الأحد، 29 مايو 2022

حوار محمد الصمادي

 

الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا

يحاور

الأديب والقاص "محمد علي الصمادي". الأردن

 



التقديم :

ربما يضيق المكان إذا تلاقت الوجوه. وتشابكت النظرات. وتفلّتت الكلمات بأسئلتها. وارتبكت الألسنة بخجل إذا كانت النية لاستنطاق المكنون المخبوء في دواخل أديب وكاتب وفنان، يسمع بعينيه.. ويرى بأذنيْه.

ليس لأنه مُختلفٌ عن البشر، بل لأنّه صنيع جغرافيا صعبة المسالك، والمِراس إنّها "عجلون" وكفى، المدينة الأردنيّة ذات الموقع المميّز، لا تستنشقُ هواءها إلا نقيًّا لم يُلامس أنوفًا، قبل أنف العجلونيّ، هواء رطيب برائحة البحر المتوسّط.

وما بين "إربد" المُستوية بسهولها، و"عجلون" بتشكيلاتها الجبلية.. تشكلت شخصيّة "محمد الصمادي" الثقافية بالفعل والتأثير والتأثُّر. إيجابًا وسلبًا.

 

أسئلة الحوار:

س1: عَوْد على بدء. محمد الصمادي سنبدأ حوارنا معك، كأديب وفنان احترف التصوير. ما هي أهم ذكرياتك الزمانيّة والمكانيّة التي حملتها معك من عجلون إلى إربد، وهل من صعوبات باختلاف العيش بين القرية "عنجرة" والمدينة "إربد"؟.

**وتحدثت عن دور وزارة الثقافة في دعم الكتاب والكتاب  وعن الكتاب المجاني أو منخفض الثمن،وتحدثنا عن تشكل الوعي الكويتي في تشكيل سعة رؤيتي الإبداعية كنت بين مجلة العزمي وعالم المعرفة المكان لم يشكل عائقًا في ظل ثورة الطباعة والاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي كنت أعيش الانبهار في المدينة وإلا أن اعتزلها لأعود نحو القرية لتعد في أن قريتي الوادعة أصبحت مدينة استهلاكية وكنت أعتقد أنها تصلح للعزلة الأخيرة

 


 

س2- الحكاية الأولى هي الأصدق في دواخل كل إنسان، وليس بالضرورة أن تكون كذلك. ماهي حكاية "محمد الصمادي" الأولى في حياته؟.

**الحكايات الأولى كثيرة: حكاية القراءة منذ الصفوف الأولى ....... منذ سمير مكتبة ثم المكتبة الخضراء ثم روايات الفنية ثم مجلات أفكار التي ما زالت تصدره عن وزارة الثقافة إلى مكتبة مدرسة عنجرة الثانوية التي عملت عليها مع الأستاذ المرحوم يوسف مقطش حين كنت أمارس كافة أدوار مدير المكتبة.

حكاية الحب الأولى مع طالبة المدرسة الثانوية حكاية الكتاب الأول بنو راما الحب والمرأة والحية "الأرض الأولي" والتقديم لهذه الكتب سبع تقديمات للأصدقاء محمد الجراح، عمار الجنيدي، إياد عبود جعفر المعيلي، أيمن الصمادي ومقدم لي أو رسالة رئيسيًا للمرأة.

حكاية الهيئات الثقافية منذ ألوان في التسعينات إلى رابطة الكتاب الأردنيين اربد أمين للسر حكاية مجلة ألوان الورقية وحكاية ألوان الإلكترونية حكايات الأولى ... في كل جنس أردني حكايات الأولى مع التصوير.

 

 

س3- وفيما بعد البدايات حكاية الثقافة والهواية، التي وَسَمت حياة "محمد الصمادي" وشكّلت شخصيّته؛ فما هي الملامح غير المُعلنة والمخبوءة؛ لتتكامل معرفة القارئ والمُتابع وإكمال النصف الآخر المعروف؟.

صراع دائم ولكل مرحلة... صراع داخلي خوفًا على مسيرتي الإبداعية.... كنت أعتقد أن الثقافة تجمع ولا تفرق؛ لأكتشف أن صراع المثقفين دائم متصل متجدد لا تصدمك إبداعاتهم، بل كل واحد يقدم نفسه كقائد ومقاتل؛ فلم يقدمني أصدقائي في العمل التطوعي وحب الامتحان الزماني والمنجز لتبوء منصب إداري؛ فقد ألصقت بي أمانة سر  الأكبر منها، ومن هيئة وحي  رئاسة ملتقى ألوان وضمن محددات خاصة وظروف خاصة.

كانت القراءة فقط هي التي تشكل لدي منحنى  لا يعرفه الكثيرون، عمليًا فقد كنت أنافس "عمار الجنيدي" و"إبراهيم ملكاوي" على التهام كثير من الكتب؛ فالملامح غير المعلنة أنني كنت أحرض الكتاب الجدد على الثورة على جيلنا الذي نحت مكانته في الإبداع ضمن ظروف قاسية من الضجر.. والغضب. 

 

س4- فرحة المولود البكر عظيمة في حياة البشر عمومًا. هل لك أن تصف للقارئ مشاعرك وعواطفك وأحاسيسك المُتولّدة عن نصّك القصصيّ الأوّل، والصُّورة الأولى التي التقطتها آلتُكَ؟.

**كل كتاب ولادة أخرى لها ظروفها ولكل كتاب فرحة أن تتعلم شكل الكتابة.  في القصة فرحة أبطالها تتضح عندما طبعت مجموعتي القصص "يوميات ميت على هامش الحياة" وفرحة المفردات في مجموعة، حنين وسبع أخريات " النثرية"

والفرحة التي وجدتها حين طبعت كتابي " هو الذي يرى" كانت فرحة الناقد حين يجتمع مع ثلة من أصحاب المشروع النقدي، وفرحة كتاب المقالة التي تشير إلى مقطع من مقاطع مشواري الإبداعي بين الصورة والكلمة.

وفرحة من ساهم في إخراج العمل من لوحة الفلان التي أهدانيها الفنان العراقي "تامر الهيتي" وأسرتي أصدقائي الروائي "محمد فتحي المقداد" الذي حرضني على نشر هذه البانوراما النقدية والشهادات الإبداعية. و"عبادة الصمادي" الذي كان معي في تقسيم الجمع الأول وغيرهم.

 

س5- المحطّات كثيرة في مسيرتك الحياتيّة، من غير جدال؛ فإن الأهمَّ هي المحطّة الفكريّة. لو كان بالإمكان إلقاء الضوء برؤيتك الفلسفية على عناوين مجاميعك القصصيّة الخمس.

** كتابي بثلاثة عناوين. وطبع أكثر من ثلاث مرات. وكتب مقدمته في نسخته الأخيرة سبعة من المبدعين. وكانت طبعته الأخيرة باسم "الأرض الأولى" أما عناوينه السابقة "شذرات من قطوف/ من كل روض زهرة".

البدايات ببساطتها وصدقها حد السذاجة. والعلاقات البريئة بدون مساحيق، وكأنها تعلم الكتابة في بداية الحياة، وما زلت أحتفظ بنسختها الأولى بخط اليد. للخطاط السوري "...". وجاءت الطبعة الثانية على الآلة الكاتبة بخطها التقليدي.

ومن ثم كانت المجموعة الثانية" يوميات ميت على هامش الحياة" كمزيج أدبي، عبارة عن كتابات في الخاطرة والمقالة والقصة القصيرة وقصيدة النثر.  وهي تمثل المرحلة الثانية  من مسيرتي الكتابية، في محاولة البحث عن النفس من خلال جنس أدبي محدد، وقد كانت في القصة القصيرة.

