الثلاثاء، 31 مارس 2020

قلق كوروني

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

قلق كُورُوني
قصة قصيرة

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

منذ الشّهر الفائت قالها صديقي الشّاعر: "قلق أنا". بعدها لا أدري ما الذي أصابني..!!؟. تفكير دائم استغرقني جلوسًا حبيسًا في قمقم. شارد الذّهن في لا شيء من الصعب تحديد ما هيّته، لم أتبيّن موقفي حقيقة هل من شيء يُنكّد عيشي أو خلافه.
الواتساب يأتيني على مدار السّاعة بسيل جارف من الرّسائل التحذيريّة والوعظيّة والفكاهيّة والتحليليّة والتركيبيّة والتكعيبيّة والرمزيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينيّة. إضافة لمقاطع الفيديو وفيها ما فيها. جميعها سبّبت إرباكات في ذهني، وانخفاض مستوى استيعابي لحدّ الأدنى قريبًا الصّفر. وأغلقت مساحة التّفكير التي كانت تُمكّنني سابقًا من الإفلات هروبًا في ممثل هذه المعامع، رغم أنّي لستُ من خائضي داحس والغبراء.
وكما يُقال: (الفاضي بيعمل قاضي) أو (قِلّة الشُّغل بتعلّم التّطريز)، ما زاد الطين بلّة كرم وسخاء شركات الاتّصالات بإعلاناتها العظيمة: (اشْحنْ خطّك، والدّفع لاحقًا).. كرمها الحاتميّ البارحة جاء مُتجلّيًا في عزّ أزمتي الماليّة والمعنويّة، أرسلوا لي مساعدة لتعزيز صمودي في عُزلة الحجر عشرين (جيجا)، رصيدي من حُزمتي الشهريّة على وشك النفاد. ومُشكلتي الكبيرة إذا انقضت باقي (الميجات) القليلة آخر الاشتراك.
لا أدري كيف أسدي شُكري لهم، لا أعرف وسيلة لمكافأتهم على فطنتهم ودرايتهم في حاجاتي الأساسيّة. فكيف بي إذا انقطعت على العالم الخارجيّ، صمت جهاز هاتفي النقّال عن صفير الإشعارات.. ليس القلق وحده ساعتها ما يستوطنني.. بل ستتقاطر قافلة اليأس والإحباط وقلّة الحيلة، وعلى رأي سميرة توفيق:
-(لا بُوكِلْ ولا بَشْرَب.. بسْ أطّلعْ بِعْيوني).
اختلاطات في ذهني أمغصتني بشدّة في بطني. لم تألُ جُهدًا زوجتي بإسعافاتها الأوليّة لي، صنعت كوبًا ساخنًا من الزعتر البرّي، ومازال الألم مُستمّرًّا.. أتبعته بآخر من الميرميّة. الوضع تأزّم إلى حالة إسهال شديد لم ألحق نفسي بالتناوب على الحمّام كلّ دقيقة. لو لا التزاحم العائلي على هذا المرفق الهامّ الوحيد في البيت، لاتّخذتُ قرارًا سياديًّا بالإقامة فيه خلال هذه الأزمة الطارئة المتآمرة مع حصاري الإجباريّ المعلوم. المحالّ التجاريّة مُغلقة تحت طائلة المخالفة والغرامة والإغلاق. الصيدليّات بداية أغلقت أبوابها في الأيّام الأولى متوافقة مع حالتي الطّارئة؛ تنفيذًا لتعليمات الحظر المؤقّت.
