الاثنين، 11 أبريل 2022

محمد زعل السلوم كاتب وباحث

 

محمد زعل السلوم الكاتب والمترجم السوري الذي صنع وترجم 64 كتاب في تركيا

محمد فتحي المقداد

ابن سوريا ومحب المعرفة، المترجم والصحفي والكاتب الروائي والقصصي والشاعر محمد زعل السلوم، مشرد البوسفور كما في روايته الجميلة التي طبعها بالعربية في وطن المنفى تركيا، وشاركت كتبه في معرض اسطنبول للكتاب العربي 2021 ومعرض غازي عنتاب 2022، ومعرضي الدوحة والشارقة 2022، لينثر الحب والفكر العربي السوري في أصقاع العالم ورقياً والكترونياً فلا يكاد يمضي يوم إلا ونطالع له المزيد من المقالات تارة حول الحرب الأوكرانية، وتارة في الشعر الموزامبيقي والأدب الأرتيري والأمريكي والتايواني والحكمة الصينية والهندية واليابانية. بكل بساطة أنت تتنقل مع هذا الكاتب المبدع في أثير الكون تتنفس أفكار شعوب العالم، فمن خمريات الشعر الفرنسي تتذوق نبيذ بودلير في أزاهير الشر إلى كاتبة الأطفال الكندية ماري كلير دافيلوي، ومن أعمال موليير الخالدة إلى الخال فانيا تشيخوف وسوداوية سيوران.

فمن هو هذا السوري الموسوعي بثقافته والغزير بل والخصب في أعماله ؟

محمد زعل السلوم مواليد دمشق 3 نيسان 1979 وهو ينحدر من عائلة جولانية نزحت عام 1967، واليوم يعيش منفاه الثاني في اسطنبول ولا نعلم أين فيما بعد؟

شارك بدايات القرن الحادي والعشرين بديوان باللغة الإسبانية مشترك في دمشق، وطبع عام 2014 ثلاثة دواوين شعر هي عُرمة قمح والحب والتكوين وأوبوا، خريج الأدب الفرنسي جامعة دمشق ودرس الماجستير السمعبصري بالمعهد العالي للترجمة الفورية والترجمة جامعة دمشق، وحاصل على معادل ماستير بالتربية وعلم النفس صادر عن الأونروا خلال أعوام تعليمه الفرنسية في مدارس اللاجئين الفلسطينيين بدمشق.

عمل بمنظمات إغاثية واسعافية كمتطوع في منظمة فرنسية وأمريكية ويابانية بعد الثورة السورية، وبعد لجوئه لتركيا كان عضوا في بيت اسطنبول الفرنسي وعضو رابطة الكتاب السوريين في لندن.

نشر دراسات ومئات المقالات في مركز حرمون للدراسات وموقع جيرون وعشتار وآفاق حرة وزي بوست وألوان نيوز وغيرها من المجلات والصحف.

صانع خمسين عمل لليوم :

  تنقسم أعمال محمد زعل السلوم بين الرواية والشعر والترجمة والسياسة والكتب النقدية والمجموعات القصصية  وهي حتى اليوم :

أعمال شعرية ونثرية :

1-الحب والتكوين 2014 دمشق دار بعل

2-أوبوا 2014 دمشق دار بعل

3-عُرمة قمح دمشق مطبعة مراد 2014 ودار شرفات تركيا 2020

 

4-وتبقى دمشق دار شرفات تركيا 2020

5-ألفية بغداد دار شرفات تركيا 2020

6-ألفية الجنون دار شرفات تركيا 2020

7-إكليل الغرباء دار شرفات تركيا 2020

8-هانامي الياسمين دار شرفات تركيا 2020

9-هافامال دار شرفات تركيا 2020

10-النبش والهذيان دار شرفات تركيا 2020

11-أيتام محمد (مادالا) دار شرفات تركيا 2021

12-الخوارج على الحب دار شرفات تركيا 2021

13-نثريات حالمة دار شرفات تركيا 2021

14-تغريدات الليل والوجد دار شرفات تركيا 2021

15-كوامون كوماموتو (ساموراي السعادة) تركيا 2022

16-هانا واساكو دار شرفات تركيا 2021

17-طريق الشام يا بيروت تركيا 2022

18-فيكتوريا الأندلسية تركيا 2022

19-ديوان الرثاء تركيا 2022

20-نبطيات تركيا 2022

21-إلى ياسمين تركيا 2022

22-أسود أحمر تركيا 2022

23-هايكو عربي تركيا 2022

24-جذاميات تركيا 2022

25-الديوان الاسباني المشترك دمشق 2005 معهد ثربانتس الإسباني

 

أعمال روائية :

1-مشرد البوسفور دار شرفات تركيا 2021

2-حب في زمن الكوليرا تركيا 2022

3-ساموراي اسطنبول تركيا 2022

4-رحلة شنب

مجموعات قصصية :

1-طفولة نازح من الجولان

2-ذكريات ياسمين دمشقي

3-قصص قصيرة جداً

4-دنون وثرثرات كاتب

5-لو لم يكن هناك شمال

6-زنزرخت

7-حط بالخرج

كتب سياسية :

1-وقالت الصفحات

2-سوريا اللاجئة

3-الحروب السورية

4-الحروب الأمريكية الصينية

5-إيران والربيع العربي

6-الغزو الروسي لأوكرانيا 2022

7-سوريا 1967 في الوثائق البريطانية

8-سوريا والشيوعية في الوثائق البريطانية (1954-1967)

كتب جمع وتوثيق :

1-محمود درويش كاتباً في زاوية الأدب (1961-1962)

2-جودت سعيد العلامة اللاعنفي

كتب حول الجولان :

1-طبوغرافية وقرى الجولان

2-مقالات متنوعة عن الجولان

3-رحلات عربية إلى الجولان

4- البطيحة في الأرشيف الفلسطيني (1935-1936)

كتب مترجمة عن الفرنسية :

1-خمريات الشعر الفرنسي

2-قصيدة الربيع الفرنسية

3-قصيدة الصيف الفرنسية

4-قصيدة الخريف الفرنسية

5-قصيدة الشتاء الفرنسية

6-القصيدة الثورية في موزامبيق

7-مختارات من الشعر العالمي

كتب دراسات نقدية :

1-أفلام أثرت في المجتمعات الغربية

2-أفلام غيرت حياتي

3-أفلام أوسكار 2022

4-روايات كندية تحولت إلى أفلام

5-دراسات نقدية من الحياة الثقافية

6-اتجاهات الأدب السوري بعد الثورة

7-أدب اللجوء

 

 

 

حواري مع محمد إقبال حرب

 

 

حوار مع الأديب اللبناني (محمد إقبال حرب).