حينما طبع كتابي الثالث "حنين وسبع أخريات" التي جاءت كتجربة جديدة لي في محاولة الكتابة التجديدية والتجريدية في النص القصصي.

أما كتابي الأخير "هو الذي يرى" فهو المرايا التي أرى فيها مكانتي بعين الحقيقة.

 

س6- "هو الذي يرى" له قصة مختلفة تمامًا، حيث أنه تكليل وتكريم من أصدقائك وأحبابك. بما كتبوا عن تجربتك، فما هي قصّة هذا العنوان الإشكاليّ بجدليَّة انزياحاته؟.

** هو الذي يرى تاريخ حياة... شهادات تكريم لمسيرتي الإبداعية والحياتية كل من نشر عطر لكلماته في هذا الكتاب. ثلة من كتاب النقد. ثلة من الذين رسموا كلماتهم بأحرف من نور. رهط من الأصدقاء كتاب المقالة والقصة والنقد المتخصص.. حوارات من إعلامين ساهموا في مسيرتي الإبداعية.

أن ترى نفسك، وأنت تسير في حدائق الإبداع، وحولك من يُقدّر هذا الجهد بجائزة أوتكريم، سيكون له الأقر العظيم، خاصة وأنت على قيد الحياة. كانت تلك الكتابات منافسة في عالم الكتابة، والإبداع قناديل نور تنير في روايتي القادمة" مصور أعمى". شكرًا لهذه المرايا التي أوضحت صورة الصداقة والإبداع بين الشعر والنثر والنقد.

 

7- استوقفني نص "ق.ق.ج". "المراسل الحربي"، وهو يُقنّن صورة المراسل الحربيّ أدبيًا. فما تقول؟.

** هناك أسئلة تطرح بحسن نية، وهناك أجوبة تقال لتكون شاهد على مسيرتنا الإبداعية.

الأسئلة حين تثير مكنونات النفس.. لا تسأل المصمم عن منتجة الإبداعي. بعد أن تضع أفكارك بين يديه.. لا تسأل الراعي عن إنتاج الحليب والمراعي قاحلة.

كانت أمي تطلب مني أن أتعلم الخياطة، فرفضت حتى لا أُلبِسَ ثوبًا فضفاضًا لصغار القامة، وحتى لا أنقص قدر أصحاب النفوس العظيمة.

لا تسأل الرياضي الذي يكد في الحياة والعيش بكرامة لماذا لم يسجل هدفًا حين خارت قواه أمام المرمى.

لا تسألني كيف أحب وطني، وأنا أبحث عن لقمة العيش والكرامة.

 

8- كأديب لك حضورك على الساحة الأدبية.

*ما رأيك بفكرة اكتساب الهوية الأدبيّة لأيّ كاتب، *وهل انتقالات الأديب بين فنون الأدب علامة صحيّة، *وأيُّهما أجدى التخصُّص، أو التنويع بين الألوان الأدبية؟.

هناك من يتخصص في جنس إبداعي وينجر ما يستحق المتابعة والقراءة والنفع والفائدة.... وهناك من ينتقل بين الأجناس الإبداعية ليجد نفسه... وهناك ناقد حصيف يعرف بوصلة الإبداع؛ حين يكتشف ما لا يعرفه الكاتب عن نصه.

أما أنا فقد تنقلت بين أجناس أدبية؛ لأكتشف  أن كتابة القصة هي حقلي الإبداعي الذي أسكنه مجربًا مجددًا على أن هواية التصوير؛ كانت لخدمة الحركة الثقافية في عجلون واربد وأحيانًا في محافظات أخرى. الحقول الإبداعية والكتابة الإبداعية متغيرات زمانية ومكانية.

أنا ابن هذه الحياة بكل تناقضاتها، والإبداع مرايا لرؤية العالم.

9- بين الطموحات والخيبات، فما الذي ودّ "محمد الصمادي" كتابته ولم يكتبه إلى الآن. وما الذي ندم على كتابته؟.

** حين تحدثت إلى الأستاذ الدكتور "زياد الزعبي" عن التبرع بمكتباتنا. حدثني عن مشروع التخلي، وكنا ندرك أن المكتبات التي يملكها اصحابها في البيوت. يجب أن تكون في الجامعات ومراكز الأبحاث، بحيث وأن تساهم في إيجاد وتحفيز جيل مثقف واعي..

وحين تحدثت إلى الدكتور "جمال المقابلة" تبنى هذا المشروع في تخصيص جناح في الجامعة الهاشمية عن روح ابنته المرحومة "خديجة جمال" تلك التي كانت تنهل العلم والمعرفة في تحصيل درجاتها العلمية.

وحين وجدت من يقرأ؛ حاولت مما في حوزة مكتبتي الخاصة أن أضع كثير من الروايات والدراسات النقدية في القصة والرواية بين يديه... صديقي وأخي الروائي "محمد فتحي المقداد". وحين انتهت هذه الورقة توقفت عن الكتابة.

 

 

10- مسيرة مُكلّلة بالعطاء على مدار ربع قرن. *ما رؤيتك للمشهد الثقافي عمومًا؟. * بخصوص إشكالية النقد والنقاد، والصراع بين الأصالة والمعاصرة، فهل يحتاج النقد للجرأة  في بيان وجهة ونظر الناقد؟.

*ما هي كلمتك للكُتاب الجُدُد  كنصيحة من خبير يُعتذُّ به؟

 

** الذي يفصل المشهد الثقافي عن المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يملك الرؤيا للواقع الثقافي... هي الحياة وفصولها المتجددة لن أقول الحقيقة كاملة فما كنت ألمسه في بدايات الأعوام من 1990 ولغاية عام 2020 أفضل مما ألمسه اليوم، وهو انحدار في القيم الثقافية والإبداعية لصالح الخراب لم نعد نجد سياسيًا مثقفًا، أوصاحب مشروع حضاري. فساد يتشرى في الثقافة والإبداع، والتكسب من الثقافة من أصحاب أجندات حياتية وليست ثقافية. ما يمكث في الأرض لا يبشر بغد أفضل. وما ينفع الناس أصبح فعل شخصي لرواية خابية.

-النقد علاقات شخصية، لا تحتكم إلى مشروع حضاري فاعل. اطلعت على تجربة كاتب رواية، ووجدت ناقدًا منحازًا إليه، ولم أجد دراسة نقدية جادة

 هل أحدثك عن النقد حسب الجنس الإبداعي. أم أحدثك عن نقد ينحاز إلى كتابات الأنثى والتميز النقدي حسب الجنس. هل أحدثك عن إنتاج منفلت وغياب  الرؤية النقدية الجادة المتابعة.  هل أحدثك عن استجداء النقاد من قبل المبدعين...

-كلمتي للكتاب الجدد... القراءة .... القراءة.... القراءة... والبقية تأتي دون عناء.

لا تلتفتوا إلى محددات النقد ومثبطات الإبداع... 

 

*البطاقة الشخصية والأدبية:

"محمد علي فالح الصمادي" مواليد 1961. بلدة عنجرة. محافظة عجلون. الأردن. رئيس ملتقى ألوان الثقافي. صدر له "الأرض الأولى" و"شذرات وقطوف" و"يوميات ميت على هامش الحياة" و"ولا حياة لمن لا تنادي" و"حنين وسبع أخريات" و"هو الذي يرى".

·     أمينًا له العديد من هيئات المجتمع المدني والعديد من الهيئات الثقافية.

·     أميناً له رابطة الكتاب الإداريين منها اربد للدورين متتاليين.

·     رئيس لملتقى ألوان الثقافي  مع ألوان للثقافة والفنون.

·     مدير المهرجان عائشة الباعونية الثقافي.