هواجس تحوطني من كلّ جانب تتقاطر تَتْرى مُستوطنة جميع ساحاتي، لتنسدّ كلّ المنافذ أمام عينيّ، أظلم الفضاء.. جُدران الغرفة ضاقت كالقبر ما عاد فيها مُتسّع لي. بحث شامل دؤوب عن حبّة مَنسيّة ضائعة في أسفل كيسٍ مهترئٍ يحتوي على عُلَب أدوية فارغة استخدمناها سابقًا. أوهمتنا برصيدنا القوميّ من الأدوية المُستدام وجودها في العادة كاحتياطيٍّ استراتيجيّ.
لم تستسلم للوضع الرّاهن بضيقه، وقلّة الحيلة. تذكّرتْ أنّها نسيتْ أنّها كانت تُخبّئ حبّة موز للبنت الصّغيرة أثناء وجودها في المدرسة ذاك اليوم قبل أسبوع. وجدت الموزة كأنّها حبّة باذنجان، لبست سوادها حُزنًا على حالي. أطعمتني بيدها الحنونة في مثل هذه المواقف عند عجزي.
ولمّا شعرت أنّ حبّة الموز الواحدة لا تكفي لإمساك مَعِدَتي، أغارت على المطبخ، لتأتيني بعد ذلك بكأس لبن مُثَوّم، شربته على مضض بعد إلحاحها الشديد بإكماله. نفسي تأبى قبول هذه الكميّة بشكل مُباشر. لم تنس سلق حبّات بطاطا، حسب قولها:
-"هذا دواك وعلى الله شِفاك، عليك بالنّوم بعد تناول البطاطا؛ ليرتاح جسمك تهدأ أعصابك".
استجابتي لأوامرها كانت سريعة هذه المرّة، على خلاف ما كان أيّام ما قبل حصار الكورونا، استغربتْ ما لمست فيَّ من مطاوعتي لها، يبدو أنّها لم تشعر بضعفي أمام خبرتها بتطبيبي..!!.
لم تتوقّف قاطرات الأحلام تدفّقًا أغرقتني عميقًا في نوم على جانب واحد لم أتزحزح عنه، شعوري بالخدر الشديد.. أسراب نملٍ تسري من ساعدي حتّى خنصر قدمي. كأشواك الصّبار تملأ جسدي أثناء سَطْوِنا الشقيّ على بيت جيراننا لاقتناص حبّات تتلألأ استواء بلونها الذهبيّ. مخاطرة محفوفة بنخز الأشواك على مدار أيّام، صحوتُ مُعتدِلًا في جلستي، يدٌ حانية ناولتني كأس ماء، لم أستطع رفعها بيدي، بلهفة متسائلة:
-"ما بك يا حبيبي.. بماذا تشعر؟"
-"لا شيء سوى أنّ جنبي مُتيبّس كحطبة، ونَمْل يسري تحت جلدي".
لمسات ناعمة تُدلّكني بحنان، زيت الزيتون سهّل مهمّة انزلاقها على ساعدي، البنت الصّغيرة تصرخ في الغرفة الأخرى، تنادى على أختها الأكبر المستغرقة أمام أفلام الكرتون على التلفزيون. يستمرّ الصّراخ، ويدها لا تتعب من تمسيجي بهمّة.
انقضت هذه المرحلة، وجاءتني بكأس شاي ثقّلتها لمؤازرة الموز والبطاطا، وإعطاء نتيجة مُرضية شعرت بتحّسن.. دبّت الحرارة في جسدي مُجدّدًا.. تناولتُ الهاتف لم أصبر على فراقه طويلًا.

