الجمعة، 10 أبريل 2020

دون كيشوت

(أدب العزلة ف زمن الكورونا)

دون كيشوت
قصة قصيرة

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد
   لا أرى تشبيهًا أليَقُ بصديق لا مُبالٍ أبدًا بأخبار الكورونا إلّا بـ(دون كيشوت)، ويعتبر ذلك من الكذب الذي تريد وكالات الأنباء، متآمرة مع القنوات الفضائيّات لتسويقه، وبثّ الرّعب في نفوسنا. لا ألومه أبدًا فيما ذهب إليه؛ فيما بعد ذلك أصبح الأمر أخطر ممّا يفوق التصّور، وانتقل الموضوع من مجرّد فيروس ضرب بعض مناطق الصّين، إلى ظاهرة وبائيّة؛ ضربت العالم شرقًا وغربًا بدوله الكُبرى والصّغرى بلا تفريق، الأمر الغريب وبعد أيّام أعادني الأمر إلى نظريّة المؤامرة في ذهن صديقي، الذي لا يمرّ عليه أيّ خبر أو قصّة إلّا من غربال المؤامرة الكونيّة علينا نحن العرب بالخُصوص.
   وصلني على الواتساب العديد من مقاطع الفيديو، يشير مُصمّموها فيها إلى مؤامرة غاز السّارين الذي ضربته أميركا في أفغانستان، وللجوار الجغرافي القريب من الصين حصل الضّرر لهم، وبعض التحليلات، ذهبت إلى أنّ الاستثمار الصيني في الوباء؛ فاشترت أسهم الشركات الاستثماريّة فيها بأسعار الفُجُل.  حتّى ذهبوا أكثر من ذلك بتساؤلات، أين ذهب الإرهاب، الذي توقّفت آليّاته على وقع الكورونا.
   صديقي، زاده الله بسطة في الجسم طولًا وعرضّا، ملامح رجولة نبطيّة نابضة بالحياة، سنوات العقود الخمسة والنصف، لم تزده إلّا إشراقًا في حياته، مُنعكسًا وضاءة قمر أبدر في منتصف كلّ شهر. يحيل أيّامنا بياضًا وصفاء روح ونفس. 
   عملي اليوميّ في الصّالون؛ يُملي عليّ مُتابعة المحطّات للتسلية في أغلب الوقت، ولإزاحة القلق والزهق من ساحات سجني في المحلّ طيلة النّهار. أحسدُ المساء.. ومن يُمضونه تأمّلًا واستنشاقًا لهواء نظيف يملؤون بهم صدورهم. وإذا كانا حبيبان.. تتلّهف نفسي إلى بداية زواجي قبل أربعة وثلاثين عامًا، أيدينا مُتشابكة تأبّطًا.. نغوص في هُيامنا بانسجام عميق في بحار الرومانسيّة، تأخذنا أفكارنا بعيدًا في متاهات لا عقلانيّة عن الحياة. 
  صديقي غير متابع إلّا الأخبار السياسيّة الموجعة للقلب المُتلفة للأعصاب، سجائره على مدار السّاعة بتواتر الأخبار المُتجدّدة، كنتُ أتمنّى أن أجد عنده أذّنًا صاغية لي، ولو لمرّة واحدة في السّنَة، هو في واد وأنا في آخر، تحذيراتي الجديّة له بالالتزام في بيته، ثارت ثائرته انفجارًا في وجهي، لم أكُن أتوقّعها:
-"وماذا تريد منّي، أن أحبس نفسي؛ لأموت اختناقًا، وليتوقّف قلبي قهرًا وكَمَدًا، يا رجل اتّق الله فيّ، فهمتُ عليك من المرّة الأولى، كلامك مُكرّر حفظتُ الكليشة والديباجة عن ظهر قلب، ولو أنّك معلّم مدرسة وأنا تلميذ عندك لحفظت درسك المُعاد كلّ يوم. لا أريد أن أقدّم امتحانًا عن الكورونا".
   صمتٌ الصدمة ترافق مع حرارة جوابه غير الُتوقّع. أفقدني القُدرة على الردّ عليه فورًا، خوفي على استمرار علاقتنا الممتدّة لسنوات، من السّهل أن أخسر صديقًا، لكن ليس أن أعثر على غيره. لم أتمالك نفسي، بِتَلْويم نفسي على حرصي الشّديد من أن يُصاب بسوء.
   الموقف أعادني لذلك الرّجل البّائس الإسباني، الذي تمثّل حالة أبطال وفرسانًا مغامرين يصنعون المعجزات، بقتال التنانين والعمالقة، ويحضون بتقبيل أيادي الأميرات، فأطلق على نفسه (دون كيشوت)، وراح يجوب قُرى الأرياف على ظهر حصانه مع صديق له.
   خياله الواسع صنع له العدوّ المُتوهّم في طواحين الهواء. النّاس لم ينتظروا حتّى تنتهي المهزلة، بل أدركوا مَكْمَن مُشكلته, اصطدموا بجنون العظمة المُتولّد لديه؛ فرسموا مخطّطهم لإعادته إلى سريره.
   في ساعة من ساعات العّزلة بعدما فُرضت رسميًّا، الخبر الذي ما كنتُ أودّ سماعه: "نقل صديقي إلى المشفى".  فهل غباء (دون كيشوت) انتقلت عدواه إليه؟.  وما فائدة إدراك (دون كيشوت) المُتأخّر، فكان بلا جدوى ما قام به؟.  فات الأوان..!! موت صديقي على  سريره.. ماثَلَ بطل الطّواحين بمثل نهايته.
   لم تُجد دموعي نفعًا، حزني عليه انضاف إلى قهري بموته وحيدًا، ولم أستطع إلقاء النظرة الأخيرة عليه. ولا واجب العزاء لأهله، إلّا عبر الواتساب. 
عمّان – الأردنّ
10 \ 4 \ 2020

الثلاثاء، 7 أبريل 2020

خرق الحظر

(أدب العزلة في زمن الكورونا)
 
