّة في مدرستها الوحيدة التي تضمّ المرحلتيْن معًا، وفي 1982 حصلت على الثانويّة العامّة، ولم أتابع الوصول لجامعة دمشق حلم كلّ ذي طموح. وتوجّهتُ بعد ذلك للخدمة العسكريّة الإلزاميّة، ومن ثمّ إلى سوق العمل عندما اِمْتَهنتُ برغبتي مهنة "حلّاق رجّالي"، وما زلتُ قائمًا بعملي حتّى كتابة هذه الكلمات منذ عام 1986م.

 لا شكّ أنّ رواسب الماضي لا تنمحي آثاره من أعماق النفس، الماضي هو الذكريات بحلوها ومُرّها، والأحلام والآمال والطّموحات. فلا حاضر بلا ماضي، وتخفّفتُ من أحمال الماضي لو أتوقّف في رحابه طويلًا؛ فالطريق أمامي سالكة، وواضحة المعالم لا يُعيقها الماضي، بل هو دافع للمُضيّ قُدُمًا بُلوغًا حدّ الأفُق ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا.

 

٢_ الظروف الصعبة وتحديات الطريق

كيف تم التعامل مع الظروف الصعبة و التحديات وماهي أبرزها.

ج2- الصُّعوبات مُحفّزاتٌ. عندما نظرتُ إلى قرص الشَّمس مرَّة أثناء الشُّروق، وأخرى عند الغروب، وتساءلت: فماذا لو مددتُ يديَّ على استقامة تتوازى مع كتفيَّ، لعلهما تلامسان مشرق ومغرب الأرض، وودتُ كذلك لو باعدت بين ساقيَّ؛ لأستطيع وضع قدميَّ هناك في الموضعيْن الأبعد على طَرَفيْ الكُرة الأرضيَّة، ربّما يُقال: هذا ضرب من الجُنون، وهلوسات المهووسين بجنون العظمة.

لكن. ماذا لو كنتُ أمتلكُ رؤيةً وهدفًا؟

بعد التوكّل على الله، والتسلُّح بالإرادة والإصرار، وأنا ألتمس توفيق الله؛ وعزق المُعوّقات خلف ظهري، لانطلاق الخطوة الأولى الأصعب على الإطلاق لبدء المسير.

 

 

٣_ العوامل المساعدة

أشخاص/ ظروف / أحداث، وأية عوامل كان لها تأثير بارز على مسيرة نجاحك.

ج3- يُقال: أنّ الأحلام تبقى تحفر مساربها عميقًا في النَّفس، حتّى تستميل كلّ ما في الكون والحياة، لتتواطأ معها، لتجد سبيلًا وتربة صالحة لتحقيقها ونموّها.

لا شكّ أنّ نشأتي الأولى لها الأثر البالغ، في تشتيت عواطفي ومشاعري بين والديّ المنفصليْن مع تفتُّح عينيّ على الحياة.

حاولتُ لملمة نفسي، واستجماع قدراتي الذاتيّة؛ لأعتمد على نفسي، حتّى في غسيل جواربي. كانت انطلاقتي الأولى: بيد والدي قادتني للسّفر، والعمل معه في مُغترَب الكويت، ولم أبلغُ حينها الثانية عشرة من عمري.

لا شكّ بأنّ بداية تكويني كانت عمليّة، مُنطلقة لحدود بعيدة تجاوزت محيط القرية، بأفقها الضيّق المحدود إلى مساحات أرْحَب؛ لاكتساب معارف وثقافة جديدة، وهذه كانت بحدّ ذاتها تجربة كوّنت رؤية مُتقدّمة آنذاك في منتصف السبعينيّات من القرن الماضي.

كان المُعلّم الأوّل: هو جدّي، وأبي، ومصطفى خالي، وأستاذي قاسم؛ وإليهم جميعًا يُنسَب الفضل في تقويم ما اِعوجّ من سلوكي، وتلقيني علوم دروس الحياة. وكلّ ما بعد ذلك؛ ساعد في تكويني وتأسيسه. المعاناة صنعت طريقي، وأنا كنتُ بصيرًا به بتذليل صعابه، بل تجاوزها.

 

 

٤_ الحكمة الأهم التي رافقتك على طول الطريق.

ج4- "الحبُّ ربيع الحياة" مقولتي التي من خلالها نفذت إلى عوالم الآخرين وخصوصيّات الكثير. بالحب تُبنى الحياة، ويسود السّلام، وينعم البشر بالخير والطُمأنينة، بالحبٌّ نتقدّم، بالحبِّ نتعلّم. الحبُّ يبني الكرامة الإنسانيّة، ويُشيد الأوطان. بالحبِّ نحيا.. والكراهة تقتلنا.

 

 

٥_ أبرز المراحل التي مررت بها واللحظات الفارقة في مسيرة نجاحك.

