الأربعاء، 26 أغسطس 2020

قراءة فرحان بوعزة على نث (إدمان)

 سلام الله عليكم أخي المبدع محمد ، يسرني أن أبعث لكم قراءة متواضعة لقصة "إدمان" .أتمنى أن تكون في المستوى،وهي قراءة قابلة للتعديل والترميم والمراجعةا

الجزء الأول

22 ــــ قراءة لقصة: "إدمان " للكاتب  محمد فتحي المقداد/ سوريا/

 تحت عنوان: المسافة الفنية بين الشخصية الحكائية المتخيلة والشخصية الحقيقية.

القصة: 

في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،

أصبح يتوقف طويلاً في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة،

يوم أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط..

كُبّلَتْ يداه خلف ظهره.

اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري - أمامك حاجز للتفتيش- .

توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف.

1 ــــــ عتبة النص /إدمان

فما معنى كلمة "إدمان" لغة واصطلاحا

إدمان/ نقول: أدمنَ الشَّيءَ، وأدمنَ على الشَّيء: أدامَ فِعْله ولازَمَه ولم يُقْلِع عنه، داوم عليه وواظب. وبالتالي فإن إدمان الشيء كالمخدرات وغيرها، هو الإدامة عليه وعدم الإقلاع عنه، أما الإدمان اصطلاحا، هو تكرار عمل فعل معين نتيجة اضطراب في السلوك، ويقوم الفرد بعمل وتكراره. وفي مجال الطب، يعرف الإدمان  بسوء استعمال المواد الكيمائيّة ممّا يؤدِّي إلى التعوّد والإدمان، كما يصبح الجسمُ عاجزا عن الاستغناء عنها.

تفكيك الخطاب وتحليله

ا ـــ / في الصف أوقفه المعلّم.. يداه للأعلى ووجهه للحائط،/ نتأمل الجملة السردية التالية كبداية للقصة/ في الصف أوقفه المعلم/. عمل السارد على تقديم شخصية "المعلم" كفاعل وعامل  في بناء حدث "الوقوف" المرتبط بالتلميذ، كحياة قائمة داخل مكان معين وهو"الصف". حياة تتجلى في التفاعل بين معلم ومتعلم، ضمن منظومة العملية التعليمية /التعلمية. فشخصية المعلم ليست مقنعة ولا مغيبة، وهي محاولة لإقناع القارئ أنها ليست  متخيلة. فالكاتب صرح بها كشخصية ذات نفوذ، لها سلطة تربوية وتعليمية على التلميذ...!

استغنى الكاتب عن تقديم المظهر الخارجي للمعلم، ولكنه قدمه  للقارئ من الجانب التكوين النفسي: السلوك والتصرف والتحرك... كمساهم في تشكيل  رجل الغد فكريا وثقافيا وتربويا، وفاعل في تعديل السلوك الذي يراه مخالفا لرؤيته التربوية. فالمتلقي يتخيل شخصية المعلم كقوة فاعلة في خلق حالةغير مألوفة داخل الفصل الدراسي،على خلفية وجود علاقة تربوية بين المعلم والمتعلم، مما يثير انتباهه، ويسارع للتعجب والاستغراب والاندهاش... 

 انطلق السارد من حدث تجلى في جعل التلميذ/المتعلم يمتثل لأمر "الوقوف". فبعدما أخبرنا السارد بالحدث، ترك بياضا(..) أشار إليه بنقطتين(..) يدل على كلام مسكوت عليه، ليجر القارئ إلى جدلية التأويل، بأسئلة متعلقة  بفعل "أوقفه". أسئلة تكون أجوبتها هدفا لملء الفجوة التي تركها الكاتب عمدا، من قبيل: ما هو السبب؟

ب ـــ / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/جملة سردية متممة للحالة الأولى،/ فحالة الوقوف التي تمت في الزمن الماضي غير محددة. فجملة /أوقفه/ تشكل وحدة عضوية مع الجملة التالية: / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. حالة تبدو مثيرة للجدل، ومقدمة لرفع وتيرة قوة التأثير، تجسدت كصورة لافتة للنظر، شكلها الكاتب بلغة قريبة من القارئ. صورة تختزن في بنيتها دلالات غائبة، يعمل القارئ على تفتيتها بالكشف عن ما تخبئه من جزئيات منفلتة ومعاني بعيدة / يداه للأعلى ووجهه للحائط،/. وهو ما أكسب الجملة  طاقة إبلاغية واضحة للقارئ، ليحدد موقفه بالرفض أو القبول.. صورة تبدو ثابتة، ولكنها تنبض بحياة صامتة. صورة غريبة وصادمة، تفجر عدة أسئلة منها: لماذا أوقف المعلم التلميذ؟ ما هي الأسباب؟ أهو يريد عقابه؟ وما هي طريقة العقاب التي اختارها المعلم؟ أهي فعالة أم خاطئة؟ وما نجاعتها في التقويم التربوي؟... 

اختار السارد مكان الفصل لتشخيص الحدث، وهو مكان ضيق ومغلق، ولكنه مكان يستوعب حركة الحدث وتجسيده، حدث قد يتكرر أمام التلاميذ على فترات زمنية متقطعة. فحركة العقاب كانت تسري على كل التلاميذ، ولكن السارد اختار حدثا من حوادث كثيرة، كانت تقع في الفصل، كصورة، أو لقطة، أو لحظة مؤثرة، قدمها للقارئ كمحفز ليتخيل ملامح التلميذ الغائبة عنه، ويتعاطف مع حالته النفسية. كأن التلميذ حاضر أمامه، يشاهده عن قرب، ينتظر، ويترقب كيف يكون موقف التلميذ، وهو يجسد مقطعا من مسرحية قصيرة، فيتسائل القارئ بعفوية عن مدى تأثير الفعل على التلميذ في المستقبل.

فما دامت القصة القصيرة جدا تعتمد على الإيجاز والتلميح، والتصوير لحياة واقعية أو متخيلة، دون اللجوء إلى الجزئيات والتفاصيل، فقد اختزل السارد صورة مقتطعة من الواقع التعليمي /التربوي في بضع كلمات، كحدث قد يجرى في الواقع أو في المتخيل.

فالتصور التقليدي للشخصية، كان يعتمد على رسم الملامح العامة والصفات المكونة لها، والكثير يخلط بين الشخصية الحكائية، والشخصية في الواقع العياني. مما دفع  بالناقد الفرنسي ( ميشال زرافا ) إلى التمييز بين الاثنين، فجعل الشخصية الحكائية مجرد علامة فقط على الشخصية الحقيقة"(1) 

فمن خلال هذا القول، يتبين أن شخصية المعلم في القصة، ما هي إلا علامة تنوب عن شخصية المعلم الحقيقية. فالكاتب استغنى عن الملامح الجسدية، والصفات الخارجية التي يتميز بها هذا المعلم كما قلت سابقا. ولكن القارئ يتصور شخصيته من خلال سلوكه وتصرفاته، ليتخيل نمط الشخصية التي صنعها الكاتب. يقول الدكتور أحمد العزي صغير "فالقارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية ليقدم صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية." 

يقول الكاتب عبد الرزاق اسطيطو "فالقارئ المتلقي الماهر بتعبير تودوروف، يستطيع برصيده المعرفي، وبتصوراته ورؤاه أن يقدم لنا صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية. وهذا ما لخصه بدقة، وعبر عنه فليب هامون بقوله، بأن الشخصية في الحكي هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر مما هي تركيب يقوم به النص". ( 2)

فشخصية المعلم ليست محددة، والتلميذ الذي شخص الحركة غير محدد، فالقارئ يتخيل شخصيتهما من خلال حركة  الأمر والامتثال، ليكتشف بنفسه التضاد الموجود في الحدث، والذي يكمن في السلطة والطاعة. فحدث"الوقوف" بهذه الطريقة جرى في الفصل، فلم يعد الحدث حبيسا بين جدران الفصل، بل امتد وترسخ كعادة يمارسها التلميذ في حياته، عادة أصبحت كجزء من مكونات شخصيته، يمارسها التلميذ/ الرجل في فضاءات مفتوحة. 

ونعود لتعريف "الإدمان " الذي ذكرناه سابقا، فالتلميذ أدمنَ على عادة الوقوف/ و/ رفع اليدين إلى الأعلى،/ والوجه إلى الحائط./ بالطريقة التي خلقها المعلم عن طريق التكرار، والتعزيز طيلة زمن الدراسة عند المعلم. فقد لازمته تلك العادة في كل مناحي الحياة، يداوم عليها، ويواظب على ممارستها دون وعي، فمن الصعوبة يتمكن من الإقلاع عنها.