خرق الحظر
قصة قصيرة

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

أفكار الولدنة المُتباعدة عن زماني هذا لم تُغادرني، لذّة النّشوة فيها تُعاودني بين فيْنة وأخرى. خوفي شديد.. سرٌّ أتكتّم عليه بيني وبين نفسي، ماذا لو علمت زوجتي وأولادي، بطريقة تفكيري، وحنيني الدّائم إلى تلك الأيّام؟. 
   اختلفت الظّروف، انعكست طريقة حسابي للأمور، قناع الهيبة والرّزانة لا أنزعه ولو للحظة واحدة، إلّا في الحمّام، أو إذا أقفلتُ باب الغُرفة على نفسي. الثقب الذي يدخل فيه المفتاح، يثير اشمئزازي من وجوده في هذا الموقع رغم ضرورته التي لا غنى عنها. عندي حساسيّة مُطلقة من عين تُرسلُ نظراتها إليّ أثناء تبديل ملابسي. إغلاقها باعث استقرار؛ لملاقاة جسدي الغائب عنّي، المُتواري خلف ألوان وماركات الألبسة المختلفة.
   في غفلة انشغال عائلتي انتظارًا لموجز خليّة الأزمة، والتطوّرات المُستجّدة. لهفة الترقّب.. العيون مُصوّبة إلى الشّاشة.. بانتظار تصريح وزير الصّحة فقط، هذا الذي يهمّ شريحتنا الاجتماعيّة.
   جدران غرفتي عَزَلتني في مأمن مؤقّت.
ماذا لو خرقتُ الحظر..!!؟.
ماذا لو شاهدني ابني، وأنا مثَلُه الأعلى؟.
   لم يطُل اتّخاذ قراري، أدرتُ المفتاح عكس اتّجاهه، حريّة بلا رقابة، نسيتُ نظرات قِنَاعي المقهور، عبر النّافذة أرسلت نظراتي على امتداد الأفق المفتوح أمامي. الشّمس مُنسحبة من الميدان، خلّفت شفقها يشيّعها إلى مُستقرّها. الشّوارع خالية تمامًا بعد صفير الإنذار.   
   اختفت الحركة.. خيّم الهدوء الإجباريّ على المكان. إغراءٌ داخليٌّ مُنبىءٌ عن خرق عظيم يُسجّله تاريخي بمخالفة الأوامر الصّارمة. اعترافي العلنيّ هذا وشاية بي. رتابة استحوذت على قطار عمري بُطْءًا حدّ الجمود. طيب الحركة والمغامرة صديقة المُقامرة.
   لحظة تحرّري توقّف معها تفكيري، خطفة سريعة.. اصطدم رأسي بالبلّلور الشّفاف اللّعين، اقشعرّ بدني.. توقّف شعر رأسي. أحببتُ شفافيّته مع المطر النّازف خيرًا، وقلبي يتراقص طربًا على أصوات ارتطامها به. 
ما الذي قاد ذهني إلى المعصية الآن؟.
ما وجه الشّبه بين فعلتي ومعصية الربّ؟.
   بعصبيّة سحبتُ ظرْفَة النّافذة. التواصل مُباشر مع الخارج بلا عوائق. لم أهمِل مُراقبة المكان وجواره، خبرة قديمة نستقصي بها خلوّ كُرُوم التيّن والعنب من نواطيرها المُجاورة لمدينتي بُصرى. أريد التحليق خارج الزّمان مددتُ رقبتي القصيرة خارج جوّ الغُرفة، لأوّل مرّة أستنشق هواء بحريّة تامّة بلا رقيب. تحرّرت أثقال جسمي لأسبح كريشة في سماوات. تبخّرت فيزيائيّة ضاع ثقل جسمي، لأصبح كرجل فقد وزنه، تمكسّتُ بأهدب السّتارة الواهية، جاذبيّة الأرض فقدت خاصيّتها، إذا خرجتُ من نافذتي لن أعود. ليس لديّ حلم الاستقرار في أيّة بُقعة من الكرة الأرضيّة، إلّا العودة إلى مسقط رأسي، لأحصل على قبر أرتاح فيه.
قرعٌ على الباب، ارتبك موقفي.. لبستُ قناعي، مسحتُ آثار الرّيبة والشكّ، مرآة الخزانة أكّدت سلامة مظهري، أوه.. يا لغباوتي!!. كيف لم أنتبه لرصدها كافّة حركاتي بدقّة؟. 
تفاهة إغلاق الباب لم تمنع الخَوَافي من المتابعة نيابة عن عائلتي. يبدو أنّ الموجز الصحفي انتهى للتوّ.

عمّان –الأردنّ
ــــا 5 \ 4 \ 2020

الأحد، 5 أبريل 2020

يد القدر

(أدب العزلة في زمن الكورونا) 