ج5- الحلُم أن أكون شيئًا مذكورًا، والإصرار على تحقيقه علامة فارقة، السّير نحو الحلم صِنْو المستقبل، سرتُ وأسيرُ نحوه بسرعة النَّملة، مُحاولًا الوصول.

مُحفّزات التراكم المعرفيّ والثقافيّ جعلت دواخلي فيّاضة نضّاحة، ومع مجيء ووصول شبكة "الأنترنت" لنا قبل نهاية العِقْد الأوّل من القرن الواحد والعشرين. وبفضل تشجيع بعض الأصدقاء ممّن اطّلعوا مُنتجي الفكريّ والأدبيّ، وقد وجد صدًى حسنًا في نفوسهم وقلوبهم. ومن اللّحظات الأهمّ على الإطلاق في مسيرتي: إصداري الأوّل (شاهد على العتمة) عام 2015.

 

٦_ قرارات حاسمة اتخذتها، وكان لها أثرها الكبير في حياتك.

ج6- قرار الخروج (2012) من بيتي بعد صبر ومُصابَرة لمدّة عام كامل، وصراع مع الخوف ورغيف الخبز، والمحافظة على حياة أطفالي، واللُّجوء إلى مُخيّم الزعتريّ في المملكة الأردنيّة الهاشميّة.

إذا جاز تقييم القرار في ميزان الربح والخسارة. لا شكَّ أنّني ربحتُ مُتابعة تعليم أولادي، وبلوغهم للمرحلة الجامعيّة،  والثانوية للأصغر منهم. جاؤوا أطفالًا صغارًا، فتشكّلت هُويّتهم وانتمائهم للمكان الذي ترعرعوا فيه (الكرك جنوب المملكة).

كما أنّ مناخ الحريات الشخصيّة المُتاحة في الأردن المتقدّم بسنوات ضوئيّة عن دول الجوار، فتحت آفاقًا واسعة أمامي للانطلاق لتحقيق الكثير والكبير، في دروب الكتابة والتأليف والنشر، والتفاعل الثقافيّ مع الهيآات والمنتديات الثقافيّة الأردنيّة، التي انفتحت على المُكوّن الثقافيّ السّوريّ بمحبّة ورحابة صدر.

 

٧_ شخصيات ملهمة لك.

ج8- لا شكَّ بأنّ أيّ شخص ناجح: هو شخص مُلهِم. التعقُّل برؤية نجاحات الآخرين؛ عامل مُهم بمحاولة قراء تجربتهم بعين متلمّسة لأسباب نجاحهم. التجارب التي نخوضها خاضعة للفشل أو النّجاح كُليًّا أو جُزئيًّا، وكلُّ ذلك يُشكّل دروسًا عمليّةً جاهزة لو أحسن أحدنا الاستفادة منها.

 

 

٨ _ ما هي الركائز الأساسية التي تعتقد أنه لا بد منها لتحقيق النجاح في الحياة وماهي في اعتقادك زوادة الناجحين؟.

ج8- بطبعي. لستُ ميّالًا للوصفات السحريّة والجاهزة. النّجاح كتجربة، ما هو إلّا نتيجة إيجابيّة موحية. بينما لكلّ نجاح ظروف، وما ينطبق على هذا بإيجابيّته، لا ينطبق على ذاك إذا اختلف الظروف بينهما. قصص النّجاح عندي أينما كانت؛ فهي تجارب جديرة بالاهتمام.

النّاجحون تتفاوت نجاحاتهم بتفاوت إمكانيّاتهم وميولهم النفسيّة والفكريّة والماديّة المختلفة. ولكلّ نجاح ساحة ومجال زمانًا ومكانًا تتفتّح فيه زهوره.

 

 

٩ _ ماذا لو عدت بالزمن إلى الوراء ما هي القرارات والاختيارات التي ستعيد النظر فيها وما هي أهم التعديلات التي ستجريها على خطة حياتك.

ج9- ما فات فات، ولن يعود، ولن أعود بالزّمن لفترة سابقة. كل قرار في وقته ضمن ظروفه ومعطياته ومُحدّداته؛ فما كان يصلح قبل سنوات قريبة جدًّا، قطعًا لا يصلح الآن، للتسارع المجنون في رِتْم الحياة ومعطياتها.

سأبقى أعمل باجتهاد آمِلًا بالوصول إلى المُقدّمة أوالقمّة إن استطعتُ؛ فإن وصلتُ سأكونُ سعيدًا، وأنا أرى جهودي أثمرت في عيون الآخرين، وإن لم أصل؛ يكفيني أنّني حاولتُ واجتهدتُ. وهذا ما أتمثّله بقول الشّاعر الأحبّ إلى قلبي"عُمر أبو ريشة":

(شرفُ الوثبةِ أن تُرضي العُلا ** غَلبَ الواثبُ أمْ لمْ يَغلِبِ)

 

 

١٠_ كلمة أخيرة تحب أن توجهها للراغبين بتحقيق النجاح وتحقيق إنجاز ذي معنى في حياتهم.