·     مشاركات متعددة في المؤتمرات والمهرجان والأمسيات القصص ية للعديد من المهرجانات والأمسيات الشعرية والقصصية.

 

 

 

 

الخميس، 26 مايو 2022

رواية العجوز والوسام الكاميرون

الخطاب العنصري في رواية العجوز والوسام

 

 

مدخل:

تختلف الحالة النفسيّة لكلّ أديب حينما يبدأ بالكتابة في حدث ما، سواء كان قصصيًّا أو روائيًا. كذلك من خلال كتابته تظهر هويته ومرجعيته الفكريّة والاجتماعيّة.

وفي مضمار الأدب الأفريقيّ نغوص في العادات والتقاليد والاعتقادات القائمة بأكثرها على الأساطير.

وفي رواية "العجوز والوسام" لمؤلفِّها "فرديناند أويونو"، وهو دبلوماسي وأديب من "الكاميرون" عام 1956، ونشرت في "فرنسا"، وترجمها "ممدوح عدوان" إلى العربيّة. تتضح فكرة الصراع بين فكرتين متنافرتين متصادمتين، فكرة الأوروبي الأشقر والأبيض، القادم كمحتلٍّ ومستعمر إلى أفريقيا السّوداء، سيطر بالحديد والنار على الأفارقه السود.

صراع متأجج لك يتوقّف، صراع الأقوياء والضعفاء، صراع إرادة الحياة مع أعداء الحياة، صراع الحق والباطل.

 

فكرة  الرواية: 

جاءت الرواية مقسّمة على ثلاثة فصول.

 توزعت محاورها لمعالجة ثلاث قضايا مهمة بتفصيلاتها:

أولاً: "ميكا" بطل الرواية العجوز الذي يتم استدعاؤه من قريته الوادعة إلى مقر الحاكم في المدينة المجاورة لإبلاغه بأن الحاكم العسكري الأبيض سيمنحه وساماً.

ثانياً: توجه "ميكا" للمشاركة في الحفل الذي أقيم في المركز الأفريقي.

ثالثاً: عودة "ميكا" إلى قريته التي دمرت بعض أكواخها عاصفة هوجاء، لكن كوخ "ميكا" ما يزال واقفاً، ويرتمي على فراشه شبه ميت. واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن رواية "العجوز والوسام" تقدم تلك اللحظة التي استيقظ بها الرجل الأفريقي من سباته وعاد إلى نفسه موقناً أن لا مكان للمستعمر على أرضه، وكما صارع عجوز همنغواي البحر وصرعه، كذلك استيقظ الأفريقي الأسود على حقيقة الحرية رغم المعاناة والمذلة التي خضع لها، وتنتهي الرواية بيقين واضح أن لا مكان للمستعمر على أرض "ميكا وزوجته كيلارا". كُتب هذا المستخلص من قِبل دار المنظومة 2018

*المناقشة:

بالتوقف لاستجلاء هذه النقطة الأهم. أن عنوان الرواية، وهو العتبة التي يلج القارئ من خلالها إلى رحاب (العجوز والوسام)؛ فالعنوان يشي ليكشف سرّها. فالكلمة الأولى "العجوز" أي أنه في مراحله العمر الأخيرة. وهو شيخ ضعيف مستَنزَف القوى، لا حول له ولا قوة، في ظل بلد أفريقي مُحتلٍّ احتلالًا مباشرًا، بحكم عسكريّ لا يتوانى ولا يتورّع عن القتل والحرق والتدمير، واستعباد البشر بقسوة لا تنتمي للإنسانيّة أبدًا، وحشية الاستعمار البغيض.

وفي منحًى آخر يشي عنوان الرّواية بتعالقات تتشابه في بعض جوانبها مع رواية "آرنست همنغواي" الشّهيرة (العجوز والبحر)، والعجوز عند "همنجواي" مختلف عن العجوز هنا في رواية "أويونو" مختلفٌ تمامًا؛ إنّه ليس قويّاً، هو عجوزٌ ساذجٌ ضعيفٌ مقهورٌ في مجتمعٍ ضعيفٍ مقهور، لم يخض معركةً ليخسرها ويُهزَم فيها، إنما هو مهزوم على كافّة الأصعدة، من دون أن يظهر خصم له كان وحيدًا على الحلبة، ولم تظهر وتبدو إلّا الهزيمة بمعانيها الواسعة بلا قيود، كان يعتقد ويؤمن أنه يخوض معركة ناجحة لكنه يكتشف انه يصطدم بعالم غريب. ومما وصف به مترجم الرواية. الكاتب السوري "ممدوح عدوان": (وقد يوحي عنوان الرواية بأنها تنحو نحو رواية همنجواي الشهيرة "العجوز والبحر"، ولكن العجوز هنا مختلف، إنه لبي قويا. هو عجوز ضعيف مقهور في مجتمع ضعيف مقهور، وهو يخوض معركة ويهزم فيها دون أن يظهر خصوم على الحلبة.. ولا نرى إلا الهزيمة بمعناها الفردي والعام) ص8.

 ويحاول العجوز وأهل قريته، وكذلك المؤلّف، التشبّث بما بقي في الذّاكرة عن أنفسهم، وعاداتهم، وأساليب تعبيرهم، وردود أفعالهم، ولكنّهم يدركون يوميّاً، وبحادثة العجوز، أنّ البِيض لمْ يتركوا لنا شيئاً.

فالرواية استطردت توغّلًا في رسم العلاقات الاجتماعية في لوحات بألوان القهر والظلم.  لأنّها اعتمدت طريقة الاستطرادات النّفسيّة، و الذّهنيّة، وفي أخرى على استعادة تيّار الوعي الاجتماعيّ، من خلال  الحركة الداخلية للنص الروائي المكتظّ بحركة النّاس فيه؛ ممّا انعكس عليه بحيويّة، جعلت النص تفاعليًا بامتداداته في نفس القارئ، مرة يثير فيه مشاعر الحزن والشفقة، ومرة يشعل الغضب والنقمة، ويثير الكراهيّة الساكنة لكل ما هو أوروبي، لأنه في طبيعية تكوينه متوحش، يقتل ويشرب الدماء.

فالكاتب الذي درس في فرنسا، ومن ثم عاد لها ليكون في عداد السلك الدبلوماسي لبلده الكاميرون؛ ذكي بما فيه الكفاية ليقود الحدث البسيطٌ في مجتمع التّمييز العنصريّ الذي يتحكّم فيه البِيض، وعندما تنتهي من قراءة الرّواية ستكون قد تعرّفت إلى أرياف هذا المجتمع، ولكن ما هو أكثر أهميّة هو أنّك ستكون قد تعرّفت إلى أسلوب تعبيرٍ مختلفٍ، الأسلوب الذي يلجأ إليه الشّعب، في هذا المكان بالذّات، للتّعبير عن فرحه، وحزنه، وغضبه، وخيبته، والأكثر أهميّةً من هذا كلّه أسلوب تعبير الكاتب المنسجم تماماً مع أسلوب تعبير الشّعب. فهو يحكي الرّواية بأسلوب متابعتهم.

 الفصلين الأخيرين (الثاني والثالث) من الرّواية، فيهما تتجلى مأساة أهل القرية، لمواساة أنفسهم، وتضميد جراحاتهم العديدة خاصّة النّفسيّة منها، بطريقتهم البسيطة المُسطّحة، فلا يمكن التكهن بمدايات أحزانهم، وأنت تعاين لا مبالاتهم النهوض بأنفسهم، هذا بحدّ ذاته مدعاة لحزن القارئ، أو في بعض الأحايين ينقلب عليهم، ليشمت بهم ويستهين بهم. لأنهم ارتضوا ذلك لأنفسهم ومن تلقاء أنفسهم. وتظهر فكرة جلية "القابلية للاستعمار" على رأي المفكر "مالك بن نبي".

