الخميس، 14 أبريل 2022

حوار مع أحمد طايل

 


الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا.

يحاور:

الروائي "أحمد طايل". مصر.

 

 

 

 

ربما يضيق المكان إذا تلاقت الوجوه. وتشابكت النظرات. وتفلّتت الكلمات بأسئلته، وارتبكت الألسنة بخجل إذا كانت النية لاستنطاق المكنون المخبوء في دواخل أديب وكاتب، يسمع بعينيه.. ويرى بأذنيْه، ليس لأنه مُختلفٌ عن البشر، بل لأنّه صنيع الحرف والكلمة، عبدٌ مطيع للفكرة.

 

نحن وجهاً لوجه، مع الأديب والروائي (أحمد طايل) كاتب مصري. من مواليد 1956

له من الإصدارات:

-        (على أجنحة أفكارهم.. إطلالات ثقافية)

(شواطئ إبداعية) وهما حوارات مع كبار كتاب وكاتبات مصر والعرب مثل (إبراهيم أصلان) و(خيرى شلبى) و(محمد جبريل) و(يوسف القعيد)، والعديد من الأدباء والكتاب العرب.

-        رواية: (الوقوف على عتبات الأمس).

-        رواية: (متتالية حياة)

-        (رأس مملوء حكايات.. سيرة روائية) قيد النشر

-        رواية(شيء من بعيد ناداني) قيد الكتابه

التقى وقدم الروائيين العرب في الأمسيات: واسينى الاعرج، خيرى الذهبى، محمد الغربي عمران، د. ثائر العذاري، وفاء عبد الرزاق، مكاوي سعيد، د.شريف جناته. وغيرهم.

 

 

س1- الحكاية الأولى هي الأصدق في دواخل كل إنسان، وليس بالضرورة أن تكون كذلك. ماهي حكاية "أحمد طايل" الأولى في حياته؟.

 * فى الحقيقة أن هذا السؤال يحمل تساؤلات أخرى، يفتح الكثير من الآفاق داخلى،   الحقيقة مؤكد أن الحكاية الأولى بحياة أي إنسان تظل دوما راسخة ورابضة بداخله للأبد، أما عني أنا أقول لك: ليست مجرد حكاية واحدة، بل عديد من الحكايات، هى من شكلت كيان ووجدان (أحمد طايل)، الإنسان قبل القارئ والمثقف والكاتب، كل الحكايات صادقة ترتدي عباءة الصدق من قمة الرأس حتى أخمص القدمين كما يقولون، من حسن حظي أني ولدت بقرية، والقرى بكل العالم  تعيش على الحكايات، أغلبها حقيقة واقعة، والبعض اختراعات من رؤؤس وتفانين حكائيها، حكايات القرى لا تتوه ولا تندثر وسط زحام الحياة، الكل يستدفئ بها، ليست القرى مثل المدن التي تموت حكاياتها فى مهدها ولحظة ميلادها، بسبب الهروالات التي لا تنتهى لأسباب عدة، الناس بالريف على تنوعهم بعيشون على الحكايات، يبدؤون اليوم بالحكى عن الأمس وعما هو قادم، بالحقول يحكون، النسوة أثناء الخبيز وصنع الطعام يحكون، بالليل جلسات المصاطب الطينية للرجال، وعتبات الدور للنساء، حكايات دوما لا تنتهي ودوما متجددة، طازجة، بها كل البهارات التى تتسع لها الحدقات، وتفغر لها الأفواه، وتستطيل الأذان، أنا مثل أي طفل، الفضول بالطفولة أكبر وأكبر وأوسع، كنت أتنقل بين الجلستين، أسمع حكايات رجال، وحكايات نساء، ولكن الغالب على هو جلستي على مقربة من جلسة الأب اليومية أمام المنزل، مع أصفيائه وبعضٍ من أهل القرية، بتناولون الحديث عن بعض الشكايات يبحثون عن حلول لها، وبعض حكايا أحداث مرت بالقرية من فترات، وربطها بأحداث حدثت حاليا سواء بيومها أو من أيام سابقة، وحكايات عن قرى مجاورة، قد تتجاوز حدود القرى إلى المدينة، ولكن هذا يكون قليلا، حكايات متعددة الأشكال والألوان، المُحزن والمبهج، والمرعب أحيانا، كل هذا كان يترسخ داخلي، ويختزن وأستعيدة صورا حال ولوجي للنوم، الكاتب هو مشاهد جيد جدا، يمتلك عدسة تصور المشهد من زوايا متعددة، يختزن ويرصد ما يرا،  وما يسمعه، ثم حين تناديه نداهة الكتابة يسكب ذاته على الورق، هناك حكاية، أخرى هي الأب المثقف إلى حد كبير، والحريص بشدة على اقتناء صحيفة الأهرام يوميا، كان يسميها(أم الصحف) إضافة إلى بعض الكتب التراثية، كان من عشاق التراث والسير والتراجم، كان فضولي يدفعني لتناول صحيفته التى يضعها على كرسي مجاور له، أتأمل الصور، والكتابة بألوان مختلفة، ثم الأهم هو جلوسى ليلا بين يديه حين أوبته من كل مشاويره الخاصة به وبأهل القرية، وحكاياته عن الأنبياء، الصحابة، وبعض القصص التى تحمل عظات وعبر ودورس يضعها أمام عيني للسير على منهج صحيح، من هنا كانت البداية، ومؤكد رغم مرور عقود زمنية، مازالت هذه المشاهد والرؤى تتراءى لى دوما، مجسدة وكأنها تحدث فى اللحظة والتو، إن الطفولة هى الحكاية والخطوة الأولى الصادقة تماما بحياة أي إنسان، فما بالك بالكاتب.

 

س2- وفيما بعد البدايات حكاية الثقافة والهواية، التي وَسَمت حياة "أحمد طايل" وشكّلت شخصيّته؛ فما هي الملامح غير المُعلنة والمخبوءة؛ لتتكامل معرفة القارئ والمُتابع وإكمال النصف الآخر المعروف؟.