ج10- حسبما أعرف وأعتقد:

أ‌-       أنّ الوعي هو المُكوّن الأساسيّ لأيّ شخصيّة.

ب‌-  الهدف.

ت‌-  الإرادة والإصرار.

ث‌-  بذل الجهد اللازم في سبيل الوصول.

 

 

١١_ إضافات تحب أن تثري بها الموضوع.

ج11- الحياة تُعاش لمرّة واحدة فقط، والسعادة تُتاح لنا للحظة قصيرة جدًا، ننعمُ بها إذا استطعنا التقاط خيوطها بالوقت المُناسب.

سمعتُها كثيرًا: "تخفّف من كلّ شيء تستطيعه"، أعتقدُ أنها نصيحة ذهبيّة، وهي تتوافق مع الحديث النبوي الشريف: "من حُسن إسلام المرء. تركُهُ ما لا يُعنيه". طبيعة علاقاتنا الاجتماعيّة مُتداخلة بتشابكات مُعقَّدة، تسحبنا إلى مستنقعها الآسن، وتُغرقنا في القاع.

 

12- متى اكتشفت شغفك بالكتابة مثلاً، ومتى اتَّخذت القرار بأن تكون كاتبًا، وما الذي قادك إلى اتخاذه؟. أين وصلت فيه وإلى أين تريد أن تصل؟. ما الذي يحفزك على الكتابة مثلاً في مجتمعات قلما تقرأ؟

ج12- منذ البداية أيَّام الدّراسة كنت اقتني دفترًا خاصًّا أكتبُ به بعض الخواطر الخاصَّة بي، ولم يطّلع عليها أحدٌ. دخولي عالم الكتابة الاحترافيّة لم يكون قرارًا اتّخذته عن سابق إصرار وتصميم، بقدَر ما هي هواية مُستكنَّة في دواخلي، من خلالها كنتُ أحافظ على معلومة مررتُ بها من الضَّياع، ولسهولة الرّجوع إليها عند الحاجة إليها. في كلِّ ما كتبتُ: إنّما كتبتُ ذاتي وتجربتي في ميادين الحياتيَّة المُكتسبة من خلال التجربة والمُعاينة، قلتُ الكثير.. الكثير، وما هو إلّا غيضٌ من فيْض.

كانت طموحاتي كتابًا، ولمّا تطوَر الأمر للثاني ثمَّ الثالث، إلى أن وصلت لحدود الأربعين كتابًا، غُروي يدفعني بقوّة بلا توقُّف لالتقاط الأنفاس، بالوصول للمئة إن استطعت إلى ذلك سبيلًا، ولن أتوقَّف ما دام في جسمي قلب ينبض.

 أنا حاضر في كلِّ كلمة كتبتُها، شُعوري بها عارم؛ كأنّها قطعة من روحي، لأنّها تعبير صادق لا يشوبه تشويه أو تدليس، ناصعة كبياض الثّلج. فللكتابة عندي أسبابها ودواعيها، ذات مُحفِّزات منها خاصٌّ بذاتي كي أكون فيما أريد أن أكون، بما يليق بإنسانيَّتي أوَّلًا. وللتوثيق وبث المعرفة، لإيماني الأكيد بأن ما يُكتب سيُقرأ ولو بعد حين، سيأتي زمنٌ يُنتبه له. وفي الأساس أصلًا فإنَّ مُحبِّي القراءة أقلَّة بالنِّسبة لعدد المجتمع من حولهم، والنِّسبة هي قليلة أساسًا منذ القديم. ومُحاولتي ما غيري من الكُتّاب الزّملاء هو في إشاعة تحبيب القراءة والمطالعة لمن نستأنس فيهم حب المطالعة والقراءة، وتنمية هذا الميل، لتصبح القراءة عادة منتظمة، يُسعى إليها.

 

13- حبذا لو حدثتنا عن ظروف الحرب أكثر وظروف الرحلة إلى الزعتري، وكيف كان يراها الأديب محمد فتحي المقداد، وكيف أثرت في نفسه وفي نظرته إلى الحياة؟

ج13- لاشكَّ أن الحروب مأساة بشريَّة قديمة رافقت الحياة منذ أوّل نشأتها على البسيطة، ابتدأت بحادثة الأخوين "هابيل وقابيل"، وتاريخ الحروب مشحون بالقتل والدماء والإبادة والتهجير والتدمير، عانت منه جميع المجتمعات الإنسانيَّة بدرجات مُتفاوتة طالت أم قصُرت، كما أنّ مُخرجات الحروب قذرة، ومآسيها تمتدُّ لفترات زمنيّة طويلة تستغرق حياة أجيال جاءت فترة السّلم والهدوء.