كلّ ذلك جاء بأسلوب سرديّ ساحر، كأن الكاتب أراد منا الجلوس معه، لمعاينة الواقع بأحزانه وآلامه، وبالتالي تنفجر النقمة في قلوبنا على المستعمر "الفرنسي" الغازي للكاميرون. فقد عانى أجدادنا في سوريا ولبنان من الاستعمار ذاته.

 

*فضاء الشخصيات:

- "ميكا" الشخصية المركزية في الرواية كانت المحمل الرئيس للحدث الروائي بأكمله، وننها تفرعت خيوط لتربط باقي الشخصيات بها، وهي شخصية فقيرة وبسيطة وساذجة تعيش في قرية من قرى الكاميرون، بعيدة عن المركز للمدينة مقر الحاكم العسكري، ومن يمارس سلطاته من خلال العسكريين والجنود البيض، وعدد من المدنيين المستعمرين الذي يديرون أعمالا تجارية وزراعية، ويقومون بتصدير منتجاتهم إلى أوربا عمومًا، وفرنسا على وجه الخصوص.

"ميكا" يعيش مع زوجته "كيلارا" بعدما فَقَدا ابنيْهما في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حرب استعمارية تقود البلاد للدمار والإخضاع بالقوة. ربّما يكون ولديهما قد ماتا وهما يقاتلان أبناء جلدتهم، خدمة لدولة الاستعمار.

 "ميكا"  بطبيعة تكوينه طيّب، بقد وهب أراضيه للكنيسة وللبيض.  بينما هو عاش في كوخ بائس من اطراف القرية. اعتقادًا منه أنه الإنسان المسيحي الذي يضحي بماله وولده من أجل رضا الرب، وهو يطمح لتكريس نفسه قديسًا بطلب رضا الكنيسة ورجل الكنيسة هناك الأب "فاندرماير". الزمان يتحطم على عتبات الوعي، في وقت كان يطلب "ميكا" لا يسعى للخلاص هو وأبناء جلدته، بينما هو محاصر بتعاليم الكنيسة التي لم تخدم الدين المسيحي، بينما هي جزء استعماري تحت غطاء الدين.

"ميكا" نموذج الشخصية الرئيسة التي قادت الحدث من بداية الرواية إلى نهايتها، وكل الحدث الروائي ارتبط به، وانبثق من خلاله، وهو ارتبط به. ومن خلاله أيضًا انبثقت الشخصيات الثانويَّة، لتأثيث السّردَ بمعقوليّة تساوقت مع سير الحدث بتسلسل منطقيٍّ، ومحاولة مُحاكاة الواقع الاجتماعيّ، وحيثيَّاته.

 

فكرة العنصرية: هي رسالة الرواية:

لا شكّ أن الكاتب سجّل ودوّن حالة اجتماعية غير متكافئة، ما بين الأبيض القوي المتفرد بكافة صفات السيد الذي يملك القوة والسلطة، ويفرضها على أهل البلاد المستضعفين المنتهَكين المقموعين المسلوبين لكل أسباب الحياة الكريمة. وفي هذه الطائفة من العبارات المنتقاة من الرواية. يستشفّ القارئ علاقة الكراهة التبادليّة ما بين البيض والسّود. ومشاعر العنصرية المتأججة بالقول والفعل، وعقدة تفوق الأبيض، وشعور الدونية الملازم للإنسان الأسود مقابل الأبيض.

  *عندما استدعي ميكا من قبل الحاكم العسكري لتقليده الوسام جزاء مواقفه. هز هذا الخبر أهل القرية قبله، فاستعد على أتم وجه؛ فصنع له الخياط  بدلة جديدة بمواصفات طلبها بنفسه. زوجته "كيلارا" كانت توصيه قبل ذهابه لتسلّم الوسام: (يجب أن لا تُظهر مشاعركَ أمام الرٍجل الأبيض. أنتَ تعرف أنْهم على استعداد؛ لتنفيس غضبهم في عجوز محترم مثلكَ).ص15.

* يقول أحدهم: (ذهبت لبيع الكاكاو لليونانيين الذين يسرقوننا دائما).ص42.

*(أتعرفون أولئك الجنود الذين. جاؤوا من الغابون، إنهم سود مثل قفا القِدر، ورؤوسهم مثل خصي الخواريف، وأسنانهم كأسنان المنشار) ص42.

* (أظن أنها المرأة الوحيدة من ناحيتنا هذه، التي تزوجت من شخص غريب عن المدينة. ستصير الآن مرأة بيضاء، بعد أن يأخذ زوجها الوسام) ص44.

* (ميكا. سيكون الأفريقي الوحيد الذي سيمرّ أمام مكتب الحاكم العسكري، دون أن يرفع قبعته) ص48.

* فوكونوني شخص أوروبي: (كان يعيش مع امرأة أفريقية، تعوّد أن يُخبّئها في المخزن في القبو، عندما يأتيه ضيوف بيض) ص55.

* (أزيحت الستارة؛ وتقدم أفريقي يمسك بقبعته، ثم انحنى. وقال بابتسامة عريضة:"المشروبات يا سيدي المشروبات فقط..")ص 56.

* (الحمالون يتمايلون يمنة ويسرة تحت أشعة الشمس التي كانت تصب على ظهورهم رصاصًا مصهورًا) ص57.

*(وما يزعجني فعلا هو أن أرى أبيض يمشي أمامي على هذا الطريق، وردفاه ظاهران، يخطر لي أحيانا أن أذهب إليه، وأقول له: سيدي، لم لا نتفضل وتُطوّل سترتك)ص58.

* (المركز عبارة عن كوخ من الحديد المموج، أمر الحاكم بطرشه باللون الأبيض لإخفاء اللون الذي كان عليه. ووضعت فيه الكراسي من أجل البيص على المنصة التي غطيت بقماشة حمراء) ص57.

* (بعد الحرب العالمية الثانية. كل شيء في ذلك الحين كان اسمه ديغول، وكانت صور الجنرال تملأ الأكواخ، لقد سميت بنات باسم ديغول، مثلما أطلق الاسم على صبيان) ص67.

* (كان البيض متشابهين كالبقر الوحشي، لهم جميعا الوجوه نفسها) ص93.

* (آه من هؤلاء البيض. لا شيء مستقيم عندهم. يركضون عندما يسيرون ثم يتحولون إلى سلاحف إذا وعدوك بشيء) ص98.

* (كانت كيلارا تراقب زوجها، وهو يتلقى الوسام بعينين بللهما الفرح. وعندما صافح الرجل الأبيض يد ميكا؛ أحست أن قلبها قد توقف عن الخفقان)ص101.

* قال بعض المشاغبين: (اعتقد أنه كان عليهم أن يغطوه بالأوسمة. هذا كان سيعجبه أكثر، تصور أنه فقد أرضه وأولاده من أجل هذا) ص102.

* سمعت ميكا كلام هذا الشاب: (رأت زوجها ورأسه تحت الشمس يلمع، وهو يبتسم ببلاهة لزعيم البيض. شيء ما حدث في أعماقها لم تستطع أن تفهمه. بدا لها ميكا كشخص لم يسبق لها أن رأته من قبل. أيمكن آن يكون ذلك الرجل زوجها؟ الرجل الذي يضحك هناك لا تربطها به أية علاقة. خافت من نفسها. فركت عينيها، وتطلعت مرة أخرى إلى ميكا.  وانفرجت زاويتا فمها عن تكشيرة ازدراء) ص102.

