الأربعاء، 27 يناير 2021

رد على موضوع المحامي أبو غانم

 صديقي العزيز ابو غانم..

آن لسورية أن تستفيق مجددا. ما تفضلت به لا أختلف معه على مؤدياته. لكن المبرر في ذهني كقارئ ان الدكتاتوريّات منذ ١٩٥٨ يعني بداية الوحدة مع مصر.. وجر سورية إلى مستنقع الحكم العسكري ونجاحه بقفز العسكريين على الحياة المدنية، والاستحواذ على مقدراتها، وبناء امبراطوريات لهم، ولحماية مصالحهم الناشئة التي اعتبروها امتيازات لهم، عليهم الأخذ بكل الأسباب لصيانتها والمحافظة عليها، من خلال بناء جديد لامبراطوريات مخابراتية اعتبارا من إمبراطورية عبد الحميد السراج.. وصولا إلى لحظة كتابة هذه الكلمات، استلزم تفتيت المنظومة الاجتماعية المتماسكة نوعا ما، وتجنيد العملاء والمخبرين، وزرع الخوف على نطاقات واسعة، جعلت من المجتمع قطيعا تجمعه غريزة القطيع، ومهمته التصفيق والتأييد، أمام الكاميرا للإعلام الخارجي، نشأت الطفيلية الانتهازية في سبيل المكاسب من خلال التزلف لرجال السلطة وحراسها، وعلى مدار السنوات الطويلة لم يعد بالإمكان خروج قيادات قادرة على تشكيل حالة يُعول عليها. لذلك المعارضة جاءت نسخة مشوهة عن النظام.. في الانتهازية.. الكذب.. كيل الاتهامات.. التخوين للآخربن.. لذلك لو تأملت فساد الأكثرية منهم لعرفت أن تربيتهم الأساسية كانت في أكناف النظام كمخبرين وموظفين أمنيين. ولما تضاربت مصالحهم مع سيدهم انشقوا.. وصاروا معارضة.. هنا مربط الفرس.. تحياتي لك وتقديري صديقى العزيز


التعليقات

الأربعاء، 20 يناير 2021

فنجان قهوة

 فنجان قهوة (خاطرة)


 بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


فنجان القهوة بالوجه (الوِشْ) يعني الرغوة قبل غليانها، يحظى عند البعض بالأفضليّة.

اعتقدُ غير جازمٍ: أنّ غليان القهوة يُنضجها ويُطيّبها. مُخالفًا بذلك كثيرًا من الذوّاقة.

والقهوة الحلوة (التِرْكِشْ كوفي) خلاف القهوة العربيّة (القهوة المُرّة) التي تُغلى لفترة زمنيّة، حتّى تَنعقِد وتشتدّ، وقيل: لو وُضِع منها نقطة على ظُفر الإبهام، يجب أن تبقى مُتماسكة، ولا تسوح على الاِصْبع كالماء.

أخبرني الصديق الشّاعر راكان المساعيد: أنّ هذا الفنجان ذو الرّغوة (الوِشْ) يُشبه المنافقين بوجهيْن.

وأظن لأنّه يُخفي تحته حقيقة مشروب القهوة، إذا كانت مُحلّاة بالسُّكّر أو سادة؛ فهو يذهب مع أوّل رشفة أو ثانيها.


من كتابي (من أول السطر)

بريستيج

بريستيج (خاطرة)


الروائي - محمد فتحي المقداد


ما بين فنجان القهوة الحلوة أو السَاده والبريستج.. الذي يُصرّ عليه البعض عُنوةً؛ مسافة حلاوة تملؤها ملعقة سُكٍر.

أحد الأصدقاء صنع إبريقًا من الشاي، ونسي إضافة مادّة السُّكّر، ولمُداراة خطئه، ادّعى أنّه كلّما كان الشّاي خفيف الحلاوة؛ كان تقدميًّا أكثر، في محاولة إقناع الضيوف.

ولم يمنع البعض منهم بطلب المزيد من السُّكٍر لتعديل الطعم؛ ليتطابق مع مُواصفات تذوّقه المعتاد لكأس الشّاي.

والقهوة تقع ضمن هذه الدّائرة التي تروق لكلّ شخص يختلف بها عن الآخرين.

وليست زيادة السّكّر في الفنجان أو عدمه هي المِعيار المُحدِّد، بل يبقى المزاج الخاصّ لشاربِها.