امتلك الحدث شخصية التلميذ، فقام بالفعل دون مقاومة، ودون اعتراض، مما ساهم في تطور الحدث عبر الزمن وعبر أماكن مختلفة.  فرغم غياب المعلم، فإن سلطته ما زالت سارية على التلميذ في فضاءات اجتماعية متعددة. يقول السارد:

ج ـــــ /أصبح يتوقف طويلا في الطابور، على باب الفرن والمؤسسة،/ ذكر الكاتب ثلاث محطات: / الطابور، / الفرن/ المؤسسة/. ويمكن أن تمارس عادة الوقوف في مواقف عديدة، فهذه العادة أصبحت مكتسبة وليست فطرية. فالسارد اجتنب الكثير من الشروح والتفسيرات لإخبار القارئ عن سبب ذلك؟ لكنه لمح للمؤثرات السلبية لعادة التوقف من خلال أشياء /الطابور/الفرن/المؤسسة/ التي أصبحت بدورها تنبض بالحياة، كما أنها لعبت دورا مهما، كصور مؤثثة لفضاءات مفتوحة من أجل تطور الحدث وتنميته. مما يفسح المجال للقارئ أن يتخيل ويتصور، ويدخل في دوامة الاشتباك مع شخصية المعلم، كاللوم والعتاب، ونقد طريقته التربوية في العقاب والجزاء. والتعاطف والدفاع عن التلميذ البريء. كل ذلك القلق، سوف يوقظ انفعالا وتوترا وتساؤلا في نفسية القارئ، فيحدد موقفه إما بالقبول أو الرفض. كيف أصبح هذا التلميذ مبرمجا؟ هل يمكن تعديل هذه العادة؟ هل يحتاج هذا التلميذ إلى إعادة تأهيله وتوجيه سلوكه؟ هل يحتاج إلى المساعدة النفسية؟ هل يحتاج إلى معالج؟ ما هي الخطوات الناجعة التي يجب إتباعها؟  

د ـــ/ يوما أومأ إليه الشرطي بالوقوف على رِجْلٍ واحدةٍ ووجهه للحائط../نتأمل الجملة السردية التالية

كُبّلَتْ يداه خلف ظهره./ لا نعرف سبب توقيف الشرطي لشخصية التلميذ، وربما أصبح رجلا، فزمن اعتقاله غير محدد. وإنما هو زمن ضمني متخيل، فاصل بين مرحلة الدراسة ومرحلة بعيدة عنها. ولتعزيز ما حكاه السارد، يتبين للقارئ أنها عادة موروثة من القديم، وطريقة  العقاب قد تتشابه، وقد تكون مشتركة بين كل الشعوب، خاصة عند مطاردة المجرمين من طرف الشرطة. حادثة توقيف الشرطي للبطل كشخصية متطورة ومتحركة، قد تبدو منفصلة عما سبقها من تكريس العادة في نفسية البطل، لكنها مرتبطة بما رسخه المعلم من عادة الوقوف، مع إضافات مؤثثة للمشهد/ الشرطي بدل المعلم/ الوقوف على رجل واحدة/ وضع القيد في يديه/. هناك تكامل بين ما تعلمه التلميذ في صغره، وما يطبقه  في كبره، فرضية تعزز امتداد نوعية العقاب عبر الزمن، وعبر امتداد عمر الإنسان. والاختلاف بين الأمس واليوم، يتجلى في قيمة خطورة البطل. فالجريمة متنوعة، تقاس بخطورة الجرم، لكنها تختلف بين ما هو تربوي وما هو قضائي.

الجزء الثـــانــي

فالبطل لم يقاوم، ولم يهرب، ولم يدافع عن نفسه، بل انقاد واستسلم، لأنه متعود على الوقوف منذ صغره مهما اختلفت الوضعيات وتعددت. والسؤال: ما هو الارتباط القائم بين تصرف المعلم وتصرف الشرطي؟ فالسارد يريد أن يقول للقارئ شيئا، لكنه لم يصرح به، ولكنه لمح إلي عملية خطيرة تتم في الغياب، وتتجلى في عملية تطويع أفراد الشعب على الامتثال والطاعة والخنوع منذ الصغر، ليكون الشعب مستسلما ولا يبدي أي مقاومة، عملية تسهل قمع كل الاحتجاجات والمظاهرات، وعدم المطالبة بالتغيير، وعدم نشوء معارضة خفية .... فالسارد يشير ضمنيا على القمع الممارس على الشعوب الضعيفة، ورغم أن حالة توقيف الشرطي للبطل فيها نوع من السخرية اللاذعة، فإنها مأخوذة من الواقع، كمشهد أصبح معتادا في نظر أفراد الشعب. فقد يتسائل القارئ عن مصدر هذا الإذلال المقصود؟ وما هو غايته؟ وما هو المشترك بين التربية التعليمية /التعلمية في المدارس، والتربية المدنية الاجتماعية التي تقوم على التعسف، والتنقيص من شخصية المتعلم والمواطن؟ إن مثل هذا السلوك يكرس ديكتاتورية مقنعة بحرية فارغة من المضمون.

ه ـــ /اصطدم مرّةً بلوحة تشير للتوقف الإجباري - أمامك حاجز للتفتيش- ./ لا يمكن  اعتبار هذه الجملة السردية تفسيرا لما سبقها، فقد اختلفت عن الوضعية السابقة، رغم أنها مرتبطة بها من خلال الصورة والمشهد. لكن السارد عمل على إدخال حركة جديدة للتنوير وبلورة فعل العادة التي تحولت إلى قانون يفرض الوقوف /الامتثال/ الخضوع/. فالسارد  ولد حياة في اللوحة، تساعد على تنظيم الوقوف، وتقنينه في غياب القانون المسطر على الورق. فجعلها تتكلم وتحاور، وتتضمن التنبيه والتحذير من عواقب رفع الرجل، والوجه للحائط، وتكبيل اليدين. عادة سببت للبطل الخوف والرعب، والتوجس. ولكي يؤكد السارد على الحالة النفسية المشروخة للبطل، وضع النص المكتوب على اللوحة بين عارضتين: - أمامك حاجز للتفتيش- ./ وهي جملة تفسيرية أو اعتراضية تعترض بين شيئين متلازمين لتقوية الكلام وتسديده وتحسينه. فقد استغنى السارد عن فعل الأمر/قف/ ما دامت الجملة الاعتراضية /- أمامك حاجز للتفتيش-./ لا يمكن أن تعوض بمفرد. ومن تم فهي إنشائيّة.

إن حالة  الاصطدام باللوحة سواء كان متخيلا أو واقعيا، فإنه يخفي الكاتب وراءه قضايا مشابهة أو متقاربة تقع في الخفاء، قد لا يلاحظها عامة الناس. فالبطل/التلميذ ما هو إلا نموذج شكله الكاتب في قالب فني مقتطع من الحياة العامة، داخل مجتمع متبعثر ومختلف عن ما هو مألوف. 

/- أمامك حاجز للتفتيش- ./ البطل يخاطب نفسه، ويحثها على الانتباه. يحدث نفسه: حذار /أمامك حاجز للتفتيش/. فبناء على ما ترسخ لديه من سلوك مشابه، والذي تعلمه على يد المعلم والشرطي، تم خلق شخصية جديدة غير مألوفة.

و ـــ / توقفت عقارب ساعته.. أدمن التوقّف/ شبه السارد حالة البطل بساعة الزمن التي تتكون من أرقام وعقارب، فلم يعد البطل مقيدا بزمن الوقوف، فهو يمارسه في كل الأزمنة والأمكنة. فالزمن لديه قد توقف نهائيا، فالحاضر مغيب في ذهنه وشعوره ووعيه، فهو يعيش دوما في الماضي، والزمن يعود به دوما إلى الوراء، فمن الصعب يمكن اختراقه أو تكسيره للعيش في زمن خال من الوقوف والتوقف. فأصبح مدمنا على الوقوف في أي مكان وفي أي وقت.  فقد عبر السارد عن هذه الحالة بالإدمان المستمر طول حياته./ أدمن التوقّف/

والجملة الختامية جاءت مفسرة وشارحة للحالة التي وصل إليها البطل في النهاية، وهي حالة الإدمان على الوقوف، وبذلك يكون السارد قد أعد مسارا ثابتا للبطل لا يتغير عن طريق ما يسمى: الشكل الدائرى كفضاء مغلق تجري في الأحداث رتيبة ومكرورة، والبطل يدور في دائرة مغلقة، لها انطلاقة تعتمد  على مرتكزات زمنية معلنة،/ زمن الوقوف داخل الفصل/زمن التوقف في الطابور/ زمن الوقوف على باب الفرن والمؤسسة/ زمن التوقف من طرف الشرطي/ زمن الاصطدام باللوحة/ زمن التوقف الإجباري/ زمن توقف عقارب ساعته / وأخيرا، توقف الزمن، وعودته إلى الوراء نحو الماضي (زمن الدراسة). 

يقول يوسف حطيني " وقد تتغيّر المرتكزات في قصة أخرى، قد تطول كثيرا، وقد تقصر كثيرا أيضا، وربما تختفي وتبقى الصياغة اللغوية التي تدلّ على التعاقب. أما في الشكل الدائري، فإن ثمة شيئا ما يدوّر الحكاية، الحدث أو اللغة أو الصورة، أو أي شيء آخر ينتج حدثيا أو بنائيا، شيئا يشبه ما تسميه البلاغة الشعرية العربية (ردّ العجز على الصدر)، حيث تنطلق البداية مرة أخرى على شكل نهاية." (3)

ز ـــ / أدمن التوقف/؟ فهل يمكن الاستغناء عن الجملة الأخيرةلتبقى القصة مفتوحة، لكن، نجد قصة "إدمان "  تنتهج بنية دائرية، تعتمد على بنية سردية مشحونة بالحالات والوضعيات، يمكن إعادة إنتاج بدايتها في شكل نهاية، لتصنع مفارقة لفظية لحدث الإدمان الذي بقي مستمرا إلى ما لانهاية، ويتجدد عبر الزمان والمكان بشكل ممتد ومتقطع، بدايته تنطلق من زمن المعلم، وما خلفه من عادة الوقوف في نفسية التلميذ إلى ما لا نهاية، فالنهاية أصبحت بدايات متعددة.