* منذ ولوجى إلى بدايات المرحلة الأولى تعليميا، ومن خلال وما ذكرته لك عن حكايات القرية وأهليها، وحكايات الأب، أصابني الشغف، شغف المشاهدة، التأمل، لا أبالغ إن قلت أني كنت دوما بحالة تأمل، ورصد لكل شيء أمر به، تأمل بالحقول، بأسطح المنازل المزينة بصوامع الغلال وأبراج الحمام. بدأ الشغف بمجلات الأطفال المواكبة لهذه الفترة، أخذت وقتا طويلا من عمري، ربما حتى عمر الثانية عشر أو أكبر قليلا، بعدها استهوتني الروايات البوليسية، أرسين روبين، روكامبول، أجاثا كريستي، ما شابه ومن روايات الرعب والمغامرات، الطفولة دائمة البحث عن الإثارة والتشويق، عند العمر الخامس عشر بدأت عملية التحول إلى عالم أرحب  أوسع، روايات، أتذكر بدأت بمتابعة سلسلة كتاب(حلمي مراد)، سلسلة روايات الجيب المترجمة (عمر عبد العزيز أمين)، وبعض المجلات قراءات عامة، لابد من تنوع المصادر الإبداعية والفكرية حتى تستطيع أن تكون على مقربة من الحدث، وقادرا على فهمه واستيعابها، ثم ذات يوم وبسيري بأحد شوارع مدينة طنطا التي كنت قد انتقلت إليها بهذه المرحلة التعليمية، وجدت لافته تشير إلى نادي أدب (طنطا)، أخذتني قدماي للذهاب، وسؤال أحد العاملين عن نشاطه، وعن ميعاد ندواته، حرصت ومن لحظتها على الحضور بشكل دائم، مستمع ومنصت ومشاهد جيد لكل فعالية، مفردات إبداعية، سرد، قصة، رواية، نثر، نقد، ثم جرؤت ذات أمسية وطلبت أن أقرأ عليهم قصة كتبتها، وافقوا، كنت أقرأ ببعض اللعثمة، الرهبة كانت تتلبسني، بعد الانتهاء فوجئت ببعض التصفيق، وإشادة، حتى أن أحدهم علق:أني كنت أرى مشهدا من هنا كان الخيط الذى أمسكت بطرفه، ولم أفلته للآن، تصاعدت معي مصادر قراءاتى، قرأت (يوسف السباعى، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، على أحمد باكثير، عبد الرحمن الخميسى، وآخرين) بالإضافة إلى عديد من الأعمال المترجمة، خاصة الأدب الروسي الذى أمسك بتلابيبي ،(تولستوى، مكسيم جوركي، ديستوفيسكى، تشيكوف)، من هنا انزلقت قدماي، وبترحاب وبحب إلى عالم الثقافة، بكل مناحيها، ندوات، مؤتمرات، كتابات ببعض الصحف، إقليميا. وبصحف لها اسم، ثم إعداد لقاءات أدبية للكثيرين، مصريا وعربيا، (واسينى الاعرج، خيري الذهبى، محمد الغربي عمران، د.ثائر  العذارى، سعد جاسم، خضير ميري، وفاء عبد الرزاق، مكاوي سعيد، د.شريف جتاته، محمد الفخراني، خالد البري، والعديد من الأسماء)ّ، المعرفة دوما تتجدد وتحتاج منا اأ نلهث ونهرول حتى نستطيع موازاتها واللحاق بركبها، رغم السنوات الكثيرة التى مرت أشعر كأنني ما زلت على أول الدرج.

 

س3- فرحة المولود البكر عظيمة في حياة البشر عمومًا. هل لك أن تصف للقارئ مشاعرك وعواطفك وأحاسيسك المُتولّدة عن نصّك القصصيّ الأوّل، والكتاب الأول عندما نشر؟.

* بطبيعة أي أمر جديد لأي إنسان لابد أن يجيء حاملا غبطة وفرحه، وأحيانا ألما، ولكنه يظل دوما له رونقا ومذاقا خاصا، والكاتب دوما يكون بحالة ترقب لخروج إصداره الأول، ومدى رد الفعل له، هو مولوده البكر، بالنسبة لى كان العمل الأول له وقع طيب على رغم أنه جاء بعد مشاقات كثيرة، من قراءات لأعمال الكتاب والكاتبات منذ شرعت بإجراء حوارات معهم، ومن مشاق سفر، إعادة صياغة، ولكني أعترف أنى عندما تلقيت أول نسخاته، شعرت أن كميات كبيرة من الأوكسجين النقى بل شديد النقاء قد ضخ بعروقى وأوردتى، بل بكل مسامي، أما عن عملي الروائي الأول، أعترف أني مررت بفترة كبيرة من الخوف والقلق، لأنها تجربة أولى لي بهذا الجنس الإبداعي، أصدقكم القول أنى كنت أعرض كل فصل على مجموعة من الأصدقاء الكتاب والكاتبات، مصريين وعرب، لمعرفة ردود أفعالهم، أعرف عنهم المصداقية والحيادية الإبداعية، وأحمد الله أن آراءهم كانت حافزا كبيرا للاستمرار بالكتابة.

 

س4- المحطّات كثيرة في مسيرتك الحياتيّة، من غير جدال، والأهمَّ هي المحطّة الفكريّة. أين كان ميدان فكرتك الروائيّة الأولى . لو كان بالإمكان إلقاء الضوء برؤيتك الفلسفية على عناوين رواياتك وكتبك المتنوعة.

* مكان روايات الأولى تحديدا هى قريتي (حصة شبشير مركز طنطا محافظة الغربية..مصر)، القرية التي، وحتى وقتنا هذا ما زالت وإلى حد كبير وغير متخيل تتمتع ببكارة الريف بكل ما به من عبق وذكريات وود وتراحم، وبكارة ريف لم يتلوث بالقشرة الخارجية للمتغيرات المصطنعة لأهداف استعمارية وإحتكارية للأوطان وللشعوب، وما أكثر مسمايتها المعروفة للجميع، العولمة وأخواتها، أغلب ما في رواياتي من أحداث وشخوص حقيقية بنسبة كبيرة، وإن غيرت ببعض الأحداث ومسميات الأشخاص وإضفاء بعض الخيال، وبعض الرصد للواقع المجتمعي الراهن، ونداء  للعودة إلى أمسنا، هي جسر بين الأمس واليوم والغد، أما عن العناوين، أختلف مع غالبية الكتاب الذين يضعون العنوان بنهاية العمل، أنا أختارها منذ البداية، يظل أكثر من عنوان يلف، ويدور داخلي لأيام قد تطول أو تقصر، وبالنهاية أقف على العنوان الذى حازعلى تفكيري بشكل دائم، ودوما أبحث عن عنوان غير  استهلاكي، ومعبر إلى حد كبير عن المحتوى، الرواية خاصة وأي عمل إبداعي عامة، لابد وأن يحمل رؤى فلسفية للكاتب خاصة به وبها ذاتيته، حتى وإن تصادمت مع رؤى وفلسفات الآخرين، الكتاب الأول كان مجموعة من الحوارات والنقاشات الأدبية مع كتاب وكاتبات من مصر والعرب، أنا مؤمن أن الحوار مدخل هام وضروري لمعرفة سيكولوجية الكاتب وما يكتبه، أنا أساسا مغرم بعلم النفس، العلم الذى يجمع بطياته الكثير من العلوم الأخرى، وذات الحال كان مع إصداري الثانى(شواطئ إبداعية)، روايتى الأولى كما أسلفت سابقا هى استلهام الأمس وربطه باليوم، إضافة لمحاولة إستشراف الغد وما يحمله لأوطاننا، ولنا كبشر وشعوب، رواية(متتالية حياة)، هى تأكيد على استمرار التصارع الدائم، حتى بين الأشقاء، أو كما قال أحد الأصدقاء النقاد، هى استرجاع لقصة إخوة سيدنا(يوسف) مع تغير الاحداث وبيئه الحدث.