تدخل هذه المسائل البسيطة في خانة الحُريّات الشخصيّة المتعلّقة برغبات تُحقّق السعادة في النفس البشريّة عمومًا، ولا تخضع لقانون عام أبدًا، ولا علاقة لذلك بالتقدميّة أو الرجعيّة إطلاقًا. 


من كتابي (من أول السطر)

الثلاثاء، 19 يناير 2021

جوجل ومئويّة الدولة الأردنية

 

جوجل ومئويّة الدولة الأردنية

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد - سوريا

 

    ملاحظة جديرة بالاهتمام خاصّة في هذه الأيّام، موضوعٌ مهمٌّ لمُستخدمي شبكة الأنترنت، من خلال الهواتف الذكيّة بكافّة أشكالها وأنواعها، ومتابعي أخبار شركة الجوجل، هناك نوعيّة من الأخبار المحجوبة في مواقعها النّاشرة عن القرّاء، وعلى الأخصّ كلّ ما له علاقة بدول الخليج عامّة، وأخبار الفنّانين القُدامى منها الفضائحيّ والاجتماعيّ.

   في المقابل أتابع المواقع الأردنيّة التي تتعاطى مع الشأن الداخليّ العامّ بتفاصيله الدّقيقة؛ لتوضيح حقيقة المشهد الأردنيّ بأطيافه المُتفاوتة اجتماعيّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. دون أدنى حرج من سُلطات الرّقابة في حجب هذه المواقع ذات السّقف العالي في مناقشة مواضيع ساخنة وحسّاسة، حتّى كثيرًا ما أشاهدُ مواضيع تخصّ العائلة المالكة في الأردنّ، ولمنظومة الدولة الأردنيّة في جميع مُستوياتها الوظيفيّة.

    وهلْ تُجدي سياسة الحجب والمنع أمام الانفتاح المُتسارع بوتيرة يعجز الفرد من مُتابعتها؟. فضلًا عن المُراقبين والمُختّصين في مراقبة الشّبكة المُتعدّدة المنافذ التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وذلك من ضمن مهمّاتهم الوظيفيّة.

  إنّ السياسة الرّشيدة التي تنتهجها المملكة تجاه الحريّات الشخصيّة، وصيانتها للأردنيّين والمقيمين على أراضيها، ضمن ما تُتيحه القوانين النّاظمة لهذا الجانب،  استنادًا إلى دستور يكفل هذه الحقوق بوضوح لا لبس فيه.  كما السّلطات التنفيذيّة السّاهرة على التعامل مع القضايا اليوميّة مع مختلف الانتماءات الجماهيريّة.

  فما بين النظريّ المكتوب على الورق من قوانين ومواد دستوريّة، وما بين حقيقة واقع المُمارسة، تتجلّى رؤيتي كمقيم على أراضي المملكة منذ عشر سنوات، ما بعد الأزمة السوريّة ورحلة اللّجوء القسريّة، إلى الملاذ الآمن الأردن، والشعب الأردنيّ المُتعاطف إنسانيًّا وما قدّم للسّوريّين عمومًا.

   تجدُر الإشارة إلى موضوع الحُريّات الشّخصيّة الذي تتميّز به الأردنّ، أستطيعُ المُقارنة بين أساليب القمع المُمنهجة على جميع المُستويات، وبين التّسامح الرّسميّ الأردنيّ مع حالات المُعارضة الآخذة أبعادها في إبداء الرأي، وممارسة العمل السياسيّ بتنظيمات حزبيّة تلتقي أو تختلف كثيرًا مع توجّهات الدّولة الأردنيّة، بشكل واضح تغيب معه الخطوط الحُمْراء الخطرة، لمن يقتربُ منها أو يُلامسها في مُحاولة انتهاكها.

   أمّا مؤسّسات المُجتمع المدنيّ، وعلى الأخصّ المجال الذي أرغبه، المنتديات والجمعيّات ذات البعد الثقافيّ، وقد كان لي شرف الانتساب لبعضها، وإقامة النشاطات  من أمسيات وحفلات توقيع لرواياتي، كلّ ذلك كان على سبيل العلاقات الشخصيّة والمعارف، ولم ألحظ طيلة مسيرتي في هذا المضمار، الرّقيب الأمنيّ والقبضة الخانقة الماسكة على الأنفاس، لا تسمح بالقَدَر الضّئيل من الحركة.

   من السّهل جدًا عندما أريدُ طبع كتاب لي، استخراج رخصة إجازة للنشر والتوزيع، دون تعقيد أو مماطلة، فما أن أدخل إلى المكتبة الوطنية، أكتبُ الطلّب, ثم أقوم بتسليمه للموظفة المسؤولة، حيث أجلسُ قليلًا لفترة لا تتجاوز الرّبع ساعة، حتى أستلم المُوافقة بكل احترام وتقدير من الإدارة هناك.