تركيب واستنتاج

نص قصصي يختزل رواية من روايات الكاتب محمد فتحي المقداد، وقد يجود بها على الأدب العربي مستقبلا. فالكاتب اختزل فترات زمنية من عمر الإنسان في كلمات قليلة، قصة تميزت بسرعة حكي الحدث، وتشخيص وضعيات مترابطة تشكل بنية متكاملة للنص، يدخل فيها التلميح والمشابهة، والتجاور. والقفز الجيد عن أحداث غيبها السرد عنوة. فترات عمرية قد تبدو منفصلة، لكن تلك الفترات تشكل وحدة عضوية، ممتدة عبر خطية سردية محكمة، تبتدئ  بزمن الطفولة إلى زمن الرشد والرجولة. بداية تنطلق من مكان الفصل الدراسي إلى أماكن متعددة في الحياة. فلكل مكان زمانه وأحداثه، فزمن الحكاية ليس محصورا في زمن البداية، بل يتوزع حسب تطور الحدث، وحسب نموه، وحسب تنوع حالة البطل، وتنقله من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. ثم يعود ثابتا بعدما يتوقف في بداية الانطلاقة /الماضي..

        فماذا تعلم هذا البطل/الطفل في المدرسة؟ لقد تعلم عادات ومهارات سيئة، امتدت معه طول حياته في البيت، في الشارع والمجتمع، تعلم الصبر على الوقوف، والانضباط، والخنوع حتى أصبح مبرمجا على عادة التوقف ووجهه للحائط. فمات  التمرد الإيجابي في نفسية التلميذ. ولم يعد بإمكانه الاحتجاج والدفاع عن نفسه. غاب الحوار بين التلميذ والمعلم، وغاب التوجيه الصحيح لتعديل سلوك التلميذ إن كان مشينا، فهو لا يعدو أن يكون جرمه اعتداءا على صديق له/عدم إنجاز الفروض/ عدم الحفظ/ عدم متابعة الدرس/ الحركة الزائدة منه/ سرقة قلم لصديقه/ الشغب الطفولي......فالتربية التي تبنى  على عملية الترويض السلبي والتطويع المهين هي تربية فاشلة. فكل ما اكتسبه هذا التلميذ هو مهارة اللامتثال لعادة جنت على حياته في الحاضر والمستقبل. مهارة تعادي نفسه وذاته، وتحطم فاعليته في المجتمع.

 فرغم أن  مهارة "الوقوف" مكتسبة، فإن من الممكن تعديلها وتكييفها لتكون إيجابية عند الحاجة، رغم أن عملية التعديل ستطول. فعندما يكبر هذا الطفل، لا يستطيع أن يتنازل عن ما تعلمه في الصغر من عادات سلبية بسهولة، فهو يحتاج إلى تنوير جديد، وقيادة جديدة. فعادة الوقوف كعقاب رتيب ومتكرر قد انطبعت في عقله وفكره، وأصبحت جزءا من كيانه ووجوده.. ولا يمكن أن يغير حياته ويكيف نفسه مع كل ظرف طارئ وحده.

النص يشير إلى عملية التعلم المبني على التطويع الفردي الذي يبقى جزءا لا يتجزأ عن تطويع أفراد المجتمع.. تعلم يغيب الهدف الأسمى للتربية، لا يسمح لإنسان الغد أن يتدرب على الخلق والابتكار، وكيفية تحسين المستوى المعيشي لنفسه ومجتمعه، تعلم يعتمد على سلب الإرادة والطاقة، وقبر حرية التصرف عن طريق التطويع والترويض السلبي. إنه إدمان مضر بالفرد والمجتمع.. إدمان ينتج شعبا متخلفا يعيش على النمطية والنسخة الواحدة والتبعية.

نص قوي، شيد بمهارة سردية متميزة.. ينتقد بشدة ما بنته طرق التربية التقليدية في نفوسنا، وذواتنا من قيم سلبية. دون إفساح المجال للطفل أن يستخرج طاقاته الصامتة، والمخزنة في نفسه وذاته وذهنه. فدور المعلم هو تعزيز ما هو إيجابي من السلوك وتقويته، وتعديل ما هو سلبي في النفس والمجتمع مستقبلا.

وختاما

يمكن اعتبار النص القصصي "إدمان" كنص أدبي تخييلي، يقابله نص آخر واقعي، قد تجسده شخصية التلميذ من طفولته إلى رجولته، وهو يعيش دوما في واقع مبعثر تنعدم فيه الفاعلية والحيوية، لأنه يسير على نهج حياة موحدة السلوك والتصرف، وثابتة لا تتغير من جراء تربية خاطئة في السابق. فالكاتب لم يسرد الواقع كما هو، وإنما انطلق من حالات، ومشاهد، وصور ملتقطة للبطل/التلميذ في حياته اليومية إلى ما نهاية، دون أن يعلق على  الأحداث، أو يفصل أو يفسر، تاركا النص القصصي منفتحا فنيا على التأويل. ومحفزا للقارئ لفتح النص من خلال تقافته وتجربته، وموقفه.... واستحضار الجزئيات والتفاصيل الغائبة في النص. فالكاتب استثمر العلامات والرموز اللغوية، لتشخيص مشاهد ملتقطة من الواقع التربوي في الفصل الدراسي والمجتمع المدني، والذي يبقى موضع تساؤل وجدال حول عيوب التربية السالبة لحرية التلميذ.

............................  

1 ـــ  نحو رواية جديدة: آلان روب جرييه , ت . مصطفى إبراهيم , دار المعارف – مصر /ص: 35

2 ــــ عبد الرزاق اسطيطو/مفهوم الشخصية من التخييل إلى التأويل قراءات نقدية/صحيفة المثقف –العدد/5103/24/ 06/2016

3 ـــ أشكال الحكاية في القصة القصيرة جداً/ يوسف حطيني نشر في بيان اليوم / يوم 08 - 09 – 2013

الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

تقديم الإصدار الاول لدليل الكتاب والأدباء العرب ٢٠٢

 بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم الكتاب

(دليل آفاق حرة للأدباء والكتاب العرب) 


   بحمد الله وت

وفيقه، وبعد جهود حثيثة استنفدت أوقاتًا ثمينة منّا؛ بالتواصل والمتابعة مع الكتّاب والأدباء من مختلف ربوع الوطن العربي، وخارجه. وما أجمل الفكرة حينما تتردّد في عوالم الأحلام، تسرح بشطح بعيد عن العقلانيّة، متباعدة عن الواقع بمسافات، والأجمل عندما تجد الأرضيّة الصالحة لتضع بذرتها، وتنمو مورقة بالحياة. 

   وبتظافر جهود الصديق محمد حسين صوالحة، مدير عام ومؤسس موقع وصحيفة آفاق حرّة الثقافيّة مع جهودي؛ كانت ولادة هذا الدليل. وللخروج من دائرة الحرج في ترتيب الأسماء؛ فقد راعينا تثبيت الأسماء التي وردتنا أوّلًا زمنيًا. 

   وتحت شعار (اكتب سيرتك بيدك) فقد وصلتنا مئتيْ سيرة ذاتية وأدبية لمئتيْ كاتب وأديب، كتبوها بأيديهم، وكما أرادوها وارتضوها، دون أدنى تدخّل منّا على الإطلاق، فقد انصبّ عملنا على توثيقها بداية في الموقع، ومن ثمّ جمعها وتصنيفها وتنسيقها وإعدادها؛ لتكون كتابًا إلكترونيا صالحًا للطباعة ورقيًا لمن أراد، وللتداول الرقميّ.

   الدليل هذا هو سفر جامع، وجزء من تاريخ الحركة الأدبية الحاليّة. ووثيقة يُعتدّ بها عميمة الفائدة للكُتّاب والأدباء، ودارسي الحركة الأدبية والثقافيّة خلال هذه الفترة.

   في زمن قياسيّ تحقّق لدينا هذا العدد من المعلومات الشخصيّة والأدبية، الأمل يحدونا لإتمام هذا العمل الجليل بمحتواه. وسيكون هو الخطوة الأولى (الإصدار الأول)، وستتبعه خطوات لاستكمال المشروع على أتمّ وجه، خدمة للأدب والثقافة العربية. راجين المولى عزوجلّ أن يكون في ميزان حسناتنا جميعًا (كل من ساهم بأيّ جهد فيه).

عمّان – الأردنّ

٣٠/ ٨/ ٢٠٢٠

الجمع والإعداد بإشراف:

• الأديب محمد صوالحة: مدير عام ومؤسس موقع وصحيفة آفاق حرة الثقافية. 

• الروائي محمد فتحي المقداد مدير التحرير لموقع وصحيفة آفاق حرة الثقافية.

الأحد، 23 أغسطس 2020

قراءة كاشفة لرواية (سماء صالحة للرقص

 قراءة كاشفة لرواية (سماء صالحة للرقص) 

للشاعر والروائي ناصر قواسمي


بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

   كثيرًا ما يتوقّف القارئ متأمّلا شخصيّة ثريّة بمكنونات معارفها المتنوّعة بثقافتها النّاهلة اغترافًا من ينابيع لا تنضب، كما هو الحال عند الشاعر (ناصر قواسمي)، قبل قلاث سنوات عايشت لحظات إعداد وتدقيق مجموعته الشعرية (أحرس ذاكرتي بالعشب)، قصائد ببيّارات البرتقال اليافاوي، تستند إلى جدار الأقصى الحزين، بنكهة الزعتر والزيتون تحمل في طياتها فلسطين. 