أمّا قصّة الرَّبيع العربيِّ، واصطفاف الدكتاتوريَّات أمامه متكافلة مُتضامنة في سبيل اتّخاذ مواقف للدّفاع عن وجودها ومصالحها، استدعى ذلك الارتداد على قرارات شعوبها، وكان الجواب الرَّصاص الحيِّ بلا رحمة، لا حُرمة للإنسان في شرقنا العربِّي على وجه الخُصوص، وما حصل في بلدي سوريا، كان هبَّة جماهيريَّة عفويَّة، ثأرًا للكرامة المهدورة في سوريا عمومًا، وفي محافظتي درعا على وجه الخُصوص، بحادثة أطفال درعا، الذين اعتقلوا وقصَّة وأخبار تعذيبهم في فرع الأمن السياسيِّ، والحادثة المشهورة بتواترها المُوثَّق، وكانت الهُتافات السلميَّة للحريَّة، التي افتقدناها في سوريا منذ جرِّ سوريا للوحدة مع مصر في 1958، حيث خلت سوريا بنفق مُظلم من الأحكام العُرفيّة وحالة الطّوارئ على مدار أكثر من يقارب خمسة وستّين عامًا، وسيطرة العسكر على كافَّة مفاصل الدَّولة وعسكرتها، ببناء منظومات ضخمة من الأجهزة الأمنية، وتجنيد الحزب ومنظمة الشبيبة لتكونا جهازًا أمنيَّا مُساعدًا في المُراقبة والتقييم والفرز.

15\3\2011 تاريخ أوَّل خروج لأهال الأطفال المعتقلين للهُتاف ضدَّ المتنفذين في درعا (المحافظ، ورئيس فرع الأمن السياسي)، بعد يأسهم من المطالبات بالإفراج عن أبنائهم، ثمّ تطوَر الأمر مع مرور الأيَّام، لإسقاط النّظام، وبدأت تكبر الدّائرة وتتوسَّع حتّى شملت قرى ومناطق المحافظة عمومًا، ثم انتقلت إلى ريف دمشق، فبانياس، فاللاذقية. هذه المرّة الثورة جاءت من الأطراف لتتمدَّد نحو القلب في العاصمة والمحافظات الأخرى.

وظهر مصطلح المُندَّسين وهو ما أُطلق على مُناصري النِّظام، بالإساءة للثورة إعلاميًّا وبالتَّخريب، وسرقة منجزات الجماهير، لتكتمل الحلقة بانطلاق السِّلاح لمقاومة ظلم وعسف النِّظام، وهو المقتل الرَّئيس للثّورة، ومن ثمَّ التنظيمات الإسلاميَّة (جبهة النُّصرة – تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق أي "داعش")، وهما الخنجر المسموم الذي أدّى لمقتل الثّورة.

مثلي مثل جميع أبناء مناطق وقرى سوريا تعَّرضت مدينتي بصرى الشّام للاجتياح العسكريّ لمرّتين مُتتاليتين، ومن ثم تطوَّرت الأمور بتشكيل ميليشيات مُسلَّحة طائفيّة شيعيّة تابعة للنّظام، قامت بنصب الحواجز والاعتقال، واحتلال الأماكن العالية في المدينة من قبل القنّاصة الذي فتكوا بالعديد من أبناء المدينة، ممّا اضطَّرنا للخروج بعد أن ضاقت بنا سُبُل العيش، والخوف والرّعب اليوميّ الذي تطوّر للقصف بالطائرات الحربيّة بالصواريخ وقذائف البراميل.   

وكانت رحلة لمخيم الزعتري مليئة بالخوف والرّعب أثناء انتقالنا حتّى وصولنا للحدود الدوليَّة مع الأردنّ، وبلوغنا المنطقة الآمنة بعد اجتيازنا الخطّ الحربيّ الطريق الفاصل بين الأراضي السّوريَّة والأردنيّة. هدأت أنفسنا وتقَّف خفقان قلوبنا. لم يكن يخطر ببال أحدنا أن تطول فترة هجرتنا لتصل إلى السنة الحادية عشرة. ولم تظهر بارقة أمل لنا بالعودة، بل ازدادت الأمور تعقيدًا.

ولا شكَّ أنَّنا نعيش بصراع وتحدِّ مع ظروفنا القاهرة، ونحاول التشبُّث بالحياة بكافَّة الوسائل المُتاحة بين أيدينا. من خلال العمل بشكل جادٍّ من أجل البقاء، وبإصرار عنيد.

 

 

14- كيف يستطيع التوفيق بين مهنته كحلاق ورؤيته كمثقف وأديب؟.

ج14- مهنة بطبيعتها ذات طابع إنسانيٍّ شفَّاف، لأنّها تستهدف الأذواق الرّاقية والجمال، اعتياد القراءة أو الكتابة أثناء أوقات الفراغ، وما أحتاج البحث عنه من قصص وحكايا، تأتي طوعًا من دون سعيي لها، التفاعل مع قضايا النّاس المختلفة، خلق نوعًا من المِراس والدِّراية في معالجة بعض الأمور  الشّائكة، وهو ما شكّل خبرات عمليَّة عندي، وتراكمت المعارف، فكانت مُستودعات جاهزة للاستعمال عند الحاجة لها.