يدُ القدر
قصة قصيرة
بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

عيون الجالسين على طرف الطّريق تنغرس في وجهي تلاحقني بعدما قطعتهم بمسافة، والعابرين مُسرعي الخُطى يتفرّسونني بشراسة شرهة.
   أنعطفُ يمينًا إلى الشّارع الآخر الموازي للأوّل، لُهاث أنفاسي أتعبني، ساعة الهاتف النقّال لم أترك النّظر إليها كلّ قليل، تمرّ الدَّقائق سريعة تنهب الوقت، أحثُّ نفسي بالسّرعة لحاق بموعدي مع الطّبيب الذي أنتظره منذ أسبوع. خلال فترة السّماح لنا بالخروج من منازلنا، بعد تخفيف حالة الحظر العامّ.
   العُيون هنا ما زالت تُطالعني باستغراب. عاينتُ وجهي على شاشة الموبايل السوداء، انعكس عليها ظلّي مع ضوء الشّمس، كأنّها مرآة.
   توقّفتُ للحظة. لا شيء يبدو على ملامحي استرعى كلّ خلال عبوري للشارعيْن، تأكّدتُ من ترتيب هندامي ولياقته المعهودة، لم أتخلّف عنها، هذا أنا لا جديد.. ولا غريب تبيّن لي.
   ثارت عاصفة من التّخمينات في داخلي، تحليلاتي لم تصل إلى نتيجة واضحة لديّ، هواجس كثيرة تباعدت وتقاربت بزمانها ومكانها. شعورٌ داهمٌ عطّل جميع منافذ تفكيري بالاتّجاه الصحيح، اختلطت الأمور.
   وصلتُ بُوابة العيادة بموعدي المُحدّد، ترافقت أولى خطواتي عتبة الصّالة مع نداء السكرتيرة على اسمي، ما إن وصلتُ على بُعد خطوة من طاولتها، وقفت صارخة بعصبيّة أجفلت سكون المرضى، خرقت دائرة الصمت، توقّف حركة الأيدي والأصابع التي تمسك بالموبايلات، صوّبوا أعينهم كحراب غُرست في جسدي المُنهك من المشوار الطّويل، الطبيب مُستغربًا أمرًا لم يحصل معه طيلة سنواته العشرين في مهنته. فاغر فاه, حاجباه قفزا للأعلى ليرسما قوسيْن على مقدّمة صلعته الجرداء تمامًا. تتدلّى السّمّاعة على صدره، حارت الكلمات تتلجلج بين شفتيه، لا تستطيع الخروج بوضوح ليسأل.
   لحظة ذهول فاجأتني بصدمتها غير المُتوقّعة أبدًا. مَبهوتٌ، تخشّب لساني، أستحلبُ ريقي ترطيبًا للجفاف الطّارئ في الحال.
   تشير أصابعها باتّجاهي وعينيّها تُصوّبهما نحو الطبيب، إلى هذه اللّحظة لم تنطق بكلمة واحدة ذات دلالة على شيء ما، ربّما تريحني، وتُزيل عنّي وقع المصيبة العظيمة.
   بخطوات مُتسارعة الطبيب، قادني من يدي إلى غرفة صغيرة مجاورة لغرفته فارغة إلّا من كرسيّ بلاستيكيّ، وسرير معاينة. أشار عليّ بالجلوس، أغلق الباب خلفه من دون أن ينبس بكلمة واحدة:
-"يا إلهي ما هذه الورطة التي وقعت فيها، ما الذي فعلته بنفسي، ليتني تجاهلتُ الموعد والمجيء بمثل يوم النّحس هذا".
   عشر دقائق فصلتني عن عوالمي السّابقة واللّاحقة، خدّرت أعصابي بجمود صقيع قطبيّ، تسمّرت جُلوسًا مكاني، عيناي تدوران في زوايا الغرفة، السّتارة تغطّي الجزء الأكبر من النّافذة، تسمح بدخول ضوء معقول.
  أصوات من بالصّالة نقاشٌ مختلط، كلّ اثنين يتكلّمان شيئًا ما، لم تتكوّن عندي فكرة واضحة عن كلامهم، لعلّها تُذهِب عنّي هوْل الصدمة،
الباب يُقرَع، يُطلّ شبحٌ بملابسه البلاستيكيّة الزرقاء، كأنّه قادم مع سكّان الفضاء لغزو كوكبنا، من يقف وجه الطّبيب مُصفّرًا كليمونة نضجت على أمّها. لم تُغادره ملامح الحيرة المكسوّة بالخوف.
تقدّم الكائن مع مُساعده، اقتاداني، بعدما وصلني صوته الأوّل من خلف كمّامة على فمه، وقناعًا بلاستيكيًّا شفّافًا حاجزًا بين وجهه وبين المحيط.
-"شرّف معنا.. يا أخ".
-"إلى أين.. ومن أنتم..!!؟".
-"إلى الحَجْر الصحّي".
   على الطّرف الأيسر من مدخل العيادة، رأيتُ صورة، كأنّها منسوخة عن شكلي حدّ التّطابق، أيقنتُ أنّ صاحب هذه الصّورة مطلوب.
   هناك في المكان المُخصّص، خضعتُ لاستجواب غير مسبوق في حياتي، دقيق لدرجة إحصاء أنفاسي من يوم أن كنتُ في  بطنْ  أمّي، طلبوا منّي جواز سفري الذي قدمتُ به من دولة أجنبيّة تفشّى فيها الوباء بشكل كبير.
  تنفّستُ بعمق، ارتياح سرّى في أعصابي هدوءًا طارئًا. أيقنت أن لبْسًا في الأمر، مثل تشابه الأسماء عندنا في سوريّة، الذي ذهب ضحيّته أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل. انطلق لساني من عقاله بطلاقة:
-"أصلًا أنا لاجئ لا أمتلكُ جواز سفر، ولم أسافر خارج الأردنّ منذ مجيئي إليها قبل سبع سنوات".
-" غير ممكن.. أبدًا مو معقول.. هل تهزأ منّا حتّى تفلت، يا أخي الأمر خطر عليك وعلى الآخرين، يجب أن تخضع للفحص والحجر لمدّة أسبوعين، وبعدها يُنظر في أمرك".
أبرزتُ بطاقتي الأمنيّة.. تأكّدوا من سلامتها وجهة صدورها، تغيّر الموقف مئة وثمانين ودرجة. ذهول غير مُتوقّع.. فشل جهودهم الحثيثة بحثًا عن شبيهي. قرّروا بعد مُشاورات:
-"بما أنّكَ وصلتَ هنا؛ ستبقى عندنا في العزل نطمئن على صحّتك، وكيف وقد صدر الإعلان عن العثور عليك".
-"يا جماعة الخير كلّ الشكر لجهودكم وحرصكم على حياتي، أولادي وعائلتي بانتظاري، لأرجع لهم بطعام الغداء، وما يكفيهم مؤونة الغدّ".
-"لا تبتئس.. سيصلك طردٌ غذائيٌ، وكافّة مُستلزمات العائلة فترة غيابك عنهم، وما يزيد عن حاجتهم".
من جديد تنفّستُ بعمق، تذكّرتُ أنّني كنتُ سأستدين مبلغًا من صديق قديم، بعدها سأشتري القليل مما يكفي بقاءنا على قيد الحياة.
عمّان  -الأدن
ــــا 5 \ 4 \ 2020

 (أدب العزلة في زمن الكورونا) 