 

س5- "متتالية الحياة" عمل روائي من المدرسة الواقعية الاجتماعية. أحمد طايل هل امتلك شجاعة محاولة الاقتراب من التابوهات في هذا العمل أو أعماله الأخرى؟، وهل كنت جريئا في حواراتك مع الكتاب والأدباء حد ملامسة التابوهات؟.

* متتالية حياة، بها أحداث واقعية حكيت لي من بعض شهود بعض الأحداث أضيف إليها بعض الخيال والأحداث الدرامية، أما عن التابوهات أرحب بها إن كانت داخل سياق العمل بلا خلل به، أما إن كانت تنتقص من العمل فلا مبرر ولا ضرورة لها، التابوهات غير المناسبة أشبه ببهارات غير ملائمة، الكتابة بواقعية وصدق هى مطلب أساسى للكاتب والقارئ معي.

 

س6: "الوقوف على عتبات الأمس" أحد أعمالك الروائيِّة المنشورة متعانق مع حديث الذكريات بين الماضي والحاضر. الروائيِّ"أحمد طايل" وحكاية الأجيال بتبايناتها، برأيك ما نفع العودة إلى الوراء؟. وهل هو هروب من تشابكات الواقع المُربكة؟

* روايتى(الوقوف على عتبات الأمس)، بعيدا عن كونها سيرة ذاتية لحد كبير، فهى ربط بين الأمس واليوم، محاولة لقراءة رياح الغد، أنا مؤمن كثيرا أن الأمس هو الأساس القوى لليوم والغد، التاريخ عندى حجر زاوية للأوطان وللشعوب، من لا يملك أمسه لا يملك ولا يبصر طريق يومه ولا غده، ومن هنا كانت رسالتى من خلال الرواية، أن نكون دائما بحالة يقظة ووعي وبإصرار على ميراثنا التاريخي، من دروس وعظات، وذكريات، الشيء الوحيد غير القابل للتحنيط هى الذكريات، هى حية بداخلنا، قد تتوه أو تنزوى بعيدا لبعض الوقت، ولكن ويأتى وقت تجدها  تنبثق وتظهر للواقع، تدق نواقيس كثيرة، تدعونا أن لا تكتفى بالتشدق بتاربخنا وأننا حملة حضارات وعلوم، مع الاحتفاظ بالتاريخ لابد من الإضافة إليه، مما يؤكد أصاله وعراقه التاريخ.

 

س7- كأديب لك حضورك على الساحة الأدبية. ما رأيك بفكرة اكتساب الهوية الأدبيّة لأيّ كاتب، وهل انتقالات الأديب بين فنون الأدب علامة صحيّة، وأيُّهما أجدى التخصُّص، أو التنويع بين الألوان الأدبية؟.

* تعددت الرؤى فى هذا الصدد، فمن قائل ومطالب أن التنوع الإبداعي أمر مهم وضروري لمن يمتهن الكتابة، وهناك بالطبع من ينادى بالتخصص، وأنا مع هذا الرأى تماما، التخصص ينتج عنها جنسا إبداعيا أخذ حقه من الفكر والرعاية حتى خرج بصورة يرحب بها الجميع، مع التسليم أن هناك البعض من تميز رغم التعدد، ولكنه استثناء وبعدد قليل للغاية، أما عن مسأله الهويه للكاتب فيجب على أي كاتب أن يهتم وأن يتمسك بجنسه الابداعي الذي يؤكد على هويته الخاصه.

 

س8- بين الطموحات والخيبات، فما الذي ودّ "أحمد طايل" كتابته ولم يكتبه إلى الآن. وما الذي ندم على كتابته؟.

* للأمانة وبكل صدق كنت أتمنى أن أبدأ رحلة الكتابة بعمر أقل كثيرا من بداياتي، أنا بدأت الكتابة بعد تجاوزي الأربعين، الكتابة الفعلية، ليست كتابات البدايات التى كانت مجرد ولوج لعالم الثقافة والمثقفين، ولكن أقر إني قبلها كانت فاعلا كثيرا، والفعاليات كان لها أثر كبير على الثقافة بمحافظتي على الأقل، أما عن العمل الذى حلمت به ومازلت، هو أن أكتب سيرة عائلتي ورحلتها زمنيا ومكانيا، كل عائلة لها تاريخ طويل، به انكسارات، به نجاحات، به إشارات،أكتبها على غرار العمل الإبداعي الكبير(ملحمة السراسوه)، للكاتب(أحمد صبرى أبو الفتوح.

س9- مسيرة مُكلّلة بالعطاء على مدار أكثر من ربع قرن. ما رؤيتك للمشهد الثقافي عمومًا؟.

* المشهد الثقافى الآن تعتريه وبشدة وبصدق حالة كبيرة من الوهن والترهل لأسباب عدة، التكنولوجيا الحديثة، واستسهال النشر على الأنترنت نصوصا ركيكة، وبلا أي مضامين للأجناس الأدبية، انصراف وابتعاد الغالبية عن القراءة الورقية، ربما لارتفاع أسعار الإصدارات الجنوني، مما لا يعطى فرصة لمعرفة مدى تميز محتوى الكتاب وتميز الكاتب ، غياب الرقابة ولجان النشر الحقيقية، وليست الوظيفية التى لها ضمير وثقافة تحدد مدى صلاحية العمل للنشر من عدمه، المشكلة الأكبر اتساع مساحات القراءة الإلكترونية التى أراها قراءة أشبه بالمنتج المعلب مضافا إليه مكسبات لون ورائحة، وإبهار بصريّ شديد يشتت الأفكار، منذ أن وفد إلينا ما أسموه بالعولمة، والتى أراها من وجهة نظري المتواضعه، حرب هدفها الأساسي، حرب لتفريغ الشعوب من هواياتها وثقافتها وقيمها وأعرافها، حقا هو بأحيان قليلة وعلى فترات متباعدة تنتابه حالات إفاقة سريعة لا تستمر طويلا، وقد تموت فى مهدها، هذا يدفعنى لأن أعيد الدعوة التى أعلنتها كثيرا، إنشاء مجلس أعلى للثقافة العربية، يجمع كل الكيانات العربية الثقافية، مهمتها الرقابة الحاسمة على الإصدارات، توفير الكتاب الذى يصدر بأي بلد عربي ليتواجد بنفس الوقت بكل البلدان العربية، وأن يدعم الكتاب من قبل كل الحكومات والمؤسسات الثقافية العربية، قد يكون هذا نوعا من العلاج الذى يخرج ثقافتنا من النفق المظلم.