هذا المناخ الإيجابيّ بأريحيّته المُيسّرة الكافلة للحريّة الشخصيّة، يعطي الأمان والاطمئنان على النّفس أولًا؛ وخلق حالة التفكير الإبداعيّ الحُر. ممّا جعل من عمّان خلال المواسم الثقافيّة الصيفيّة من كلّ عام، خليّة نحلٍ على مدار السّاعة، جاءها الأدباء والكُتّاب والشّعراء من دول العالم أجمع العربيّة وغيرها، فأفسحت لهم المنابر الثقافيّة المكان والاحتفاء، وهيّأت لهم اللّقاء مع مختلف الفعاليّات الأردنيّة والعربيّة المُقيمة، دون تمييز أو استغلال.

   هذا ويُعتبر الأردنّ دوحة تسامح، ومناخ ملائم للحريّات الشخصيّة، تحيط به مناخات دكتاتوريّة قاسية مُتوحّدة أحاديّ الرّؤية، لا تحمل الرأي الآخر فضلًا عن الآخر صاحب الرأي. ولا تحترم حقوق الإنسان، ولا مكان في قواميسها للحريّات العامّة، التي تنص عليها الدساتير الموضوعة على الأرفُف مع مستودعات العفن. وعليه يكون الأردن مُتقدّمًا بسنوات ضوئيّة على مُحيطه العربيّ.

 

عمّان – الأردنّ

١٥/١/ ٢٠٢١

      

 

الشجرة التائهة

الشجرة التائهة.. (خاطرة)


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

   لا أدري ما الذي ذكّرني بالشجرة التّائهة (التاهية)، وحسب ما أعلم أنّها وحيدة في فلاة مُتفرّدة في منطقة من جنوب مدينتي بصرى الشام جنوب سوريّة. 

   وأوّل مرّة في حياتي عندما كنتُ في الصفّ الأوّل غرستُ شجرة في الحديقة شرق ساحة القلعة، والموقع الآن هو حديقة خلف البلديّة. وكانت مناسبة عيد الشجرة ١٩٧١م. ما زلتُ أظنّ أنّ إحدى أشجار الكينا أو السرو الكبيرة والعالية، ربّما تكون شجرتي تلك، حيث كبرت وهرمت معي. 

الأشجار جزء أساسيّ وحيويّ في حياة البشر؛ ففيه الجمال، وتلطيف الطبيعة بترطيبها وتنقيتها من الأتربة والغبار الناتج عن الزوابع والرياح الشديدة. 

  كلّ شجرة تشتهي المطر؛ لتحيا وتُنبت زهورها العطر.. لا تملّ من السهر.. لا تكلُّ من حالة التبديل طول العمر.

وكل عام عندها كعيد الأضحى والفطر.. صانعة الجمال بسحر. ثمارها يانعة القَطْرِ.

ولا تبخل بعطائها للثمر.. وإن قُذفَت بحجر.. بستوي عندها ما بين الحرّ والقرٍّ.. دائمة الوضوح في الجهر.. لا شيء تُخفيه في السرّ.. مُنتصبة في السّماء تُناغي القمر.. فوائدها لا تنقضي بانقضاء العمر.

وما زالت شجرة عيد الميلاد رمز الشّجرة الحقيقيّة تفيض بأنوارها جمالًا.. حُبًّا.. تفاؤلًا بمستقبل قادم بالخيرات.. الأمان.. السلام.


 من كتابي (من أول السطر)

الجمعة، 8 يناير 2021

ما الحب ألا

 ما الحبّ

قصة قصيرة 


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 


للحظة اصدامهِما المُفاجئ عند مدخل السّوبرماركت توقّف التاريخ.. أمام صمتِ الشّفاه.. حديثُ العيون كان وحده المسيطر.

حاجز الهواء البارد المُندفع بقوّة جهاز التكيّيف في أعلى الباب؛ وتّر حرارة لقاءٍ غير مُرتقَب. 

سيْلُ ذكريات مخبوءة بين طيّات النّسيان منذ عشرين عامًا. انهمر جنونًا مُتدفّقًا بينهما.

ابنها خلفها يدفع عربة مليئة سلّتها بالموادّ الغذائيّة، مُتوقّف بانتظار أمّه إفساح المجال أمامه للخروج نحو سيٍّارتهم المركونة. لم يُدرك سبب توقّفها، بصوت اخترق ذهولها:

- "ماما.. ما الذي جرى لكِ؟".