يدُ القدر
قصة قصيرة
بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

عيون الجالسين على طرف الطّريق تنغرس في وجهي تلاحقني بعدما قطعتهم بمسافة، والعابرين مُسرعي الخُطى يتفرّسونني بشراسة شرهة.
   أنعطفُ يمينًا إلى الشّارع الآخر الموازي للأوّل، لُهاث أنفاسي أتعبني، ساعة الهاتف النقّال لم أترك النّظر إليها كلّ قليل، تمرّ الدَّقائق سريعة تنهب الوقت، أحثُّ نفسي بالسّرعة لحاق بموعدي مع الطّبيب الذي أنتظره منذ أسبوع. خلال فترة السّماح لنا بالخروج من منازلنا، بعد تخفيف حالة الحظر العامّ.
   العُيون هنا ما زالت تُطالعني باستغراب. عاينتُ وجهي على شاشة الموبايل السوداء، انعكس عليها ظلّي مع ضوء الشّمس، كأنّها مرآة.
   توقّفتُ للحظة. لا شيء يبدو على ملامحي استرعى كلّ خلال عبوري للشارعيْن، تأكّدتُ من ترتيب هندامي ولياقته المعهودة، لم أتخلّف عنها، هذا أنا لا جديد.. ولا غريب تبيّن لي.
   ثارت عاصفة من التّخمينات في داخلي، تحليلاتي لم تصل إلى نتيجة واضحة لديّ، هواجس كثيرة تباعدت وتقاربت بزمانها ومكانها. شعورٌ داهمٌ عطّل جميع منافذ تفكيري بالاتّجاه الصحيح، اختلطت الأمور.
   وصلتُ بُوابة العيادة بموعدي المُحدّد، ترافقت أولى خطواتي عتبة الصّالة مع نداء السكرتيرة على اسمي، ما إن وصلتُ على بُعد خطوة من طاولتها، وقفت صارخة بعصبيّة أجفلت سكون المرضى، خرقت دائرة الصمت، توقّف حركة الأيدي والأصابع التي تمسك بالموبايلات، صوّبوا أعينهم كحراب غُرست في جسدي المُنهك من المشوار الطّويل، الطبيب مُستغربًا أمرًا لم يحصل معه طيلة سنواته العشرين في مهنته. فاغر فاه, حاجباه قفزا للأعلى ليرسما قوسيْن على مقدّمة صلعته الجرداء تمامًا. تتدلّى السّمّاعة على صدره، حارت الكلمات تتلجلج بين شفتيه، لا تستطيع الخروج بوضوح ليسأل.
   لحظة ذهول فاجأتني بصدمتها غير المُتوقّعة أبدًا. مَبهوتٌ، تخشّب لساني، أستحلبُ ريقي ترطيبًا للجفاف الطّارئ في الحال.
   تشير أصابعها باتّجاهي وعينيّها تُصوّبهما نحو الطبيب، إلى هذه اللّحظة لم تنطق بكلمة واحدة ذات دلالة على شيء ما، ربّما تريحني، وتُزيل عنّي وقع المصيبة العظيمة.
   بخطوات مُتسارعة الطبيب، قادني من يدي إلى غرفة صغيرة مجاورة لغرفته فارغة إلّا من كرسيّ بلاستيكيّ، وسرير معاينة. أشار عليّ بالجلوس، أغلق الباب خلفه من دون أن ينبس بكلمة واحدة:
-"يا إلهي ما هذه الورطة التي وقعت فيها، ما الذي فعلته بنفسي، ليتني تجاهلتُ الموعد والمجيء بمثل يوم النّحس هذا".
   عشر دقائق فصلتني عن عوالمي السّابقة واللّاحقة، خدّرت أعصابي بجمود صقيع قطبيّ، تسمّرت جُلوسًا مكاني، عيناي تدوران في زوايا الغرفة، السّتارة تغطّي الجزء الأكبر من النّافذة، تسمح بدخول ضوء معقول.
  أصوات من بالصّالة نقاشٌ مختلط، كلّ اثنين يتكلّمان شيئًا ما، لم تتكوّن عندي فكرة واضحة عن كلامهم، لعلّها تُذهِب عنّي هوْل الصدمة،
الباب يُقرَع، يُطلّ شبحٌ بملابسه البلاستيكيّة الزرقاء، كأنّه قادم مع سكّان الفضاء لغزو كوكبنا، من يقف وجه الطّبيب مُصفّرًا كليمونة نضجت على أمّها. لم تُغادره ملامح الحيرة المكسوّة بالخوف.
تقدّم الكائن مع مُساعده، اقتاداني، بعدما وصلني صوته الأوّل من خلف كمّامة على فمه، وقناعًا بلاستيكيًّا شفّافًا حاجزًا بين وجهه وبين المحيط.
-"شرّف معنا.. يا أخ".
-"إلى أين.. ومن أنتم..!!؟".
-"إلى الحَجْر الصحّي".
   على الطّرف الأيسر من مدخل العيادة، رأيتُ صورة، كأنّها منسوخة عن شكلي حدّ التّطابق، أيقنتُ أنّ صاحب هذه الصّورة مطلوب.
   هناك في المكان المُخصّص، خضعتُ لاستجواب غير مسبوق في حياتي، دقيق لدرجة إحصاء أنفاسي من يوم أن كنتُ في  بطنْ  أمّي، طلبوا منّي جواز سفري الذي قدمتُ به من دولة أجنبيّة تفشّى فيها الوباء بشكل كبير.
  تنفّستُ بعمق، ارتياح سرّى في أعصابي هدوءًا طارئًا. أيقنت أن لبْسًا في الأمر، مثل تشابه الأسماء عندنا في سوريّة، الذي ذهب ضحيّته أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل. انطلق لساني من عقاله بطلاقة:
-"أصلًا أنا لاجئ لا أمتلكُ جواز سفر، ولم أسافر خارج الأردنّ منذ مجيئي إليها قبل سبع سنوات".
-" غير ممكن.. أبدًا مو معقول.. هل تهزأ منّا حتّى تفلت، يا أخي الأمر خطر عليك وعلى الآخرين، يجب أن تخضع للفحص والحجر لمدّة أسبوعين، وبعدها يُنظر في أمرك".
أبرزتُ بطاقتي الأمنيّة.. تأكّدوا من سلامتها وجهة صدورها، تغيّر الموقف مئة وثمانين ودرجة. ذهول غير مُتوقّع.. فشل جهودهم الحثيثة بحثًا عن شبيهي. قرّروا بعد مُشاورات:
-"بما أنّكَ وصلتَ هنا؛ ستبقى عندنا في العزل نطمئن على صحّتك، وكيف وقد صدر الإعلان عن العثور عليك".
-"يا جماعة الخير كلّ الشكر لجهودكم وحرصكم على حياتي، أولادي وعائلتي بانتظاري، لأرجع لهم بطعام الغداء، وما يكفيهم مؤونة الغدّ".
-"لا تبتئس.. سيصلك طردٌ غذائيٌ، وكافّة مُستلزمات العائلة فترة غيابك عنهم، وما يزيد عن حاجتهم".
من جديد تنفّستُ بعمق، تذكّرتُ أنّني كنتُ سأستدين مبلغًا من صديق قديم، بعدها سأشتري القليل مما يكفي بقاءنا على قيد الحياة.
عمّان  -الأدن
ــــا 5 \ 4 \ 2020

