السبت، 14 نوفمبر 2020

مثل ومشكلة

 

 

مَثَلٌ ومُشكلة

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

 

*(إذا أردتَ أن تُخطّط لسنة فازرع أرزًا، وإذا أردت أن تُخطّط لعشر سنوات فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تُخطّط لمئة عام فازرع رجالًا) مثل فيتنامي.

في العام ١٩٩٨ كنتُ ما أزال أعمل بمهنتي (حلاق) في مدينة أبو ظبي، من طبيعتي بشكل دائم اتخاذ دفتر أسجلُ وأدوّن فيه ما يطرأ على بالي، وما يروقني مما أطالعه، ومذكراتي وخصوصيّاتي غير السريّة، متاحة للاطلاع لمن أراد بلا تحفّظ.

عندما أوثّق شيئًا بالكتابة أحفظه تمامًا، وحفظت هذا المثل الذي وجدته على ورقة جريدة.

في إجازتي السنويّة التي كنتُ أقضيها في مدينتي بُصرى الشام جنوب سوريّة، كانت لي جلسات مع الأحبة والأصدقاء، في إحداها والحديث يجرّ آخر، قلتُ هذا المثل الفيتناميّ، بعد أيّام حدث مالم يكن بالحسبان، وإذ بعتاب صديقي يصلني، عندما حلّل المثل: (بأنّي شامتٌ به، أثناء حديثي معه لم يكن يخطر ببالي أنه وقتها لم ينجب سوى البنات)، وقتها كان في نيّتي التوقّف عن السفر، للاستقرار في البلد لرعاية ابني هاشم الذي كان وحيدًا آنذاك، عالجتُ موضوع صديق.. في الحقيقة حتّى هذه اللّحظة لا أدري، هل اقتنع بوجهة نظري، واعتذاري له، وأنّني لم أقصد إحراجه؟.

عمّان- الأردن

١٤/ ١١/. ٢٠٢٠

 

 

 

الأربعاء، 11 نوفمبر 2020

لسان عربي

 

 

لسان عربي

 

مقالات ملفّقة (29/2)

بقلم محمد فتحي المقداد


   كتب العلّامة والمُؤرّخ عبدالرحمن بن خلدون كتابه، الذي لم نعرف منه غير المقدمة (مقدمة ابن خلدون)، بينما اسم الكتاب (ديوان المبتدأ والخبر من أيّام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر)، أعتقد أنّ طول العنوان بكلماته الكثيرة ذات الدلالات التاريخيّة والجغرافيّة، منَعَ الكثيرين من حفظه، ومقدمة الكتاب (مقدمة ابن خلدون) هي التي اشتهرت فقط، رغم  أنّها مُقدّمة للكتاب.

   عرب وعجم وبربر. جرت العادة التعبيريّة منذ أيّام العرب الأوائل بإطلاق لفظ الأعجميّ.. العجم...الأعاجم على غير العرب خاصّة من الفُرس، ثمّ عُمّم أكثر ليشمل كلّ غير عربي مهما اختلفت الأصول والمنابت، والعُجمة ما أُعجِم على الفهم من كلامٍ، وهو نقيض البيان والفصاحة، ومن ثمّ أطلق عليه لسان أعجميّ، وجاء التعبير القرآني: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) سورة النحل(103).

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ۝198فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ۝199سورة الشعراء. وعَجُمَ: (فعل) عجُمَ يَعجُم ، عُجْمةً ، فهو أعْجَمُ، وهي عجماءُ والجمع : عُجْمٌ. وإذا عَجُم الشَّخصُ، كانت في لسانه لُكْنَةً، وعدم إفصاح في الكلام، ولَمْ يَكُنْ فَصِيحاً.   

    بعد عصر الفتوحات الإسلاميّة بداية في عهد الخلفاء الرّاشدين وما بعد ذلك بكثير؛ استتبع ذلك إسلام شعوب وقوميّات بأكملها؛ ولكي يكتمل إيمانها وإسلامها لا بُدّ من الصلاة يوميًّا خمس مرّات، ولا صلاة بغير أمّ الكتاب (الفاتحة)، لأنّها لا يمكن أن تُقرأ إلّا بالعربيّة.

   والرّجل أعجم ، والمرأة عجماء، ويُقال للصبيّ ما دام لا يتكلّم ولا يفصح: صبيّ أعجم. كما أن ضرورات الحياة من اندماج، وتواصل، وتعاون ليتوافق ظرف سكّان البلاد المفتوحة مع العرب المسلمين؛ كان لا بُدّ لهم من تعلّم لغتهم؛ ليتعبّدوا الخالق، ويتعاملوا فيما معهم.

   بعد هذه الفترة بدأت تظهر مشاكل هؤلاء الجُدُد مع اللّغة الجديدة، وتنبّه العرب لمَ يُصيب لغتهم من اللّسان الأعجميّ، الناطق لحروفهم بطريقة غير صحيحة، نتيجة للتمازج والاندماج الضروريّ، بدأت تدخل كلمات ومصطلحات جديدة وتحريف الأصيل منها عن نُطقه ومعناه المُراد منه.

   هذا ما استدعى أمير المؤمنين (عليّ بن أبي طالب) كرّم الله وجهه، بالطلب إلى (أبي الأسود الدُّؤلي)، بتنقيط كلمات القرآن التي كانت قَبْلًا بلا نُقاط، وكان العرب يُفرّقون بين الباء والتاء، والدّال والذّال، الحاء والجيم والخاء، الرّاء والزّاي، السّين والشّين. العين والغين، وهي أربعة عشر حرفًا. وسُمّيتْ الحروف المُعجمة أيْ المشتملة على النُّقط، وعددها أربعة عشر حرفا: (ب، ت، ث، ج، خ، ذ، ز، ش، ض، ظ، غ، ف، ق، ن). وأعتقد أنّ إطلاق صفة المُعجمة التي كان سبب تنقيطها العجم، التي لم يستطيعوا فهمهما لمّا كانت على حالتها الأولى بلا نُقاط.