عمّان – الأردنّ
30 \ 3 \ 2020

السبت، 28 مارس 2020

شركاء الكورونا (قصة قصيرة)

(أدب العزلة في زمن الكورونا)


شركاء الكورونا
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

"إنّها للطمأنينة فحسب" بهذه الكلمات أنهى صديقي مكالمته غير المنتظرة بعد انقطاع لأكثر من سنتين، لا أدري ما الذي ذكّره بي في هذه اللّحظة العصيبة. ضيق فُسحة الزّمان والمكان، قلّصت مساحة الدّنيا بعينيّ إلى خُرم إبرة.
تنبيهات الواتساب على مدار السّاعة لا تتوقّف، مقاطع فيديو عديدة لا أستطيع رؤية غالبيّتها، سيلٌ جارفٌ من النّكات.. التحليلات.. كلام الهمبكة. أشياء تأتيني خارج دائرة اهتمامي لا تعنيني لا بكثير ولا بقليل.
ما إن انتهى المؤتمر الصحفيّ على التلفزيون الأردنيّ لخليّة الأزمة، بإعلان عزل مدينة إربد القصبة عن محيطها من القرى المجاورة، حتّى انهالت عليّ الاتّصالات مُستفسرةً عن أحوالنا، وهل ما زلنا على قيد الحياة؟.   
الأزمة مُلك الجميع شركاء فاعلين فيها، الشّركاء تجاريًّا يَدْأبون على تنمية شراكتهم للمزيد من الانتشار والأرباح. سُئلت من صديق مُستغربًا فيما ذهبتُ إليه في معرض حديث هاتفيّ معه:
- "كيف هذا؟."
- "في الحقيقة أنّها جمعتنا أوّلًا على هدف واحد، مقاومة الفيروس مهمّة كلّ فرد فينا بالمحافظة على التعليمات، وأساليب الوقاية بعدم الاقتراب والمصافحة والتّقبيل في اللّقاءات والتجمّعات، ولبس الكمّامات والقفّازّات المطاطيّة، والمسح الدّائم بسوائل المُعقّمات".
تنهّدّتُ من تعب داخليّ مُفاجىء، أنفاسي الحرّى سخونتها أحرقت الأثير المُتباعد مع صديقي المنصتُ لجوابي باهتمام؛ أحسستُ أنّه مُبالِغٌ فيه، وتابعتُ بعد استرخاء أعضائي بارتياح:
-  " هذا على صعيد، أمّا الخوف أعادنا لطبيعتنا البشريّة المغامرة اللّامبالية، والقلق على مصائر أولادنا وعائلاتنا، والحجر داخل البيوت والتزامنا فيها، أتى طوْعًا بدافع الخوف من العدوى".
- الآن فهمت قصدك يا صديقي..!! رغم أنّي أعرف هذه الأشياء البسيطة، لكنّها كانت غائبة عن ذهني، كما أنّي لا أستطيع ترتيب أفكاري بطريقة عرضك لتكون موضوعًا يحمل فكرة، أرى أنّها توجيهيّة".
- "أشكرك.. كما أنّ العالم تقارب في مُستويات الخوف التي لم تَعُد نصيبنا نحن العرب فقط، بل الهلع في الدول المُتقدّمة لأوّل مرّة بهذه الطّريقة، رغم إمكانيّاتهم الماديّة التي تفوقنا بآلاف المرّات، شعوري الآن أنّ قدراتهم النوويّة والعسكريّة وقفت عاجزة، كما نحن لم نقف متفرّجين مُظهرين عجزّا أبدًا، انظر للمبادرات هنا على مستوى المملكة، وقوّة زخمها بجديّة وحزم على تنفيذ العزل ولو كان ذلك بالقوّة، وهذا كان سبقًا لا مثيل له منذ بداية اكتشاف أوّل حالة كورونا في البلاد من القادمين الذين كانوا على سفر في الخارج".
داخلني شعور بتراخي اهتمام صديقي على الجانب الآخر.. تنحنحتُ كأنّ حازوقة غصّ بها حلقي، لإشعاره بتعبي، من فوره بادرني:
-  "سلامات.. سلامات.. يبدو أنّي سبّبتُ لك التّعب سامحني.. إلى اللّقاء".
-  " بأمان الله.. إلى اللّقاء".
سأكمل كلامي ولو لنفسي..!! لأبرئها أمام التّاريخ فيما لو عادت المرحلة لا سمح الله:
-  "حالتنا الآن كأصحاب السّفينة التي خرقها الخضر في رحلته بصحبة نبيّ الله موسى المُتعجّل بالتوقّف عند ظاهر فعل الخضر عليهما السّلام، رغم تنبيهه المُشدّد لموسى بعدم استطاعته، وتأكيد من نبيّ الله بالصّبر مهما كلّف الأمر.. تعجّل استخلاص الحكمة من أفعال الخضر، يبدو أنّها كانت درسًا بالصّبر والتأنّي.. اليوم نتلقّاه كما نبيّ الله موسى. لكن بالتزامنا بالأوامر بُغية صحّتنا..!!".
إنّها للطمأنينة فحسب..!! خاتمة أوّل اتّصال وردني، ربّما كان لتذكيري أنّني مَدينٌ له بمبلغ ماليّ صغير، أعتقدُ أنّ خوفه هذه المرّة مُبرّر، ظنًّا منه بموتي.. وإنّ أكثر الظنّ ليس بإثم.. على خلاف حالة الخوف العامّ على كلّ المُستويات.
كثيرون تتوقّف مصالحهم الصّغيرة أمام معركة الحياة الكُبرى، كمن يُحاول وضع العُصْيِ في العجلة مَنعًا لتحرّكها وتوقيفها من جديد عند أنانيّة مُفرطة. التّعامي عن التضحيات العظيمة للشّعوب أمام الخطر الدّاهم.
بعفويّة بسيطة أغلقتُ الهاتف، هذا القدّر يكفيني هذ اليوم.. أتْخِمتُ كلامًا مُكرّرًا بلا طائل سوى إضاعة الوقت، رجوعي إلى قراءتي رواية (رسمتُ خطًّا في الرّمال – هاني الرّاهب) هو الحلّ الدّائم. 