السبت، 4 أبريل 2020

أخر الأنفاس

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

آخر الأنفاس
قصة قصيرة

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

   اللّحظات الأخيرة مليئة بالمفاجآت تأتي على حين غِرّة غير آبهة بمعطيات سابقة أو لاحقة. هكذا هي كالسّكين قاطعة في قرارها ماضية لتشكيل حالة جديدة يُبنى عليها الكثير.
   نداءات المُنظّمات العربيّة والدوليّة المُنادية بحقوق الإنسان، اصطدمت بجدار قاسٍ من العنّتِ وعدم القبول لدى مسؤولي النّظام بالإفراج عن الرّجل الذي قضى سِنينًا من عمره في سُجونهم.  مُناشدات من دول العالم على اختلاف مواقعها أطلقت في حملات النّاشطين بلا فائدة تُذكر. وباء الكورونا حرّك الإنسانيّة من جديد لتلتفّ مُجدّدًا للتصدّي توعويًا وعمليًّا للوقاية من مخاطر انتشاره.
   محاصرٌ بأحمال هموم بحجم الوطن رُهنت حُريّته به. جرأتُه لم تدع له مجالًا للعيش إلّا في زنزانة منذ سنوات، تُهمة التآمر على الوطن جاهزة كالبصمة. عمره  تهرّأ بطيئًا تحت وطأة ظلام ورطوبة الجدران، وهجُ أفكاره يُعاكس سوء وضعه عندًا صلبًا  بيقين ثابت لا يتزحزح.
   ذُبالة أنفاسه الحرّى تتردّد كموجات صقيع المنخفض القطبيّ. شُحوب خريفيٌّ  استوطن معالم وجهه النّاتئة الهابطة انهدامًا، تبدّلت ملامحه عن صورته تلك المستقرّة في أذهان قارئيه أيّام نشر مقالته اليوميّة في الجريدة الرّسميّة، خفت بريق نجمه مستنفذًا طاقته على مدار سنين مقيّدًا في سجنه.
   لو مشى الآن في أيّ من شوارع دمشق المألوفة له لما لاحظ وجوده أحد، يمرون به ولا يحفلون به، شكله تغيّر تمامًا عس صورته بمئة وثمانين درجة.
   سعالٌ استدامه طوال يوم كامل موشّى بخيوط حمراء، يا إلهي..!! قادتني إلى الشاعر السيّاب الذي كان في مثل حالة عبدالرّؤوف، حينما وصل السيّاب تلك الحالة في مستشفى الصّباح الكُويتي، قال:
(الدّاءُ يُثلج راحتي، ويُطفئ الغَد ... في خيالــــي
ويَشُلّ أنفاسي..، ويُطلقها كأنفاس الذُّبال
كم ليلة ناديتُ باسمك أيّها الموت الرّهيب..
وددتُ أن طلع الشّروق عليّ إن مال الغروب).
   طلع الشّروق ومال الحُزن مع شهيق اهتزّت له الجدران. ذُهول ألجم ألسنة بقيّة النّزلاء معه، انطفأ المصباح المُتوهّج في عالمهم. دموعهم حرّى أحرقت سوط الجلّاد، بلعنات مُستدامة.
   صرخات .. تلو صرخات.. كلّت أيديهم الواهنة من القرع على الباب الصّلد، اهتزّت الجدران والعسكريّ الحارس، لم تهتزّ شعرة واحدة في مفرق رأسه.  في موعد توزيع الطّعام. جاء غاضبًا، مُتسائلًا:
-"مَن الذي كان يصرخ..!!؟"
جميعهم بصوت واحد نزع  داء الخوف من العقاب المُنتظر:
-"نحن"
-"إيه..!! في نيّتكم أن تعملوا إضراب..!!؟".
جماعيًّا بصوت واحد:
-"بكلّ تأكيد.. لا".
-"لكان شو طلبكم؟".
-"مات رفيقنا عبدالرّؤوف، كان بحاجة لإسعاف منذ البارحة".
العسكري بعنجهيّة صَلِفَةِ، فتح الباب:
-"أخرجوه إلى الممرّ.. غدًا في الصّباح تأتي سيًارة التمريض؛ فتأخذه. إذا اشتبهوا أنّه كان مصابًا بالكورونا، احتمال كبير أن  يتّخذوا قرارهم بحَرْق الجُثّة..!!".
   قرقعة الأقفال دوّت في القبو بإغلاق الباب عليهم من جديد. صوت خطوات الحارس آخر خرق للصمت. السّجناء احتسوا مرارة واقعهم. دخلوا في إضراب حقيقيّ.  طعامهم على حاله لم يُمسّ.

عمّان - الأردنّ
ـــا 3 \ 4 \ 2020

إضاءة على رواية فوق الأرض


إضاءة على رواية (فوق الأرض - للروائي محمد فتحي المقداد)
بقلم الأستاذ محمد موسى العويسات- القدس