   وفي اللّغة ظهر مصطلح الحروف المهملة، وهي غير المنقوطة المقابل للمُعجمة. أي بهذا المعنى يكون نصفُ الأبجدية العربية حروفًا لم يستطع غير العرب نطقها بطريقة سليمة، وبهذا أية مصيبة يتحلّ ونازلة كانت ستدمّر اللّغة العربية، لولا المُبادرة من أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه.

   دكتاتوريّة الجغرافيا تفرض نفسها في أدقّ شؤون الحياة، قرية (العَجَمِيّ) الصغيرة الهادئة في الريف الغربية لمحافظة درعا على ضفاف نهر اليرموك جنوب سورية، من أغنى المناطق الزراعيّة الوفيرة بإنتاجها للخضار والفواكه؛ لكثرة مياهها المُتدفقّة من حولها عبر أقنية وجداول وعيون. وإمارة (عجمان) في دولة الإمارات العربيّة المُتّحدة، تُطلّ على مياه الخليج العربيّ.

   وبالعودة للسياق العام المُصاحب لهذين الموقعين الجُغرافيّين؛ نرى اشتراكهما بكلمة عَجَمْ، تاريخيّا يُقال أن مدينة (عجمان) كانت تسكنها قبائل العُجمان غير العربية، ومثلها قرية (العجمي) أنّها كانت مملوكة لشخص غير عربيّ معروف بالعَجَميّ، واكتسبت اسمها من اسم مالكها الإقطاعي.

  السّؤال المُلحّ: لماذا نرى هناك بعض العائلات في الشرق الأوسط والخليج تُكنّى بالعجمي؟.

   قديمًا كان (العَجَمِيّ) أحد التُجّار الدمشقيّين في مدينتي بُصرى الشام جنوب سوريّة، ومازال اسمه تتداوله الألسنة للدلالة على محلّه التجاريّ الدُكّان رغم تبدل مالكه. وفي السنوات الأخيرة ظهر اسم لقارئ القرآن العجمي ذو الصوت النديّ الرّقيق المُؤثّر بمن يسمعه، إضافة لنوّاب بهذه الكُنية في مجلس الأمّة الكُويتيّ.

   ومن عَجَّمَ نَصّاً يكون قد تَرْجَمَهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ إِلَى لُغَةٍ أعْجَمِيَّةٍ، والعَجَمُ  خلافُ العَرَبِ، الواحد عَجَمِيٌّ، نَطَقَ بالعربية أو لم ينطِق بها، العَجَمُ :عَلَمٌ على الفُرْس خاصَّة، وبلادُ العَجَمِ هي بلاد الفُرْسِ، إيران حاليًّا.  وعُجْمةُ الشّخص إذا كانت في لسانه لُكنة، وعدم إفصاح في الكلام: ''لم يستطعْ التعبيرَ عن نفسه بسبب عُجْمته، ومن أقَام مدَّة طويلة في بلاد أجنبيّة فقد عَجُمَ لسانه''.

   و(مقام عجم) من المقامات الموسيقيّة الشرقيّة الرئيسيّة، ويُعادل سُلّم (دو) الكبير في الموسيقى الغربيّة، وهو عبارة عن تتالي لعلامات موسيقيّة وفق أبعاد مُعيّنة وقواعد موضوعة لتصنيف اللّحن الموسيقيّ، يبدأ مقام عَجَم من علامة دو وينتهي عليها. مقام العجم مقام أساسي يرتكز على درجه العجم (دو)، وعند الشرقيّين يُسمّى بالعجم عشيران، لأنّه يرتكز على درجة العجم عشيران وهي درجة (سي بيمول القرار) نقلا عن ويكبيديا.

   وفي الجزيرة العربيّة يُطلق لفظ الأعجمي على الفرس خصوصًا، في الأندلس، يطلق اسم العُجميّة (الخميادو) على نصوص اللّغات الرومانسيّة المكتوبة بالحرف العربيّ، في غرب أفريقيا يطلق اسم العُجميّة (أجمي) على نصوص اللّغات الأفريقيّة المكتوبة بالحرف العربي، والعجم في العراق المجاورة لإيران تطلق على من يتحدّث العربيّة بطلاقة لكنّ أصوله فارسيّة.

   نهاية القول أنّ العُجمة نقيض فصاحة لسان العرب، وهذا القرآن الذي كان مُعجزة النبيّ ثبّت هذه الحقيقة، بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سورة فُصّلت 44.

   خلاصة القول فقد أعجمت ذهني اختبارًا، لتفتيق العُجمة نقيض الفصاحة ميّزة العرب، وقد جاء التحدّي الأبلغ فصاحة بأقوى منطقٍ وحُجّة من القرآن، الذي  كان تحدّيًا مُباشرًا على أن يأتوا بشيء مثله ولو آية، وأخيرًا قال تقريرًا ولن يستطيعوا، بهذا تكون مُلفّقتي أماطت اللّثام عن العّجمة، وسطرًا في سجلّ اللّغة، بينما لن يكون صُدفة أيضًا أن تكون تسمية مَعاجم اللّغة (القواميس) بهذه الكلمة، وبالتدقيق البسيط، ولماذا اصطُلِح على تسميتها معاجم؟. لأنّها كُتبت لغير العرب حتّى يستطيعوا فهم اللغة العربية، وللحفاظ على اللّغة نقيّة بأصولها، ولتوثيق الدّخيل عليها، وعليها ما أطلق عليها كلمات أعجميّة؛ لأنّ أصولها غير عربيّة. 

   ولم يخْلُ بيت من بيوت الأثرياء وقٌصورهم من السّجّاد العجميّ بألوانه الزّاهية، وصناعته المُتقنة، وقيمته الماديّة والمعنويّة لمن يمتلك شيئًا منها، خاصّة من الجيل الثّاني والثّالث لأجدادهم.