عمّان – الأردنّ
27 \ 3 \ 2020

الخميس، 26 مارس 2020

صفارة الكورونا (قصة قصيرة)

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

صفّارة الكورونا
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتي المقداد

ارتجّت الجهات الأربع على حين غِرّة، جفلت أعصابي.. للحظة انْخطّف عقلي مُتوقّفًا عن التفكير بأيّ شيء على الإطلاق، صوتٌ صادمٌ لم أتبيّن مصدره.. قويٌّ خُيّل لي أنّ مُنطلَقَه داخل أُذُنيّ، اهتزاز الرّعبة أرعشَ كافّة أعضائي.
ساقايَ لم يعودا يحتملان ضآلة جسمي الهَزِل.. هَمَمْتُ بافتراش الرّصيف.. وقْعُ أقدام تتراكض  من مسافة ليس بالبعيدة.. أصوات ولغط لم أتبيّن وجوه أصحابها.. الظلام ينشر أرديته السّوداء مُستعجلًا طرد آخر ذيول النّهار.
صوت واضح مُخاطبًا أحدهم نه:
-"صفّارة الإنذار".
هدأت ضربات قلبي المُتسارعة. أنفاسي استعادت تدفّقها الطبيعيّ في الاتّجاهيْن.  استقرّ توازني كعادته.. حثثتُ الخُطى بالوصول إلى البيت، أتطلّعُ إلى السّاعة:
-"أوه..!!.. إنّها السّادسة، ما الذي أنساني الموعد الذي ردّدته زوجتي والأولاد مرارًا قبل خروجي من البيت لشراء بعض الخبز والخضراوات؟. وما سأفعل مع طابور طويل اصطفافًا على الدّور.. الوقت محدود.. وطالب الحاجة أعمى".
وصل المُتراكضون قريبًا منّي، أحدهم استعجَلَني مغادرة المكان بسرعة:
-"الدوريّات تملأ الشّوارع لتطبيق حظر التجوال على المخالفين.. يا عم!!".
منذ سنوات طويلة لم أسمع هذه النغمة الطويلة المُرعبة بوقعها على نفسي، تتشابه الأزمات بمعطياتها.. وتختلف بمُخرجاتها.  مرحلة الوباء هذه حربٌ حقيقيّة عليه.. جهود إدارة الأزمة عظيمة تستديم اللّيل والنّهار؛ لإيقاف المدّ والحدّ من انتشاره المُتربّص بنا ببطء، خلافًا لاجتياح المغول الخاطف السّاحق. قاتل الله المغول وأيّامهم..!! ما الذي جلب ذكرهم على بالي؟. 
لا.. لا الكورونا هذه الأيّام لا تُصدّق.. قيل أنهم كانوا يذكرون المغوليّ خُفية في أنفسهم؛ فيفتحون الباب؛ ليجدوه واقفًا مُتهيّئًا لاقتحامه بهمجيّته المعروفة.