 

أجرى الحوار: الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا




بطاقة تعريفية:

قبل الدخول في حوار مع الكاتب محمد إقبال حرب، لابد من إشهار بطاقته الأدبية؛ فهو عربي لبناني المولد والمنشأ، عاد قبل سنوات إلى مسقط رأسه بعد رحلة اغتراب أميركية- سعودية، متخصص في مجال البصريات الدقيقة.

احترف الكتابة الأدبية هناك وتابعها بعد عودته إلى لبنان، ليكون هويته الأدبية من خلال نشره لأعماله الموزعة ما بين الشعر والرواية والقصة. يعني أننا أمام أديب شامل.

في مجال الشعر : ديوان (عاشق النسيان) 2013/ ديوان (مقتطفات من ديوان عاشق) النسيان عربي- إنكليزي 2015

1-              Birth Of A Poet – ديوان شعر/مقتطفات إيطالي-إنكليزي. 2016

 وفي الرواية صدر له:

1-             الحقيقة – رواية 2010

2-             هنا ترقد الغاوية – رواية 2013 – طبعة ثانية 2014

3-             الملعون المقدّس – رواية 2021

4-             العرّافة ذات المنقار الأسود_ قريبًا

القصة القصيرة:

1-             موت شاعرة (مجموعة قصصية) 2012

2-             يعيش النظام – مجموعة قصصية 2016

3-             العميان الجدد – مجموعة قصصية –2018

كما أنه عضو اتحاد الكتاب في لبنان ومصر، والعديد من المنتديات الثقافية. ومؤخرًا المنجز الأبرز عربيًا هو (جائزة الأديب محمد إقبال حرب للرواية العربية) التي أنشأتها مؤسسة الوطن العربي الإعلامية.

في حوارنا مع الأديب محمد إقبال حرب، يطيب لنا توجيه العديد من الأسئلة حول رحلته مع الكتابة التي شكلت ملامح مسيرته الأدبية.

 

بداية أود أن أشكرك صديقي الروائي القدير محمد فتحي المقداد على هذه المبادرة التي تعمل على التواصل الفكري والحوار البناء.

 

أسئلة الحوار:

 

س1): من اللافت لانتباه المتابع لتجربتك الكتابية، أنها تتراوح ما بين أكثر من جنس أدبي (الشعر والقصة والرواية)، إن دلّ ذلك على سعة اطلاعك وثقل مخزونك المعرفي. هل من الضروري للكاتب تحديد الهوية الأدبية، أي الاختصاص في جنس أدبي واحد؟.

الجواب:

 

حيث أن مهمة الكاتب هي إيصال الرسالة المرجوة بأفضل الطرق إلى القارئ فإن تنويع أساليب الكتابة هو من أفضل المحفزات للكاتب للتعبير عن رسالته. تقييد الكاتب بجنس أدبي واحد عندما يكون حاملًا للموهبة ظلم له وللقارئ.

 

س2): من المعلوم أن الشعر هو المنتقى الأرقى والأجمل من كلام العرب، والشعراء من يتقدم الصفوف، وتبسط لهم ساحات الأمسيات على الدوام. لوحظ انحيازك وتحولك للكتابة الروائية. هل جاء هذا التحول محض قناعة بصحة اختيارك؟ وهل ذلك برأيك هو تنازل من مرتبة الشعر إلى السرد الروائي؟

الجواب:

اسمح لي بداية أن أعترض على مقولة "تنازل من مرتبة الشعر". علمًا أن الشعر قد تبوأ عرش الكلمة منذ فجر التاريخ لنقاء حرفه وقدسية معانيه. لكن الحقيقة تكمن في أن الكتابة الأرقى هي البليغة، الرصينة، الوجيزة، الهادفة في أي نوع من أنواع الكتابة. أما اختياري للرواية وغيرها من أنماط الكتابة ليس انحيازًا، بل يعود إلى نوعية المواضيع التي أخوض بها والتي أستطيع الإبحار في كينونتها بطريقة أفضل من خلال الرواية والقصة والمقالات أكثر من الشعر، فالشعر لديّ "هبّات" تأتي وتذهب أما "شيطان" الرواية والقصة فيلازمني طيلة الوقت.

 

 

س3): في الآونة الأخيرة تتردد مقولة: (الرواية ديوان العرب)، برأيك: فهل ستحتل الرواية المقام الأول في الأدب العربي، وهل ستكون قادرة على التربع على القمة إذا استطاعت إزاحة الشعر للمرتبة الثانية بعدها؟.

الجواب:

لا أعتقد أن الرواية هي ديوان العرب حيث إن الرواية بشكلها العصري جديدة على بلاد العرب وتحتاج إلى وقت طويل لتتألق ابداعًا. ومن ناحية أخرى فإن عدد الروّاد المبدعين هم قلة لو أخذنا بالاعتبار حجم العالم العربي. وما هذا بشح في كمّ المبدعين، لكنهم متوارون بسبب اهمال أصحاب القرار من مد يد العون لهم، ماديًا ومعنويًا. هذا من الناحية الأدبية أما من الناحية التجارية فالشعر لا يبيع عادة إلا في الندوات، ليس في العالم العربي، بل في الغرب كذلك. هذا الكلام صادر عن دور النشر العربية والغربية على حد سواء. فكثير من دور النشر توقفت عن طباعة الشعر لعدة أسباب أهمها عدم وجود روّاد لاقتناء الدواوين، لذلك نرى أن بيع الدواوين يتم عادة في حفلات التوقيع. أعتقد أن مرد ذلك إلى أن الشعر الحقيقي نادر، كما الشعراء. ففي عصر انحسار القراء الجادّين يعاني الشعراء والكتاب على حد سواء. وحيث أن الروايات العربية الأصيلة نادرة حيث نرى أن غالبية الأعمال الروائية مقتبسة أو غير متكاملة لسبب أو لآخر. لذلك لا أجد مصطلح أن "ديوان العرب" تسمية خاطئة. أعيد القول على أن أصحاب الموهبة كُثُر لكنهم لا يجدون الدعم والتوجيه اللازمين. وما هو موجود من كتّاب عمالقة ما هو إلا نتيجة جهد شخصي ومعاناة معظم الأحيان.

ويبقى السؤال "هل ستكون قادرة على التربع على القمة؟". والجواب لا لسببين، أولًا عدم وجود عدد كاف من القرّاء الجادّين، ثانيًا ندرة الروايات الجيّدة الخالية من الأخطاء اللغوية والموضوعية.

 

 

س4): في الآونة الأخيرة تطالعنا وسائل التواصل ومحركات البحث على الشبكة العنكبوتية، بسيل جارف من العناوين لأعمال روائية صادرة حديثًا. برأيك: هو هي السهولة في تناول الكتابة السرديَّة ما جعل صدى الرواية عاليًا؟. علمًا أن كثيرا من الأعمال الروائية كانت تجربة لكاتبها. مما يخلق إشكالية مخرجات ذات مستويات متدنية، لا تساوي قيمة الحبر والورق الذي كتبت عليه. ما هو المخرج من هذا المأزق؟.