   وفي غفوة من الزمان حدث تحوّل مفاجئ للمحيط الأدبيّ، طبيعيّ في مثل حالة (ناصر قواسمي) حينما أعلن عن إنجاز روايته الجديدة (سماء صالحة للرقص)، والتي ستصدر قريبًا عن دار نشر (يوتوبيا – الجزائر). تجلّت فيها ثقافة ناصر العميقة بتجلياتها الإبداعية على كافة مستوياتها.

  رواية (سماء صالحة للرقص) رواية ملآى بالثقافة، والرّؤى العميقة النظريّة منها، والعمليّة للأديب ناصر قواسمي الذي يغترف من معين نبع لا ينضب من الخبرات المختزنة، بتجليّاتها المُتبدّية بظواهرها في ثنايا هذه الرواية التي نحن بصدد الكتابة عنها. 

   وبالتوقف أمام بعض عبارات وردت في ثنايا الرواية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نتوقف عند بعضها، كما ورد بقوله: (فالنوافذ حبال ممدودة بين مَدى الرؤية واللانهائي الممك،  إذا ما لم تقف الجدران له بالمرصاد؛ فتمنعه من التوغل في الأبدي). النوافذ وأهميّتها في الحياة عمومًا، خاصة إن كانت بنظرة أديب عميق برؤية بعيدة المرامي والتوجّهات. 

ولعلّ تجربة الحياة بقساوتها وطراوتها خلق رؤيويّة بسمة عقلانيّة، عقلانية الشيوخ الهادئة  المنطلقة بعد تروّ وتفكير مديد. ومحاولة الهروب خصلة بشريّة للنجاة بأقلّ الخسائر، وفي المثل الشعبيّ عبّروا عن ذلك بقولهم: (الهزيمة ثُلُثيْ المراجل)، ولا يمكننا تطبيق هذا المثل الشائع على نطاق واسع بالتعميم، لأن الهزيمة في المحصلة تبقى هروبًا من الاستحقاقات، وتنثّل من التبعات، وفي وقفة مع هذه الفقرة من الرواية، نتوقف على فهم جديد ضمن ما ذهبت إليه في هذا المنحى: (سنفتعل الهرب لندّعي أننا لم نفشل، أننا نحاول جدلًا أن نجد أرضًا أقلّ خسارة نقيم عليها عواصمنا التي سنبني بعد حين قليلًا أو كثيرًا، وكي نتمكن من تجميع ما تكسّر أو تهشم في دواخلنا؛ فنعيد تدويره وتكريره من جديد؛ لنضعه في خزانة المحتمل إلى حين، أو لعلّنا نفعل لنبدأ البحث عن معنى جديد لمعنانا الذي فقدنا أثناء الذهاب في المحاولة). والعرب هوّنت من شأن ذلك، فالهزبمة تحوّلت إلى نكبة زمرة نكسة. ولكن عند ناصر قواسمي، فهي محاولة لتقليل الخسائر، ونقطة انطلاق جديدة تتّسم بالقوة، لمتابعة المسيرة الحياتية بتفاؤل مستقبلي. 

التفكير الأهم في الحياة على الإطلاق حينما يكون مع الذات، في لحظة فارقة في محطات العمر، بهذه العبارة اختصر ناصر مأساة أرض مغتصبة وشعوب مشرّدة مطاردة. بقوله: (ونواصل الركض من جديد كي نبني حياةً؛ تليق بالغرباء الذين جاؤوا من البعيد يؤثثون الغياب، لعلّ يفلحوا بالحصول على حيّزٍ قابل للعيشِ قليلًا، لحين الاستعداد للصراع الذي سيكون بعد نسيان ودهر مع الشيء العظيم الذي دفعنا للهرب اللعين دفعة واحدة، مرّة واحدة، كقطيع من السنونو فرَّ من فخاخِ الصغار). بقليل من القراءة التأملية. تتضح بجلاء الدفقة الإنسانية الحزينة متجليّة بمخرجاتها المؤسية على مدار الساعة. 

الساعة الآن تمام العزلة.. ماهذا الوجع كلّه يا ناصر؟.. لقد أسرتني إرباكًا، وأنت تداعب دواخلي محاكاة اللاجئ المُشرّد، الأجدر بك أن لا توقظ مواجعي. بما ذهبت إليه: (تنزع النظارة عن عينيك وتنظر إلى الأفق ليس لأن في الأفق شيئًا يستدعي النظر الآن، ولكنك تستنجد بالسماء أن تنقذك من هذا، وهذا التشتت المرهق الذي يحيط بك دون جدوى.

الساعة الآن تمام العزلةِ ...

وحدك في وحدك تقرأ الأخبار، وتصغي للأصوات المربكة من حول،  ولا تملك حق التذمر من شيء أو أحد أو على شيء وأحد). 

ما أجمله من تعبير: (يصعد المسافرون إلى أوقاتهم بلا وقتٍ محددٍ، يختارون مقاعدهم دون عناية فائقة، ودونما تركيز، كأنهم فرغوا من الخيارا،  وما عاد يستثيرهم شكل المقعد أو لونه، فجميع المقاعد في القطار متشابه،  والفارق البسيط أن ثمة مقاعد على النوافذ مباشرة تطلّ على المدى المفتوح، وأخرى تجاورها بمسافةٍ قليلةٍ جدً؛  لتنفرد هي الأخرى بالإطلالة على الممر الطويل بين الجميع). فالوقت متاح للجميع ربما يجيدون استثماره، وكثيرًا ما يفشلون، والعودة هنا إلى النافذة ومداياتها المُستكنّة في نفوسنا، بدون التفكير إلا باستنشاق الهواء الرّطب، وتلطيف حرارة الحيّز المكاني. 

   بالانتقال إلى عنوان الرواية، مثير بجدليّة تستدعينا لملامسة بعضًا من مراميه البعيدة والقريبة، محاولة تقريبية، لعلّ الحظ يحالفني في مهمّتي الصعبة. 

   (سماء صالحة للرقص) كلمات ثلاث شكّلت وحدة دلاليّة ببعد ورؤى فلسفيّة، وحصيلة تجربة حياتيّة للكاتب، ومن طريق آخر ربّما تكون مسار حياته الذي شكّل سيرته التي جاءت على شكل روائي، والرواية وعاء يستوعب مثل هذا التذويت للذات أدبيّا. 

   ولما ضاقت الدروب، وتشعبّت ضياعًا بأهلها، ورسوم المعاناة المستطيلة على مساحات عمر، تهميش وضيق، أظلم الأفق، بانطفاء شمعة الأمل، كان الهروب من أجل الخروج من المأزق المأزوم، إلى متاهة الاغتراب والانطواء على الذات. لا أدري إن كان الهروب هو الحلّ؟. 

   فالغربة مواتَ داخليّ وخارجيّ، والهروب موت، والأرض ضاقت، ولم تعد تتّسع لطموحات وأحلام إنسان، فلم يبق أمامه إلا أمنية  مفارقة الحياة، ولقاء ربه في رحابة السّماء الواسعة؛ لتكون مسرحًا واسعًا، لا يضيق برقصة الحياة. 

   سماء صالحة للرقص فضاء روائي غنيٌّ بمشاهده المتتالية المتتابعة، بانتقالاتها بين منحنيات عديدة في الكون، ومحطات ما بين السياسة والاقتصاد، والتاريخ والجغرافيا، والدين وعالم الأرواح، بين الشكّ والإيمان، بين الحبّ والمصلحة، أفصحت الرواية عن نفسها تمامًا، بما كشفت من عمق ثقافة الشاعر والروائي ناصر قواسمي. 

عمّان – إربد

٢١/٨/٢٠٢٠














السبت، 22 أغسطس 2020

شهادة إبداعية رسائل وتين

 شهادة إبداعية 

قُدّمت للأديبة الواعدة آلاء حسن الشعرات — حفل توقيع كتابها رسائل وتين. في منتدى البيت العربي الثقافي. – عمّان:  28/1/2019


كل إبداع أدبيّ هو محطة للقارئ مثلي.. أتوقّف عنده طويلًا مُتفيئًا ظلال روح الكاتب المُتدلّية كقطوف دانية من روحي.. متاهة تأخذني بعيدًا في مسافات زمنيّة استحوذت على حياة الكاتب، آكلة وقته.. حارقة لدواخله اعتبارًا من ولادة الفكرة في مخاضها العسير إلى صارت في صفحات كتاب رسائل وتين.. للأديبة آلاء الشعرات.

** أرسلت وتين إلي نبض رسالتها الأولى: «كم هو شهيٌّ هذا الصباح. وحكايا المطر تناقضٌ مبعثر.. بك يا نبضُ.. أراكَ وأسمعكَ، وأحملكَ جنينًا في أحشائي.

شكرًا لك أستاذي..!!. أنتَ مطلع الفرحة، وأنا نهايتها. أنا صغيرتُك معك. فلا تختلّ جاذبيّة قمري إلّا لعينيْكَ.. أنتَ ميلادي الأوّل، سرجُكَ العالي تلمسُه أناملي، فيهوي ما تبقّى من رماد الكبرياء.

فصل الشتاء نقطة ضعف العشّاق.. ففي حبّكَ أكون عنيفة لا أقبلُ التّراجع، أراكَ طوق النجاة، الذي أهربُ إليه. غريقةٌ أنا يا نبضُ، لم أعُد أعلمُ كيف النّجاة؟.