إضاءة على رواية (فوق  الأرض)
للروائي محمد فتحي المقداد

بقلم - محمد موسى العويسات

نظرة في رواية (فوق الأرض) للأديب الرّوائيّ محمد فتحي المقداد، الطّبعة الأولى، الصّادرة في الأردن لعام 2019. وتقع الرّواية في 256  صفحة من القطع المتوسط، وهذه الرّواية هي الثّالثة للرّوائيّ بعد رواية (دوامة الأوغاد) الصّادرة في عمّان عام 2016، ورواية (الطّريق إلى الزّعتريّ) الصّادرة عام 2018.
قبل أن أبدأ بالحديث عن الرّواية أحببت أن أنقل هذه العبارة التي جاء بها الكاتب في أواخر روايته، والتي وقفت عندها مليّا فراقتني، وعبّرت عن موقف الكاتب الفكريّ ونظرته الثّاقبة، والتي تكشف حقيقة دامغة، اختلفنا عليها على بعدنا من الأحداث، يقول: "لو علم حامل البارودة التي كان يرتجى منها نصر الثّورة أنّها هي التي أصابت الثّورة بمقتلها، حينما جاءته هديّة من عوالم الغيب لتبرير بطش النّظام الثّابت على روايته: (العصابات الإرهابيّة والتكفيريّة)، فماذا يفعل أمام ضميره إذا استيقظ يوما، إذا ما وقف أمام نفسه؟"
(فوق الأرض) العنوان الذي بحث عنه الكاتب عاما ولمّا وجده فرح به وأخذ يصرخ: " يوريكا يوريكا، وجدتها". مقلّدا في ذلك العالم أرخميدس عندما وجد نظريته، وخرج ينادي بأعلى صوته زوجته يوريكا. والعنوان يستوقفك بهاتين الكلمتين الموحيتين، ففوق أنّ العبارة  كانت لازمة لفظيّة تكرّرت في مواقف كثيرة جدّا في الرّواية، تجدها تحمل أو تشي ومن خلال الأحداث بأنّ هناك شيئا محذوفا، قد يجتهد فيه القارئ فيقدّر استفهاما تعجّبيّا: أكلّ هذا فوق الأرض؟!، أو يقدّر: هذا ما يحدث فوق الأرض، أو: مخيف ما هو فوق الأرض، وهكذا يحمل العنوان إيحاءات التّعجّب أو الاستنكار أو العتب على من يسمع بالأحداث أو يراها ولا يناصر الشّعب المظلوم. والأرض هنا لا يقصد منها أرضا بعينها وقعت فيها الأحداث المؤلمة بل تعمّ لفظة الأرض المعمورة كلّها، شعوبا ودولا ومؤسسات دوليّة وجمعيات حقوقيّة وغيرها، يقول: " لكنّ المأساة ما زالت تتفاقم والعالم يتفرّج بأعصاب باردة، فقد كفرت بكلّ المدينة الزائفة المتشدّقة بمبادئ حقوق الإنسان" ، ولا يفوت الكاتب في ثنايا روايته أن يلتفت إلى ما تحت الأرض، التي يخشى أن تكون كما فوق الأرض، فنصّار أحد شخصيّات الرّواية المركزيّة يخشى إن مات أن يكون جاره  في القبر مخبرا، يحصي عليه أنفاسه وينقل أخباره إلى أسياده الذين ما زالوا فوق الأرض. إذن قد يطال الظّلم والتجبّر من هم تحت الأرض، وهذا ما عبّر عنه بتقصّد النّظام محو القبور بالغارات الجويّة لمحو الذّاكرة.
ما الذي كان فوق الأرض؟ أي ما أحداث فوق الأرض التي سجّلتها الرّواية؟ في الواقع الحاضر من الرّواية أو بالاسترجاع واستدعاء الذّاكرة  كان ما فوق الأرض قصّة شعب وقع عليه الظّلم العظيم، حكم بوليسيّ رهيب لا يسلم فيه أحد من مطاردة أجهزة الأمن، بطش ودكتاتوريّة ونهب للثّروة، وهدر دماء أبناء سوريا في قضايا لا طائل من ورائها كما في تدخّله في لبنان ضدّ حكومة ميشيل عون، والتي انتهت بأن أصبح عون حليف النّظام. والفساد طال كلّ مناحي الحياة، حتى المنافقين الّذين يحاولون التقرّب من النّظام أمثال الرّحالة ( فائق) لم يسلموا من الاعتقال والسّجن لمجرد الشّكّ في نواياهم، فثار الشّعب ثورة سلميّة طلباً للتّغيير والحريّة، قمعها النّظام من أول يوم بقسوة وإجرام، طال القمع أول ما طال الأطفال، فكانت اعتقالاتهم والبطش بهم محرّكا لأهل درعا إلى الثّورة، ثمّ كانت المؤامرة على الثّورة السّلميّة، بأن دخل فيها عنصر السّلاح الذي كان في بداياته للتخريب والنّهب والاعتداء، ثمّ تحوّلت به إلى ثورة مسلّحة أعطت النّظام مسوّغا للبطش بالنّاس، فتحوّل بعض رجال هذه الرّواية إلى ما يسمّى الجيش الحرّ، وقُتل الكثيرون، ومنهم القيادات الواعية على ما تريد، خلّفت الثّورة عددا هائلا من المعوّقين، شرّد النّاس وهجّروا من أرضهم إلى مخيمات تتولّاها مؤسسات الإغاثة التي تتبع الأمم المتّحدة رعاية ملؤها الذّل والهوان، هناك من هاجر إلى الغرب، اختفت المعارضة السّورية التي كانت قبل الثّورة، آلت الثّورة إلى مفاوضات هدرت الدّماء وكلّ ما بذل في سبيل الانعتاق من الظّلم. ففي هذه المحاور تدور الرّواية.
  في ثنايا الروايّة يأتي الرّاوي بالحديث عن كيفيّة بناء هذه الرّواية، إذ يتحدّث في بدايتها عن الجوّ الذي كتب فيه الرّواية والعزلة التي فرضها على نفسه ليتمّ العمل، يصف معاناة الكتابة، ومعاناة زوجته معه وصبرها عليه في هذه الأثناء ومعاونته على اعتزال الناس، يتحدّث عن لحظة فرحه بالعثور على العنوان، يطلق على نفسه اسم فطين، ويوحي بأنّ هناك عددا من الأشخاص شاركوه في هذه الرّواية هم أبطال الرّواية، يقول: " من المهمّ لي احترام المواقف بإفساح المجال لأبطال الرّواية الآخرين، سأتأخر خطوتين للخلف بكلّ تواضع، لأستمع جيدا، حتّى آخر كلمة يقولونها، ولن أتدخّل في مسار أحاديثهم، بل أنا مؤتمن منهم على تدوين ما قالوا بكلّ صدق وشفافيّة... والقارئ هو الحكم الوحيد..." وبهذا الكلام يريد الكاتب أن يضع بين أيدينا أحداثا واقعيّة يرويها أشخاص غير متخيّلين كما في معظم الأعمال الرّوائيّة، وإن كان هو من قرّر أسماءهم، إلا (معن العودات) الذي أشار إليه الرّاوي بأنّ اسمه حقيقيّ، إذن هو غير مصطنع للأحداث.  ومن خلال نقله لرأي أحد أبطال الرّواية وهو فاضل السّلمان يبين الكاتب أهمّيّة التّوثيق الكتابيّ للأحداث،  فبدا أنّ هذه الرواية نفسها توثيقيّة، يقول فاضل  السّلمان: " الظروف تملي عليّ حكمها بكتابتها، وعدم تركها تفلت إلى غير رجعة وتضيع مع ما ضاع من حوادث وحكايات ربّما يتوجّب عليّ كتابة الكثير بالتّفاصيل المملّة". ويشير الكاتب إلى أنّه هو من كتب خاتمة الرواية وذلك في سؤال هاني للكاتب فطين: " أنّك فسحت المجال لأصدقائك أبطال روايتك كتابة ما يشاؤون وعلى طريقتهم ... السّؤال الذي يطرح نفسه: ما الأمر الذي جعلك تعود كروائيّ أن تكتب خاتمة الرّواية؟" وهكذا نجد أنفسنا أمام أسلوب روائيّ آخر جذّابا وإن لم يكن جديدا.