* (كان الأب فاندرماير، عندما نهر ميكا، وقد أردك بعد فوات الأوان بأنه قد سمح لمخالبه بالظهور، وسأل نفسه ما إذا كان ميكا قد لاحظ ذلك) ص105.

* (وجه الأب فاندرماير الدعوة إلى ميكا للركوب في مؤخرة شاحنته، على الرغم من أنه ليس معه أحد في المقدمة، وجلس ميكا على صندوق خمر العشاء الرباني، وخلع حذاءه) ص105.

* رأي كيلارا الأخير بزوجها ميكا: (هل هناك أم أو زوجة أشد تعاسة مني؟ ظننت نفسي قد تزوجت رجلا، رجلا حقيقيا.. ولكنني، بدلا من ذلك، تزوجت كيسا مليئا بالقذر. آه، يا أولادي، يا أولادي المساكين، بيعوا كما بيع المسيح من قبل يهوذا.. على الأقل يهوذا فعلها من أجل المال. أما الرجل الذي نام نعي، لأحمل منه بكما؛ فلم يحصل على سعر ملائم لبذرته. أنتما، يا صغيريّ، لم يكن ثمنكما إلا وسامًا، هل هناك زوجة أو أم أشد تعاسة مني؟) ص107.

*(كيف يمكن لعبد أن يسألنا: أي نوع من البشر نحن؟ هل كان يريد منا أن لا نظل كما نحن، مثلما فعل هو لمجرد أننا أمام البيض)ص117.

*(استطاع أن يرى وجهي الشرطيين ببذلتهما فوقه، وهما يصيحان: "انهض أيها الخنزير! أين أوراقك؟) ص128.

 

الجمل المفتاحية في الرواية:

أثناء القراءة تأتي جمل تجبر القارئ للتوقف عندها، بما تحمل من دلالات بعيدة، ذات مرامٍ يمكن من استقراء حالة أو حالات تتشابه وتتشارك نفس المعطيات، فكأن قوانين القول تنطبق عليها جميعا، وبالتالي هي جمل موحية، لأنها تحمل مفاتيح الحكمة، وتقدمه بأمانة لفتح العيون والعقول على أشياء ربما تغافلت عنها العقول، لأسباب ظاهرة وباطنة.

-        يخوض معركة، ويهزم فيها دون أن يظهر خصمه على الحلبة/ ص8. المترجم.

-        لا نرى إلا الهزيمة بمعناها الفردي والعام/ص8. المترجم.

-        أنت ضعيف  كضعف الحواريين على جبل الزيتون/ص13.

-        اجلبي لي الطعام. لا يستطيع المرء المثول أمام رجل أبيض، ومعدته خاوية/ ص14.

-        الصياد الماهر كالمومس تستطيع أن تستدل عليه من بُعْد ميل/ص16.

-        إذا ذهب إلى هناك، وهو يبدو مثل امرأة عجوز، لن يجد من يُكلّمه/ص17.

-        وصار العرق أكثر ندرة من دموع الكلاب/ص18.

-        الفم الذي رضع، لا يمكن أن ينسى طعم الحليب/من موعظة الأب فاندرماير/ص19.

-        خاطب الأب فاندرماير: "يا أبت لقد أطفأت ظمئي دون أن تكون بي حاجة". وكان هذا يثير دهشة الأب فاندرماير، الذي كان يقول له: "يا أخي. ليس إطفاء الظمأ خطيئة. وليس عليك أن تكون أكثر صرامة من قوانين الرب وقوانين الكنيسة"/ص20

-        مثلما هبطت الشمس، هبطت آمال كلارا، لقد ظهرت الظلال، وعبرت القرية طيور المساء، وبدأت كيلارا تفقد الأمل/ص25.

-        العجائز يمرضون صباحا، فيموتون مساء/ص26.

-        فاه اغناطيوس بابتسامة عريضة, وقال:" نحن أعضاء الإرساليات مثل البوم، كلما قلنا لكم ما سيحدث. يصرخ الجميع: إنه السحر" /ص32.

-        إذا تكلمت الأشباح هطل المطر ليلا. وإذا طلبت منك أن تخفض صوتك، فهذا لأن هناك عدوا/ص 41.

-        الطفل ثمرة غريبة. التربة لا تُفرّق كثيرا/ص71.

-        وما الذي يمكن أن يحدث في الغابة؟ قال انجامبا: "الأخبار هنا، وهنا أيضًا.. لا يحدث أي شيء/ص78.

-        عالمه وعالم الآخرين الذين اعتبروا أشباحا عند مجيئهم إلى هذه الأرض. لم الآن مع أناسه، ولم يكن مع الآخرين/ص93.

-        وسأنتظر حتى لو أنه يأت إلى الليل. حتى لو لم يأت إلى الغد. حتى لو لم يأت إلا بعد عام، أو حتى نهاية الدنيا/ص95.

-        كانت تلك ملاحظة غادرة بددت كل حماس كيلارا. عندها فقط عرفت أن حزنها ما يزال كبيرا، وأنه ما من شيء يمكن أن يعادل فقدانها لولديها، فكّت منديلها ودفعته في فمها لكي لا تبكي/ص102.

-        أدرك بعد فوات الأوان، بأنه كيف سمح لمخالبه بالظهور/ص105

-        حين تخرجون من هذه المستشفيات تخرج أقدامكم قبلكم/ص118

-        لم يتذكر كيف صار هكذا مستلقيا على قفاه في هذا الفراغ، ويداه في الظلمة لا تسعفانه بالتمسك بأي شيء/ ص123.

-        الشمبانزي ليس أخا للغوريللا/ص155.

-        التجاعيد امتياز الشيخوخة/ص157.

-        الدموع لا تفيد الموتى/ص157.

-        الحرباء تمشي على قدمين/ص158.

 

 

الخاتمة:

رواية "العجوز والوسام" لا شكّ أنها حلقة واحدة من سلسة كبيرة من المهانة وانتهاك الكرامة الإنساني، من قبل استعمار أوروبي متوحش، يبنى ثرواته ورفاه مجتمعاته على حساب دم وعرق الشعوب الضعيفة، الإنسان  هو الخاسر الأول، سواء كان الإنسان الأفريقي أو العربي، فجميعنا في الضعف سواء، تشابهت ظروف الاحتلال والقهر الاستعماري، وما زالت.

كذلك نقطة مهمة جاءت عليها الرواية، وهي نشوء علاقات الكراهة التبادلية بين القوي والضعيف، كما أنها ذات أبعاد إنسانية مؤثرة، بم عرضت من أساليب الاستعمار في استخدام القوة المفرطة في إخضاع الشعوب، ونهب مقدراتها وقدراتها. واستلاب كرامتها. واختتمت الرواية بمشهدية مؤثرة عن الرجل "ميكا"، الذي ضحى بأمواله من أجل الرب والكنيسة، وأبنائه من أجل فرنسا؛ فما أن غادر الاحتفال عائداً لقريته حتى ضبطته دورية من الشرطة البيض؛ فأشبعته ضرباً ورفساً، بحجة أنَّه دخل مكانًا يمنع التواجد فيه. خسر نفسه وزوجته وأبناءه، وعاد إلى قريته بدون الوسام الذي منحوه له. وكانت الصحوة من جديد، على أمل التغيير المستقبليّ للأفضل.