 

الجواب:

سؤال مهم، كثرة الإصدارات "التافهة" يعود أولًا لسهولة الطبع وعدم اكتراث معظم دور النشر لنوعية وجودة الرواية، بل حتى سلامة لغتها. ثانيًا، عدم محاسبة النقّاد والقراء للكاتب الذي قدّم مستوى متدن من الكتابة. أقولها وبصراحة أنني أرمي تسعة أعشار الكتب التي أحصل عليها أو أشتريها بسبب رداءة العمل. وبعد بحث الأمر مع أدباء آخرين أدركت أن الوباء شامل. الحل يكمن في تأكد دُور النشر أولًا من صلاحية ما ينشرون، لغة وموضوعًا وطرحًا، قبل البحث في الشق المادي. النشر رسالة كما الكتابة، كما أن الذوق العام له دور كبير. ودور النقّاد في المحاسبة تراجع إلى مستويات خطيرة كما دور الصحافة في الإضاءة على الكتب المميزة والكتّاب الموهوبين. لذلك على الجميع العمل ضمن خطة معتمدة، ربما تحت اشراف وزارة الثقافة.

واسمح لي بالإفاضة في جوابي حول نقطة هامّة. إذا ما كانت الدولة عاجزة أو هاملة لموضوع اللغة والثقافة يجدر بدور النشر الذين هم المستفيد الأول من تجارة الكتب أن يعملوا مع المدراس على تشجيع القراءة وإقامة مباريات وإعطاء محفّزات للطلبة من أجل بناء جيل قارئ يعتبر القراءة غذاء فكري يومي. كما أرفض مقولة أن الكتب غالية الثمن، فثمن الكتاب أقل بكثير من سعر وجبة سريعة أو "أرجيلة".

 

 

س5): ما هي الكفايات المعرفية والأدبية الضرورية، لكل من أراد سلوك درب الكتابة السردية الروائية والقصصية؟

الجواب:

باعتقادي لا يوجد كفايات معرفية وأدبية لأننا إضافة إلى الموهبة وتعلم اللغة العربية تعلمًا صحيحًا نحتاج للقراءة الدائمة في كل المجالات لأن عالم الرواية عالم متكامل ينهل من كل أنواع المعرفة. طبعًا، قراءة أمهات كتب الأدب العربي والروايات العالمية والعربية تحسن من الأسلوب والاستراتيجيات لكن التوسع في عالم المعرفة أهم رافد لرسم لوحة روائية متكاملة، فرغم أن الظلال في أي لوحة لا تحمل بمفردها معنى لكنها هي روح تلك اللوحة وجمالها.

 

س6): ما بين الموهبة الأدبية والاحتراف مسافة يجب اجتيازها. برأيك: كيف يستطيع الكاتب تجسير هذه المسافة؟ وهل التعويل على الهواية والموهبة ستصنع أدبًا حقيقيًا؟

الجواب:

للأسف، لا يوجد في بلادنا احتراف، فالاحتراف ليس تكريس وقت كامل للكتابة، بل تعهُّد من الدولة بتأمين أسباب الحياة للكاتب، فالكاتب المحترف في بلادنا لا يتحصل على قوت يومه إلا بشق الأنفس، كما لا يتحصل على أي نوع من التأمينات الحياتية والصحية ولا يتم دعمه ماديًا من أي جهة. إذا تغير القانون وأصبحت الكتابة مهنة لها دعائمها سنعوّل على أدب أفضل بفضل المواهب المنسية. حاليًا، أحيي كل صاحب الموهبة ورسالة في أي مجال أدبي لاستمراريته متحديًا اليأس من أجل مستقبل يحلم به.

 

س7): ما بين إصرار العديد من الكتّاب على أن نصوصهم واقعية ومقتبسة من الواقع، وحكايات الجدّات والمجالس والطفولة، نحن أمام إشكالية الكتابة الحداثية وما بعد الحداثية كمرحلة متقدمة، برأيك: ما هي الكيفية التي نستطيع من خلالها التوفيق بين حالتين متباينتين حد التناقض؟.

الجواب:

برأيي أن الحداثة كلمة غربية مشوِّشة لأنها ولدت في ثقافة وعالم مختلفين. لكن بمعناها المبسط تعني الكتابة بلغة العصر، أي أن نأخذ بالاعتبار ثقافة هذا الزمن وأسلوب طرح وحل المشكلات. المشكلة الأكبر في عالم الكتابة في عالمنا العربي هو قصور الكتاب عن البحث والاستكشاف والتأكد من صحة ما يزعمه الكاتب قبل نشره، إضافة إلى عدم طرح مادّته على متخصص في التنقيح، ناهيك عن أن خيال كتّاب الرواية والقصة بشكل عام محجور في زمن "الجدّات" وحكاياتهن. الإصرار على هذا النمط في الكتابة نابع من إصرار هذه الأمة على العيش في زمن السلف مع سرقة أسباب الحياة من الحاضر على مضض. المشكلة ليست في عالم الأدب فحسب فهي واقع اجتماعي شامل. للخروج من هذا المأزق في عالم الأدب على الكاتب أن يعيش حاضره وأن يستشف الزمن المستقبلي بأحلامه وآماله ومستجداته حتى يستطيع الكتابة بصورة تتناسب مع عصرنا وطريقة تفكيرنا، وحتى نستطيع أن نخاطب العالم من خلال منظور عصري. أي عليه أن يتمرد على الحاضر والماضي ليكون كاتبًا حداثيًا صاحب رؤية.

 

 

 

س8): السياسة والدين والجنس، مأزق ثلاثي الأبعاد، الاقتراب من إحداها يكون مثار إشكالات لا حصر لها، بعض الكتاب ضرب بعرض الحائط المعتقدات الدينية والأعراف والتقاليد الاجتماعية. فهل يعد ذلك تجديفًا ضد الأديان السماوية، وتعهير للقيم المتأصلة بعميق جذورها في مجتمعاتنا العربية والشرقية؟

الجواب:

 هذا الثلاثي يحمل شارة القدسية، ومن حملها عصم نفسه من النقد واللوم. لذلك من غامر واقترب منتقِدً فتح على نفسه عش الدبابير وأحيانًا أبوابًا أخطر على كيانه ووجوده. ومع ذلك أجد نفسي متمرّدًا على هذا الثلاثي الأبعاد ودائمًا ما أثير التساؤلات وأطرح شكوكي وأفكاري التي يعارضها كثير حتى أستطيع دمغ موقف صريح مما أطرحه. وهذا ليس بعمل بطولي، بل هو واجب على الكاتب والمفكر من أجل صالح الإنسانية، إن أخطأ أو أصاب. لكن هناك أصول وأساليب للاقتراب، فلا أقلل من شأن أي معتقد، ولا أذم في التقاليد الاجتماعية كما لا أتخذ الجنس مسألة سخرية، بل أعارض المفاهيم بجرأة وأعارض كثير المسلمّات المتوارثة تارة بقوة وأخرى بالرمزية. أعاني بعض الأحيان من البعض كما أجد الكثير من المؤيدين. الفخ الذي يقع فيه كثيرون خلال اقتحامهم هذا الثلاثي ينصبون أنفسهم أولياء ويقلّلون من شأن الآخر كما يستعملون مفردات بذيئة أو مهينة مما يضعهم موضع التجديف. وهذا ما يقضي على طرحهم فيفقد قيمته التي قد تكون صائبة وهامة.