في حرب الثلاث والسبعين وقت رمضان، كنتُ طفلًا صغيرًا في الصفّ الثالث.. الآن تآكلت ذاكرته بعد أكثر من أربعين عامًا، لم يبق منها إلّا الخوف المزروع فيه أصلًا من حكايا الغولة، وكلب الحديد الذي يأكل الأولاد المُشاغبين لأمّهاتهم، والشّرطي الذي أتى وأخذ من الحارة من لم يلتزموا بنصائح وتعليمات الجدّة. وما تسلّل ليستكنّ في قلبي من تحذير عموميّ.. إذا كان الكلام يخصّ شيئًا من شؤون الدّولة، يقولون:
-"اسْكتوا للحيطان أذان..!!".
ياااه..!! كأنّي ذهبتُ بعيدًا في متاهات، الصّوت شتّتني مِزَقًا في مجاهل الذّاكرة البعيدة أيّامها نصبوا صفّارة إنذار يدويّه على سطح الحمّام الرّومانيّ الأثريّ وسط القرية الملفوفة بالهدوء قُبالة مركز الجيش الشّعبيّ، لا ضجيج  سيّارات ولا هدير محرّكات. منذ أن أدارت يد خليل قصير القامة ضئيل الحجم، للآن لم أزدد إلّا عجبًا لتساؤل منذ ذاك الوقت، وما زلتُ بلا إجابته: "سبب اختيار شخص لمثل هذه المُهمّة بهذا المواصفات؟، وما إن يرتفع ساعده للأعلى لتدوير الجهاز المنتصب على ثلاث قوائم.. ترتفع قدماه على رؤوس أصابعه. وجهه الصّغير الضّعيف يزداد احتقانًا.. اسودادًا.. ازرقاقًا.
شدقاه مُنتفخان بالهواء يختزنه فيهما؛ ليستطيع فَتلْ (المانويل) يُدوّرَه باستمرار لبضع دقائق؛ لتعمّ بسوء طالعها أرجاء القرية وتتبارك الأسماع بزعيقها المُؤْذِنِ بالموت القادم. حذر .. ترقّبٌ.. غارات الطيران الإسرائيليّ قادمة.. الله وحده أين ستصبّ غضبها..!!.
نتأهّب على سطوح المنازل بصدور عارية مُتابعين حركة ومناورات الطائرات إذا ما حدث. مثل ذاك الاشتباك الذي رأيته ما زال ماثلّا شيئًا منه في ذاكرتي.. صراع بين الفانتوم والميغ  17.
صافرة الدوريّة تقترب من موقعي.. لو أنّ الأرض تنشقّ، وتبتلعني كي لا أكون في عِداد خارقي الحجر الصحيّ اللّازم في البيوت، فالحجز والسّجن نتيجة حتميّة مع تراخي خًطواتي التعبى من الوقوف لساعات أمام المخبز.
أسعفتني المسافة القصيرة بالوصول إلى نهاية الشّارع، وسلوك زواريب ضيّقة تمهّلتُ خُطواتي.. شهقتُ بنَهمٍ نَفَسًا عميقًا.. صوت صافرة الدوريّة جاوزني بمسافة آمنة.
لابدّ من سيجارة تُكلّل رحلة العذاب.. رفعتُ الكمّامة القماشيّة الزرقاء الخفيفة، سحُب الدّخان انطلقت من فمي عزلتني بحاجز كثيف زاد من غبَش الغروب. اطمأننتُ أن لا أحد يراني أخافه هذه المرّة. أنزلتُ أحمال الأغراض  والمُؤَن من يديّ على الأرض، لفرك أذنيّ من الصّمم المؤقّت. 