 

عمان الأردن

23/ 5/ 2022

 

 

الثلاثاء، 17 مايو 2022

أحمد طايل حواره مع فتحي المقداد

 

حوار

 

أنا من أشد المؤمنين أن الثقافة لا تعرف الحدود والأسلاك الشائكة، الكلمة تنتقل ولا تعترف بلجان التفتيش ومحاكمها، الثقافة شريان دم يسرى بلا توقف بين الشعوب، وهى الطريقة المثلى لتحقيق الوحدة بين الشعوب، ومن صغري وأنا عاشق للقراءات متعددة الأجناس الإبداعية والفكرية، لكُتّاب وكاتبات وطننا العربي، ومن هنا عرفت وقرأت للكثير، وتأثرت بكتاباتهم، من أجل هذا كان لنا هذا الحوار مع الكاتب والأديب السوري (محمد فتحي المقداد).

 

حوار أجراه:

أحمد طايل....مصر.

 

 

أسئلة الحوار:

 

=  إن أردنا أن نطرق الباب، وندخل إلى العالم التعريفيّ الخاص بكم، انسانيا وفكريا، ماذا تقول؟

=  إن أردنا أن نطرق الباب، وندخل إلى العالم التعريفي الخاص بكم، إنسانيًّا وفكريًّا، ماذا تقول؟.

** بتوقيت بُصرى: أنا ابن السّنابل الذهبيّة، المعجون بحُمرة ترابها، كأنّ التّاريخ أبى واستكبر إلّا أن يُروّيها بماء الغُزاة والعابرين، ذهبوا جميعًا إلى غير رجعة، وبقي ذكرهم في ذمّة التّاريخ.

أنا الآن من مُدن الأطراف من أقصى جنوب الجنوب في سوريا، كانت يومًا تهفو القلوب إليها، ومقصد القاصدين. منذ أوّل نبضة للحياة استنشقت عبق التّاريخ وصخب الحضارة، مراتع طفولتي عند موطئ قدم النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، في محيط "الرّاهب بحيرا"، و"مبرك النّاقة" التي حملت نسخة مصحف سيّدنا عثمان رضي الله عنه إلى الشّام.

من (بُصرى أسكي شام) بتسميتها العثمانيّة، وحديثًا (بُصرى الشّام) من محافظة درعا. حسب تأريخ أمّي خديجة: أنّها ولدتني سنة الصّهاريج، أيّام المَحْلِ، وانحباس المطر لسنوات تتابعت، يحملها القطار عبر الخط الحديدي الحجازي، وما إن وضعتني حتّى درّت السّماء بوافر خيراتها. وحسب التقويم الحكوميِّ كما هو مُسجَّلٌ في وثائقها الدّالة والتي تثبت أنّني أنا بذاته، فإنه يكون: (1\1\1964). أحد أبناء الحرّاثين، يزرعون ليأكلون، جباههم مُكلَّلة بقطرات عرق لؤلؤيَّة تيجان العزِّ.

تهجَّأتُ بُصرى مع أول كلمة نطقتّها: (ماما)، في مدرستها الابتدائيّة الشرقيّة في عُرفنا، ورسميًّا (مدرسة بصرى الشام الثانية للبنين)، ثمّ إلى المرحلة الإعداديّة والثانويّة في مدرستها الوحيدة التي تضمّ المرحلتيْن معًا، وفي 1982 حصلت على الثانويّة العامّة، ولم أتابع الوصول لجامعة دمشق الحلم، لظروف اجتماعيّة قاهرة. وتوجّهتُ بعد ذلك للخدمة العسكريّة الإلزاميّة، ومن ثمّ إلى سوق العمل عندما اِمْتَهنتُ برغبتي مهنة "حلّاق رجّالي" وما زلت حتّى كتابة هذه الكلمات منذ عام 1986م.ئ

 

= مؤكد أن البدايات والمناخ الذى عشت به المراحل الأولى من الحياة، كانت حجر الزاوية، لامتهان الكتابة، أرجو الإفاضة بهذا؟.

لا يزال مسقط الرأس (بصرى الشام) منجمًا ناضجًا بالحكايا والقصص والأساطير المتناقلة والمتداولة. وما على الكاتب إلَّا الانتباه والالتقاطات الذكية، لينتج نصًا أدبيًا معتبرًا نوعيًا.

والمخزون الحكائي المختزن في ثنايا الذاكرة، هو المادّة التكوينيّة عندي، ما تزال تندّ بطزاجتها رغم تباعُد  الزمان عنها بمسافات من العقود.

مجالس القرية كما يطلق عليها عندنا هي المضافات، وساحة الحارة   بمساءاتها المليئة بالضجيج. هذه الأجواء بحدّ ذاتها المدرسة الأولى في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي الحكوميّ.

ومجتمع بخصوصيَّته الريفيَّة الفلاحيَّة، أعتقدُ أنَّ تشابهاته مع باقي البيئات العربيَّة والشَّرقيَّة عمومًا، لا يختلف إلا ببعض التفاصيل والخصوصيَّات الجغرافيَّة، وأنماط السُّلوك المحدِّدَة لتلك النشاطات.

كما أنَّ للتراتبات الاجتماعيَّة النَّاظمة لعيش الأسرة؛ تفرض شروطها على الجميع؛ فليس من السَّهل الخروج على هذه التراتبات، التي هي بمثابة ثوابت مجتمعيَّة.

يضاف إلى ذلك كله، طبيعة الجغرافيا والتاريخ اللَّذان يُكلِّلان، ويُجلِّلان بُصرى وأهلها بمهابة مليئة بالحبِّ والعطاء.

 

 

= مؤكد لكل كاتب مراحل وعتبات، حدثنا عن محطات تكوينك الإبداعي؟ وما أهم هذه العتبات لديك؟.

القراءة.. القراءة، وحب الكتابة بتدوين ما كان يروق لي، وما أراه نافعًا، كان ذلك في دفاتر خاصّة بي، رسّخت ما أقرأه، هنا مُفتَرقٍ هامٍّ جدًّا، كثيرًا ما أنصح به أصدقائي، والمتابعة المستمرَّة: هي خوابي معرفتي المكنونة في ذهني. أنهلُ منها حاجتي.

 لم تكن قراءاتي للحاجة (قراءة الحاجة)، إنَّما هي ضرورة أساسيَّة لبقائي على قيْد التفكير، ولكي لا يتعفَّن مخِّي، الإبحار القرائي في جميع الاتجاهات المعرفيَّة: (أديان. آداب عربية وعالمية. تاريخ. سياسة. فلسفة. علم نفس. علوم. فلك. وغير ذلك).

وكثيرًا ما كنتُ أنام والكتاب يغطّي وجهي. هذا هو المكوّن لعتباتي الفكرية التي ولجت من خلالها إلى عالم الكتابة الأدبيّة.

 

 

= متى بدأ هاجس الكتابة يداعب أمرك؟.

منذ بداية وعيي وتكويني، كنتُ أنظر بإعجابٍ لأسماء الكتَّاب والمؤلِّفين على أغلفة الكتب. المحفزات كثيرة منذ البداية، رغم الإحباطات والعقبات، بالتصميم والإرادة استطعتُ وضع قدمي على نقطة الانطلاق، خاصَّة بعد امتلاكي لجهاز حاسوب، ودخولي عالم الشَّبكة المعرفيَّة (الأنترنت)، وكسر حواجز الانبهار والتَهُيُّب، حدَّدتُ مسار رغبتي، وبحثْتُ عن زاوية وجدت فيها نفسي، لتحقيق ذاتي.

 

 

= مولودك الأول كاتبا، ماذا يعنى لك، وكيف استقبل بالوسط الثقافي؟.

**مولودي البكر كان فيما بين (2009/2010) رواية "بين بوابتين" و"تراجانا" ما زالتا مخطوطتين، فكانت عبارة عن ذاكرة وعيي الأوّل وتطوّرات بعد ذلك. بعبارة أوضح كانت سجلًا توثيقيًا. فلو نشرت في وقتها لكانت علامة، مع التطورات المعرفية التي اكتسبتها، وخاصَّة تقنيَّات السَّرد القصصيِّة والروائيَّة، لا أعتقد أنَّها تتوافق معه، لمستواها السَّرديِّ البسيط المباشر بطروحاته.