   وللدّخّان العجميّ نصيب في حياة فئة كبيرة من المُدخّنين الذين يُتقنون لفّ السجائر بأيديهم، ويمتلكون أدواته من العلبة الفضيّة والأنبوبة الخشبية المنقوشة بزخرفات على أطرافها، وتوضع السيجارة في مقدّمتها، وهي واسطة امتصاص الدخان وإيصاله لفم المُدخّن. وإطلاق اسم العجمي على التنباك والتّبغ إلّا للتفريق بينه وبين الدّخان العربيّ المعروف (الهيشي) برائحته التي لا أستسيغها أبدًا، وأهرب ممن يدخنّ هذا النّوع بعيدًا اتّقاء تلويث إيذاء حاسة الشمّ عندي.

*** 

 

   عمّان الأردن

11\ 11\ 2020

الأحد، 8 نوفمبر 2020

مشهدية تعددية الأصوات في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين

 

مشهدية تعددية الأصوات

في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين بزال

 

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

 

  المقدمة:

 تقنيّة الأصوات المُتعدّدة ظاهرة في الكثير من الأعمال السرديّة الروائيّة، وهي مجال رحب واسع للكاتب أن يتولّى طريقة إدارتها بشكل يضمن له خدمة مشروعه اشتغالًا واعيًا مُدركًا لطبيعة لتوظيف حواسّ أبطاله تفاعليًّا عميقًا، من خلال رسم مشاهد توريطيّة للقارئ المُستهدَف بالقراءة، وبالتالي جرّه بقوّة ليجعله جزءًا من العمل مُدافعا مُنافحًا عنه، مُتبنّيًا لفكرة العمل الروائي بحماس.

   الروائيّة (ريم بدر الدين) أوقفتني بقوّة مُتأمّلًا لافتة العنوان (ذاكرة ميّت)، المثيرة بإشكاليّة التساؤلات المُتولّدة في ذهني كقارئ، تسمّرت أمام مفارقة غير عاديّة أبدًا. أمر كلمة (ذاكرة) عادي جدًّا؛ كونها مُتاحة للبشر جميعًا على حدّ سواء بدرجات مُتفاوتة، وهي ميّزة إنسانيّة تتعالق مع طبيعة الإنسان النّاسية، لاستعادة ما حدث معه سابقًا، وما أصبح بعيدًا عن لحظته، هنا تتجلّى الذاكرة بدورها لجلب الأمنيات والأفراح والأحزان والتفاؤل واليأس.

 

العنوان:

   ومؤخّرًا مع شُيوع التقنيّات المُتقدّمة ذات الذكاء الصناعيّ، فقد تشاركت مع بني البشر موضوع الذاكرة المُستدعاة بطلب من المُستخدم، و(ذاكرة ميت) تتماثل تشابُهًا مع وظيفة الذاكرة المُناطة بها مع رواية (ذاكرة الجسد) للروائية الجزائريّة (أحلام مُستغانمي)، ورواية (ذاكرة العشق) للروائيّة (بشرى الصّافي)، ورواية (ذاكرة القلب) للروائية (نيسان الفرات) وهي مكتوبة باللهجة العامية، ومع كتاب (ذاكرة للنسيان) ل (محمود درويش). هذه الوقفة مع عنوانات ابتدأت جميعها بكلمة (ذاكرة)، مُبرّر منطقيّا أن تأتي للتعبير عن الجسد وصاحب العشق في عشقه لمحبوبته، ومع القلب بكافّة أحواله وتقلّباته فرحًا وحُزنًا.. لوعة واشتياقًا. وأن تكون ذاكرة للنسيان فهذه تكون قد انمحن لطبيعة موقعها مع النسيان.

   أمّا أن تكون ذاكرة ميت، هنا الإشكالية؛ مجرد الموت السريري والأنفاس مازالت تصعد وتهبط بذبول، فإن الشخص يكون مشلول الحركة تمامًا حتّى حركة جفنيْه بصعوبة بالغة، فما بالك بالأعصاب، ونشاط الدماغ ذهنيًّا جاعلًا في ساحات التفكير والذكريات. هذا هو غير الممكن أبدًا، ولكن الرّاوي العليم (ريم بدر الدين) فرضت دكتاتوريّتها على بطلها المُوازي، للهروب من استحقاقات الاصطدام بالجدار الصلب، واجتناب أوحال ومستنقعات الواقع بطريقة التفافيّة ذكيّة، ولا يظهر ذلك المنحى إلّا من خلال قراءة ما وراء الحروف والكلمات، ووعي الأهداف البعيدة والقريبة لرسالة الكاتبة التي تُريد إيصالها.

 

 

البطل:

   على الرغم من أنّ بطل رواية (ذاكرة ميّت) هو لسان البطل العليم أي (الكاتبة ريم بدر الدين)، ومن خلاله اشتغلت على بثّ أفكار برسالة أدبية واضحة المعالم برسالتها السردية ذات الصبغة الاجتماعيّة المُوشّاة بخيوط النقد، والإشارة إلى مواطن الخلل من وجهة نظر الكاتبة، بعين ثاقبة للفت الانتباه الزوايا السوداء المُعتمة، لتسليط الضوء عليها لمعالجتها، والخروج من حالة المُراوحة العاجزة عن بلوغ  مستوى السموّ الأخلاقي للارتقاء، ومغادرة المنطقة الرماديّة إلى المنطقة الواضحة، والتي لا تحتمل التأويل فيما البين.. بيْن.

   كما أنّها ككاتبة لم تحتلّ دورة بطل روايتها، بل استطاعت تحريكه بانتقالات رشيقة أشعرتنا أنّه لم يكن ميّتًا، أخذني معه.. جعلني أنبطح إلى جانبه مُتمثّلًا حالته بتطابق تامّ؛ للنظر من فُتحة منظاره الخاصّ، لأرى ما أراد هو لي بمشاهدته طوعًا قَسريًّا.