س10: بخصوص إشكالية النقد والنقاد، والصراع بين الأصالة والمعاصرة، فهل يحتاج النقد للجرأة  في بيان وجهة ونظر الناقد؟.

* أؤيدك تماما أن النقد يحتاج حاليا وربما من عقود سابقة إلى معاودة جراءته، بل يجب  أن تكون جراءة متناهية، أشبه بمشرط جراح يزيل العلل والأورام الخبيثة التى إنتشرت بشدة بالجسد الثقافي، نحتاج إلى زيادة أصحاب الضمائر والرؤية النقدية الواعية والرقيبة على الكتاب ومحتواه، نفتقد إلى صاحب القلم النقدي الجريء المؤمن أن النقد رسالة، وأمانة تستحق الضمائر الحية، للأسف تراجع الدور النقدي، فتراجع المحتوى الإبداعي، ظهرت على الساحة ظاهرة الناقد الملاكي الذى يخصص قلمه ونقده لكاتب أو كتاب بأعينهم، غابت الحيادية، فكان ما نراه من إصدارات لا يجب أن تصدر من الأساس.

 

س11: أحمد طايل الروائي. مقارنة بين علمين روائيين "نجيب محفوظ" و "خيري شلبي"، رغم أنهما يتجايلان، ويتساوقان في أعمالهما الأدبية العديدة، التي أرّخت حكاية النيل والأهرامات وبسطاء الحارة والقرية المصرية. برأيك لماذا بقي خيري شلبي في الصف الخلفي بعد نجيب محفوظ؟.

* حقيقة لا أملك تفسيرا منطقيا وموضوعيا لهذا الأمر. كلاهما من القامات الباسقة بعالم الأدب والفكر العربى، وربما عالميا، دعنا نحاول الوصول إلى تفسيرات قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة، نجيب محفوظ بداياته كانت سابقة عن بدايات خيري شلبي، وظهرت كتاباته بشكل مغاير لما اعتاده القارئ بهذا الوقت، لغة مغايرة، رصد للواقع المعاش والمعبر صدقا عن المجتمع، مما أوجد نوعا من الاهتمام الأكبر بالمنجز الأدبي لمحفوظ، ارتياد محفوظ الدائم لكل صالونات الفكر، ووجود عدد كبير من المثقفين الذين التفوا حوله، وأصبحوا من مريديه، كل هذا كان سببا أساسيا لبزوغ نجم محفوظ ووصوله للعالمية، كل هذه أدوات وأسباب لم تتوفر لشلبي، رغم إنه صاحب كتابات عن الشريحة الأكبر من المجتمع المصري بواقعية، دعنى أقرر أمرا مهما لك، يوجد الكثير من أصحاب القلم المتميز على طول الخريطة العربية وعرضها، لم ينالوا حظا من الانتشار بسبب عدم قدرتهم على طرق أبواب الإعلام، ولم يجدوا من يأخذ بأيديهم، سيدى طرق الأبواب بحثا عن حق لهم موهبة قد لا تتوافر للكثيرين، تموت مواهب وأقلام عديدة بسبب عدم قدرتها على طرق الأبواب.

 

س12: أحمد طايل في معرض القاهرة الدوليّ. وأراد اقتناء أعمال روائية، ما هي الأسماء العربيّة الحريص على أن تكون أثمن مشترياته، وكذلك الأمر للأدب العالمي المترجم؟

* عندما أذهب إلى معرض الكتاب أكون واضعا بعقلي بعض الأسماء التى دوما أتابع أعمالها، هم كثر، سوف أذكر البعض، وليسامحنى البعض لعدم تذكر بعض الأسماء، حريص على اقتناء أعمال،(واسينى الأعرج)، الكاتب الجزائرى الكبير، التى تتناول معظمها الفترة الأندلسية وماحدث بها من نكبات للعرب، التاريخ الأندلسي الزاخر بأمور كثيرة لم يمط عنها اللثام بعد، عن (خيرى الذهبى)الكاتب السورى وكتاباته الواقعية التى هى تصوير درامى بجودة فائقة، عن(خالد خليفة) الكاتب السوري، أيضا الذى يكتب بل ينزف الوجع السورى بواقعية متجردة بكل كتاباته، عن(محمد الغربى عمران)اليمني، الذى يُضفّر بين اليمن قديما وحديثا كتاباته، أبحث دوما عن كتابات أرى بها الكلمة تتحول إلى صورة بصرية، الكلمة عندما تكون على هذا الشكل تكون أكثر قربا لعقلى وثقافتى وأيضا قلبى.

 

س13: تطالعنا الكثير من العناوين الروائية يوميًّا من خلال الإعلانات على وسائل التواصل والسوشيال ميديا كسيل جارف. بالتدقيق فيما ينشر ويطبع كثير منه لا يرقى لمستوى تقنيات الفن الروائيِّ بمستوياته المتعددة، ولا ننسى تدني التقنيات اللغوية. ما رأيك بهذه الظاهرة؟.

* سؤالك هذا يدفعنى دفعا  إلى قول الآه.. بصوت عال جدا، بل بصراخ حاد، فعلا كل يوم تخرج علينا سيول لا تتوقف من الإصدارات  ذات عناوين براقة تجد قبولا لدى شريحة كبيرة من الشباب الذى تم تفريغ عقله من التمييز بين الجيد وغير الجيد، كتابات تعتمد اعتمادا كليا على مخاطبة الغرائز، مخاطبة النزوات والنوادي المعتلة، وهذه واحده من أساليب العالم لإلهاء شبابا عن تاريخه ومعتقداته، ونعود إلى ما قلناه سابقا وبح صوتنا من قوله، غياب الرقابة، عدم وجود لجان نشر كسابق العهود الماضية التى كانت تغلب أمانة الثقافة والفكر على أى أمور أخرى، لجان لا تعرف المحاباة والمجاملة وتصعيد البعض على أشلاء البعض، لابد من وقفة حاسمة من كل ما يعنيه الأمور من حكومات ومسؤولية، الثقافة هي مقياس ومعيار أساسي عن الأوطان.