عند البدء في كتابة أيُّ موضوع، لا يُكلّفني ذلك جُهدًا كبيرًا في استحضار القصص والمعلومات، فما عليَّ إلّا استجماع الفكرة التي سأكتب عنها، والباقي يأتي سهولة ويُسر، سواء في القصّة القصيرة أو الخاطرة أو المقالة أو الرواية.  

 

 

15_ ال cv

السيرة الأدبيةلــ(محمد فتحي المقداد):

 *(محمد فتحي المقداد) من مواليد 1964 بصرى الشام جنوب سورية من محافظة درعا. ناشط ثقافي مُتعدّد المواهب الأدبية، إضافة لعمله الأساسي بمهنة حلّاق.

*عضو اتحاد الكتاب السوريين الأحرار. عضو اتحاد الكتاب الأردنيين. عضو رابطة الكتاب السوريين بباريس. عضو البيت الثقافي العربي في الأردن. مدير تحرير موقع آفاق حرة الإلكتروني. 

*فاز بجائزة (الأديب محمد إقبال حرب للرواية العربية لعام 2021م) عن مجموع أعماله الروائية.

*فقد أنجز العديد من الأعمال الأدبية، حملت عناوين لكتابات في الرواية والقصة القصيرة والقصيرة جدًا والخواطر والمقالة. نشر منها ستة أعمال ورقية، ونشر جزء منها إلكترونيًا، وما تبقى ما زال مخطوطًا طي الأدراج.

*أعماله المنشورة:

1-كتاب (شاهد على العتمة) طبع 2015 في بغداد.

2-رواية (دوامة الأوغاد) طبعت 2016 في الأردن.

3-كتاب (مقالات ملفقة ج1) طبع 2017في الأردن.

4-رواية (الطريق إلى الزعتري) طبعت 2018 في الأردن.

5-رواية (فوق الأرض) طبعت في 2019 في الأردن.

6-مجموعة أقاصيص(بتوقيت بصرى) طبعت في 2020 في الأردن.

*أعماله المنشورة إلكترونيًا: فهي منشورة على مواقع تحميل الكتب المجانية، ومن الممكن الحصول عليها من خلال محرك البحث جوجل:

1- كتاب خواطر (أقوال غير مأثورة).

2- كتاب خواطر (بلا مقدمات)

3- كتاب خواطر (على قارعة خاطر)

4- كتاب مقالات نقد أدبي (إضاءات أدبية).

5- كتاب تراث (رقص السنابل)

6- مجموعة قصصية (قربان الكورونا) خاصة في أدب العزلة زمن الكورونا.

7- مجموعة أقاصيص (بتوقيت بصرى)

8- حوارات متنوعة بعنوان (على كرسي الاعتراف).

9- المحرر الثقافي \ج1

10- قراءات أدبية سورية\ ج1

11- قراءات أدبية سورية ولبنانية\ ج2

12-المحرر الثقافي .ج1. (بطاقات تعريفية بكتب صدرت حديثًا)

13- تقديمات لكُتُب.

14- قراءات في الشعر الأردني

15- قراءات في الأدب الأردني

16- قراءات في الرواية الأردنية

17- حدييث المنجز

18-*دراسة ومدخل لرواية(1Q84)للروائي الياباني هاروكي موراكامي.

19-حوارات في المنفى: (عشرة حوارات مع أدباء من (سوريا ولبنان والعراق ومصر والأردن والسودان) جاءت كوثيقة أدبية عالجت الكثير من القضايا المعاصرة أدبيا برؤية المُحاوَرين.

*أعماله المخطوطة:

1- (بين بوابتين) رواية تسجيلية.

2- (تراجانا) رواية فنتازيا تاريخية متزاوجة مع الواقع بإسقاطاتها.

3- (دع الأزهار تتفتح) رواية بين الماضي والحاضر.

4- (زوايا دائرية) مجموعة قصة قصيرة.

5- (رؤوس مدببة) مجموعة قصة قصيرة

6- (سراب الشاخصات) مجموعة قصة قصيرة جدا \ق.ق.ج.

7- (قيل وقال) مجموعة قصة قصيرة جدا \ ق.ق.ج.

8- (مياسم) خواطر أدب نثري.

9- (جدّي المقداد) سيرة الصحابي الجليل المقداد بن عمرو.

10- (الوجيز في الأمثال الحورانية) تراث حوراني.

11- (الكلمات المنقرضة من اللهجة الحورانية).

12- (مقالات ملفقة ج2)

13- (دقيقة واحدة) مجموعة قصة قصيرة.