علينا وبدون تحفظ أن نقتحم هذا الثلاثي بجرأة وحكمة لنكسب أصدقاء لا لأن نبني أعداء.

 

 

س9): في روايتك (هنا ترقد الغاوية) التي هي من المدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة، لقد عالجت قضايا اجتماعية مهمة وشائعة. نرى صراعا واضحا بين الأسلوبين، ما بين الوضوح والترميز المائل للغموض، مما يحول بين القارئ وبين رسالة الكتابة، وهناك بعض السرديات ذات النفس الشعري. هل من مخرج توافقي يين هذه الرؤى والتوجهات. برأيك؟.

الجواب:

لا أجد تناقضًا يضر بالرواية، ففيها الترميز والوضوح، فيها البلاغة والشاعرية رغم أنها واقعية مئة في المئة إذ أن أحداثها تحمل حقائق اجتماعية وعلمية ونفسية. هذه "الخلطة" هي التي صنعت الراوية، وأدّت الرسالة كما أعتقد. فكل هذه الضروب المتداخلة لم تتعارض قط في إيصال الرسالة، خاصّة وأن كثير من النقّاد اعتبرها مميّزة كونها جمعت هذه الفنون بسلاسة العطاء. ربما، وأعيد، ربما قليل من الكتّاب لهم القدرة على ذلك وهذا ما يعطي كتاباتي نكهتها الخاصة.

 

س10): الحديث عن الجوائز مفخرة لمن فاز بأي منها؛ ففيها كفايات الشهرة، والمكافأة المادية. فهل تحدثنا عن رؤيتك لهذا الموضوع؟، سيّما، وأن مؤسسة الوطن العربي في لندن، قررت تكريس جائزة للرواية العربية باسمك، ابتداء من العام 2021.

الجواب:

       أشكرك على هذا السؤال، بداية أشكر مؤسسة الوطن العربي برئيسها د. سعيد علاء الدين وأعضاء مجلس الإدارة بتكريمي على هذا النحو وإنشاء جائزة أدبية بإسمي لتكريم روّاد      الرواية في العالم العربي. هذه الجائزة لا تعطى بسبب عمل أدبي واحد، بل بناء سيرة أدبية       مستمرة مما يعطيها مصداقية دائمة. ويسرني أن أهنئك لفوزك بجائزة هذا العام التي تستحقها       بجدارة.

الثلاثاء، 29 مارس 2022

الطريق إلى الزعتري. أحمد العربي

 رواية الطريق إلى الزعتري تكتب عن قرية في حوران لتوثق أحداث الثورة السورية

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السورية، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين.

كتب وملفاتالثقافة والفنون

بتاريخ: يناير 15, 2020

 صورة معدلة لغلاف الرواية-مصدر الصورة:الأيام السورية

 0

 المشاركة

الكاتب: محمد فتحي المقداد.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع. الاردن/ط١، نسخة ب د ف ، ٢٠١٨م.

تتحدث الرواية  عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

الكاتب لا يلتزم بخط زمني صاعد متواتر في الحدث الروائي، إلا بمقدار محدود، ليخدم السياق الروائي كما يراه، والرواية مكتوبة بطريقة الخطف خلفا، يعني من لحظة ما قريبة من خاتمة الحدث الروائي، التي أصبحت حاضرة في كثير من الأعمال الروائية.

تبدأ الرواية من المحامي خالد ابن قرية من قرى درعا (حوران)، متواجد في إحدى الدول الأوربية، حيث وصل إليها في رحلة اللجوء السوريا، على أثر أحداث ثورتها. خالد المنتمي للثورة، الذي حمل على عاتقه مهمة توثيق أحداثها، منذ البدء في قريته (موج) وامتدادا إلى درعا مهد الثورة السوريا، يخوض في واقع الثورة من البداية حتى رحلة لجوئه.

يقلب خالد الدفتر الذي رصد به وقائع الثورة السوريا، يبدأ من أطفال درعا الذين تأثروا بما نقلته لهم الفضائيات عن حراك ثوري طال تونس ومصر وليبيا وأدت إلى إسقاط أنظمة قمعية استبدادية، كان من المستحيل أن تسقط قبل حراك الربيع العربي الذي بدأ في أوائل عام ٢٠١١.

مما شجع الناس في سوريا على رفع الصوت أمام النظام الاستبدادي السوري، متجاوزة حاجز الخوف نسبيا، كما حصل في سوق الحريقة حيث تحدى مواطن شرطي، وتلاسن آخر مع وزير الداخلية، وأخبره أنه مواطن وإنسان.

لم يسكت الأمن عن كتابة أطفال درعا على جدران مدارسهم، (جاك الدور يا دكتور، أو الشعب يريد إسقاط النظام)، فتم اعتقال الأطفال والتنكيل بهم، ولم يستجب لأهلهم والوجهاء في درعا حول التجاوز عن فعل الأطفال، بل قُتل الاطفال وطرد الأهل بشكل مهين.

أراد النظام أن يوصل رسالة تحذير وتخويف للشباب السوري وللشعب من ورائهم، أنه لن يسمح لأي طرف أن يتحرك في سوريا، مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، مذكرا الناس بتاريخ قمع واستبداد وظلم وفساد استمر لعقود منذ عصر الأب حافظ الأسد وابنه بشار بعده.

لكن الشباب الدرعاوي والسوري عموما لم يكن ليقبل بأن يستسلم للقمع وردة فعل النظام اتجاه بداية حراك التظاهر السلمي المطالب بالإصلاحات والديمقراطية، بدأت في درعا وامتدت إلى كل سوريا رويدا رويدا.