تعالَ نُسابقُ الرّيح المتأزّمة ونُركدها أرضًا تحت أقدامنا.

عزيزي: أعيشُ بين تراكيب ذاكرتي، وأنتَ حاضرٌ في تلافيفها، علّمتَني كيف أروّضُ كلماتي لتنساب حروفي بين السّطور. صوتُك الدّافئ يحملُني نحو كوكب بعيد أجهلُ اسمه، لأنه لم يُكتَشف بعد». 

** بعدما اسْتمعَ نبض بقلبه لها، وقرأ رسالتها مُحلّقًا في فضائها الروحيّ، أجابها: «أنتِ ساحرةٌ يا وتين».

** من جديد كتبت وتين إليه: «أنا لا أبالي يا سيّدي..!!. فأين المشاعر التي دفنّاها سويّة تحت شجرة الدُّر. تلك السّنون لم تكن جديرة على اكتسائي ثوب النّسيان».

** فردّ نبض عليها: «لم تكتمل قصّتنا بعد، ماردُ الصّباح يُسقط العقلانيّة لينتصر القلب، عندما تنضجين بعد طفولتَكِ البريئة ستكونينَ أعظم حُبّ، فهل تتغيّرُ المرأة بعد سنّ الثلاثين؟. لا تكوني إمّعة تريد الهروب من واقعها.. ستصمدين أمام معتركات تواجهينها، نحن كلّ يا أيتها النّساء. وأنتن تولدن من جديد كشعاع الأمل في فجر كل صباح».

** اختتمت وتين برسالتها له: «هل تساءلتَ يومًا أمام نفسك؟. فأنا علياء في جمالي أعاند انحناء الظهر لك. فتتراقص أنوثتي على وتر الشّقاء. أرفض لعبة الاحتكار، فقلبي خطّ أحمر.. احذر الاقتراب، لا تقُل عنّي مغرورة.. تواضعي بعيدٌ عن الكِبر والغرور، يجعلني أسلكُ منابر الرقيّ والتّسامي. سأبتسم ابتسامتي الشهيّة لحياني، وأمضي نحو حلمي.. وسأكون أنا ..أنا».  


وبعد ذلك صمتَتِ الشّفاه ونطقتِ العيون. (رسائل وتين) حملت تفاسير الكلام. لا تفتأ تُعلن للملأ شرح الحالة المُثلى للإنسانية، عندما ترتقي بأحاسيسها ومشاعرها رِفعة، بعيدًا عن الهبوط إلى قذارات الحضيض، لتُنافس الملائكة بفضائلها الروحانيّة. وتتسامى على حمأة الجسد المحمومة برغباتها وشهواتها الهائجة.

جاءت مجموعة الخواطر ممزوجة بروح قصصيّة، لتحاكي واقعًا مُدجّجًا بقسوة العواطف المتكلّسة المنبثقة عن نفوس مريضة. ارتضت مغادرة إنسانيّتها بتوحّش تنهش بضراوة القلوب والأرواح تحت مُسمّيات اختزلت الحياة ضمن دائرة ضيّقة من المصالح الآنيّة.

الأديبة آلاء الشعرات استطاعت تسجيل خواطرها وقصصها على شكل رسائل متبادلة بين قطبي الحياة (المرأة والرجل)، لتُسمع صرختها للعالم أجمع وبجرأة الحق، وهي تنظر بعين خبيرة إلى التشوّهات المجتمعيّة، تروم إزاحة الغيار والصدأ والطحالب عن النفوس، من خلال مؤلفها البكر (رسائل وتين)، الذي شكّلت منه نسقًا صادقا واضحًا في مسارات الأدب النسائيّ العربي. 

الفطرة السليمة تنتج عقلًا سليمًا يتوخّى الخير والجمال، وإبراز محاسنه من بين رًكام الإنسانيّة المُحتَضَرة على مذبح الظلم والتظالم، وهذا ما ناقشته وعالجته آلاء الشّعرات في رسائل وتين.


عمّان – الأردن 

28 / 1 / 2019 

محمد فتحي المقداد

قاص و روائي 


سين جيم اسئلة أغنية ع الروزانا

 سين – جيم 

أغنية عالروزانا

« مقابلة مع قناة الغد العربي / 18*12/2018»


** ما هي قصة الأغنية؟.


الرواية الأولى: 

تقول حكاية الأغنية انه في أيام الاستعمار العثماني أرسلت تركيا باخرة إلى بيروت تحوي جميع انواع المواد الغذائية وتم بيعها بسعر رخيص وزهيد جداً للمضاربة على تجار بيروت والحاق الضرر بهم وليكون اهناك كساد للبضاعة . وهذا ماحصل فعلاً وتكدست البضائع اللبنانية وكادت تتلف فما كان من تجار حلب إلا ان اشتروا البضاعة من تجار بيروت وأنقذوهم من الافلاس، وتم نقل التفاح الى خلب مهربا وتم اخفاؤه تحت العنب ، لأن الدولة العثمانية حظرت نقل ذلك التفاع خارج بيروت ،  وعادت الباخرة إلى تركيا خائبة وفشلت في تحقيق هدفها.‏


تدقبق هذه الرواية: 

1- روزانا اسم أوربي، فلا هو عربي و لا عثماني.

2- إذا كان هناك قرار عثماني بإغراق الأسواق اللبنانيّة بالبضائع والمواد الغذائيّة، كان المفروض أن تكون السفينة تركية.

3- ثمّ من يستطيع القيام بأن يشتري حمولة سفينة كاملة ويرسلها إلى لبنان لإغراق أسواقها، ويتحمّل كافّة مصاريف الشحن، وأثمان البضاعة ليبيعها يسعر مُغرٍ.

4- إذا كان الهدف السيطرة من ذلك السيطرة على أسواق لبنان. فهو في الواقع كله كله تحت السيطرة والحكم العثماني.

5- فيما نستطيع قبول واقعة تصدير التّفاح من لبنان إلى حلب، فلا غرابة في ذلك وهو طبيعي للغاية لأن الشام وحلب هما الرئتان الذي يحتاجهما لبنان على مدار التاريخ لضمان بقائه واستمراره، وهما شريان الحياة له. أما لماذا ركّزت الأغنية على أن التّفاح موضوع تحت العنب، لما يتحمله التّفاح بقساوته خلاف العنب

 الذي لا يحتمل هذه المسافات الطويلة في السفر الذي كان على الوسائل البدائية من الحمير والبغال والخيول. 

*** 


الرواية الثانية:

مرت بلاد الشام بموسم زراعي صعب نتيجة الجراد وشح الامطار فظهر شح بمادة القمح، ولأن بيروت كانت منطقة تتمتع بنظام خاص من الحكم الذاتي بالاتفاق مع الدولة العثمانية كان يسمح لهم بالاستيراد، فاستوردوا القمح من إيطاليا لانقاذ المنطقة من المجاعة.. فكانت قصة سفينة الروزانا الايطالية التي وصلت حاملة القمح .. الا انه ومع تحول إيطاليا إلى صف الحلفاء في الحرب بعد أن كانت حيادية .. مُنعت سفينة القمح من افراغ حمولتها .. وكان من المفترض ان يتم الدفع مقابل القمح المستورد بشحنة من التفاح تصدر الى اوروبا، الا انه وبسبب المنع بارت بضاعة تجار بيروت من التفاح .. فما كان من تجار حلب الا ان اخذوا ذلك التفاح الذي تم تهريبه الى حلب بعد تخبئته تحت العنب. وتم تسويق العنب وبيعه ، فأنقذوا بذلك تجار بيروت من الافلاس.


تدقيق هذه الرواية:

1- هذه الرواية كانت أيام الحرب العالمية الأولى في العام1915 على الأرجح، وكان حصار دول الحلفاء على الدولة العثمانيّة على اعتبار أنها تناصر دول المحور (ألمانيا – إيطاليا) من الطبيعي أن يكون الحصار لمنع وصول السفن والبواخر إلى أي ميناء عثماني.

2- منع باخرة القمح الايطالية روزانا كان من دول الحلفاء. 

3- من المؤكّد أن تجّار بيروت كانوا يهيئون بضائعهم لتصديرها إلى الدول الأوربية بتحميلها على متن الباخرة الايطاليّة روزانا. ولما لم لتصل ميناء بيروت بفعل ظروف الحرب، لم يحتملوا كساد بضائعهم وفسادها، فتوجّهوا إلى العمق الاستراتيجي لهم في الشام وحلب.

4- كذلك بقية ولايات الدولة العثمانية واجهت نفس المشكلة، كما أنّ العاصمة استانبول كانت تعاني خلال هذه الفترة في توفير المواد التموينية. من المستحيل في مثل هذه الظروف لن نجد أية جهة تسعى لشراء بضائع بأسعار حقيقية لبيعها في لبنان بأسعار رمزية لإغراق السوق وضرب الاقتصاد. 

5- حتى سوق لبنان فيه شحّ في هذه المواد فكيف يكون إغراقه بزيادة عرض البضائع بأسعار أقل من السائدة.

6- هذه الواقعة كانت أحد الأسباب الكافية وراء قيام الانتداب الفرنسيّ بتشكيل دولة لبنان الكبير من متصرفية جبل لبنان والمدن الساحليّة، مع ضمّ أربعة أقضية غنيّة زراعيّا كانت تابعة لولاية دمشق. لتأمين الحياة للبنان الكبير كدولة مستقلّة.

7- هذا التوسع والضمّ كان لجعل لبنان دولة متعدّدة الأعراق مع السيطرة الكاملة لحلفاء فرنسا بالسيطرة السياسية.