- "آه.. يبدو أنّي تذكّرتُ شيئًا". وانطلقت مسيرتهما خارجًا.

بينما الرّجل مُتسمّر بمكانه.. شيّعهما بنظراته الحسيرة مثلما ذاك اليوم؛ عندما أخبرَتهُ أنّ هناك من جاء لخطبتها، ولا حيلة له وقتها مع ظروفه الماديّة السيّئة العنيدة.

- "آه يا جُرح قلبي المُندمل.. يا لعنةً أطفأت حُبّي الأوّل.. ما أروعه ذاك الشاعر: (نقّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى// ما الحبُّ إلّا للحبيب الأوّل).. وأنت كنتِ وكنتِ". ضاقت عليه أنفاسُه مُتحشرجَة.. سقط مغشيًّا عليه.

فتح عينيْه على رُعب الخراطيم القادمة من الأجهزة الملصقة على جسمه، وعلى أنفه.. شاشات الأجهزة تتفاعل بخطوطها صُعودًا وهُبوطًا منتظمًا. حمدًا لله على سلامتكَ: قال الطبيب قبل انصرافه. 

لم يجد أحدًا كان من الممكن أن يسأله عن مصير الحبّ الأوّل: "يا إلهي ارأف بقلبها الحنون.. لاتُصبهُ بأذى.. ماذا لو أنّ صدمتها لرؤيتي قد أوصلها إلى مأواهاالأخير..؟". 


من كتابي (دقيقة واحدة فقط)

الخميس، 7 يناير 2021

الواقع خارج الكواليس

 الواقع خارج الكواليس

قراءة على قصيدة (كواليس) للشاعر راكان المساعد


بقلم/الروائي محمد فتحي المقداد


   الأقنعة تخرج من خلف الكواليس على وجوه الممثلين محاولة تجميل الواقع بخداع المتفرجين. قصيدة كواليس على بساطة كلماتها؛ فإنّها تُلامس الوجدان والضمير الإنسانيّ بشكل عامّ؛ فهي حكايته التي لا تتوقّف ولا تنتهي مع تجدّد الأيّام.

   الأقنعة لا تُقنع أبدًا، شعور دائم بخوف ما يختفي تحتها، وهو نقيض الوضوح الجلِيّ، وكأن مهمة الأقنعة الخداع المباشر للآخرين، ومحاولة تحسين القبيح وتسويقه. 


*العنوان:

   دلالة كلمة كواليس جمع لكلمة كالوس. المُتعارف عليه حيث أصبح مصطلحًا مُستخدَمًا على نطاق واسع، فيما يخصّ المؤامرات التي تُحاك وتُدبّر في الخفاء، في ظلام الأنفس المتآمرة التي تساوت في قذارتها مع ظلام الكواليس. 

   بالعودة إلى المُعجم اللّغوي لمعرفة المزيد عن هذه المُفردة: (كَواليس: (اسم)  وفي الثقافة والفنون: أماكن على المسرح لا يراها المشاهدون، وإنّما يكون فيها الممثِّلون قبل ظهورهم على خشبة المسرح، عمِل وراء الكَواليس: عَمِل في الخفاء). هذا المفهوم اللغويّ الذي فهنا منه، أن الكواليس هي الممرّات خلف المنصّة، لتجهيز العرض، والمخرج يوزع تعليماته في تقاسم الأدوار؛ للتأكيد على الممثّلين بالانتباه لدقّة أدائهم لأدوارهم لإقناع المُشاهد وإغراقه في متعة عرض المشهد. 

   وأعتقد أنّ رؤية الشّاعر (راكان المساعيد) للواقع الاجتماعيّ، وتسليط الضوء على الخلل الحاصل في الحياة العامّة، عندما أشار إلى نقاط سوداء في النّفوس، انعكست سُلوكًا ظالمًا من الأقوى للمُسالم والأضعف. 


*رؤية للقصيدة: 

   بالتوقّف إزاء العنوان للقصيدة بتكرار كلمة (كواليس) ثلاث مرّات، مقصود لترسيخ فكرة القصيدة الفريدة، والتنبيه لهذه الكلمة ذات الدلالة التي يُشار بها إلى نظريّة المُؤامرة الآخذة حيّزًا واسعًا في حياتنا الاجتماعيّة. 