تركز الرواية على قرية موج وكيف كانت مشاركتها، بادئة بثلاثة أصدقاء أحمد ومحمد وخالد الذين ترعرعوا في القرية منذ مراحل الدراسة الأولى، أحمد انتهى من دراسته وغادر خارج القرية واستمر بالتواصل مع أصدقائه، محمد استقر في البلدة يعمل فيها، وخالد تابع دراسته الجامعية وأصبح محاميا.

عندما بدأ حراك الشباب في التظاهر، كان الأصدقاء على تواصل، وكانوا منتمين نفسيا وواقعيا لهذا الحراك ولمطالبه الحقه، خالد أصبح جزءً من الحراك منذ اللحظة الأولى، بدأ يتواصل مع المتظاهرين، ويقدم لهم العون والإرشاد.

أما محمد فقد كان متابعا للثورة بترقب وحذر، يعرف أن النظام لا يرحم. كان ابنه يدرس في العاصمة دمشق، ويسكن المدينة الجامعية، كان قلقا عليه، تتوغل الرواية في حياة محمد حيث تعيش أمه المعمرة في كنفه، تتذكر أن أبيها كان من الثوار في مواجهة الفرنسيين وأنه استشهد في الحرب ضدهم، وكذلك زوجها والد محمد الذي استشهد بمواجهة الصهاينة في حرب ١٩٧٣م، وهي دائمة التذكر لهم والرحمة عليهم.

رواية تتحدث عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

أما محمد الابن فهو في القرية رجل له حضوره الاجتماعي ويلتقي بشكل دائم بصديقه المحامي خالد ويتبادلان الزيارات والتواصل، وعندما بدأ حراك الثورة أصبح تواصلهما مستمرا، وكانا يبحثان كل مستجد، خالد من موقعه كقائد معنوي للشباب المتظاهر في البلدة ومحمد من خلال حضوره الاجتماعي.

بدأت القرية بالتفاعل مع الثورة التي توسعت على رقعة سوريا كلها، وبدأ الشباب بالتجمع في المسجد الكبير في القرية والخروج بالتظاهر، خاصة أيام الجمة، وكان الأمن يجمع قواته ويواجههم، وسرعان ما استعمل النظام السلاح، وأدى لسقوط الشهداء من الشباب، مما زاد جذوة الثورة واندفاع الشباب.

وعندما منع النظام أي حراك في الجامع الكبير انتقل الشباب إلى جوامع أخرى وبدؤوا ينطلقون منها، لكن النظام لم يستسلم فقد صعد في استعمال السلاح بمواجهة المتظاهرين، وزادت أعداد الشهداء، وبدأ الشباب بالتفكير بحماية التظاهرات، لقد كان للنظام الكثير من المخبرين الذين يقدمون للأمن معلومات كاملة عن التحرك، وبعضها موثق بالفيديوهات والصور، وهذا سيفيد النظام بتحديد قوائم المطلوبين لها من الثوار وقادتهم.

عند اشتداد عنف النظام وقتله للمتظاهرين، بدأت حالات تسلح فردي، سرعان ما توسعت، وكان تشييع الشهداء مبررا لمزيد من تأجيج مشاعر المواجهة مع النظام.

لقد منع محمد وخالد الشباب من مهاجمة المخفر أو مركز السلطة في القرية، خوفا من انتقام النظام من الناس، كان ذلك في البداية، لكن الشباب سرعان ما سيطروا على مرافق الدولة كاملة، بعد أن أصبح عنف النظام فوق قدرة أي أحد عن ردع الثوار المندفعين، وأصبحت القرية محررة من النظام لوقت قليل، حتى استقدم النظام قوات الجيش وحرسه الجمهوري، المنتمي للنظام، وهاجم القرية بقوة نارية عالية، مما دفع أهلها للاستفادة من بعض أزلام النظام لإعادة القرية إلى سلطته، وبالفعل حصل ذلك، وكان لذلك أثر بالغ على الثوار، حيث بدأت حملة اعتقالات واسعة، وبدأ الشباب بالتواري والهرب، وبعضهم بدأ بتشكيل مجموعات مسلّحة من الجيش الحر.

بدأ النظام بتقطيع أطراف البلدة عبر الحواجز، التي تمركزت بأغلب مناطق البلدة الهامة، وصنعت متاريس وبدأت بالتضيق على الناس، توقفهم على الحواجز وتطالبهم بالوثائق الشخصية، اعتقل الكثير وقتل بعض الشباب ميدانيا، كذلك الحال حيث نُصبت حواجز على مداخل البلدة وأصبحت الحياة فيها أقرب للجحيم، فهناك إطلاق نار دائم، وصدامات بين مجموعات الثوار والنظام، وقصف عشوائي مستمر على البيوت مما يجعل الإصابات العشوائية كثيرة.

ما عاد الأطفال يتحملون ما حصل من عنف وأصوات قذائف، الخوف سيطر عليهم وظهرت بوادر منعكسات نفسية تؤرقهم وتصبهم بالمرض.

غادر أخ محمد حيّه إلى بيت محمد حيث القصف والضرب أقل، ثم لم يستطع أن يتحمل أكثر، غادر إلى مخيم الزعتري، التي بنته الأردن داخل أراضيها على الحدود الأردنية السوريا في الصحراء، ليأوي إليه الهاربين من الموت المشرع عليهم من النظام السوري في بلداتهم.

أصبحت القرية شبه خاوية، محمد تحمل العيش في البلدة خاصة أن والدته مريضة ولا تحب مغادرة بلدتها بعد هذا العمر، هذه الأم التي تفتخر بوالدها وزوجها الشهداء، سيوافيها أجلها وهي ترى بلدتها تحت نيران نظام مستبد قاتل.

كما أن مصيبة اخرى أصابت محمد، فقد اعتقل ابنه من المدينة الجامعية في دمشق، فقد توسعت هجمة النظام على كل ناشطي الثورة، اعتقل الشاب واستمر في المعتقل والسجن لأشهر ومن ثم أفرج عنه وعاد إلى القرية.

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها.

الأب محمد أحس أن الحياة في القرية أصبحت مستحيلة، فهي منطقة حرب ولا يستطيع أن يؤمن أي من أسباب الحياة، أصبحت كل السلع نادرة وغالية، إضافة لوجود احتمال أن يعتقل هو أو ابنه، صحيح أنه استطاع أن يخلق علاقة مع المسؤول الأمني في البلدة، عبر الأعطيات والرشاوى من زيت وغيره، لكن لا يعرف متى يقبض عليه أو على ابنه، أو يقع ضحية استهداف بقذيفة ما أو من خلال إطلاق نار أصبح كثير الحضور وعشوائي.

خاصة وأن النظام قد أبدع صيغة جديدة للسيطرة على أغلب البلدات من خلال تجنيد أغلب المخبرين وأصحاب السوابق الإجرامية وتحويلهم إلى شبيحة يؤذون الناس وينهبون كل ما يصلون إليه، ويثبتون السلطة للنظام، وهؤلاء الشبيحة لم يتركوا وسيلة من الإجرام بحق الشعب دون أن يقوم بها.