 

*دراسات كتبت عن أعماله:

-بحث (الواقعية في الأدب العربي. أنموذجا  رواية دوامة الأوغاد-للروائي محمد فتحي المقداد) تقدم به الباحث طالب عبد المهدي الفراية في جامعة مؤتة، خلال دراسته الماجستير.

-بحث لنيل شهادة الماجستير، تقدم به الباحث مالك الصرايرة، بعنوان (الأزمة السورية وانعكاسها على الأدب في بداية الألفية الثالثة- رواية الطريق إلى الزعتري للروائي محمد فتحي المقداد).

-بحث تقدمت به الباحثة "سلسبيل الزبون" لنيل رسالة الماجستير في جامعة العلوم الإسلامية الأردن. بعنوان (المرأة في أدب الثورة السورية. في رواية الطريق إلى الزعتري ) 2022.

* كتب العديد من الدراسات النقدية عن مجموعة أعماله الأدبية المطبوعة، قدّمها أدباء ونقّاد عرب . كما صدرت له العديد من النصوص في كتب مشتركة عربيًّا، ونال العديد من شهادات التقدير، والتكريمات خلال مشاركاته من الهيآات الثقافية الواقعية والافتراضية. ونشر الكثير من أعماله في المجلات والجرائد الورقية والإلكترونية.

*له العديد من المقابلات  الحوارية التلفزيونية، على قناة الأورينت، قناة العربي وسوريا، وقناة الرافدين، وقناة الحوار، وقناة الغد.

*وقريبًا- تحت الطبع

1-رواية (خيمة في قصر بعبدا) دخول في محاولة إشاعة مفهوم السّلم الاجتماعي بين الشعبين السوري واللبناني على ضوء ما حصل في ظروف الحرب واللجوء، بعيدًا عن مخرجات السياسة القذرة.

2-رواية (خلف الباب) عالجت حياة المخيم بشكل عام. والآمال والأحلام والتحديات التي تواجه اللاجئ الذي ترك وطنه، بسبب ظروف الحرب والتهجير القسري.

 

* عمل على جمع وإعداد (دليل آفاق حرة) للأدباء والكتاب العرب، بأجزائه الخمسة، والتي احتوت على ألف اسم شاعر وأديب ومفكر عربي. بالتعاون مع الأستاذ محمد صوالحة من الأردن، مؤسس موقع وصحيفة آفاق حرة.

***

 

 

 

 

 

 

 

 

١٣_ صورة شخصية إن أمكن


الاثنين، 30 مايو 2022

مذكرة بحث. ونقد للالتفات

 

 

 

مُذكّرة بحث ..




قصة قصيرة
بقلم - ( محمد فتحي المقداد (



الظلام يلفّ المكان، و مشاعر ( فطين ) متناقضة حيال عبوره الطريق من الحارة القديمة مروراً عبر القناطر الأثرية، خطواتُه يتلاشى زخمها فتتراخى، خَطَرَ له تغيير الاتجاه، الساعة تشير للواحدة بعد منتصف الليل، على بُعْد خمسين متراً منه، لمعانٌ وبريقٌ، أصواتٌ غريبة تصدر من هناك، تجمّد الدم في أوصاله، وتيبست عروقه، شعرُ رأسه انتثر واقفاً، سَرَتْ قشعريرة في جسده، توقف عقله عن التفكير..
-
يا إلهي هل أتابع، نظرتُ إلى خلفي، وجدتُ حائطاً من الظلام أغلقَ الأفقَ أمام عينيّ، لا مناص لي لو أردتُ الفرار من هذه الورطة، سأنتظر قليلاً، عسى أن يبعث الله عابراً آخر، يؤنسني، لأجوز معه هذه المفازة.
تتالى شريط الذكريات حاضراً أمام عينيه، متخيلاً أحاديث سهرات العجائز في مضافة جدّه، عن الغولة و الجن، و إمكانية تشكلهم بأشكال غريبة الأطوار.
-
اللعنة، يدي تمتدًّ إلى خصري، تسحبُ المسدس من تحت الحزام، وبسرعة أتوماتيكية بلا وعي فكَكْتً الأمان، متهيئاً لمباشرة الإطلاق.
بلا مقدمات، جاءني صوتاً هاتفاً ، سادت لحظات صمت مُذْهلة، أربكتني.
-
إياك أن تطلق النار، هيّا تقدّم، لا تَخَفْ – و بلهجة حازمة - .
-
من أنتَ.. ؟.
-
صديق .. أأتقدم إليك ؟.
-
لا .. بل أنا سأتقدم لمتابعة طريقي.
سُرِّيَ عني قليلاً، فتنفست الصعداء، أتقدمُ خطوةً خطوةْ، حذري الشديد دفع بِحَوَاسّي للتأهب في حالتها القصوى، وما إنْ خطوت الثالثة, حتى أضيء المكان، انشق الظلام عن جسم غريب، كأنه روبوت آلي - هواجس الخوف تعصف ذهنه وقلبه- وأخيراً ترجحت لديّ فكرة الجن، و قدرته على التشكّل، وما إن صِرْتً على مسافة خطوات قليلة منه، صحتُ بوجهه:" من أنت ؟.
-
ألا ترى أنني روبوت .. و اسمي شمشون ؟.
-
روبوت ..!! هنا بين البيوت القديمة والخرائب..!!، غير معقول، أأنت جِنِّيٌ متحوِّل؟.
-
لا عزيزي، سلامةُ فَهْمِك.
جاء كلامه برداً على صدري، شيءٌ من الطمأنينة تسرّب إلى قلبي، تفَرَّسْتُهُ بِدقّة .. تأكدّتُ الآن، يا إلهي ..!!.. فِعْلاً، كما قال ..، هيا أخبرني:" ما الذي جاء بك إلى هنا، أيها الأحمق ؟".
-
سأحدثك بقصتي التي تتشابه مع عالم الأساطير، وأظنك ربما تًكذِّبني.
-
لا عليك، كُلِّي آذان صاغية، على فكرة ما رأيك أن آخذك معي إلى بيتنا؟.
-
لا مانع لديّ، هيّا على بركة الله.