   حركة البطل داخل النصّ إيجابيّة، استنطق الصّامتين المتجمهرين حول مكان الحادث، ونقل لي مشاعرهم بصدق دون مُواربة، وأرادني التصديق بكلّ ما نقله من كلام وأفعال المُتكلّمين؛ ليُنفّرني من مفارقات السُّلوكيّات المُتذبذبة المتستّرة تحت رداء الصدق والفضيلة.

 

الحدث السردي:

   اللّعبة السّرديّة التي اتبّعتها الكاتبة ريم بدر الدين ذكيّة من خلال تكرار فصول الرواية تحت عنوان (ورقة) متلازمًا مع عنوان يتبعه وكأنه فرع له (الخروج من الذّاكرة)، لا أدري أنّ هذه اللّافتات السّرديّة التي فصّلتها بيدٍ خبيرة عالمة بما هي ذاهبة إليه، أذتني إلى  عوالم لافتات أحمد مطر الشّعريّة.

   أشعرتني كلّ ورقة بأنّها أثبتت حالة مأزق، ولا ينفكّ المأزق إلّا بالخروج من الذّاكرة لإتمام المشهد،  باستقصاء مُبسّط للأوراق الإثني عشر، وكأنّه استشراف دلاليّ على فضاء الرواية الممتدّ على سنة كاملة.    بعد هذه السياحة التي لابد منها للولوج منها، إلى موضوع عنوان هذه القراءة, مشهديّة تعدّد الأصوات في رواية (ذاكرة ميّت).

   بداية الرّواية صادمة بعنف مشهديّة سقوط رجل خمسينيّ على أرضيّة حديقة الطابق الأرضي للعمارة، وبقوله يتّضح الموقف: (لفظتُ أنفاسًا كأنّها الأخيرة في رحلة السّقوط.. كنتُ مُتيقّنًا أنّه السّقوط الأخير الذي أتعرّض له) ص15. ويتابع وصف حالته: (الناس حولي متسائلون مضطربون عمّن أكون؟ لم يلحظوا بركة الدمّ التي بدأت بالتجمّع تحتي، ولم يسمعوا صوت عظامي التي طقطقت بعنف) ص15. انتقل بنا من وصف حالته وما آلت إليه إلى وصف محيطه، وهو يُراقب الجموع ن النساء والرّجال والأولاد، وينقل لنا ما يدور على ألسنتهم بما مسموع، ومما زاد المشهد في اتّساع مساحته الأبعد، هو كشف المونولوجات الداخليّة المخفيّة في صدورهم، وهي الأشدّ إيلامًا بتفاعلاتها في نفس القارئ.  

   الرواية اتّخذت افتتاحيّتها من العُقدة، وبدأت بتفكيك الحدث على مساحة صفحات الرواية تتابعًا بإدهاش جميل مٌقنع بترابطه وتسلسله الآخر مع المُتقدّم.

   *مشهديّة تعدّد الأصوات، بوصف الرّجل الضّخم بكرسه الكبير، وقامته القصيرة؛ باستقراء نظراته: (لِمَ اخترتُ أن أسقط في هذا المكان بالذّات؟. ولِمَ تكون ملابسي بهذه الهيئة من الاتّساخ، وقلّة الترتيب؟.)ص16.

*جمع من النسوة بملابسهنّ البيتيّة: (إحداهنّ قرأت لي الفاتحة في سِرّها)، (بينما ظنّت جاراتها أنّني لا أستحقّ هذا ، فربّما كنتُ سكرانًا أو لصًّا). أكّدت أخرى في سرّها: (لا بُدّ أنّه كان في شُقّة الفنّانة التي تسكن في الطابق الأخير؛ فهي كثيرًا ما تستضيف رجالًا من كلّ المستويات..!!).  ص16وفيما يليه من أحاديث النساء الفضائحيّة  تلك هي حياة العمارات والبيوت المُتقاربة، حتّى الهمس مسموع لدى الجيران.

*رجلٌ عليه سمة الهدوء والوقار بقامة مُنتصبة رغم تقدّم العمر:  (قلّبتُ صفحة من دماغه قرأتُ فيها: لا بدّ أنّ وراء هذا السّقوط سرقة ما؛ فجارنا ف الطّابق الرّابع قد ربح منذ أيّام ورقة يانصيب بمبلغ كبير جدًّا، إذا حانت لي فرصة أن أختلي بالجثّة وأُفتّش جيوبه) ص17. ويتابع الرجل العجوز ينظر إلى الطابق الرابع ليرى أنّه لا نافذة مفتوحة، وليس ثمّة بللور مكسور، فتح قوسين في رأسه، وقال: (رغم ذلك لن يخيب ظنّي في تفتيش جيوبه).  ص17.

* وأنت أيّها المتثاقف  الواقف بين المتجمهرين تتخيّلُ أنّها فُرصة مناسبة لتستعرض نفسك أمام الحاضرين، أسمعكَ تقول: (إيّاكم ولمس هذه الجُثّة، ستجري الشّرطة رفع البصمات. ألم يقُم أحدكم بطلب الإسعاف؟ ربّما هاذ الرّجل لم يمُت تمامًا). ص18.

* على لسان البطل الجريح: (ذات التّنورة القصيرة والنّظّارات الرقيقة تقفين هنا حيرى متسائلة، تُحاولين البحث عن سبب منطقيٍّ لوجودي هنا، سأدخلُ من أذُنك، مخطئة أنتِ، عندما فكّرتِ أنّني ربّما أكونُ ناشطًا سياسيًّا هاربًا، ومُتواريًا في إحدى الشّقق العُلويّة، لا تُحاولي  أن تُؤكّدي نظريّتك التي عزّزتها مُلاحظتكِ البارحة لعدد غير طبيعيّ ممن يظنّون أنفسهم أتقنوا  التّواري في ثياب المُخبرين السريّين، كونك تسكنين في الشّقّة المُقابلة للمدخل) ص18+19.     