والولادة الثانية جاءت مع نشر كتابي الأول (شاهد على العتمة) العام 2015 في بغداد. كانت طباعته هدية من الصديق والشاعر العراقيِّ (علاء الأديب)، تبنّى الكتاب إعجابًا منه بفكرته الحداثية الجديدة الطرح، اعتبارًا من إشكاليَّة العنوان الانزياحيَّة، إلى تقنية الكتابة ذات والمزيج ما بين القص والخاطر والنثر الأدبي، ذات بعدٍ ترميزيٍّ تأمُليٍّ مُثيرٍ لدواخل القارئ، لملاحظة المحيط والواقع، يُلقي بمفاتيح نُصوصه للقارئ والمتلقِّي.

وكنت أتلقِّى كثيرًا من الإطراء والاستحسان من خلال المنتديات الأدبيَّة، ووسائل التواصل (الفيسبوك).

 

= ما أقرب الأجناس الأدبية إليك؟ ولماذا؟.

**فيما كل ما أكتب؛ راضٍ عنه، وأترضّى عليه. لأنَّ زمن الكتابة هو زمن مُقدَّس بإحداثيَّاته الخاصَّة بي. (لكن الرواية هي الأقرب).

لا شكَّ أنَّ ميلاد الفكرة همٌَّ مُؤرِّق لمنامي، آكِلٌ لراحتي بتلذُّذٍ، كمخاض عسير.. مُتعِب.. مُرهِق. ربَّما تأتي دفقة واحدة، وربَّما تطول زمنًا. فمثلا: مرَّة أُغلِق عليَّ في قضيَّة، وانحبس عليَّ المنفذ. لمُدَّة شهرين كاملين، وبطريق الصُّدفة، فُتِحت نافذة أمام عينيَّ. مرات عديدة وقعت في فخِّ الفكرة؛ فأوثقتني.

بداية كتبتُ الخاطرة في كتاب (أقوال غير مأثورة)، القصة القصيرة جدًا (ق. ق. ج) وتجمَّعت في كتاب (سراب الشاخصات)، وكتبت المقالة، وتكلل ذلك بإنتاج جزأين (مقالات مُلفَّقة) الجزء الأول منه مطبوع ورقيا.

 

= لماذا تكتب، ولمن؟.

**عندما أكتبُ أكونُ سعيدًا، أكتب لأحيا مع أصدقائي وقُرّائي. الكتابة جزء من تشاركيّة الحياة بسلام مع الآخرين. وفتح آفاق التواصل؛ لتذليل صعوبات الحياة، في سبيل إسعاد الإنسانيّة.

 

= ما رؤيتك للمشهد الثقافي، سوريَّا، أردنيًّا، عربيًّا، عالميًّا؟.

الواقع يتدخَّل في تشكيل رُؤى مُرتَبِكة، يصعُبُ فَهْمُ ما ورائيَّة المظاهر البرَّاقة. مُنعَكسات الواقع لا تطمئن، ولا تبشِّر بخير ضمن المعطيات الحاليّة؛ فترابط المستويات التراتبيَّة اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، بروابط مختلفة التَأَثُّر والتَأثير في الحالة الفكريَّة، التي تأتي كمولود خَدِيج يحمل أسباب موته مع ميلاده، وإعاقته شكّلته كمُنتَجٍ مُلتَبِس الهويَّة كالخنثى.

الحروب عمومًا وموجات اللُّجوء والتهجير والخوف والقلق، كلّ ذلك انعكس على الكتابة والأدب بمؤثِّراته السلبيَّة؛ فالأردنُّ جوارٌ لسوريا، لا شكَّ أنَّ سلبيَّات الحرب؛ انعكست على الواقع المعاشيِّ على دول الجوار السُّوريِّ. ولكن مناخ الاستقرار والأمان في الأردن جعلها دوحة ومقاصد، كما أن مناخ الحريات العامة والشخصية، جعل ذلك منها متنفسا ثقافيا، ففي كل صيف ترى عمّان كخلية نحل. يأتيها مختلف أصناف الكتَّاب والأدباء والعرب والأجانب. ويعتلون منابرها الثقافيَّة.

 

= إلى أيّ أيديولوجيا كتابية تنتمى، ولماذا؟.

بطبيعتي لا أحب التأطير الأيديولوجي الفكري، لأنها كابح من كوابح الإبداع؛ فقد كتبت الرواية والقصة والقصَّة القصيرة جدًّا والخاطرة والمقالة الأدبيَّة والنقديَّة، بتقنيَّات تطوَّرت نتيجة الخبرات التي اكتسبتُها على مدار سنوات، وأحاول أن أكون أنا بذاتي وأسلوبي في أيِّ نصٍّ أكتبُه، أرى طريقي بوضوح، أتابع بهمَّة للوصول بمشروعي إلى نهايته التي أرجوها له.

 

 

= المكان والزمان بكتاباتك، مدى تأثرك بهما؟

كثيرًا ما أتوقَّف عاجزًا أمام تنفيذ فكرة، لأنَّ غُموض المكان بذهني غير واضح، تكتنفه غِلالَةٌ سوداء تحجُب خيالي، وتمنعه من الانطلاق.

فالمكان أساسيٌّ من أُسُس الكتابة الروائيَّة والقصصيَّة على الأخصِّ، ويجب توافقه ضمن تدرُّجات التوقيت المتسلسل بشكل منطقيٍّ، بحيث لا يجعل صَدْعًا وفراغًا في ذهن القارئ. ووفق هذا المنحى، لا أستطيعُ الكتابة بلا مكان أو زمان. مُتخيّلان بتفاصيلهما المُعشْعِشَة في ذهني.

 

= النقد هل يؤدى دوره؟ وما رؤيتك لتقويم المسار النقدي؟.

**كما سبق وتقدَّم في سؤال: فإنَّ التخلُّف يعمُّ جميع مُنحنيات تفاصيل الحياة. والنَّقد الأدبيّ ليس ببعيد عن هذا المسار.

وليس والنَّقد وحده المطلوب تقويمه أو النُّهوض به، نحن بصدقٍ: بحاجة لكلِّ شيء جديد، من الألف إلى الياء. نأكل ممَّا نزرع، ونلبس ممَّا نصنع. ساعتها من الممكن الكلام على الجوانب الفكريَّة والفنيَّة، التي هي سِمَة الرَّفاه، والحياة الكريمة.

 

= لمن تقرأ الآن؟ وعن من تبحث عن كتاباته بشكل دائم؟.

**في الثلث الأخير من العام الماضي إلى هذه الفترة. دخلت مشروع قراءة. بداية مع "ماركيز" في رائعتيْه (خريف البطرك \الحب في زمن الكوليرا)، ثمّ الأمريكيِّ "جورج أورويل" (1984) مع رائعة أستاذه البريطانيِّ "إلدوس هسكلي" (عالم جديد شجاع)، وأخير عشت لأشهر مع الروائي الياباني "هاروكي موراكامي" في رواية (1Q84) والسبب في اختيار هذه التنويعة هو وحدة الموضوع في هذه الطائفة من الروايات؛ ففهمت المرحلة الأناركيَّة التي نحن في لُجّتها، أوالإنسان الشَّبَكيِّ، وكيفية فهم الأمن السيبراني، في ظل التقدم الهائل، الذي بدوه تغوّل على الحريَّات الشخصيَّة. وانتزاع الخصوصيات، وجعلها متاحة يشاركها صاحبها مع الآخرين. إضافة لقراءات مختلفة هنا وهناك، لأنني أكتب ولا أنقطع في معظم الأيام.