 

س14: ظاهرة استسهال الكتابة. يحيث تسمع ممّن يتهجّى ويستجدي الفكرة والكلمة ولا يجدها، أنه بصدد كتابة رواية. ما قول الروائي أحمد طايل؟.

* لايمكن بأى حال ومن الأحوال أن يكون هناك استسهلال بالكتابة، الكتابة لابد لها من أدوات حقيقية وثقافة متعددة الزوايا، حتى تكون كتابات حقيقية رصينة، تخاطب العقول، تفتح أمام القارئ أبواب التساؤلات، التساؤل مهم، إن استطاعت الكتابة ان تجعل القارئ إلى إعمال عقله فهى كتابة ناجحة، هناك الكثير ممن يمارس الكتابة بهدف البحث عن التواجد تحت دائرة الضوء، أو بحثا عن الأموال بزمن زادت به مساحات تواجد كتابة لا تنتمى أو تعبر عن الواقع المعاش، العلاج الأوحد هو تجاهل كتاباتهم، الرقابة الجادة على دور النشر، عدم السماح بالتواجد لأصحابها بالتواجد داخل الدائرة الإعلامية، للأسف هذا النوع صار دائم الظهور إعلاميا أكثر بكثير من رموز وقامات أدبية. بإختصار الكاتب الذى لم يتألم ويقترب من واقعه، وعاش صنوف الحياة، لن يكتب شيئا بعيش ويستمر.

 

س15: ما هي كلمتك للكُتاب الجُدُد  كنصيحة من خبير يعتدُّ به؟

* إلى كل الكتاب والكاتبات أصحاب الخطوات الأولى بعالم الكتابة، قبل أى شيء وقبل أن تمسك القلم لتكتب وتخط حرفا واحدا، اقرأ كثيرا، ومن مصادر وثقافات.متعددة، ومن أجناس متعددة ، علم نفس،اجتماع، سياسة، اقتصاد، تاريخ، كل الأجناس  الأدبية، حتى يكون لديهم مخزونا من الرؤى المتسعة واللامحدودة للكتابة بصدق وتمكن، أدعوهم لمغادرة نوافذ وأبواب القراءة الإلكترونية، القراءة الورقية تمنحكم مذاقا خاصا، لون وطعم ورائحة، تمكنكم  من قراءة محتوى السطور بشكل كبير وقراءة ما بين السطور وأعلاها وتحتها، يقولون أن أعمدة الحكمة سبعة، وأنا أقول لكم أعمدة الكتابة الحقيقية بالآلاف.

.

 

الاثنين، 11 أبريل 2022

محمد زعل السلوم كاتب وباحث

 

محمد زعل السلوم الكاتب والمترجم السوري الذي صنع وترجم 64 كتاب في تركيا

محمد فتحي المقداد

ابن سوريا ومحب المعرفة، المترجم والصحفي والكاتب الروائي والقصصي والشاعر محمد زعل السلوم، مشرد البوسفور كما في روايته الجميلة التي طبعها بالعربية في وطن المنفى تركيا، وشاركت كتبه في معرض اسطنبول للكتاب العربي 2021 ومعرض غازي عنتاب 2022، ومعرضي الدوحة والشارقة 2022، لينثر الحب والفكر العربي السوري في أصقاع العالم ورقياً والكترونياً فلا يكاد يمضي يوم إلا ونطالع له المزيد من المقالات تارة حول الحرب الأوكرانية، وتارة في الشعر الموزامبيقي والأدب الأرتيري والأمريكي والتايواني والحكمة الصينية والهندية واليابانية. بكل بساطة أنت تتنقل مع هذا الكاتب المبدع في أثير الكون تتنفس أفكار شعوب العالم، فمن خمريات الشعر الفرنسي تتذوق نبيذ بودلير في أزاهير الشر إلى كاتبة الأطفال الكندية ماري كلير دافيلوي، ومن أعمال موليير الخالدة إلى الخال فانيا تشيخوف وسوداوية سيوران.

فمن هو هذا السوري الموسوعي بثقافته والغزير بل والخصب في أعماله ؟

محمد زعل السلوم مواليد دمشق 3 نيسان 1979 وهو ينحدر من عائلة جولانية نزحت عام 1967، واليوم يعيش منفاه الثاني في اسطنبول ولا نعلم أين فيما بعد؟

شارك بدايات القرن الحادي والعشرين بديوان باللغة الإسبانية مشترك في دمشق، وطبع عام 2014 ثلاثة دواوين شعر هي عُرمة قمح والحب والتكوين وأوبوا، خريج الأدب الفرنسي جامعة دمشق ودرس الماجستير السمعبصري بالمعهد العالي للترجمة الفورية والترجمة جامعة دمشق، وحاصل على معادل ماستير بالتربية وعلم النفس صادر عن الأونروا خلال أعوام تعليمه الفرنسية في مدارس اللاجئين الفلسطينيين بدمشق.

عمل بمنظمات إغاثية واسعافية كمتطوع في منظمة فرنسية وأمريكية ويابانية بعد الثورة السورية، وبعد لجوئه لتركيا كان عضوا في بيت اسطنبول الفرنسي وعضو رابطة الكتاب السوريين في لندن.

نشر دراسات ومئات المقالات في مركز حرمون للدراسات وموقع جيرون وعشتار وآفاق حرة وزي بوست وألوان نيوز وغيرها من المجلات والصحف.