8- من المعلوم بما لا بدع مجالًا للشكّ أن التجّار هذا موسمهم. يشترون بأسعار زهيدة ليحققوا هوامش أرباح كبيرة في مثل هذه الظروف العصيبة وهؤلاء هم من يطلق عليهم تجّار أو أثرياء الحروب. لأن هدف التجارة أولًا وأخيرًا المال.

***


 هناك روايات أخرى ايضاً هل ممكن أن تذكرها لنا؟.

** أنا أصنّف هذه الأغنية بأنها (أغنية للتاريخ)، عندما كتبتها في كتابي مقالات ملفقة ج1 تحت نفس العنوان، فهي تحكي عن حقبة الاستعمار الفرنسي ّ لسورية ولبنان، ففي إبان الثلاثينيات من القرن الماضي حصلت انتفاضة في بيروت على ممارسات الاستعمار، وجاءت الأغنية من تأليف (إلياس سابا) لتخلد هذا الحدث التاريخي بمحاكاة رائعة. فعندما تشدو فيروز وتقول: (عالروزانا .. عالروزانا)، والروزانا هي فرقاطة حربيّة في الأسطول الفرنسي، كانت ترابط قبالة ميناء بيروت في البحر المتوسط. 

وحين تقول: (كلّ الهنا فيها) كان الفقراء في بيروت وغيرهم يذهبون للميناء فيعطيهم الجنود مما يفيض عن حاجتهم من الطعام. لأنه في هذه الفترة كانت ظروف الجفاف وانحباس المطر والقحط، هي ألجأت الناس بالوصول لهذه الحالة.

وحين تقول فيروز: (وش عملت الروزانا.. الله يجازيها)،نعم الله يجازيها على ما فعلت في بيروت من قصف للمدنيين الآمنين العُزّل بمدافعها وقنابلها وحممها الغاضبة الهمجية.

هنا ..ونيجة لما حصل فرض الحصار على بيروت ومنعوا تصدير المنتجات من بيروت للعالم الخارجي، فاتجه التجار لعمقهم التاريخي. فقالت: (يا رايحين عاحلب حبّي معاكم راح.. يا محمّلين العنب تحت العنب تفاح). وبذلك أنقذوا محاصيلهم من الكساد والبوار ببعيها في أسواق الشام وحلب. 

*** 


** هناك رواية تقول بأن كاتب هذه الأغنية هو (المُلّا عثمان الموصللي 1864-1923). على أساس أن الروزانا معروفة في العراق باسم (الرّازونة)، وهي فتحة صغيرة في الجداران فيما بين البيوت العربية، تستخدم للتحدث بين النساء والبنات والجيران، ولمناولة بعض الأشياء والأغراض باختصار المسافة عليهم. ومن ذهب في مذهب هذه الرواية لإثباتها بأن الأغنية أساسها عراقي. 

بالتدقيق نجد:

1- أن التفاح و العنب ليسا من منتجات العراق الزراعية القابلة للتصدير.

2- كما أن حلب بعيدة نسبيًّا بمسافات شاسعة.

3- منطقة حلب غنية بإنتاج هذه المواد الزراعية، وإذا احتاجت شيئًا منها من الممكن استيراده من اللاذقية أو لبنان.

*** 



ملاحظة هامّة:

كلمة (روزنة) كلمة معروفة في بلاد الشام وهي الكوّة في السقف، هاصة في بيوت الفلاحين. بقصد إخراج الدخان المتصاعد من المواقد ومدافئ الحطب في غرف سكناهم. وفي مستودعات الحبوب والتبن لافراغ المحاصيل من خلالها.  ويقال بأن الروزنة كلمة فارسية مُعرّبة. وتعني (النور ، الضياء). وتحولت في أعراف بلاد الشام، لتصبح النافذة الصغيرة أو الكوّة في الجدار أو السقف تسمح للنور والضياء بالدخول لأنها نافذة بالاتجاهين الداخلي والخارجي.

وفي القاموس وردت على أنها الكوّة غير النافذة في الجدار أو الحائط أو في صخرة فتكون معروفة باسم (الجُرُن). وفوائدها للتهوية وطرد الدخان من الغرف والمغاور المغلقة، وإدخال النّور والضوء. 

*** 


-لماذا تعددت روايات الأغنية برأيك؟.

إن ارتباط الشعوب وجدانيًّا بقضاياهم المصيرية جعلهم على صلة وثيقة بحوادثها معتمدين على ذاكرتهم بحيث صار تراثًا يتناقلونه شفاهيًّا، وفي كل يزاد فيه وينقص منه، ففي كلّ مرّة تتحوّل الحادثة لرواية جديدة، يحفظها من سمعها ويرويها للآخرين كما سمعها. من هنا جاء تعدّد الروايات، ولأن لم يكن هناك توثيقًا مكتوبًا لها في حينها حتى يكون مرجعًا معتمدًا. لكن الأغنية مؤكّد أنّها كانت في حالة لبنان ولا خلاف في ذلك أبدًا.

*** 


(ما المعاناة التي كان يلقاها أهل بلاد الشام وتحديدا لبنان وسوريا من العثماني؟).

بداية النقطة المهمة هو دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى. وكان يحكم الدولة العثمانية حزب الاتحاد والترقي. 


** الضرائب:

الحرب كارثة تتوالد عنها كوارث على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، احتاجت للأموال لشراء الأسلحة والدعم اللوجستيّ لجيوشها التي تحارب على جبهات عديدة فرضت العديد من الضرائب المرهقة للشعب بشكل عام، خاصة الولايات العربية التي تعتمد في اقتصادها على الزراعة، التي ضعف إنتاجها من خلال اهمالها بسبب نقص الأيد العاملة من الرجال والشباب عندما سيقوا الى ساحات الحروب.



** سياسة التتريك: 

لضعف الانتاج الصناعي في عاصمة الدولة اضطرت لأخذ الحرفيين المهرة من الولايات العربية لابقاء حالة الانتاج الصناعي في حالة جيدة بما يخدم الدعم اللوجستي للجيش المقاتل على الجبهات، ومع وصول الاتحاد والترقي لحكم الدولة العثمانية، وهو القائم على نزعة قومية طورانية تضطهد القوميات الاخرى، وهو ما تزامن مع عصر القومية العربية. حيث حصل التنافر على أساس قومي. 

كما أن لغة دوائر الدولة ووظائفها كانت باللغة التركية، ومن يتعلم اللغة التركية يستطيع الحثول على. وظائف والعمل مع الدولة.



** سفر برلك:

المعاجم :سَفَرْبَرْلِكٌ: نفير عامّ تعبئة ، نفير ، سفربرلك ، تأهب للحرب ، إستعداد للحرب سفر ، رحلة ، سفرة ، حملة ، غزوة ، وفي تفسير آخر سفر برلك كلمه تركيه معناها بالعربي التهجير الجماعي وقد اشتهرت هذه الكلمة وارتبطت بحادثة تهجير أهل المدينه المنوره بالقوه خلال الحرب العالميه الاولى وقد تفرقوا بين مناطق الشام وتركيا وبعض مناطق الحجاز الأخرى وكلمة السفربرلك تركية وتعني “الحرب الأولى”، وسميت كذلك لأنها أول حرب شُنت بعد إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني من قبل حزب الاتحاد والترقي على الرغم من الوضع المتردي آنذاك للدولة العثمانية، وقيل أيضاً أن معناها “الترحيل الجماعي” وكلمة سفر برلك اصبحت تطلق على كل حادثة مشابهة لخوض حرب مع إندلاع الحرب العالمية الأولى، تحالفت السلطة التركية الجديدة مع ألمانيا، في محاولة منها لإيقاف الانهيار المستمر لسلطتها في البلاد الخاضعة لها، والتي كانت هدفاً لأطماع الدول الكبرى السائدة آنذاك، وعلى وجه الخصوص بريطانيا وفرنسا، مما دفع بالسلطات التركية إلى خوض حرب ضروس مع هذه الدول، وتجنيد أعداد كبيرة من الجنود كانت غالبيتهم من شعوب الدول الخاضعة لسلطتها، وخاصة من البلاد العربية، فيما عرف لاحقاً بالسفر برلك، وذهبت أعداد كبيرة من شبان العرب إلى هذه الحرب، وكثير منهم لم يعودوا، ولم يعرف أحد أين ماتوا أو دفنوا وأيام السفر برلك جرت بين عام 1914م – 1918 م .وتمثل أيام السفر برلك وهي أيام الحرب العالمية الأولى إحدى أوجاع الإنسان العربي في المشرق العربي فقد قامت الدولة العثمانية بالتجنيد القسري لأهالي بلاد الشام والمدينة المنورة وتم مطاردة الفلاحين وأهل القطعان وحتى الصبيان الذين اقتربوا من سن الرشد، حيث تم إرسالهم للقتال في أوروبا بعد فشل الحرب في قناة السويس. مما سبب إهمالاً للزراعة وعناصر الحياة الضرورية، فانتشر الفقر والبؤس والجهل في المشرق العربي إن ذكرى أيام حرب السفر برلك والقصص المروعة خلالها طوال ثلاث سنوات مازالت راسخة في أذهان أهالي بلاد الشام والمدينة المنورة حتى الآن، فقد كانت القوات العثمانية تفتش القرى والمدن وترسل الشبان والرجال وحتى الشيوخ إلى أتون تلك الحرب فالذهاب إلى سفر برلك للقتال الى جانب الجيش التركي يعني غياباً بلا رجعة. هذا بالإضافة إلى أن العثمانيين قاموا بمصادرة المؤن من السكان لإطعام الجيش وفرضوا المزيد من الضرائب لتمويل تلك الحملة وما تزال ذاكرتنا تتذكر أحاديث الأجداد وكبار السن وكيف كانوا يتحدثون عن تلك الأيام السوداء والمجاعة والعذابات بكثير من الألم والحزن. ،

** قمع الحريات:

** التجهيل: 

** الفقر والمجاعة:

** استغلال موارد البلاد المسيطر عليها: 

*** 

•• ما علاقة الأغنية عند أهل بلاد الشام بالمقاومة؟. 