*الطبيب الأخرق كعادة أطبّاء الإسعاف مُبلّدي الحسّ: (أيّا الأبله، لا تقبض على معصمي بهذه القوّة تعُدّ النّبضات.. تتأسّف .. تلعن.. تهزّ رأسك فيَّ لتُعلنَ أنّني فارقتُ الحياة، دون أن تُكلّف نفسك عناء فحص بؤبؤي أو نبضات القلب أو معاينة الكسور. تقولُ في سرّكَ مُقتنعًا بأنّ تشخيصكَ صحيح تمامًا) ص19. أسمعُكَ بوضوح: (أشكرُ الله أنّه أراحنا من عبء إجراء الإسعافات، وما يستدعيه من عمليّات، هذه الجُثّة فعلت خيرًا بمُفارقتها الحياة، لت الجميع هكذا)، ويتردّد الصوت ثانيّة ليجب على مونولوج الطبيب: (أعرفُ أنّ صديقتكَ تنتظرك في مكتبكَ على أحرّ من الجمر) ص20.

* ضابط شرطة يتبختر كطاووس، نافخًا صدره، ورافعًا رأسه نحو الأعلى، بصوته الأجشّ المُدوّي في المكان:  (تراجعوا.. لا تدع أحدًا يُغادرُ المكان ريثما ننتهي) ص20. قامَ بتقليبي، كما يُقلّبُ كيسًا من البطاطا، ثمّ جعل رأسي باتّجاه الأرض، حدّث نفسه قائلًا: (لا بدّ أن أجد دليلًا على شُبهة جُرميّة، وإلّا فقدتُ احترامي في هذا الحيّ الملعون، أعرف ألسنتهم طويلة حادّة) ص20. ثمّ أعلن بصوتٍ عالٍ: (أحضروا خبير البصمات؛ ليقوم برفعها، واختموا المكان بالشّمع الأحمر، وسيجري استجواب كلّ من كان هنا) ص21.

*دلف إلى المكان رجلان يحملان النّقالة، لم يكترثا بحملي بعناية. سيّارة الإسعاف التي وُضعت فيها الحمّالة؛ أعرفها عندما رافقتُ زوجتي لتضع مولودنا؛ ثمّ لتموت هي وهو في ذات المستشفى الذي يأخذونني إليه. ص21.

* السّائقان  يُثرثران، ويتبادلان النّكات كما لو أنّ الذي يُقلّانه في سيّارتهما ليس جُثّة, أدارا المذياع؛ لتنطلق أغنية صاخبة مثيرة تُناسبُ النُّكات التي تبادلاها.

تتراءى لي الأشياء والأشخاص، وكأنّني أقفُ خلف زجاج مُتّسخ، أو في البرزخ الفاصل بين فضاءيْن مملوءيْن  بسائل هُلاميّ لزج. ص22.

   في الحقيقة بين هذا التّجوال في هذه المشهديّة المحكيّة على لسان البطل الميّت، وما خلفها من المشاهد المخفيّة لم تظهر، إلّا بدلالة كلمات وجُمل لم تُشر إليه صراحة، وإنّما السّياق العام للحدث يُفصح عنها بجلاء، وهو ما المجال الخصب لتأويل القارئ بما يروق له، وتفسيرها بما يراه يصلح لهذه المشهديّة.

   مهما قيل، فإن رواية ذاكرة ميّت عمل أدبيّ ناضج بإتقانه المُترابط، ودليل على ذهنيّة الكاتبة المُتوقّدة بذكاء عندما ابتكرت هذه اللّعبة السّرديّة، ورسمت لوحاتها التي تقدّم ذكرها بكلمات وجُمل قليلة كلمات محدودة، لا يمكن الاستغناء عن أيّ منها؛ للفت انتباه القارئ لما يعتملُ في نفوس النّاس، أمام مشهد الموت الرّهيب، ولا يتّعظون..!!، بل أضاءت الزوايا المُظلمة في دواخلهم.

 

عمّان الأردن

ــــــــــا 8\ 11\ 2020

  

 

 

 

 

 

السبت، 7 نوفمبر 2020

من دلالات عناويني

 دلالات عناويني


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد 


‏أول كتاب نشر لي هو (شاهد على العتمة) أشكالية العنوان.. شاهد.. يشهد على العتمة.. خلاف ما هو مطلوب أن يشهد على مثل الشمس وُضوحًا. لكن أن يشهد على العتمة؟ 


‏الكتاب الثاني الذي نشر لي: رواية(دوامة الأوغاد) إشكالية العنوان.. دوامة.. مترافقة مع الأوغاد بدلالات كانت عتبة للرواية في كثير من جوانبها.


‏الكتاب الثالث الذي نشر لي: (مقالات ملفقة) إشكالية العنوان عندما يفصح عن جانب واضح بأن الكتاب  مقالات. والإشكالية بأنها ملفقة. ما درج عليه فهم التلفيق بأنه الكذب والدجل وغير ذلك. بينما طبيعة تركيبة المقالات جاءت من الترتيق والترقيع. جمعت المتناقض المتباعد المتناثر بخيط لجذر كلمة. 


‏الكتاب الرابع الذي نشر لي: رواية (الطريق إلى الزعتري) العنوان عتبة الرواية بدلالته. رغم أنه عنوان مكرور بجزئه الأول(الطريق إلى...) بينما الجديد هنا كلمة (الزعتري) القرية الصغيرة النائية المنسية، أحياها المخيم الذي أقيم فيها. والكلمة عالمية دخلت لغات الدنيا جميعا.