لقد دُمرت بلدات مثل دوما وداريا وحوصرت درعا واستبيحت الكثير من البلدات والمحافظات، مئات الآلاف أصبحوا شهداء ومثلهم مصابين ومعاقين، الملايين مشردين.

محمد قرر أن يهرب بعائلته إلى مخيم الزعتري في الأردن، وهكذا كان. أما خالد المحامي فقد أصبح وجها من وجوه الثورة، ويظهر على الفضائيات متحدثا عن واقعها وأفعال النظام، أصبح مستهدفا من قبله، نجا من محاولات اغتيال عدة، توارى وخرج من البلدة إلى الأردن أخيرا، ومنها إلى مصر ونشط هناك متحدثا ومدافعا عن الثورة وشرعيتها، وعن ظلم النظام وحقوق الشعب السوري، ومن ثم غادر إلى إحدى الدول الأوربية، لاجئا ينتظر هو وملايين السوريين أن يعود إلى سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد ومحاسبته على إجرامه، مطالبا ببناء سوريا الحرة العادلة الديمقراطية.

هنا تنتهي الرواية.

في تحليلها نقول:

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها، حاولت أن تمر على أغلب ما حصل في الثورة، لذلك لم تُشبع الموضوع من جانبه المعرفي، وهذه ليست نقطة ضعف، لكن يفضل لو أنها أخبرتنا عن جواب أسئلة مركزية ولو بتكثيف وتركيز واختصار. لماذا قامت الثورة السوريا.؟.

وكذلك كان يجب أن تتعمق قليلا في واقع الثورة السوريا، لا يكفي إدانة العمل المسلح للثوار، يجب تنوير أسباب العمل المسلح، وأين أخطأوا؟، ومن استثمر واقعهم؟، ومن هم الأعداء الذين دعموا النظام؟ من المستفيد مما حصل في سوريا؟. ثم لماذا الصمت عن البنية العسكرية والأمنية والطائفية للنظام؟. وكيف تحولت سوريا كلها إلى مزرعة للنظام؟، وماذا عن عصبة الرئيس وعائلته المقربين؟…. الخ.

أخيرا كل ذلك لا يبخس حق الرواية وأنها أطلّت على واقع الثورة ووثقتها، من زاوية ما.

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السوريا، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين. وتدمير بلادهم، واستباحة حياتهم، وتشريدهم في كل أركان الدنيا.

________________________________________

محمد فتحي المقداد، روائي سوري، له العديد من الأعمال الأدبية، هذا أول عمل نقرؤه له.

دوامة الاوغاد. ريمة الخاني

 دراسة نقدية لرواية

دوامة الأوغاد للأديب السوري: محمد فتحي المقداد.

الكاتب الأديب محمد فتحي المقداد ، كاتب سوري مجدّ، يجدف بقوة للوصول لشط الأدب الحقيقي العميق الغور والرسالة، عرفناه في منتدانا " فرسان الثقافة" متابعا وكاتبا ، وكان لي مغامرة نقدية في كتابه السابق: شاهد على العتمة، ولأنه طلب مني نقدا لروايته الجديدة بإلحاح ولي الشرف، آليت ألا أخذله، رغم أن لي طقوسا واختيارات خاصة في النقد، فأرجو أن أكون موضوعية فيه.

بصدق وتجرد أقول: نقدنا اليوم بات سطحيًّا، متوغلا بالانطباعية ، دون عمق ولا إبداع، ولو عرفنا حال الأدب اليوم، لعرفنا لماذا بات النقد على هذه الحال.

يصنف الدكتور جورج زكي الحاج النقد:نقد إعلامي، نقد شارح، نقد أكاديمي ونقد إبداعي، فالأول يقوم على المديح أو الهجاء ويفتقر غالبا للمرتكزات العلمية، والثاني يكون وسيطا بين المبدع والقارئ.

أما الأكاديمي فلديه نقاط ثابتة ومسلمات وهي مهنته وغالبا يقوم عليه الأساتذة والمختصون.

أما الإبداعي فثقافته غنية، عميقة، هو قارئ شمولي، يعرف ماذا يريد من النقد، قد يكون على طريق الأدب

وقد يكون أديبا، وقد تسبق واحدة الاخرى، لكنها تصل للدرب ذاته، وهذا ما يكرس الإبداع الذي ينشده.


العنوان لافت وقوي : دوامة الأوغاد.

إذن نحن مقبلون على موضوع شر وأمر خطير.

معجميا:

دومَ ودوام: قال الأَصمعي: أخذه دُوَامٌ في رأْسه مثل الدُّوارِ، وهو دُوارُ الرأْس

لسان العرب

يقال: أخذه دُوامٌ بالضم، أي دُوارٌ، وهو دُوار الرأس

سُمِّيت الدُوَّامَةُ من قولهم: دَوَّمْتُ القِدْرَ، إذا سكّنتَ غليانَها بالماء؛ لأنها من سرعة دورانها كأنَّها قد سَكَنَتْ وهدأت.

الصحاح في اللغة

ورد في لسان العرب:

وغدّ:

يقال: فلان من أَوْغادِ القوم ومن وغْدانِ القوم وَوِغْدانِ القوم أَي من أَذِلاَّئِهِمْ وضعُفائِهِمْ.

والوَغْدُ: خادِمُ القومِ، وقيل: الذي يَخْدمُ بطعام بطنه، تقول منه: وغُد الرجلُ، بالضم، والجمع أَوْغادٌ ووُغْدانٌ ووِغْدانٌ.

الوغد في القاموس المحيط:

الوَغْدُ: الأَحْمَقُ الضَّعيفُ، الرَّذْلُ الدَّنيءُ، أو الضَّعيفُ جِسْماً.

وعليه فمانعرفه عن الأوغاد هم أراذل الناس وما يسعون إليه من دوامات الشر والسوء، هذا مانفهمه منه مباشرة.


متن النص:

يطالعنا نص تعبيري وصفي تصويري إبداعي يصف حركة الناس: ما إن بدأ الظلام يتسرب..، تنسحب آخر خيوط النهار..، متوارية هاربة من طغيان العتمة..

نلاحظ توازي المقدمة مع العنوان ليضعك الكاتب في جو الرواية فورا بمشهد واقعي مُعاش.

بينما يلعب الاولاد (الطميمة-لعبة شعبية سورية يغمض الطفل عينية، ويعد بالأرقام، ويختبئ الاولاد ليجدهم.

يظهر لنا الشخصية الأولى: نمس بن قرهود، هل سمعنا بهذا الاسم قبلا؟ نظن ذلك...