صانع خمسين عمل لليوم :

  تنقسم أعمال محمد زعل السلوم بين الرواية والشعر والترجمة والسياسة والكتب النقدية والمجموعات القصصية  وهي حتى اليوم :

أعمال شعرية ونثرية :

1-الحب والتكوين 2014 دمشق دار بعل

2-أوبوا 2014 دمشق دار بعل

3-عُرمة قمح دمشق مطبعة مراد 2014 ودار شرفات تركيا 2020

 

4-وتبقى دمشق دار شرفات تركيا 2020

5-ألفية بغداد دار شرفات تركيا 2020

6-ألفية الجنون دار شرفات تركيا 2020

7-إكليل الغرباء دار شرفات تركيا 2020

8-هانامي الياسمين دار شرفات تركيا 2020

9-هافامال دار شرفات تركيا 2020

10-النبش والهذيان دار شرفات تركيا 2020

11-أيتام محمد (مادالا) دار شرفات تركيا 2021

12-الخوارج على الحب دار شرفات تركيا 2021

13-نثريات حالمة دار شرفات تركيا 2021

14-تغريدات الليل والوجد دار شرفات تركيا 2021

15-كوامون كوماموتو (ساموراي السعادة) تركيا 2022

16-هانا واساكو دار شرفات تركيا 2021

17-طريق الشام يا بيروت تركيا 2022

18-فيكتوريا الأندلسية تركيا 2022

19-ديوان الرثاء تركيا 2022

20-نبطيات تركيا 2022

21-إلى ياسمين تركيا 2022

22-أسود أحمر تركيا 2022

23-هايكو عربي تركيا 2022

24-جذاميات تركيا 2022

25-الديوان الاسباني المشترك دمشق 2005 معهد ثربانتس الإسباني

 

أعمال روائية :

1-مشرد البوسفور دار شرفات تركيا 2021

2-حب في زمن الكوليرا تركيا 2022

3-ساموراي اسطنبول تركيا 2022

4-رحلة شنب

مجموعات قصصية :

1-طفولة نازح من الجولان

2-ذكريات ياسمين دمشقي

3-قصص قصيرة جداً

4-دنون وثرثرات كاتب

5-لو لم يكن هناك شمال

6-زنزرخت

7-حط بالخرج

كتب سياسية :

1-وقالت الصفحات

2-سوريا اللاجئة

3-الحروب السورية

4-الحروب الأمريكية الصينية

5-إيران والربيع العربي

6-الغزو الروسي لأوكرانيا 2022

7-سوريا 1967 في الوثائق البريطانية

8-سوريا والشيوعية في الوثائق البريطانية (1954-1967)

كتب جمع وتوثيق :

1-محمود درويش كاتباً في زاوية الأدب (1961-1962)

2-جودت سعيد العلامة اللاعنفي

كتب حول الجولان :

1-طبوغرافية وقرى الجولان

2-مقالات متنوعة عن الجولان

3-رحلات عربية إلى الجولان

4- البطيحة في الأرشيف الفلسطيني (1935-1936)

كتب مترجمة عن الفرنسية :

1-خمريات الشعر الفرنسي

2-قصيدة الربيع الفرنسية

3-قصيدة الصيف الفرنسية

4-قصيدة الخريف الفرنسية

5-قصيدة الشتاء الفرنسية

6-القصيدة الثورية في موزامبيق

7-مختارات من الشعر العالمي

كتب دراسات نقدية :

1-أفلام أثرت في المجتمعات الغربية

2-أفلام غيرت حياتي

3-أفلام أوسكار 2022

4-روايات كندية تحولت إلى أفلام

5-دراسات نقدية من الحياة الثقافية

6-اتجاهات الأدب السوري بعد الثورة

7-أدب اللجوء

 

 

 

حواري مع محمد إقبال حرب

 

 

حوار مع الأديب اللبناني (محمد إقبال حرب).

 

أجرى الحوار: الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا




بطاقة تعريفية:

قبل الدخول في حوار مع الكاتب محمد إقبال حرب، لابد من إشهار بطاقته الأدبية؛ فهو عربي لبناني المولد والمنشأ، عاد قبل سنوات إلى مسقط رأسه بعد رحلة اغتراب أميركية- سعودية، متخصص في مجال البصريات الدقيقة.

احترف الكتابة الأدبية هناك وتابعها بعد عودته إلى لبنان، ليكون هويته الأدبية من خلال نشره لأعماله الموزعة ما بين الشعر والرواية والقصة. يعني أننا أمام أديب شامل.

في مجال الشعر : ديوان (عاشق النسيان) 2013/ ديوان (مقتطفات من ديوان عاشق) النسيان عربي- إنكليزي 2015

1-              Birth Of A Poet – ديوان شعر/مقتطفات إيطالي-إنكليزي. 2016

 وفي الرواية صدر له:

1-             الحقيقة – رواية 2010

2-             هنا ترقد الغاوية – رواية 2013 – طبعة ثانية 2014

3-             الملعون المقدّس – رواية 2021

4-             العرّافة ذات المنقار الأسود_ قريبًا

القصة القصيرة:

1-             موت شاعرة (مجموعة قصصية) 2012

2-             يعيش النظام – مجموعة قصصية 2016

3-             العميان الجدد – مجموعة قصصية –2018

كما أنه عضو اتحاد الكتاب في لبنان ومصر، والعديد من المنتديات الثقافية. ومؤخرًا المنجز الأبرز عربيًا هو (جائزة الأديب محمد إقبال حرب للرواية العربية) التي أنشأتها مؤسسة الوطن العربي الإعلامية.

في حوارنا مع الأديب محمد إقبال حرب، يطيب لنا توجيه العديد من الأسئلة حول رحلته مع الكتابة التي شكلت ملامح مسيرته الأدبية.

 

بداية أود أن أشكرك صديقي الروائي القدير محمد فتحي المقداد على هذه المبادرة التي تعمل على التواصل الفكري والحوار البناء.

 

أسئلة الحوار:

 

س1): من اللافت لانتباه المتابع لتجربتك الكتابية، أنها تتراوح ما بين أكثر من جنس أدبي (الشعر والقصة والرواية)، إن دلّ ذلك على سعة اطلاعك وثقل مخزونك المعرفي. هل من الضروري للكاتب تحديد الهوية الأدبية، أي الاختصاص في جنس أدبي واحد؟.

الجواب:

 

حيث أن مهمة الكاتب هي إيصال الرسالة المرجوة بأفضل الطرق إلى القارئ فإن تنويع أساليب الكتابة هو من أفضل المحفزات للكاتب للتعبير عن رسالته. تقييد الكاتب بجنس أدبي واحد عندما يكون حاملًا للموهبة ظلم له وللقارئ.

 

س2): من المعلوم أن الشعر هو المنتقى الأرقى والأجمل من كلام العرب، والشعراء من يتقدم الصفوف، وتبسط لهم ساحات الأمسيات على الدوام. لوحظ انحيازك وتحولك للكتابة الروائية. هل جاء هذا التحول محض قناعة بصحة اختيارك؟ وهل ذلك برأيك هو تنازل من مرتبة الشعر إلى السرد الروائي؟

الجواب:

اسمح لي بداية أن أعترض على مقولة "تنازل من مرتبة الشعر". علمًا أن الشعر قد تبوأ عرش الكلمة منذ فجر التاريخ لنقاء حرفه وقدسية معانيه. لكن الحقيقة تكمن في أن الكتابة الأرقى هي البليغة، الرصينة، الوجيزة، الهادفة في أي نوع من أنواع الكتابة. أما اختياري للرواية وغيرها من أنماط الكتابة ليس انحيازًا، بل يعود إلى نوعية المواضيع التي أخوض بها والتي أستطيع الإبحار في كينونتها بطريقة أفضل من خلال الرواية والقصة والمقالات أكثر من الشعر، فالشعر لديّ "هبّات" تأتي وتذهب أما "شيطان" الرواية والقصة فيلازمني طيلة الوقت.