بدأ الكاتب روايته بالحديث عن ثكل أمّه بابنها محمّد، ودموعها فهي تبكي وحدها فلا بواكي معها ولا من يهيّج البواكي،  ورفضها أن يذهب دمه هدرا، وأن يستغلّ في التّفاوض، وقد جعل من أمّه وموقفة أنموذجا لكلّ الأمّهات السّوريات. يقول على لسانها: " دموعي غير قابلة للدّخول في مزادات المتسلّقين على الواجهات الإعلاميّة حتى صنع منهم نجوما ملمّعة على أن يكونوا واجهة للثّورة وبديلا عنها وقيادة للمعارضة في وجه النّظام، وأرفض التفاوض عليها وستبقى لعنة للتّاريخ. دم محمد ما زال نديّا في قلبي، والتّراب الذي ارتوى منه أعشب، لو كان لي ألف محمد، ولو كنت في مثل حالة أمّهات فلسطين لجعلتهم جميعا فداء للحريّة، فهنّ مَثَلي الأعلى هنا وهناك"... وتقول أمّه رافضة المفاوضات: " هل سنتفاوض مع من سفك دم محمد؟ فإذا حصل ما قلت وقتها لن أتردد في قبول زواجي ممّن قتل أخاك، ومن تزوّج أمّك فهو عمّك".
اعتنى الكاتب بانتقاء الشّخصيّات والأحداث التي سجّلها لتمثّل الواقع السّوريّ أصدق تمثيل، فشخصيّة أمّه التي ثُكلت بابنها وماتت كمدا تمثّل الأمّهات السّوريّات الثّكالى، في حزنهنّ على ما فقدن، واستعدادهنّ للتّضحية بالمزيد، ورفضهنّ لأن تؤول الثّورة إلى مفاوضات وتنازلات تهدر هذه الدّماء. أمّا نصّار فالموظف الذي يضطر إلى ترك عمله كموظّف ويتطوّع حفّارا لقبور الشّهداء، ثمّ يلتحق بالثّورة بعد مقتل أخيه نادر في أثناء ذهابه للعمل في دائرة كهرباء درعا، ثمّ يلتقي بأصدقائه سعيد وفاضل ومعن ليمثّلوا قيادة الثّورة السّلميّة، ولمّا بلغت به الحاجة المعيشيّة حدّا لا يطاق التحق بالجيش الحرّ ليكون أحد قياداتها ويتخلّى عن فكرة الثّورة السّلميّة. معن كان يمثّل القيادة الواعيّة التي تخطّط لكلّ شعار يرفع بدّقة ولكنّه يقتل برصاص النّظام، سعيد يمثّل الذّاكرة الحيّة لما قبل الثّورة فيروي السّرّ في سقوط اللّيرة السّوريّة ويكشف حقيقة سرقة النّفط وأنّه لا يدخل في موازنة الدّولة، ويروي قصّة فائق الذي نذر أن يزور قبر حافظ الأسد مشيا على الأقدام وما حلّ به نتيجة فعلته الغبيّة ونفاقه الآثم، وقصّة فائق هذه ومن خلال تصوير تناقضه النّفسيّ، تمثّل حالة نفسيّة كان يعيشها معظم الشّعب السّوريّ تمثّل انفصاما في الشخصيّة سببه القمع والرّهبة. وإن كان سعيد يعبّر عمّا خلّفه الصّراع من مصابين وجرحى ومشوّهين، إلا إنّه يحمل دلالة على أنّ قطاعا كبيرا من الشّعب السّوريّ أصبح مشلولا لا يستطيع التّأثير في الأحداث، وأنّ البلاد التي استقبلتهم لم تستطع مداواة جراحاتهم، فقدّمت لهم كراسيّ المقعدين. أمّا فاضل السّلمان فهو الذي يمثّل الجانب الإعلاميّ العاجز أمام الحرب الإعلاميّة التي يشنّها النّظام، والذي اضطر إلى الهجرة إلى روما. أمّا هالة نجم الدّين الفنّانة التي تعيش في إيطاليا وتنشغل بمعارضها الفنيّة، وتكتوي بنار ما حلّ بأخيها وحزن أمّها، فكانت تمثّل المعارضة السّوريّة في الخارج، والتي اختفت في أوروبا وحلّ محلّها المهجّرون. وأمّا حمدة ابنة عمّة نصار التي تعيش مع زوجها في السّعوديّة، والتي أحبّها نصّار وما زال متعلّقا بها ويتغزّل بها، ويرى هالة نجم الدين تشبهها وتحمل لون عينيها بل هي نفسها، فهي تمثّل قطاعا من السّوريين الذين يعيشون في بلاد العرب والخليج العربيّ بخاصّة، وهؤلاء ارتباطهم بالثّورة ارتباط عاطفيّ فقط.
بدا الكاتب حريصا على التّحليل النّفسيّ للشّخصيات من خلال الحوارات الدّاخليّة والخارجيّة، ومن خلال إطلاقه العنان لها في سرد الأحداث، ومن خلال ربطها النّفسيّ بالفضاءات المكانيّة للأحداث.
استطاع الكاتب أن يوظف ثقافته الواسعة باقتباس أقوال أو أشعار أو أحداث أعطت بعدا تاريخيّا إنسانيّا للأحداث. وكانت محطّات استراحة وجذب وإقناع للقارئ. من مثل أبيات من الشّعر لمحمد إبراهيم الحريريّ، أو شعر لأمل دنقل، أو أقوال لتوفيق الحكيم، أو أغنية فيروز (أجراس العودة) أو قصّة صاحب جرّة العسل في كليلة ودمنة وغيرها.
أمّا لغة الكاتب فقد بدت سلسة، فقد جعل بعض الشّخصيات تعبّر عن نفسها باللّغة المحكيّة، من مثل عبارة رجل الأمن الذي اعتقل الطّفل سمير في الرّدّ على استفسار والده، والتي ربّما لا تعطيها الفصيحة بعدها النفسيّ والتعسّفيّ الهمجيّ لو نقلت إليها. وقد كان الكاتب بعيدا كلّ البعد عن الرّمزيّة، حتّى إنّه لمّا أخذ في الحديث عن الجدار الذي يظلّل البحيرة االمحجوب قاعها عن النّور والأكسجين بلغة تصويريّة، أشار بعد أسطر أنّ الجدار يرمز للنّظام. وهذا يُعلّل بحرص الكاتب على واقعيّة الأحداث. ورغم هذا كانت اللّغة التّصويريّة حاضرة حضورا بيّنا فقد كثرة الاستعارات الموفّقة والتّشبيهات الجميلة.
وهكذا نكون أمام رواية توثيقيّة تاريخيّة على قدر كبير من الأهمّيّة. فهي توثيق لا بدّ منه، وكنت فيها من الصّنف الأول الذي ذكره الكاتب بقوله: "والقارئ هو الحكم الوحيد الذي بإمكانه الدّفاع عمّا قرأ إذا اقتنع بالفكرة وناصرها، أو عاداها وفضح زيف كذبها على رؤوس الأشهاد وفي كلّ المنابر المتاحة له". 
القدس  31 آذار 2020