واصفا جلسته على سطح البيت مع إبريق الشاي الخ..وحديث الحي عن بطولاته مع الضباع، وحكايته عن مغامراته لهم عصرا.

ماجد الولد الذكي الذي فكر بالخروج باكرا لمعرفة قصته الحقيقية التي يشك بها، فعرف كذبه، وأفخاخه.

حيث بدأ الخبر بالتسرب.

ويشتري النمس بارودة صيد من فليحان مضطرا، واشترى منه أرضا بثمن بخس.

حتى الناطور نواف بات يسخر منه كما النساء.

تستمر متابعة ماجد له بكلمة تتكرر على معظم مساحة الرواية: سجل عندك يا تاريخ..، وكأنّ لسان حال الكاتب يقولها، فما نعرفه عن أي مؤلف، أنه مهما حاول وضع قناع الشخوص، يبقى لسان الحال يتسلل بين الفينة والفينة.

المشهد واقعي تصويري تشعر، وكأنك سمعت به من قبل، خاصة لما كانت الأمهات قديما تخيف أطفالها بقوله:

-نام قبل أن ياتي البعبع..

ما الصلة هنا؟، هل تلك البيئة مازالت حاضرة في الريف؟، وهل النمس تطور، أم هي صورة عامة؟.

نهاية الصفحة 16:

الأيام التي تاتي بالجديد قليلة في الحياة..ربما لحظة ينتظرها الشخص مدى حياته، وربما لا تأت أبدا..

وما أجملها إذا كانت رمية من غير رامٍ وبلا تعب..

وفي بداية الصفحة 17 من النسخة الإلكترونية تمر بنا جملة:

الدوّامة عمليّة بناء جديدة، هدمت نسيجًا اجتماعيًّا متماسكًا في عتمة ليل طويل......


جمل وعبارات فيها مغزى عميق، لايمكن إسقاطها على المشهد لبساطته بشكل عام. حتى ويمكن للمؤلف صياغته بطريقة أقرب للموقف:

لقد كانت تجربة جديدة للأطفال، علمتهم أن الكبار يكذبون أيضا..(مثلا).

ظهور شخصية موظف الأمن رامز الثلاثيني، وضيافة النمس له ، وهمس ولمز أهل الحي، وبحث النمس على كذبة جديدة، وحسدهم له.

ظهور أبو ماجد سعفان تاجر القماش الكبير في الرواية.

في الصفحة 233 يطرح قضية المعلمات، والتعليم في القرية، وظهور شخصية شمسة الجميلة في القرية.

وبدأت شكواها للمفرزة الأمن دفاعا عن نفسها من شاب تعرض لها لفظا، ليحول الشكوى لاسم النمس الجاهل، فيطالعنا مظهرها المستهتر وتنورتها المنحسرة عند جلوسها بانتظار انتهاء التقرير.

كقارئ أقول أنها استفزت من حولها كما ورد في النص، ومنهم من يقول كل حر بسلوكه كنظرية غربية، ولكنني كقارئة أقول وبتجرد، معظم المواقف المفاجئة والسيئة التي تظهر في الروايات، أصلها سلوك غير سوي، فلماذا نذرف الدموع، ونحزن على الابطال؟.

ورد في الصفحة 29، ظهور بطل جديد في الرواية "عريبي"وصفه المؤلف ب القميء:

ورد في مقاييس اللغة:

جدم :

الجيم والدال والميم يدلّ على القماءة والقِصَر. رجل جَدَمةٌ، أي قصير.

والشاة الجَدَمة: الرّدِيّة القَمِيئة.و القَماءةَ تعني الذِلَّةٌ.

ويكمل وصفه بالبلادة والطيبة معا....فماذا يعني اقتران الاسم بالصفة؟، أم هو اسم والسلام ، خاصة أن الاسم غير فصيح أبدا، وربما يخص المنطقة الخاصة بالرواية.

ويسخر منه الأولاد بعد تعثره، وينصحه سليطين بالتجاهل، يهمنا هنا توظيف الشخصيات والحدث، هل يقدم لنا صورة أولاد الحي الفوضويين، وتصرفاتهم غير المسؤولة؟ وعدم زجر المجتمع لهم؟.

أم شحدة الفلسطينية، وبناتها الخمس ورغبتها بإنجاب ولد ذكر،مشكلة مجتمع كامل، يمجد الذكورة الطاغية فيه فكرا وسلوكا.

ليدخل النص في مجتمع موغل في الخرافات والشعوذة؛ بميلاد شحدة أو المشورب، الذي يصبح شيخا، هذه الصورة المكرورة في رواياتنا الواقعية، أليست تنفي نماذج ناصعة من المرجعية البيضاء التي سطرت للوطن خير النماذج مثل بدر الدين الحَسَنِي القدوة العارف بالله، وأبو حامد الغزالي مدرس المدرسة النورية بدمشق، وهناك في مناطق عدة من بلادنا أمثالهم، فقد قدم لنا هؤلاء مريدين، وطلابا قدوة تركوا لنا علما وفيرا.

لماذا لانتكلم عنهم، ونقدم للقارئ النموذج الجيد القريب من هؤلاء، ثم نقارن حيث تطفل بعضهم على هذا المسار الحساس في الأمة؟، لأنه علينا البحث عن توظيف لكل شخصية وموقف، ولكن أن نقحم كل سيء فيه على أنه القاعدة؟، ناهيكم على أن صنعة الرواية تقوم على حشد نماذج متفرقة في مشهد واحد، أو مشاهد متفرقة يجمعها المكان والأحداث!.

وهذا لاينفي مهارة المؤلف في بث روح التشويق في ثنايا السرد الروائي طبعا، ونجاحه في هذا.

ويدخل من جديد شخصية التاجر عكاش، وصديقه فهيم، كنموذج إيجابي في المجتمع الشامي العريق. وكان يمكن للمؤلف التعريج عن أصولهم وليس بملزم، ولكن لإرواء فضول القارئ، ولكن لأنه أدخله على المجتمع المختلف عنه.

هنا نرى عرضا لفقر أم شمسة الأرملة، وتفكير رامز فيها عاطفيا.ص42

ويستعرض المؤلف بسرعة الواقع السياسي بين الحزبيين، والمواطنين، قضية الوحدة بين مصر وسوريا والقضية الفلسطينية ومعاناتهم وإصرارهم على الكفاح، وانعكاس ذلك على المجتمع، حيث يعرض كيف غدا محل عكاش مهوى المتناقشين والمتحاورين.

يصف لنا في الصفحة 599 عن فريز المتملق، وهي شخصية منتشرة في مجتمعنا حقيقة، وصوليون عموما.