 

 

س3): في الآونة الأخيرة تتردد مقولة: (الرواية ديوان العرب)، برأيك: فهل ستحتل الرواية المقام الأول في الأدب العربي، وهل ستكون قادرة على التربع على القمة إذا استطاعت إزاحة الشعر للمرتبة الثانية بعدها؟.

الجواب:

لا أعتقد أن الرواية هي ديوان العرب حيث إن الرواية بشكلها العصري جديدة على بلاد العرب وتحتاج إلى وقت طويل لتتألق ابداعًا. ومن ناحية أخرى فإن عدد الروّاد المبدعين هم قلة لو أخذنا بالاعتبار حجم العالم العربي. وما هذا بشح في كمّ المبدعين، لكنهم متوارون بسبب اهمال أصحاب القرار من مد يد العون لهم، ماديًا ومعنويًا. هذا من الناحية الأدبية أما من الناحية التجارية فالشعر لا يبيع عادة إلا في الندوات، ليس في العالم العربي، بل في الغرب كذلك. هذا الكلام صادر عن دور النشر العربية والغربية على حد سواء. فكثير من دور النشر توقفت عن طباعة الشعر لعدة أسباب أهمها عدم وجود روّاد لاقتناء الدواوين، لذلك نرى أن بيع الدواوين يتم عادة في حفلات التوقيع. أعتقد أن مرد ذلك إلى أن الشعر الحقيقي نادر، كما الشعراء. ففي عصر انحسار القراء الجادّين يعاني الشعراء والكتاب على حد سواء. وحيث أن الروايات العربية الأصيلة نادرة حيث نرى أن غالبية الأعمال الروائية مقتبسة أو غير متكاملة لسبب أو لآخر. لذلك لا أجد مصطلح أن "ديوان العرب" تسمية خاطئة. أعيد القول على أن أصحاب الموهبة كُثُر لكنهم لا يجدون الدعم والتوجيه اللازمين. وما هو موجود من كتّاب عمالقة ما هو إلا نتيجة جهد شخصي ومعاناة معظم الأحيان.

ويبقى السؤال "هل ستكون قادرة على التربع على القمة؟". والجواب لا لسببين، أولًا عدم وجود عدد كاف من القرّاء الجادّين، ثانيًا ندرة الروايات الجيّدة الخالية من الأخطاء اللغوية والموضوعية.

 

 

س4): في الآونة الأخيرة تطالعنا وسائل التواصل ومحركات البحث على الشبكة العنكبوتية، بسيل جارف من العناوين لأعمال روائية صادرة حديثًا. برأيك: هو هي السهولة في تناول الكتابة السرديَّة ما جعل صدى الرواية عاليًا؟. علمًا أن كثيرا من الأعمال الروائية كانت تجربة لكاتبها. مما يخلق إشكالية مخرجات ذات مستويات متدنية، لا تساوي قيمة الحبر والورق الذي كتبت عليه. ما هو المخرج من هذا المأزق؟.

 

الجواب:

سؤال مهم، كثرة الإصدارات "التافهة" يعود أولًا لسهولة الطبع وعدم اكتراث معظم دور النشر لنوعية وجودة الرواية، بل حتى سلامة لغتها. ثانيًا، عدم محاسبة النقّاد والقراء للكاتب الذي قدّم مستوى متدن من الكتابة. أقولها وبصراحة أنني أرمي تسعة أعشار الكتب التي أحصل عليها أو أشتريها بسبب رداءة العمل. وبعد بحث الأمر مع أدباء آخرين أدركت أن الوباء شامل. الحل يكمن في تأكد دُور النشر أولًا من صلاحية ما ينشرون، لغة وموضوعًا وطرحًا، قبل البحث في الشق المادي. النشر رسالة كما الكتابة، كما أن الذوق العام له دور كبير. ودور النقّاد في المحاسبة تراجع إلى مستويات خطيرة كما دور الصحافة في الإضاءة على الكتب المميزة والكتّاب الموهوبين. لذلك على الجميع العمل ضمن خطة معتمدة، ربما تحت اشراف وزارة الثقافة.

واسمح لي بالإفاضة في جوابي حول نقطة هامّة. إذا ما كانت الدولة عاجزة أو هاملة لموضوع اللغة والثقافة يجدر بدور النشر الذين هم المستفيد الأول من تجارة الكتب أن يعملوا مع المدراس على تشجيع القراءة وإقامة مباريات وإعطاء محفّزات للطلبة من أجل بناء جيل قارئ يعتبر القراءة غذاء فكري يومي. كما أرفض مقولة أن الكتب غالية الثمن، فثمن الكتاب أقل بكثير من سعر وجبة سريعة أو "أرجيلة".

 

 

س5): ما هي الكفايات المعرفية والأدبية الضرورية، لكل من أراد سلوك درب الكتابة السردية الروائية والقصصية؟

الجواب:

باعتقادي لا يوجد كفايات معرفية وأدبية لأننا إضافة إلى الموهبة وتعلم اللغة العربية تعلمًا صحيحًا نحتاج للقراءة الدائمة في كل المجالات لأن عالم الرواية عالم متكامل ينهل من كل أنواع المعرفة. طبعًا، قراءة أمهات كتب الأدب العربي والروايات العالمية والعربية تحسن من الأسلوب والاستراتيجيات لكن التوسع في عالم المعرفة أهم رافد لرسم لوحة روائية متكاملة، فرغم أن الظلال في أي لوحة لا تحمل بمفردها معنى لكنها هي روح تلك اللوحة وجمالها.

 

س6): ما بين الموهبة الأدبية والاحتراف مسافة يجب اجتيازها. برأيك: كيف يستطيع الكاتب تجسير هذه المسافة؟ وهل التعويل على الهواية والموهبة ستصنع أدبًا حقيقيًا؟

الجواب:

للأسف، لا يوجد في بلادنا احتراف، فالاحتراف ليس تكريس وقت كامل للكتابة، بل تعهُّد من الدولة بتأمين أسباب الحياة للكاتب، فالكاتب المحترف في بلادنا لا يتحصل على قوت يومه إلا بشق الأنفس، كما لا يتحصل على أي نوع من التأمينات الحياتية والصحية ولا يتم دعمه ماديًا من أي جهة. إذا تغير القانون وأصبحت الكتابة مهنة لها دعائمها سنعوّل على أدب أفضل بفضل المواهب المنسية. حاليًا، أحيي كل صاحب الموهبة ورسالة في أي مجال أدبي لاستمراريته متحديًا اليأس من أجل مستقبل يحلم به.