 

= السيرة الذاتية دائمة التواجد بكتابات أي كاتب، هل ترى أن هناك ضرورة لسكب بعضا من السيرة بكتابات أي كاتب؟.

**كل نص يحمل سمات وروح كاتبه. والكتابة تجربة، فمن الممكن أن تكون تجربة كاتب ثرية فيها من العبرة والعظة والحكايا والرؤى. وبالنتيجة هي تجربة إنسانية، ولا ضير من سكبها بشكل أدبي مضمون قصصي وروائي. ليكون مقروءًا على نطاقات واسعة. فما دمنا نكتب تجارب الآخرين، فلماذا لا يكتب الكاتب تجربته إذا مليئة مثقلة بمحتواها.

 

= ما مدى الحلم الإبداعي لديك؟.

**لا حدود لحلمي الإبداعي؛ فلو استطعتُ الوصول به خارج حدود الكون لفعلت.

 

= إلى أيّ جيل أدبى كنت تتمنى أن تعيش معه؟.

**لا أتمنى أبدًا؛ فكانت ولادتي الحقيقية عندما وجدت ذاتي في الكتابة. ولذلك أنا ابن عصري، أفكر مع أبنائي وأسمع منهم مصطلحات جديدة لم يستعملها جيلي أنا، واستخدمت الكمبيوتر والشبكة العالمية، وهو ما يكن متاحا لمن سبقونا. ولكل جيل قضاياه وتحدياته، وطريقة تفكيره.

 

= ما المشروع الذى تحلم بتحقيقه إبداعيا؟.

** كان حلمي أن يكون اسمي على غلاف كتاب أيًا كان، أو أية كرتونة سميكة تحوي بين دفّتيْها أوراقا ولو بيضاء. بينما كبر الحلم مع مولودي الأول. بطباعة كتابي الأول (شاهد على العتمة)، والحلم صار أمنية ليتحوّلا إلى طموح، أنجزت خلاله للآن بحدود الأربعين منجزا ما بين مطبوع ومنشور إلكترونيا ومخطوط؛ ليتحوَّل هذا إلى غرور بداخلي، لا يُطفِئَه إلا بوصولي إلى مئة كتاب على الأقلِّ. إن استطعتُ؛ فأنا في سباق مع الزَّمن.

 

= ما العمل الذى استأثر على فكرك، وتعاود قراءته مرارا؟.

**كثيرة هي الأعمال التي قرأتها بالعربيَّة والمترجمة من اللُّغات الأخرى. بصراحة قراءاتي الأخيرة التي ذكرتها في سؤال سابق. كانت عميقة ومعمقَّة، تعلَّمتُ منها أشياء كثيرة، والقرآن هو الذي أعاود قراءته بلهفة في كلّ وقت.

 

= بمن تأثرت، وهل التأثر بآخرين أمر يضيف شيئًا للكاتب أم لا؟.

**في كتاباتي لمقالاتي الأدبيّة التي عنونتُها بـــ (مقالات ملفّقة بجُزأيْه)، كنتُ قد قرأت كتاب العربي (نبش الغُراب) للكاتب الاستثنائي (محمد مستجاب) رحمه الله، وسلبتني طريقة كتابته بأسلوبها المميّز عمّا قرأتُ سابقًا، فحاولت تقليد أسلوبه، ونجحت في مسعاي.

قرأت وتعلّمت على سبيل المثال لا الحصر: من كتابات الرّافعي رحمه الله، اعتبارًا من: من وحي القلم، رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد، وحديث القمر. وقرأت الأيام والوعد الحق لطه حسين، والعقاد. وغازي القصيبي، وتركي الحمد، ومحمد شكري، وحنا مينة، وعبد السلام العجيلي، وغيرهم الكثير الذي يضيق المكان عن ذكرهم جميعًا. كلُّ ذلك كوّن عندي خليطًا شكّلت به أسلوبي في الكتابة.

 

= متى تشعر بالغربة الإبداعية؟

**حينما لا أستطيع أن أكتُبَ ما أُفكِّر به. وفي مجتمع غير قارئ، هذه أشدّ أنواع الغُربة في رأيي.

 

= رسائل واجتهاد إلى:

     =الحكومات العربية؟.

**تتلّمس عزّة ورفعة مواطنيها، وصيانة إنسانيَّتهم.

      = المؤسَّسات الثقافيَّة العربيَّة؟.

**أن تبتعد عن الانتهازيّة، وتعمل على تفعيل دور المثقّف الحقيقيِّ.

         = دور النشر؟

**الاشتغال على الأعمال الأدبيّة بشكل جيِّد، بالمراجعة والتدقيق وإعادة التحرير، والابتعاد عن موضوع الرِّبح والخسارة.

      =الكتاب الجدد؟.

**عليكم بالقراءة، والقراءة، والقراءة، لتكوين أساس معرفيٍّ متين.

         = القارئ؟.

**معرفة ما يريد أن يقرأ.

        = الإعلام؟.

**إفراد مساحاتٍ معقولة للشَّأن الثقافيِّ العربيِّ.

 

= ضع عنوانًا عن (محمد فتحي المقداد)؟.

**مجنون قراءة.

 

** السؤال الذى أكتبه لك الآن، ضعه في مكانه الذى تراه مناسبا له.

= ما هي الدوافع الذى دفعتكَ للكتابة؟.

أهمُّها على الإطلاق تحقيق لذاتي، لإرساء المخزون الفائض من مخزوني المعرفيِّ، ونقله ليصبح مادَّة مقروءة ورقيًّا وإلكترونيًّا.

 

=  هل يخضع رسم الشخصية لديكم لمنطق ثابت؟ أم يرسمها الموقف داخل العمل الإبداعي؟.

**بداية كانت خبرتي متواضعة في كتابتي الروائيَّة، كثيرًا ما كنتُ أتصوَّر الشخصيَّة تقوم بدورها، من وحي وضرورات الموقف السَّرديِّ المُتأتِّي بمعطياته المتولِّدة، أمّا بعد ذلك؛ صرت أستطيعُ رسم ملامح الشَّخصيَّة وشكلها، لتتحرَّك، وتقود الحدث إلى الوْجهة التي أريدها.

وجرّبت إلى حدِّ الآن عدّة تجارب في هذا المجال؛ ففي روايتَيْن لي: (دوّامة الأوغاد 2016) و(الطريق إلى الزعتري2019) السّرد المشهدي التناوبي، في كل فصل هناك مشهد للرجال وآخر للنساء بمسار معين للحدث، كما أنّ أسلوبهما كان أقرب للسيناريو، وفي روايتي (فوق الأرض) جرّبت الكتابة بتقنيّة اللَّوحات الفارغة، التي تجعل القارئ يكمل ما يراه مناسبًا للوحة، وهو بذلك يكون شريكًا معي في العمل.

وفي تقنيّة أخرى جديدة في روايتي (خلف الباب) المنجزة حديثًا؛ استخدمتُ أسلوب الاعتماد على وسائل الحواس، خاصّة حاسّة السّمع، والمونولوجات الداخليّة.

أمّا في روايتي (خيمة في قصر بعبدا) قيد الطبع الآن؛ فقد قامت على شخصيّة الكاتب السّارد العليم، الذي قاد العمل كبطل ارتبط بالأحداث، ومن خلاله ارتبط به السَّاردون في العمل. لذلك جاءت تجربتي في الكتابة الروائيّة متنوّعة الأساليب، والتوجُّهات؛ لإفساح المساحات الكافية لخبرتي المُتجدِّدة في الكتابة.

 

عمّان الأردن

ـــــــا 16\5\2022

تأملات قرآنية