***_ ***


الدّارُ مُعتِمة، الجميع نِيَام، تسلّل فطين بحذر شديد، لاستكشاف الأمر و الاطمئنان، رجع مُسْرعأ إلى شمشون, مُوصياً إياه بعدم إصدار أية أصوات مثيرة، من شأنها إخافة أهل البيت، وحفاظاً على السر، حتى يجدَ مخرجاً آمناً لك.
-
ها .. لم تخبرني للآن، كيف وصلت إلى هنا؟
-
ولن تسمع ذلك في نوادر ( شارل هولمز)، يا سيدي، أنا في ألأساس كنت في مركز للأبحاث العلمية، ومنذ أيام حصلت اشتباكات، وإطلاق نار كثيف، بين الجيش الحر، والحراسات و المتحصنين في المركز من قوات الأمن، وحدثت حالة من الهلع و الفزع، وما كان منى إلاّ أن تسللت خلسة، بعد أن كلفوني بمهمة المراقبة على الحاجز المتقدم، في الليل اشتد البرد وتدنّت درجات الحرارة جداً، وبدأ الثلج يتساقط، وفرّ العساكر من الخدمة، ولحقتُ بهم، وها أنا صرت ملاحقاً لفراري من الخدمة.
-
من يومين، قرأتُ إعلاناً على الفيس بوك، في صفحة الجيش الإلكتروني للنظام ، عن هروب روبوت من مركز البحوث، ورصدوا جائزة مالية كبيرة لمن يجده أو يرشد عن مكانه، ومن غريب الصُّدَف أن تكون أنت بين يديّ الآن.
-
أفهمٌ من كلامك، أنني مطلوب لهم.
-
نعم، مذكرة البحث صدرتْ بحقك، وتكليف للجهات المعنيّة بملاحقتك للقبض عليك، لأنك عسكري. وما المهمة التي كانت مناطة بك ؟.
-
في الأساس كنت أعمل على مراقبة الأقسام المنتجة للغازات الكيماوية السامة، ثم نُقلتُ إلى قسم المراقبة الإلكترونية لشبكة الأنترنت، واختراق الإيميلات، و حسابات الفيس بوك.
-
وهل يوجد من جنسك الكثير عندهم، يا شمشون؟.
-
في الحقيقة، لا ، فقط نحن على عدد أصابع اليد الواحدة.
-
المهم الآن، البحثُ عنك يجري على قدمٍ و ساق، واستنفارٌ كبير على كافة الأصعدة، ولو أن الوضع غير هذا الوضع، لقمت بتسليمك لهم، وحصلتُ على الجائزة الضخمة، التي ربما تحلّ كل مشاكلي المالية المستعصية من سنين عديدة, يجب أن يبقى أمرك بسرية تامة، وأن أجد المكان المناسب لتختبئ فيه.
-
سأخبرك شيئاً هائلاً، فقد رصدتُ في تلك الزاوية التي كنتُ قابعاً فيها، فهناك بعض الأشخاص من يحمل البارودة على كتفه، ويحمل بين يديه مسروقات من بيوت، وهناك من سرق دراجة نارية من أحد الثوّار، وثائر آخر كان غاضباً وهائجاً لسرقة سلاحه ، بعد أن دفنه في حفرة بحضرة فيمن يظن أنهم ثوّارٌ أمناءٌ مثله.
-
وهل لديك الدليل ؟، لأنني من الصعب تصديق ما سمعتُ منك.
-
بكل تأكيد، هيّا افتح جهاز اللابتوب، واشبكْ منه وصلة( اليو إس بي ) إلى هذه الفتحة التي بجانبي، لتسمع بالصوت، وترى بالصورة، الحقيقة المؤلمة التي لا تدعُ مجالاً للشك أبداً، بإمكانك الاحتفاظ بها على جهازك من أجل المستقبل. و ها أنا أعلن انشقاقي.
-
هل تحتاج لشحن كهربائي لتجديد طاقتك، لأن موعد قطع الكهرباء بعد ساعتين، ولا ندري كم من الوقت حتى تأتي مرةً أخرى.
-
أنا طاقتي ذاتية، تتولد من خلايا نووية تتجدد باستمرار.
فطينٌ في حالة ذهول وشرود ذهن، وأفكار سوداء تعتمل في عقله، ويأس وإحباط سيطرت عليه تلك الحالة لفترة من الزمن، ضربَ كفّاً بكفِّ متأسِّفاُ.. "يا حيف على الشباب ".