 

س7): ما بين إصرار العديد من الكتّاب على أن نصوصهم واقعية ومقتبسة من الواقع، وحكايات الجدّات والمجالس والطفولة، نحن أمام إشكالية الكتابة الحداثية وما بعد الحداثية كمرحلة متقدمة، برأيك: ما هي الكيفية التي نستطيع من خلالها التوفيق بين حالتين متباينتين حد التناقض؟.

الجواب:

برأيي أن الحداثة كلمة غربية مشوِّشة لأنها ولدت في ثقافة وعالم مختلفين. لكن بمعناها المبسط تعني الكتابة بلغة العصر، أي أن نأخذ بالاعتبار ثقافة هذا الزمن وأسلوب طرح وحل المشكلات. المشكلة الأكبر في عالم الكتابة في عالمنا العربي هو قصور الكتاب عن البحث والاستكشاف والتأكد من صحة ما يزعمه الكاتب قبل نشره، إضافة إلى عدم طرح مادّته على متخصص في التنقيح، ناهيك عن أن خيال كتّاب الرواية والقصة بشكل عام محجور في زمن "الجدّات" وحكاياتهن. الإصرار على هذا النمط في الكتابة نابع من إصرار هذه الأمة على العيش في زمن السلف مع سرقة أسباب الحياة من الحاضر على مضض. المشكلة ليست في عالم الأدب فحسب فهي واقع اجتماعي شامل. للخروج من هذا المأزق في عالم الأدب على الكاتب أن يعيش حاضره وأن يستشف الزمن المستقبلي بأحلامه وآماله ومستجداته حتى يستطيع الكتابة بصورة تتناسب مع عصرنا وطريقة تفكيرنا، وحتى نستطيع أن نخاطب العالم من خلال منظور عصري. أي عليه أن يتمرد على الحاضر والماضي ليكون كاتبًا حداثيًا صاحب رؤية.

 

 

 

س8): السياسة والدين والجنس، مأزق ثلاثي الأبعاد، الاقتراب من إحداها يكون مثار إشكالات لا حصر لها، بعض الكتاب ضرب بعرض الحائط المعتقدات الدينية والأعراف والتقاليد الاجتماعية. فهل يعد ذلك تجديفًا ضد الأديان السماوية، وتعهير للقيم المتأصلة بعميق جذورها في مجتمعاتنا العربية والشرقية؟

الجواب:

 هذا الثلاثي يحمل شارة القدسية، ومن حملها عصم نفسه من النقد واللوم. لذلك من غامر واقترب منتقِدً فتح على نفسه عش الدبابير وأحيانًا أبوابًا أخطر على كيانه ووجوده. ومع ذلك أجد نفسي متمرّدًا على هذا الثلاثي الأبعاد ودائمًا ما أثير التساؤلات وأطرح شكوكي وأفكاري التي يعارضها كثير حتى أستطيع دمغ موقف صريح مما أطرحه. وهذا ليس بعمل بطولي، بل هو واجب على الكاتب والمفكر من أجل صالح الإنسانية، إن أخطأ أو أصاب. لكن هناك أصول وأساليب للاقتراب، فلا أقلل من شأن أي معتقد، ولا أذم في التقاليد الاجتماعية كما لا أتخذ الجنس مسألة سخرية، بل أعارض المفاهيم بجرأة وأعارض كثير المسلمّات المتوارثة تارة بقوة وأخرى بالرمزية. أعاني بعض الأحيان من البعض كما أجد الكثير من المؤيدين. الفخ الذي يقع فيه كثيرون خلال اقتحامهم هذا الثلاثي ينصبون أنفسهم أولياء ويقلّلون من شأن الآخر كما يستعملون مفردات بذيئة أو مهينة مما يضعهم موضع التجديف. وهذا ما يقضي على طرحهم فيفقد قيمته التي قد تكون صائبة وهامة.

علينا وبدون تحفظ أن نقتحم هذا الثلاثي بجرأة وحكمة لنكسب أصدقاء لا لأن نبني أعداء.

 

 

س9): في روايتك (هنا ترقد الغاوية) التي هي من المدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة، لقد عالجت قضايا اجتماعية مهمة وشائعة. نرى صراعا واضحا بين الأسلوبين، ما بين الوضوح والترميز المائل للغموض، مما يحول بين القارئ وبين رسالة الكتابة، وهناك بعض السرديات ذات النفس الشعري. هل من مخرج توافقي يين هذه الرؤى والتوجهات. برأيك؟.

الجواب:

لا أجد تناقضًا يضر بالرواية، ففيها الترميز والوضوح، فيها البلاغة والشاعرية رغم أنها واقعية مئة في المئة إذ أن أحداثها تحمل حقائق اجتماعية وعلمية ونفسية. هذه "الخلطة" هي التي صنعت الراوية، وأدّت الرسالة كما أعتقد. فكل هذه الضروب المتداخلة لم تتعارض قط في إيصال الرسالة، خاصّة وأن كثير من النقّاد اعتبرها مميّزة كونها جمعت هذه الفنون بسلاسة العطاء. ربما، وأعيد، ربما قليل من الكتّاب لهم القدرة على ذلك وهذا ما يعطي كتاباتي نكهتها الخاصة.

 

س10): الحديث عن الجوائز مفخرة لمن فاز بأي منها؛ ففيها كفايات الشهرة، والمكافأة المادية. فهل تحدثنا عن رؤيتك لهذا الموضوع؟، سيّما، وأن مؤسسة الوطن العربي في لندن، قررت تكريس جائزة للرواية العربية باسمك، ابتداء من العام 2021.

الجواب:

       أشكرك على هذا السؤال، بداية أشكر مؤسسة الوطن العربي برئيسها د. سعيد علاء الدين وأعضاء مجلس الإدارة بتكريمي على هذا النحو وإنشاء جائزة أدبية بإسمي لتكريم روّاد      الرواية في العالم العربي. هذه الجائزة لا تعطى بسبب عمل أدبي واحد، بل بناء سيرة أدبية       مستمرة مما يعطيها مصداقية دائمة. ويسرني أن أهنئك لفوزك بجائزة هذا العام التي تستحقها       بجدارة.

تأملات قرآنية