تاريخ بلاد الشام مشترك الهموم والآمال والطموحات، وجميع أقطاره عانت من الغزاة والمستعمرين قديما وحديثا. وأبغضها على الإطلاق الاستعمار الاستيطاني اليهودي. 

** لماذا كان يوثق الناس الأحداث السياسية القصيدة والأغنية؟  

منذ القديم و أيام العرب الأوائل كانت القبائل تحتفل بميلاد شاعر فيها.  وهو بمثابة وسيلة إعلامية متنقلة يفخر بقومه ومكارمهم وشجاعتهم. 


•• الاغنية تغنى في لبنان وسوريا وفلسطين ماذا يعني ذلك برأيك؟.   

الهم واحد. والمصير مشترك. 


** لماذا لجأ كاتب الاغنية للتورية والمجاز فبدت الأغنية وكأنها رومانسية؟. 

التّرمبز والتكنية هما من أساليب الشعر، وكثيرًا ما يلجأ الشاعر إليها أولا للابتعاد عن موضوع المباشرة التي تقلل من جماليّة القصيدة، وحتى لو فُسٍّرت على منحى. يأتي من من يقول: الكعنى قي قاب الشّاعر.


** من أشهر من غنى الأغنية؟

فيروز – صباح فخري – سناء الموسى – نسمة شماميان – 


** تحدث لنا عن تجار حلب ؟

حلب تعتبر العاصمة الاقتصادية في سرية حاليا. وقبل ذلك ففي حلب كانت معظم الوكالات الأجنبية تتركّز فيها منذ أيام الفرنسيين وقبلهم الأتراك. كما أن خط الشرق السريع كانت محطة انطلاقه من حلب لينتهي في البصرة، وموقع حلب الاستراتيجي جعل منها عقدة تلتقي فيها الطرق من الشمال والشرق والغرب لتلقي ونن ثم تنطلق في الاتجاهات الأخرى. وفي أيام الفرنسيين كانت حلب مقر الريجيه في حلب واللاذقية والادارة الرئيسية في بيروت.


** اليوم يفصل ما بين حلب وبيروت الحدود .. ما رأيك بذلك وماذا تتمنى أن يكون حالهم. 

بطبيعة الحال لم يكن يوما ما هناك حدود مشتركة ما بين بيروت وحلب، إلا من خلال سورية. ونحن شعب واحد في بلدين فرّقتنا السياسة، فمصيرنا واحد ومشترك ولا فكاك لنا من بعضنا مهما حاول الأعداء. 

 

**بعض مشاهدي الحلقة من عرب لا يفهمون لهجة بلاد الشام .. هل لك أن تفسر الكلمات بالفصحى؟. 


** عالروزنا عالروزنا كل الهنا فيها 

و إ يش عملت الروزنا الله يجازيها

** يا رايحين لحلب حبى معاكم راح

يا محملين العنب تحت العنب تفاح

** كل من وليفه معه وانا وليفي راح

يا رب نسمة هوا ترد الولف لي

** لاطلع ع راس الجبل و اشرف ع الوادى 

و أقول يا مرحبا نسم هوا بلادى

** يارب يغيب القمر واقضي انا مرادى

و تكون ليلة عتم والسرج مطفية.


قراءة على لوحة عنان محروس

 إضاءة على لوحة (النجمة)

للفنان التشكيلي عماد المقداد


بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد


للألوان واستخداماتها فلسفتها الخاصّة عند معظم الفنّانين التشيكليّين، لتشكيل ثقافة بصريّة لدى المتلقّي، ولإحداث صدمتة الدّاهشة من النظرة الأولى، آخِذةً به إلى عوالم بعيدة عن الواقع ساحرة بأفكارها؛ في محاولة لجرّه إلى رحاب اللّوحة؛ ليكون جزءًا من نسيجها وبُنيتها، وهي تكتسب شرعيّتها وألقها من فرط إعجابه، فتتكرّس في ذهنه بأنّها باهرة خالدة.

وعند عماد المقداد يتخّذ اللّون البنّي وتدرّجاته الترابيّة رؤية عميقة لبدء الخلق ونهايتهم، فمن أديم هذه الأرض نبتت هذه الأجساد، وإليها تعود لتفنى ملامحها الماديّة وهي تتّحلّل وتتفسّخ لتعود ترابًا وفق ترتيباته ذرّات صغيرة لا تكاد بعضها تُرى بالعين المجرّدة.

فكانت لوحة (النّجمة) مُتدرّجة بألوانها تقاربًا ما بين البُنيّ العديدة والأسود والأبيض. يتجلى الكون هنا بليله ونهاره، وهما يتعاقبان على أرضه العامرة بالإنسان ضمن نواميس أزليّة لا تحيد عن مُهمّتها التي خُلقت من أجلها لاستدامة الحياة عليها.

وتشكيلات خطوطها الأبرز هي: دائرة تتوسّط أعلى اللّوحة وفيها يتجلّى وجه كالقمر في ليلة بدره, لون العينان الأزرق بصغر حجم العين فقد احتلّ مساحة أزرق الكون أجمع (السماء و البحر)، وكأن الفنّان يرسم تشابيه علم البديع باللّون؛ فلم يكن للسماء والبحر وجود في اللوحة، بل استعاض عنهما بلون العينيّن.. ونُقاط بلا حروف كمرتكزات بنائيّة لفكرة الهجائية باحتوائها العلوم كافّة.. يا لها من ذاكرة مُستوطنة دواخل الفنّان عماد في لا وعيه..!!

والدائرة تشي في الأذن بأنها قرص الشمس، والقمر، بل الأشمل والأوضح بأنّها الكرة الأرضيّة تسبح في مداراتها الأشكال الهندسيّة المربّعات والمستطيلات والمثلثات وخطوط مستقيمة ومتوازية، وهناك أشكال موميائيّة متحجّرة على ذاتها، كأنّها مهمومة بوجودها القسري على وجه التراب أو تحته، والحاجة الأوضح هي ما يتّضح في أماكن من اللّوحة على أنّها خلايا النحل المعروف بجديّته في الحياة ضمن تجمّعات تكوينيّة دالّة على الجد والأمل والتفاؤل. وهي صفات الروائية عنان محروس المتأرجحة بين الجد والبساطة في حياتها.

فضاءات اللوحة كثيرة ربّما وصل للمتأمّل مثلي بعض ما أرادت أن يصل لي، وخفي عن إدراكي لما استعصى فيما وراء فكرتها، أدركتُ بعضًا من فضاء، وضاعت منّي عقدت فضاءات.

ملاحظة : (لوحة النجمة قدمها الفنان عماد المقداد للروائيّة عنان محروس في حفل إشهار روايتها خُلق إنسانًا في مركز الحسن الثقافي في مدينة عمّان ــا 30/3/ 2019)


قراءة على رواية الباترا

 


قراءة الرمز والأسطورة في رواية (الباترا – مخاوي الطير)

للروائي السوداني (جمال الدين علي الحاج) 


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


   ما بين كنداكة النيل وابن المقفع مسافة رواية اختصرت الزمان بصفحات قالت الكثير، وسكتت عن الكثير، وما بان منها رسم المشاهد الخفيّة فيما بين طيّاتها، وواضحًا جليًّا فيما بين السّطور. ما حدا بي الذهاب في هذا المنحى، هو الكلام الكثير الذي جرى على لسان الحيوانات، وهو أسلوب  التورية، يلجأ إليه الكتّاب والمفكّرون خاصّة في ظروف الخوف على الحياة من الظلم الأعمى، الذي لا يرحم شيخًا طاعنًا، ولا امرأة، ولا طفلًا.

   تنطيق الحيوانات على الورق ليس مستحيلًا، لأنّه مجال فسيح لانطلاق مخيال الكاتب بلا حدود، فيما بين المعقول واللامعقول، لايصال رسالته الفكريّة والإصلاحيّة للفت أنظار مجتمعه لسوء يمشي بين ظهرانيهم، أو لخير بتوجيه أنظارهم إليه، أو تجديفًا معاديًا للقيم الاجتماعيّةِ والدينيّة، بما يمثّله من طابور فكري خامس.

   بينما زمن المعجزات ولّى مع الأنبياء والرّسُل، ولغة الطير كانت لسيّدنا سليمان عليه السلام: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) سورة النمل 16. ومن ذلك ما جرى في رواية (الباترا) من سيرة الفتى الذي أطلقوا عليه لقب واسم (الباترا)، وكان معاقًا حركيّا ومصاب بحالة توحّد، ولسان ثقيل النّطق بالكلام، مع دمامة الخَلقة. هكذا جاء وصفه في الرواية.