خيبة أمل النمس من سليطين، وتوقه لدخول الحزب بعرض من رامز، وأنانيته المفرطة، واستجابة رامز له بتعيين ابنه فرج.. ص62

تبدأ صفحة 67 بوصف لقرية أم الخنافس، كبيئة سورية واضحة المعالم، حميمية العلاقات الاجتماعية.

صفحة 69 واعتراف رامز لشمسة بحبه.

ونطالع في الصفحة 76 بداية موفقة حيث قال: نطاق القرية ضيق لا يتسع للأسرار وكتمانها...

فعلا المجتمع الحميمي تطير أخباره على الأثير...وصف حقيقي واقعي واضح، يكملها بأم ماجد وزوجها سعفان وماتحدثه به عن أخبار القرية.

الأمثال الشعبية المعروضة والأقوال، تشعرنا، بأنه شعب مطلع على السجية.

ظهور شخصية الشاعر أبو غليون في الصفحة 799، ولقائه بشخوص القرية، وتقليد أولاد الحارة له، هل فعلا للشعراء خصوصيتهم، وهناك من لا يفهمهم؟، أم هم بسطاء حد السذاجة؟.

تطالعنا الصفحة 822 بوقوع بطليْ الرواية شمسة ورامز في المحظور، وكان هذا الأمر من ضرورات السرد..الذي كنت أعتذر حقيقة عن نقد أي رواية لأنه يصبح محورا فيها، ونكمل:

يجد النمس له حلّا بعد انتشار الخبر، وظهور خاتم ذهبي على إصبع شمسة، كتغطية وبلا زواج...

ظهور شخصية الشاب النشيط والموظف، الصفحة 87

في الصفحات التالية تجسيد لتكوين الشعب النفسي، وخوفه من المخابرات والتقارير، والظروف العصيبة المبنية على ذلك، من خلال شخصية فهيم ومن حوله.


نلاحظ في تكنيك الرواية البدء في معظم الفصول رغم عدم تقسيم الرواية لفصول في أصها، باسم الشخصيات، ونرى أنها تسهل على القارئ حفظ شخوص السرد وأبطاله.


وما زال السرد يطرح إشارة استفهام: لماذا تكررت عبارة: سجل عندك يا تاريخ بغير موضع حساس كما في الصفحة :99.

ليختم الفصل بنفس العبارة، وملاحقة ماجد لتحركات أم فرج.. فهل تلك كانت الغاية منها؟، نعتقد ذلك.

تدخل إلينا شخصية أم مرعي في الصفحة :1011، وغرق ابنها فهد وبكائها عليه..هل يجهل أهل القرية السباحة؟، لم توضح الرواية ذلك، إلا قليلا في الصفحة 108، وشرح لحياتها العاثرة مع زوجهان كنموذج لاستعباد المرأة، وقلة تفهم طبيعتها.

ولقطة ماكرة لنساء الحي، وبكاءهم على أنفسهم لا على ما حصل لأم مرعي..، وهذا انعكاس صحيح، فالبشر مهما تعاطفوا مع قضايا غيرهم، تبقى المقارنة حاضرة في أذهانهم بين متاعبهم، ومتاعب غيرهم.

الصفحة 111 وظهور شخصية مصطفى المثقف القادم من مطار ببروت، والقبض عليه لتشابه في الأسماء، ليتبين في الصفحة 131 غرض لافت أناني.

في الصفحة 18 يقدم لنا المؤلف مصطفى في مشهد السجن..قائلا: في السجن تتضاءل الأحلام...

نعم كما قال المؤلف تماما:

تتضاءل الأحلام... ويتلاشى الشعور بالوقت والحياة والمحبة..يصبح شيئا مركونا في زاوية الدنيا...ينتظر من يخرجه للنور...

الصفحة 121 يكرر المؤلف ذكر ماجد ومراقبته للأحداث، وكأنه عنى فيه الإشارة للجيل القادم الذي خبر ما حوله، و قادر على إيجاد حل..، باجتماعاته المتكرّرة على حداثة سنه أصدقائه.

ومازال أبو غليون يتكررحضوره في المشاهد فماذا قدم في مسيرة أحداث القرية من مهم؟.

خروج مصطفى في الصفحة 145.

يطالعنا في الصفحة 154 تهجم دموي على النمس لأن ابنه بات معينا لرامز، وكأنه عميل للمجتمع، عين عليه، وبات لوطيا قوادا.

في الصفحة 1588 يمر ذكر إسرائيل ، وكأنه مقارنة بين سلوك أفراد القرية وسلطتها، ومعركتنا الحقيقية.

الصفحة 1599 اجتماع نسائي، ومقارنة أخرى في طرق التفكير والمداولات، وكأن الجناح النسائي، أكثر إنسانية.

الصفحة 1600 ومداولات في محل عكاش، ورفض لسلوك النمس جملة وتفصيلًا، تتلوها عرض حالة مرعي وشقائه.

في الصفحة 1733 تذكر فاطمة تذمرها من النمس وما أحدثه في ضمائر أهل القرية، وهل هي الضمائر فقط؟، جملة ثقافية لا تخرج من فرد بسيط هناك كما رأيت ..الخ.

الصفحة 183 ووقوع أم فرج، وإعادة الإشارة لضعف المرأة في تلك البيئة، وأثرها الطيب الذكر.

يظهر أبو غليون طالبا من الضابط نقل شمسة ورامز حتى لاتهتز هيبة الدولة.

في الصفحة 1899 تطالعنا جملة لفارس: حفلة قصقصة الأجنحة..، عبارة موفقة..، فهي عقيدة عامة في انضباط الدول كما ورد، لايمكن لأحد أن يحلق عاليا..، فهم مربوطون بخيوط متينة..، في الصفحة 198 يقارن ماجد النمس بشايلوك، تاجر البندقية، وكأنه أكثر إيذاءًا من يهودي لأنه يؤذي المجتمع من الداخل، ويذكر بقضية الضبع الواهية.

اختفاء النمس..

صفحة 204 والاهتمام باستخراج الكنز الذي حقق مع مصطفى لأجله.

في الصفحة 2166 أعجبتني عبارة :صراع على النفوذ بين الكبار من الأقطاب، والصغار يذوبون كما الصابون..

أليس هو الواقع؟.

الصفحة 218 وحمل شمسة الحرام.

الصفحة 220 واتهام رامز لشمسة بممارستها مع شباب الحي!.

مقتل رامز.


حقيقة، وبصرف النظر عن تفاصيل الرواية، فهي نسج محكم لواقع صوّرهُ المؤلف باحترافيّة عالية، وكان يمكنه التركيز على نموذج كمصطفى والتوسع فيه لأنه محور الأوغاد عمومًا لو جاز التعبير.

شكرا لك لاختياري لهذا العمل النقدي.

مع التقدير.

دمشق

د. ريمه الخاني

تأملات قرآنية