‏الكتاب الخامس الذي نشر لي : رواية (فوق الأرض) يبدو للوهلة الأولى أن العنوان عادي، لكني بحثي عنه استغرقني سنة كاملة، ورب صدفة أفضل من ميعاد. جاءت الكلمتان على لسان صديق أثناء سؤال اعتيادي عن أحواله، أجابني: فوق الأرض، بتفاؤل وثقة. قصة لقائي بهذا العنوان بعوالمه الواسعة. 


‏الكتاب السادس الذي نشر لي: (بتوقيت بُصرى) التوقيت جزء أساسي في الحياة. دلالة الحدث والفعل الإنساني، وبُصرى مدينة أقصى جنوب سورية، هي صخب التاريخ وعبق الحضارة. كان الأنباط العرب يؤرخون بتوقيتها، الآن كما توقيت جرينتش الاستعماري، والقدس، ومكة المكرمة. استنهاض المكان مسقط رأسي.


الجمعة، 6 نوفمبر 2020

مقدمة الإصدار الثالث من دليل أفاق حرة

 

على بركة الله قريبا انتظرونا في الاصدارالثاني من (دليل آفاق حرة للأدباء والكتاب العرب)
بحمد الله وتوفيقه، انتهيت اليوم من التنسيق و التنضيد، وكتابة المقدمة، بانتظار توثيقه في دائرة المكتبة الوطنية، تمهيدا لنشره
ألف مبارك للجميع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
بعد النجاح الذي تحقق لنا في الإصدار الأول من دليل آفاق حرة للأدباء والكتاب العرب، آثرنا السير قُدُمًا في المشروع العربيّ الرّائد بتوثيق سير أدباء وكُتّاب من مختلف مناطق الوطن العربيّ وخارجه؛ ففي الإصدار الأول الذي انفردت صفحاته للاتساع لمجموعة من سبع عشرة دولة عربية، ولكن هناك بعض الدول لم يكن منها إلا اسم واحد مثل (ليبيا والسودان)، كما أنّ الإصدار الأوّل سقطنا ببعض الأخطاء سهوًا، بتثبيت اسميْن لهما إصدارات ما زالت تحت الطبع، أو كتبًا مُشتركة مع آخرين.
هنا اتّسعت دائرة المشاركة والتواصل أكثر من الإصدار الأوّل، بالتنوّع الغنيّ بالأسماء بازدياد ملحوظ، وإقبال منقطع النظير خلال فترة زمنية قياسيّة لم تتعدّ الشهرين لإغلاق الإصدارين على مئتي اسم لكلّ منهما، حتى اضطررنا لفتح الإصدار الثالث وهو في مرحلته الأخيرة على وشك الإغلاق أيضًا على مئتي اسم، فنحن أصبحنا أمام مسؤولية كبيرة،حملت عبء عمل مؤسّسي بإمكانات وجهود فرديّة حثيثة، سارت بتوكّل على الله، والمُضيّ بعزيمة وثبات، بطموح آملٍ بالوصول للإصدار الخامس، ليصبح الدليل موسوعة معدودة على الساحة العربيّة.
كما لا ننكر جهود الأخوة بالمساعدة بتوصيلنا مع أدباء لم نستطع الوصول إليهم. كلّ الشّكر والتقدير لمن بذل جهدًا؛ فكان لبنة في هذا البناء التوثيقيّ السّامق. جهود الشريك محمد صوالحة كانت عظيمة، رغم الضغط الهائل الذي في النشر من خلال الموقع (آفاق حرة الإلكتروني)، وإعادة التوثيق على ملفات الوورد، تمهيدًا للتنسيق والتنضيد.
عمان – الأردن
ــــــا 7\ 11\ 2020
الروائي محمد فتحي المقداد
سوريا

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

طقس الكتابة

طقس الكتابة

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


كأنّي بكلمة (طقس وطقوس) المصطلح الذي يطلق عادة على أشياء وأفعال عديدة، طقوس العبادة، الكتابة، الطعام، أصبوحات الأيّام وأمسياتها، التدخين، شرب القهوة والشاي، الأفراح والأحزان، وإلى ما هنالك من دوائر حياتيّة من الممكن إطلاق المصطلح عليها. 

وبتتبّع أصل كلمة طقس: فهي النظام والترتيب. والطّقْسُ: حَالَةُ الْجَوِّ مِنْ بَرْدٍ وَحَرَارَةٍ وَاعْتِدَالٍ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنَيْنِ، والطَّقْسُ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ: نِظَامُ العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَأَشْكالِها، شَعاَئِرُهَا وَاحْتِفَالاَتُهَا. 

من هنا ننطلق لهذه القضيّة المتلازمة مع كثير من الحالات ومنها الكتابة والكاتب. باعتقادي أن الكتابة لا تتأتّى ضمن طقس اعتياديّ يوميّ. مثلًا في زمن مُعيّن متى ما أراد الكاتب أو الأديب. 

إنّما ميلاد الكتابة يكون بعد مخاض عسير من تفاغلات هائجة مائجة في صدر الكاتب، جرّاء فكرة استوظنت عقله؛ فاستحوذت على جُلّ تفكيره؛ تؤرّقه.. تُخرّقه، ولذلك فالكتابة نتيحة للاحتراق الدّاخليّ؛ عندما تنضجُ استواءً بعد أن أخذت  مداياتها بلا رأفة بحال الكاتب. 

لحظة الولادة كما هو معلوم، وقتها محتوم لزوم التنفيذ لحظيًّا، بلا انتظار لطقوس مُعتادة، ورغبة في تناول القلم والورقة، وبحضور فنجان القهوة، وانطلاق الموسيقى، على وقع دخان سيجارة الكاتب. 