تمت

ربّةُ عمُّون ــــا 25\ 5\ 2014


....

كتب الأستاذ: علاء سعد حسن. ملتقى الواحة الثقافي.

أسلوب الالتفات سيدي الأديب أسلوب مستعمل في القرآن الكريم.. وعند العرب القدامى.. ونادرا ما اجده في أسلوب الأدباء المعاصرين ولذلك استوقفني بشدة في قصتك .. ومثال عليه الانتقال من أسلوب الراوي العليم الذي يروي عما حدث مع فطيم .. إلى فطيم نفسه الذي يستخدم أسلوب الراوي البطل اي القص على لسان البطل .. وهذا ما استخدمته أنت في قصتك .. مثال

وسأتابع بدراسة مختصرة عن أسلوب الالتفات في المشاركة القادمة .. لو سمحت لي سيدي لتعم الفائدة .. آملا أن يكون هذا مما يثري الحوار عن قصتك الثرية.. ولا يسحب البساط من تحت مناقشتها المناقشة الواجبة ..
دمت مبدعا كريما

الكلام في لغة العرب، إما أن يصدر على جهة التكلم، أو جهة الخطاب، أو جهة الغيبة. كما يصدر عنها، إما على جهة الإفراد، أو جهة التثنية، أو جهة الجمع. وقد يصدر عنها، إما بصيغة المضارع، أو بصيغة الماضي، أو بصيغة الأمر.

ومن عادة العرب أن لا تسير على أسلوب واحد في كلامها، بل تنتقل من أسلوب لآخر، لدفع السآمة عن المستمع، أو لغير هذا من المقاصد التي تتحراها في كلامها. وهذا الأسلوب في الانتقال في الكلام فن بديع من فنون نظم الكلام البليغ عند العرب، وهو المسمى في علم الأدب والبلاغة (الالتفات).

وللعرب عناية بأسلوب (الالتفات) في الكلام؛ لأن فيه تجديد أسلوب التعبير عن المعنى بعينه؛ تحاشياً من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرات، فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع، كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه، قال السكاكي في "مفتاح العلوم" بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من (الالتفات): "أفتراهم يحسنون قِرى الأشباح، فيخالفون بين لون ولون وطعم وطعم، ولا يحسنون قِرى الأرواح، فيخالفون بين أسلوب وأسلوب".

تعريف الالتفات

يُعرِّف أهل اللغة (الالتفات) بأنه "انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة، ومن المخاطبة إلى الإخبار". ويُعرَّف أيضاً بأنه "إخراج الكلام من أحد طرق التعبير الثلاثة: التكلم، والخطاب، والغيبة، إلى طريق آخر من هذه الطرق الثلاثة". وبعبارة مختصرة فإن (الالتفات) يقصد منه نقل الكلام من أسلوب إلى آخر.
موقف المفسرين

اعتنى المفسرون، خاصة من كان منهم له اهتمام بالجوانب اللغوية، كـأبي حيان، والآلوسي، والرازي، وابن عاشور، بإبراز هذا الأسلوب في القرآن، وأبانوا الفوائد واللطائف المبتغاة من وراء هذا الأسلوب. والقارئ لكتب التفسير، لا يعجزه أن يقف على قول المفسرين: "وهذا على سبيل الالتفات"، أو قولهم: "وهذا من باب الالتفات"، أو قولهم: "وهذا على جهة الالتفات".

فوائده

يقرر أهل اللغة أن لأسلوب (الالتفات) فوائد؛ وذلك أن العرب -كما قال حازم القرطاجني- "يسأمون الاستمرار على ضمير متكلم، أو ضمير مخاطب، فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة، وكذلك أيضاً يغاير المتكلم بضميره، فتارة يجعله تاء على جهة الإخبار عن نفسه، وتارة يجعله كافاً، فيجعل نفسه مخاطباً، وتارة يجعله هاء، فيقيم نفسه مقام الغائب؛ فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير المتكلم والمخاطب لا يستطاب، وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض".

نقلا عن موقع اسلام ويب قسم دراسات قرآنية .. من مقال بعنوان أسلوب الالتفات في القرآن

 

تأملات قرآنية