-المقطع الأول:

(كواليس كواليس كواليس// كذب وغش وتهليس// رخّصتي يا دنيا ناس// وغلّيتي إلّلي كان رخيص// كواليس كواليس كواليس). بساطة الألفاظ والكلمات جعلت من القصيدة قابلة للتلحين، بما تبثّ من موسيقاها الدّاخليّة لحنًا يُدغدغ نفوس المُستمعين، عندما انطلقت به حنجرة الفنّان (نجيب حداد)، وروعة أدائه حقيقة. هذا المقطع واضح أنّه لفت انتباه شديد (كواليس/كذب/غش/تهليس: من الهلوسة). 


-المقطع الثاني:

   هذا المقطع انتفل إلى حيّز الحارة الفضاء المكانيّ، بعد المقطع الأول الذي شّكل تساؤلات إشكاليّة في ذهن المستمع، وهنا ينتقل النص تفسيره المُبرّر: (نص الحاره شيوخ وروس// جيبتهم مليانه فلوس// بيستنونا  نوطّي نبوس// شو بدنا نلحق تبويس// كواليس كواليس كواليس). انقلاب الأيّام.. تبدّل الأحوال، وهو مصداق قول الله تعالي في القرآن الكريم: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (140) آل عمران. 

   رغم أنّ القصيدة تراوحت كلماتها بين اللّغة الفصيحة والعاميّة، وجب توضيح بعض الكلمات منعًا لالتباس الفهم الدّقيق والمراد: (نص الحارة: النصف/ روس: رؤوس/بيستنونا: ينتظرونا/ نُوطّي: ننحني لتقبيل اليد أو الحذاء/ شو بدنا نُلحّق تبويس: ماذا عسانا نستطيع تقبيل). 


-المقطع الثالث:

   حكاية الألم لا تنتهي ولا تتوقّف، ظلم بلا حدود، وهو معاناة البشريّة منذ بدء الخليقة من الظلم والظالمين، رغم تعاليم الأديان السماويّة في تعزيز الحالة المُثلى من الصدق.. الأمانة.. الحب.. السّلم الاجتماعيّ.. بث الأمان بكافّة مُستوياته؛ لتنمو فضاءات الحياة تنعم بالحرية بنبذ كلّ أشكال الاستعباد: (كل يوم القصه بتنعاد// زرع وفلاح وحصاد// سرقوا البيدر ياعوّاد// الحراميه عبوا  الكيس// كواليس كواليس كواليس). حالة الوصف فاضحة بقوّة أفعال الأقوياء المشينة في سرقة جهد ولقمة العيش لإخوتهم من أبناء مجتمعاتهم والإنسانيّة عمومًا.

 

-المقطع الرابع:

   وكأنّ الاستضعاف تحوّل إلى حالة استسلام، وشبه تسليم مُقيم أوّلًا في النفوس كالقدر الإلهيّ، وعدم مقاومة الظلم بالطرق القانونية والسلمية، لاستخلاص الحقوق المنهوبة، واسترجاع الكرامة للإنسان عمومًا: (شو نحكي وشو بدنا نقول// اللي صاير مش معقول// مين اللي فينا مسؤول؟// غلطتنا ما عرفنا نقيس// كواليس كواليس كواليس). كما أن التخلّي الطوعي والخُلود للأمر الواقع والرّضا به، أغرى الانتهازيين في الذّهاب بغيّهم ورغباتهم في النهب والسيطرة. 


-المقطع الخامس:

   الخاتمة لم تتوقّف عن الهدف الأساسي للقصيدة عمومًا، بل ما زالت تُوضّح بالتفسير، وباللّسان العريض استكمالًا للمشهديّة السّوداء التي رصدتها المقاطع الخمسة بتفاصيل مثيرة لا يُمكن أن يصمت أمامها الشاعر (راكان المساعيد): 

(الحاره خيار وفقوس// دولاب الدنيا معكوس// نتسابق مين اللي يدوس// عالثاني ويكون إبليس// كواليس كواليس كواليس). 


   القصيدة ضمن الدّراما الاجتماعية السوداء، ولا أراها بأبعادها جلدًا للذّات، بقدر ما هي رصد حقيقيّ لواقع يعاني من الخلل الوظيفي للأخلاق والقناعات الشخصيّة، والوسائل المُبرّرة للغايات المتستّرة خلف أقنعة الفضيلة، وقد حيكت خيوطها خلف الكواليس، هذه الكلمة المُتلازمة اعتبارًا من العنوان، لتنسحب على جميع مقاطع القصيدة، مما سيُرسّخها في عقل القارئ لها، وللمستمع للفنّان الأردنيّ (نجيب حداد).


عمان – الأردن

٧/١/٢٠٢١

تأملات قرآنية