الأربعاء، 1 أبريل 2020

فوائد الكورونا

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

فوائد الكورونا
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

    لا أدري لماذا يأتيني الإلهام، وأتذكّر واجب الكتابة لديّ مع انطلاق صفّارة الإنذار كلّ يوم عند السّادسة، وأتعجّل أمري كأنّ الحظر مفروض على صفحات (الوورد) أيضًا. قلمي المُتِلكّئ استجابة لما يحوك في رأسي من أفكار؛ يتقّظ فجأة مُتدارِكًا تقصيره الذي اعتاده سائر أيّامه وقبل ذلك الحين.
   في صغري جميع المُعلّمين في الصّفوف الابتدائيّة والإعداديّة، لم يدّخروا جُهدًا في تلقيننا المعلومات، حتّى ولو استلزم الأمر استخدام القوّة في كثير من الأحيان، عبارتهم الذهبيّة المُكرّرة على  سمعي على مدار سنوات المقاعد الدراسيّة:
-(لا تُؤجّل عمل اليوم إلى الغد).
    وما زال التأجيل طبعًا لا يتزحزح عن حاله إلى الممات، إلّا في حالة الإلحاح والملاحقة. من فوري فتحت صفحة (الأوفيس). دوّنتُ العنوان متزامنًا مع دخول ابني بطلب لي، قرأ العنوان، فوائد الكورونا.
   باستغراب الدّهشة المفاجئ المخالف لما استقرّ في ذهنه من الحذر وتعليمات الحظر وعدم الاقتراب، ومفهوم الخطر الوبائي الدّاهم, تساءل:
-"وهل للكورونا فوائد برأيك..؟".
   -"بكلّ تأكيد لكلّ شيء فوائد وأضرار. ليس الفائدة بالمرض بحدّ ذاته، بل عرفنا جميعًا من تحذير مخاطره، وإجبار أنفسنا على العُزلة، والعزلة من نتائج المرض".
  هزّ رأسه لا أدري هل اقنع بكلامي، أو سمعني أم لا.. وهل راق له؟. وتابعت:
-"ألا ترى أنّها جمعتنا في البيت بشكل دائم، وهذا الأمر افتقدناه منذ زمان، هموم العيش وصعوبات الحياة فرضت عليّ مثلًا غادرة البيت منذ الصّباح حتّى اللّيل، وكأن الكرة الأرضيّة تشتاق استراحتها من لهو البشر، والسّماء تتوق لدعاء البشر بعد نسيان في متاهات الحياة".
   استغراقي في الشّرح أخذني بعيدًا بتركيز فاصل عن محيطي، وتتراكض الأفكار إلى شفتيّ بتزاحم على الخروج:
-"من أعظم الفوائد يا بنيّ صفاء الجو، واستنشاقنا للهواء النظيف، خاصّة  سكّان المدُن عامّة بمعاناتهم الطّويلة من معدّلات التلوّث الهائلة المهلكة للصحّة، ومُسبّبة لأمراض الجهاز التنفّسي، وتلف الأعصاب، كذلك دعنا نستمتع بنعمة الهدوء من الضجيج العالي المرهق للنفس والقلب.
   من مراقبتي واطلاعي على ما يصلني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كوّنت رأيًا جديدًا. ازدادت دوافع الإيمان وعاد الكثير ممن كانوا ضائعين في زحمة الحياة إلى ربّهم بالدّعاء والطّاعة"
   صحوْتُ من سكرة استغراقي، لأجدني مُوجّهًا حديثي إلى نفسي، شعور مداهم بالتفاهة وأنا أكلّم نفسي، الحمد لله أنّ زوجتي لم تقترب من زاويتي، بكلّ تأكيد لتعاظمت شكوكها بقدراتي العقليّة، لتتأكد شكوها القديمة بجنوني، والحالات المزاجيّة الصعبة التي تأتيني بشكل متباعد. 
  يا لك من ولد شقيّ تركني وحيدًا بلا مبالاة لسماع إجابتي على تساؤلك، أجيال نافدة الصّبر.. عجولة في طلب مقدّرات الحياة بلا تعب وعناء.. ولا جهد ومشقّة، تتخيّل أن هناك من سيقدّم لها كلّ شيء على طبق من ذهب. 
  رجعتُ إلى صفحتي أفكّر من جديد لوصل من انقطع من تسلسل كان في ذهني لترتيب الموضوع. فنحان القهوة على يمني رشفتُ منه تغيّر طعم فمي من مرارة استقرّت به منذ دويّ صوت الصفّارة.   
   ليته استمع لباقي كلامي، لكنّه موضوع وانفتح. سأكمل ما استحضرني من فوائد الكورونا، الأهم على الإطلاق.. تجدّد همّتي إلى القراءات المُؤجّلة من زمان، وتشوّقي لها تَسَاوَق انْغماسًا بمشاغل المعيشة التي لا ترحم من كثرة طلباتها. معظم أرباب البيوت لا يرجعون إلّا وقت النّوم للاستراحة والطّعام، أعمارهم تفنى على صخور جامدة سَحَلَتْ عواطفهم.
   من جديد عاد الولد لشكوى لا تنقطع على مدار السّاعة من أخته. تسلسل أفكاري توقّف عند هذا الحدّ، فَوْرَة غضبي كادت تُودي بآخر تماسكٍ لأعصابي التّالفة أصلًا، لولا استعادة رُشدي في اللّحظة الأخيرة، شعور حنان غامر طغى بقطع سَوْرتي عن هذا الكائن الصّغير .
   استدرتُ بكُليتّي إليه مُحتضنًا جسمه الضّئيل، بَشَشْتُ بوجهه، وقبّلته بحرارة، وأنا أستمع لشكايته ماسحًا لدموعه، استرضيتُه. ومضى إلى شأنه من جديد. رجعتُ عازمًا أن لا أؤجّل إنهاء كتابتي إلى غد، شعوري بالإنهاك الجسدي.. جلوسي لساعات طويلة أمام الحاسوب شاقني للعودة إلى الفراش.

عمّان -الأردن
1 \ 4 \ 2020

إضاءة على لوحة النجمة

إضاءة على لوحة (النجمة)
للفنان التشكيلي عماد المقداد


بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

للألوان واستخداماتها فلسفتها الخاصّة عند معظم الفنّانين التشيكليّين، لتشكيل ثقافة بصريّة لدى المتلقّي، ولإحداث صدمة الدّاهشة من النظرة الأولى، آخِذةً به إلى عوالم بعيدة عن الواقع ساحرة بأفكارها؛ في محاولة لجرّه إلى رحاب اللّوحة؛ ليكون جزءًا من نسيجها وبُنيتها، وهي تكتسب شرعيّتها وألقها من فرط إعجابه، فتتكرّس في ذهنه بأنّها باهرة خالدة. 
وعند عماد المقداد يتخّذ اللّون البنّي وتدرّجاته الترابيّة رؤية عميقة لبدء الخلق ونهايتهم، فمن أديم هذه الأرض نبتت هذه الأجساد، وإليها تعود لتفنى ملامحها الماديّة وهي تتّحلّل وتتفسّخ لتعود ترابًا وفق ترتيباته ذرّات صغيرة لا تكاد بعضها تُرى بالعين المجرّدة.
فكانت لوحة (النّجمة) مُتدرّجة بألوانها تقاربًا ما بين البُنيّ العديدة والأسود والأبيض. يتجلى الكون هنا بليله ونهاره، وهما يتعاقبان على أرضه العامرة بالإنسان ضمن نواميس أزليّة لا تحيد عن مُهمّتها التي خُلقت من أجلها لاستدامة الحياة عليها.
وتشكيلات خطوطها الأبرز هي: دائرة تتوسّط أعلى اللّوحة وفيها يتجلّى وجه كالقمر في ليلة بدره, لون العينان الأزرق  بصغر حجم العين فقد احتلّ مساحة أزرق الكون أجمع (السماء و البحر)، وكأن الفنّان يرسم تشابيه علم البديع باللّون؛ فلم يكن للسماء والبحر وجود في اللوحة، بل استعاض عنهما بلون العينيّن.. ونُقاط بلا حروف كمرتكزات بنائيّة لفكرة الهجائية باحتوائها العلوم كافّة.. يا لها من ذاكرة مُستوطنة دواخل الفنّان عماد في لا وعيه..!!
والدائرة تَشِي في الأذن بأنها قرص الشمس، والقمر، بل الأشمل والأوضح بأنّها الكرة الأرضيّة تسبح في مداراتها من الأشكال الهندسيّة المربّعات والمستطيلات والمثلثات وخطوط مستقيمة ومتوازية، وهناك أشكال موميائيّة متحجّرة على ذاتها، كأنّها مهمومة بوجودها القسري على وجه التراب أو تحته، والحالة الأوضح هي ما يتّضح في أماكن من اللّوحة على أنّها خلايا النحل المعروف بجديّته في الحياة ضمن تجمّعات تكوينيّة دالّة على الجد والأمل والتفاؤل. وهي صفات الروائية عنان محروس المتأرجحة بين الجد والبساطة في حياتها.
فضاءات اللوحة كثيرة ربّما وصل للمتأمّل مثلي بعض ما أرادت أن يصل لي، وخفي عن إدراكي ما استعصى فيما تخفّى وراء فكرتها، أدركتُ بعضًا من فضاء، وضاعت منّي عدّة فضاءات.   
ملاحظة : (لوحة النجمة قدمها الفنان عماد المقداد للروائيّة عنان محروس في حفل إشهار روايتها خُلق إنسانًا في مركز الحسين الثقافي في مدينة عمّان ــا 30/3/ 2019)

عمّان – الأردن
31\3\2019

تأملات قرآنية