لحظة الكتابة غير مُرتبطة بكلّ هذه الأشياء، بينما تصعق كالبرق غير آبهة بكلّ الترتيبات هذه، وكما قيل لكلّ قاعدة شوْاذ، هناك بعض الكُتّاب من يُحيط نفسه بهالة قُدسيّة، وإعطاء الموضوع بُعدًا طُقوسيًا؛ كأنّه عبادة راتبة يستدعيها مجيء وقتها. وبهذا المفهوم تتنافى فكرة الإبداع مع الرّتابة الرّوتينيّة. كما حين تصبح العبادة عند البعض عادة، لا تنعكس بآثارها إيجابًا على صاحبها، مما يُشكّل مُفارقة مُتباعدة بين الفعل والعمل. 

اعتياد الأشياء يذهب بألقها، والألفة تذهب بالكلفة، وهذا الأمر ينسحب على الكتابة كفعل إنسانيّ بحاجة لصفاء الذهن أولًا، مع لزوم إيجاد الأدوات للتنفيذ في أيّ وقت كان، ربّما على قارعة الطريق، أو في الباص، أو أثناء الطعام، أو تأريق الكاتب ومنعه من النوم في مواعيده المعتادة. 

والإبداع مرتبط بقدرات الشّخص الذهنيّة، وحالته النفسيّة من الارتياح بقابليّات الفرح والسرور أو الأحزان والاكتئباب واليأس والقنوط. هذه الأحوال من المؤثرات تصبغ الكتابة بألوانها. 

كون الكتابة كائن متأثّر بالظروف المحيطة بالكاتب من حروب وأزمات فقر وبطالة، خاصّة في شرقنا العربيّ على خلاف الكاتب الغربيّ، مع توفّر الإمكانات والظروف المواتية لتفرّغه التامّ للتفكير، مع وجود فريق عمل مُتكامل يُساعده من خلال مكتبه، وما يجنيه من عائدات ربحيّة لنتاجاته الفكريّة. كلّ هذه المُحفّزات تجعل الكتابة المُجدولة ضمن مساق زمنيّ مُحدّد أو مفتوح أمرًا سهل التنفيذ، مع الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع بكامل طاقته ولياقته.

وتبقى لحظة الكتابة رغبة وإلحاح داخلي بعد بزوغ ميلاد الفكرة، هنا تُفرد مساحة الوقت والزمان للتقييد، ومثل الكلمات والأفكار كالطيور تتفلّت تطايرًا. وتقييدها كتابتها لتُحفَظ مخافة النسيان. 


عمّان - الأردنّ

4/11/2020

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2020

وللحرية الحمراء (مقالات ملفقة)

 وللحرية الحمراء..


مقالات ملفقة ( 30\2 )

بقلم ( محمد فتحي المقداد )*


كثيراً ما  أحاولُ  زَجْر َ ابني الصغير، عندما قيامه بفعلٍ تخريبيٍّ، أو كلمةٍ نابيةٍ  كان قد سمعها من أحدهم، فيقول لي : " أنا حُر " ، أتأمله متعجِّباً لفهمه، وعلى طريقته..!! ، رافضاً لكلامي وتوجيهاتي، ويريد فِعْلَ ما يروق  له .. تمرُّدٌ ورفضٌ منذ نعومة أظفاره  للوصاية عليه، فأردُ عليه :" أنت حُر .. وأنا أقبلُ بذلك بكل رضا ". 

فالحرُّ يكون ضدّ العبد، وقد خلق الله البشر أحراراً، ولا تزال كلمة سيّدنا عمر بن الخطّاب : ( متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أماتهم أحراراُ) لعامله على مصر – عمرو  ابن العاص – ، فالناس جميعاً متساوون أمام القانون، إذ أن تحقيق العدل هو هدف الأديان جميعاً، حتى أن المبادئ الوضعية و القوانين حاولت جهدها تقديم العدالة للجميع، بعيداً عن احتيال القضاة و المحامين. 

واتخذ التحرر ، أشكالاً عديدة، فقد كان لدعوة تحرير المرأة في بداية القرن العشرين، على يد داعيته رفاعة الطهطاوي،  الأثر البالغ   لدفع  الجمعيات النسائية العربية ، و على غرار نظيرتها الغربية، بالمناداة بتحرير المرأة، وقد كان الهدف لتحرير المرأة في المقام الأول هو الحجاب، وأول من خلعت حجابها في مصر هدى شعراوي، فكانت قدوة للأخريات

مجيء الإسلام كان ثورة حقيقة في مجال تحرير العبيد، واستنكر الزعماء ذلك، وهم يأنفون مساواتهم بالعبيد، ويوم الفتح أمر  الرسول  الكريم " بلال الحبشي " بالصعود على سطح الكعبة للأذان، وكثير من الأحكام التي وردت في موسوعات الفقه الإسلامي، فيها التفصيلات الكثيرة حول الرق وأحكامَ العِتق، وطرق تحريرهم من خلال المكاتبة بين العبد وسيده، كما أن الكفّارات  اتخذت أشكالاً عديدة في تحرير الرقاب، و اعتُبِرَتْ تقرُّباً إلى الله، كان  و تلك الأشكال من الكفّارات  التي بثّها الإسلام كانت في سبيل إنهاء  و تحريير  الرقيق  تماماً، ومحو آثارها  من المجتمعات الإنسانية. 

كما أن  أسطورة سبارتكوس ذلك العبد، الذي جمع العبيد حوله وتزعمهم، وعمل على إحداث ثورة على الأسياد والنبلاء في روما. واستولى العبيد على ايطاليا، وعلى طوال أربع سنوات حطم العبيد خلالها جيوش ،وعندما تعاظم خطر سبارتكوس على روما جهزت جيشاً قوامه تسعون ألف جنديٍ، واستدعت لقيادته قائد حامية سوريا المعروف بحنكته ودهائه القائد ( كراسوس  )و عمل على قمع التمرّد، ففي خلال  يوم وليلة،  قُتِلَ فيها قرابة مئة ألف شخص،  وكان من بينهم ) سبارتكوس  ) الذي مات وهو يقاتل يداً بيد مع رفاقه العبيد،  وصنع من جثث القتلى والأسرى السجق،همجية الحروب تفعل أفاعيلها بوحشية مخيفة. وفي العام 1865-1861  كان (  ابراهام لنكولن ) الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية، وفي عهده حدثت الحرب الأهلية، وحاول كثيراً العمل على تحرير العبيد، الأمر الذي لقي معارضة شديدة، وخضع لحل توفيقي مع معارضيه ( تحرير للعبيد دون مساواة مع البيض) .   وتوّج  جهوده بقرار إلغاء الرق في أمريكا عام 1863م ، وفي نهاية المطاف قتل الرئيس  في عام 1865 م انتقاماً منه.