   ولكي تكون هذه الشخصيّة التي بناها الروائي (جمال الدين) دراميٍّة مُقنعة للقارئ ضمن تسلسل النسيج الروائي، نسب إليه الذكاء الفطري؛ فقد حفظ القرآن بالقراءات السبع سماعيًا من الأولاد المداومين في حلقات الشيخ الذي تبنّاه. كما اتّضح اكتسابه للعلوم التاريخيّة وغيرها من المعارف لدُنيًا، كأنّ الله صبها في جوفه ككتلة معلوماتيْة تراكميّة، دون أن يفهم منها (الباترا) شيئًا من تفصيلاتها، ولا مآلاتها العلميّة بعديد طرائقها.

   ونظرًا للأفق السرديّ الواسع بتشّعباته عند الكاتب (جمال الدين)؛ فقد صرف لشخصيّة بطل روايته (الباترا) ثيمة الحكمة التي تعلّمها من الطير، خاصّة طائر (البومة – الحدأة،  وهو نذير الشؤم المعروف، ففي المثل الشعبيّ يُقال: (اِلْلحَق البومة؛ تدُلّك على الخراب)، فهو يعيش في المناطق المهجورة، وهو كائن ليلي نائم نهارًا على الأغلب، وفي الرواية كان حكيمًا خلاف المعتاد والراسخ في المخيال الشعبيّ عنه، بينما بقيت سمة طائر الغراب الشؤومة والغدر.

   تسلسل بناء شخصيّة البطل (الباترا) جاء مُتساوقًا مع البناء الطبيعي للقاعدة التي قام عليها السرد، بتدفّق منطقيّ، كل حلقة تقود القارئ وتسلمه للأخرى بأمان واطمئنان، إلى أنه لن يغادر الرواية تشتّتًا ومللًا، وللتدليل على تعميق مفهوم ذلك وتجذيره في الرواية؛ فقد ابتكر ثيمة أخرى للعنوان الرئيس (مخاوي الطير)، وكأنّ الكانب يريد إقناعنا بحالة التوحّد الفريدة لبطله المُبتكر إِبداعيَّا من خلال تكريس فكرة المؤاخاة مع الطير، وتطابق شخصيّة البطل مع الطبيعة الجامدة بعين الآخرين، بينما البطل الذي انصرف عنه البشر كراهة ونبذًا؛ لذنْب لم يك له يدًا فيه؛ فقد فتح الأفق الكونيّ له؛ لتعويضه عمّا فتته من صدر أمّه وعطف أبيه؛ ليكون طفلًا سويًا مثيلًا لأقرانه، فأراد تعويض النقص عنده في هذا الفيض برمزيّه وأساطيره، الخارجة عن نطاق المعقول.

   ميّزة الكتابة الإبداعيّة أن تخرج من ثوب المألوف والمعتاد، إلى رحاب أوسع حتى تستطيع بوصفها إبداعية، فالأفكار المتشابهة في موضوعاتها المعهودة بنمطيّتها لا تصنع نصًّا مميّزًا متقدّمًا عمّا سواه، ربّما تنصب أعواد المشانق للكاتب كما حالة رواية (الباترا)، وتقديمه قربانًا من أجل من تأخر فهمه عن مرامي النصّ البعيدة والقريبة، أو حسد حاسد مُبغض. 

***  

   وللجغرافيا منطقها الدكتاتوري في صناعة التاريخ؛ فقد صعّد الكاتب حدّة الصّراع الاجتماعيّ إلى الذروة، من خلال قطبي الرواية (الباترا + العمدة)، الباترا تمثيل للأغلبيّة من البشر الذين لم يكونوا في نظر ذوي النّفوذ والجاه، إلّا أدوات وأعداد للإحصاء، وجنودًا يُساقون إلى ساحات النزاعات للحكّام والوجهاء، وعمدة القرية هو للوجه البغيض للسلطة المركزية في العاصمة، وفي الولاية، وهو مُتقلّب سياسيّا بطريقة انتهازيّة لتسويق مصالحة؛ فموقفه ثابت ودائم مع الأقوى، ومن هو في سدّة الحكم.

   ففي ذروة احتدام الحدث السردي، يتأجّج الصّراع ما بين القديم والحديث، بين التاريخ والواقع الحالي، بين مملكة كوش العريقة، وقضيّة السدّ المنوي إقامته في المنطقة، فهو كما السدود في الأقطار الأخرى، كالسدّ العالي في مصر، وسدّ الفرات في سورية، جميعها غمرت مناطق جغرافية ذات إرث حضاري وتاريخيّ، ومحت تاريخ وذكريات شعوب تلك المناطق، وفي هذا الصدد كتب الروائي السوري (د. عبدالسلام العجيلي) رحمه الله روايته (المغمورون)، عالجت هذه القضيّة الإنسانيّة الكبيرة، وتتساوق مع رواية (الباترا) في هذه الجزئية الهامّة.

   الكنداكة تتماثل مع نساء القرية، والعمدة بجبروته وبطشة وقوة شكيمته، يريد إغواء الجماهير في قبول إنشاء السدّ تماشيًا مع رغبات مخططي الدولة المستفيدين الفاسدين المستغلين لموارد البلاد، وهي رؤية الكاتب الواعية والتنبيه لحفظ التراث الإنساني، مقابل مشاريع لا تدرّ مردودًا ذا فائدة تذكر على المكان، الذي يفتقر لأبسط قواعد العيش الكريم والخدمات.

   بذكاء  أيقظ الروائي شخصية (حميدة) ابن أخ العمدة الثائرة للدفاع عن القرية، الأمر الذي أغصب العمدة، وبمهارة الكاتب استطاع عرض المادة التاريخيّة الجافّة بسلاسة، من خلال النسيج السردي للرواية، بطريقة مُشوّقة، من خلال التسجيل الذي قامت به الباحثة الأجنبية (سارا) واعتمدت على معلومات حصلت عليها من (الباترا)، وبسقوط العمدة صريعًا، يعادل في الانقلاب العسكري الإنقاذي، والذي انقلب معه العمدة على العهد البائد. (حميدة) شخصية ثائرة واعية جريئة، تكلمت بلسان الجماهير، الأقرب في سلوكها لسلوك القطيع.

 

*** 

   للمتتبع تفاصيل رواية (الباترا)، لا بد له من التوقف منذ الصفحات الأولى على رمزية شخصيتين قام عليهما بناء الرواية السردي (العمدة والباترا)؛ وبالتحليل لهما تتبيّن رسالة الرواية بجلاء، وتصنيفها بأنها وثيقة اجتماعية، سجّلت يصدق فطريّ الحياة الاجتماعية في قرية (مرو) الصغيرة في مجاهل أرياف السودان المترامية الأطراف، وتباعد جغرافيّ مهول، وتراخي سلطة الدولة؛ والعمدة الإقطاعي والوجيه الاجتماعي، يمثّل الوجه البغيض للنظام وأزلامه، حينما يتجاوزن على حقوق البشر، يحرقون الدستور والقانون، ولا أحد يسائلهم، فالعمدة اغتصب البنت التي رمز لها الكاتب باسم (دولة)، المزاوجة في تركيب، وتشكيل المفاهيم لدى القارئ، كانت حرفة الكاتب (جمال الدين) في خدعة لتوريط القارئ في النص الروائي، وليجعل منه جزءًا سرديًّا يدافع عن فكرة الكاتب. 

   أما الشخصيّة الإشكالية الأخرى (الباترا)، لا أدري ما الذي قادني إلى القصص القرآني، وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام، كيف قذفته أمه في البحر بعدما وضعته في صندوق، فعلت ذلك مخالفة دافع الأمومة، ولم يكن ذلك إلا وحيًا إلاهيًا؛ لتنجية موسى، ولتكون الفرعون على يدي هذا الطفل، الذي تكلؤه عين العناية الربانيّة وهو النبي المنتظر، رغم تربيته في بيت الفرعون. 

   وهذا (الباترا) الذي تشابهت حالته مع سيدنا موسى، مع اختلاف بشريته وهو الطفل المجهول النسب وقد ربّاه شيخ الجامع العقيم، أمّه (الدولة) المغتصبة من العمدة المتغطرس، لم تحتمل العيش، إلا بالهروب إلى المجهول؛ للنجاة من العار. وهي تتأمّل وجه طفلها بقلب الأمّ، ودموعها تحكي لها أن لا ترى وجهه ثانية، ولن يبتسم لها. والعامل المشترك ما بين الباترا وسيدنا موسى عليه السلام، هو بداية نهج جديد ذ، وحياة جديدة في إنهاء الفرعون والعمدة. 

   الديكتاتوريات إشكالية جماعية، شرقية الميزات والمواصفات، تتّحد تغوّلًا على حقوق الإنسان، ولا تستطيع هذه الدكتاتوريات إخفاء معالمها وإن تلفّعت بملاءة قومية أو دينية أو حزبية أممية، فهي تتشارك النهج القمعي للحريّات العامّة، وحالات الطوارئ العامّة وقوانين الأحكام العرفيّة تحت ذرائع شتّى لا مبرّر لها، سوى تنويم القوانين في متاحف النسيان، وغياب المساءلة، واغتصاب ونهب ثروات دولهم وشعوبهم. بهذا تكون اتّضحت رسالة رواية (الباترا) في مقاومة الظلم، من خلال رسمها للوحة فسيفسائيّة للمجتمع السوداني، تتمائل في نهجها مع العديد مع الكتابات الروائيّة التي سارت في هذا ابمنحى على السّاحة العربية عمومًا، وغير العربيّة. 


عمّان – الأردنّ

16/ 8/ 2020


تأملات قرآنية