ومن الأحداث المهمة في تاريخ الإسلام، كان فتح مكّة،  و حدثت ( بيعة النساء )،  و قد ذكر المفسرون عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ...} سورة الممتحنة(12).ووردفي صفة مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال: (على ألا يشركن بالله شيئاً) قالت هند بنت عتبة -وهي منتقبة خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، لمَِا صنعتْهُ بحمزة يوم أحد-: " والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال " – وقد كان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (ولا يسرقن) . فقالت هند:" إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا، فقال أبو سفيان: " هو لك حلال "، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- و عَرَفَها، وقال: (أنت هند؟). فقالت: " عفا الله عما سلف "، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني الحرة؟! ثم قال: (ولا يقتلن أولادهن، ولا يسقطن الأجنة)، فقالت هند: ربيناهم صغاراً وقتلتَهُم كباراً يوم بدر، فأنتم وهم أبصر. فالغرابة كل الغرابة   أن الحرة تزني ، وقد قالت العرب : ( تجوع  الحُرَّةُ و لا تأكل بثدييها ) 

وجاء إعلان  ثورة التحرير  الشعبية  الجزائرية في 1 نوفمبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830، ودامت طيلة 7 سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، وانتهت بإعلان استقلال الجزائر يوم 5 جويلية 1962 بعد أن سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد جزائري، وذلك ما أعطى الجزائر لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي. و انتهت الحرب بإعلان استقلال الجزائر في 5 جويلية 1962، وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه احتلال الجزائر في سنة 1830، وكان إعلان الاستقلال على لسان الرئيس الفرنسي ( شارل ديغول ).  كذلك  فإن البلاد التي تعرضت للاستعمار الخارجي، فقد اتخذت المقاومة في كثير منها على شكل  حرب تحرير شعبية، كما في الصين  وفيتنام وفي المغرب العربي بقيادة الأمير  عبدالكريم  الخطابي.

وفي عهد  الرئيس جمال عبد الناصر  في مصر، صدر قانون الإصلاح الزراعي ،  وهو محاكاة  للتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، قاموا بتحديد ملكية الأراضي وتوزيعها على الفلاحين، وقد طبق المشروع على مناطق في محافظة البحيرة و أطلقوا عليه اسم ( مديرية التحرير ). و تهدف فكرة  المشروع إلى جذب القوى العاملة و الطبقات  الفقيرة،  وتسليم الفلاحين الأراضي الزراعية وتوفير  مياه الري، من خلال  شق الأقنية  في جميع أنحاء المديرية ،لريِّ  الأراضي، وتوالت النجاحات حيث ولدت القرى الجديدة التي شكلت منظومة زراعية من أكبر المنظومات الزراعية. التي كانت تدر دخلا كبيرا للدولة و المساهمة في زيادة الدخل القومي.أما مديرية التحرير في اليمن، فهي عبارة عن حي يقع وسط العاصمة  صنعاء.   و كوني من محبي القراءة و المطالعة، وفي زمان مضى قرأتُ كتاب ( تحرير الوسيلة ) للإمام الخميني، و أذكرُ  أنه  خلاصة اجتهاداته الفقهية ، وفي كثير منها ماأثار الجدل كونها غير مسبوقة اجتهادياً، في محاولة تسويقها اجتماعياً ضمن الفئات التي تؤمن بمثل تلك الاجتهادات. ومهما تقادمت الأيام فلن يُنسى أمير الشعراء، وفي أجمل ما قال :   ( و للحرية الحمراء بابٌ بكلِّ يدٍ مُضرجَّةٍ  يُدَقُّ ). فالحرية تؤخذُ ولا تعطي، وهي قضية الشعوب الكبرى منذ فجر التاريخ، و ( الكلمة الحرّة هي أفضل السبل  لتدوين التاريخ وإعادة تأهيله ) . 

و  التحرير  قد اتخذ أشكالاً أخرى  في استخدامات الحياة اليومية، فمن  حرّر ( شيكاُ ) أو سنداً فقد كتب على نفسه إقراراً،  وإذا حرّر شرطي المرور مخالفة لسائقٍ مخالفٍ ، فقد كتبها ودوّنها، و أما من  حرّر قطعة أرض غشيمة، فقد قام بحراثتها  و زراعتها، و في مجال التقنيات الحاسوبية ظهر مصطلح ( التحرير ) و ما من مستخدم إلا   أصلح أخطاء كتابته ،  أو أضاف  أو حذف . و الحُرّة الكريمة، ويقال من  ناقةٌ حُرّة، والحُرّة ضد الآمة، وطينٌ حُرٌّ لا رمل فيه، و رملةٌ  حُرةٌ  لا طين  فيها، وأحرارُ البَقول بالفتح، ما يؤكل غير مطبوخ.

في جولة سريعة حررتُ إرادتي من الكسل فاستجمعتُ ذاكرتي  لحصر  النقاط الرئيسية التي  حرَّرتُها في مقالتي تلك، فكانت تحت عنوان ( وللحرية الحمراء ) وحاولت جُهدي الاختصار  تجنًّباُ للإطالة، وكي لا يُصاب  القارىء بالملل.


عمّان \ الأردن 

27\ 10 \ 2014

تأملات قرآنية