عمّان – الأردنّ
26 \ 3 \ 2020

الأربعاء، 25 مارس 2020

نافذة على كورونا (قصة قصيرة)

(أدب العزلة زمن الكورونا)
نافذة على كورونا
قصة قصيرة

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

ما إن صدر أمر حظر التِّجوال المُتوقّع لضرورته القُصوى؛ منعًا من تفشّي الوباء على نطاق واسع، خوفًا من خروجه عن دائرة السّيطرة كما حدث في إيطاليا؛ فسيكون مالا تُحمَدُ عُقباه.
كنتُ أحدّث نفسي بهذا الأمر، وأتمنّاه على أصحاب القرار أن يفرضوه. لم أتفاجأ عندما أخبرني الأولاد به، الذين تركوا هواتفهم لمتابعة الأخبار على القنوات المحليّة، تلبّسهم الخوف.. تحذيرات مُتتالية، غسل الأيدي بالصّابون لمدّة عشرين ثانية، عقب كلّ مُلامسة لأيّ شيء، عبوة (الهايجين) حازم لم يستغنِ عنها بجانب رأسه وقريبًا منه على الدّوام، وكان يضعها في جيبته أينما ذهب قبل فرض الحظر في البيوت. كلّ قليل يصبُّ منها نقاطًا على يديْه، ويفركهما ببعضهما.
تروقني حركاته الروتينيّة بهذه السّلاسة، لكنّه لا يتردّد في إبداء استيائه من ريم أخته الصّغرى عندما تمتدّ يدها إلى عُلبة (الهايجين) الخاصّة به دون استئذان منه، ويصرخ بأعلى صوته، إذا امتّدت يد أحدهم إلى كأسه المُخصّصة لشرب الماء، وكذلك المنشفة القطنيّة.
بدوري لا أتردّد بالتدخّل كما الأمم المُتحّدة بإرسال جنودها ذوي القُبّعات الزرقاء إلى  بؤر النّزاعات المُصطنعة في العالم بمباركة دوليّة. أضحك من أعماقي المُتعبة المكتئبة، وأنا أُمثّل دوري بفضّ الخلاف المُفتعل بين حازم وريم، مُتدّخلّا بصلاحيّاتي.. استنادًا لما أمثّله كربّ أسرة، المُتماثلة مع صلاحيّات المنظّمة الأمميّة، بقرار فوريٍّ منّي مُترجَلٍ بلا تخطيط ولا مُوافقات بالأغلبيّة الخاضعة للتصويت ظاهرًا المُتوافق مع توجّهات الدّول العظمى.   
يعمّ الهدوء المكان لبعض لحظات وتُنسى مشكلتهم، لنتراكض إلى الشّبابيك مع سماعنا لصفّارة سيّارة النّجدة، ويعلو صوت مُكبّر الصّوت فيها على شخص كان يمشي عند منعطف للطريق الرّئيسة، أعطى ساقاه للريح هروبًا، الدوريّة تتّجه بسرعة فائقة باتّجاهه، اختفى كومض البرق بين دروب وأزقّة الحارة العديدة.
الشُّبّاك نعمة كبيرة في مثل وضعنا، رغم شفافيّة البلّلور  يبقى حاجزًا لانطلاق البصر في جميع الاتّجاهات، ويصعب إخراج الرأس خارج نطاقه، إلّا بإزاحته وفتح الظّرفة مع الخارجيّة ذات الشّبك الخفيف المانعة للنّاموس والذّباب صيفًا.
أوه..!! يا إلهي.. تراكم المُختزَن القديم  في خيالي.. توارد أفكار أخذني بعيدًا، لذلك السّجين الذي يُزاحم زميله على النّافذة الصغيرة لرؤية الوجوه القادمة من الخارج، لعلّه يرى فيها أملًا قادمًا من الخارج، علمه يقينًا أن لا أحد يأتي لزيارته. سنوات حُكمه المؤبّد حصدت ما تبقّى من عمره مع والدته. آخر من كان يزوره في هذه الدّنيا.
 أيّام خدمتي حضرتني جلسة جمعتني بعسكريّ استُدعي للخدمة الاحتياطيّة المؤقّتة، لا أذكر ما هي الأزمة التي استنفرت قوى الجيش السوريّ فيها لاستدعاء المدنيّين، وتعبئة النّقص المُتوقّع في الكوادر التي تُكلّف في مهمّات لوجستيّة ذات طبيعة حربيّة.
وضاءة وجهه المُدوّر ما زالت تتلألأ في مُخيّلتي وما بَهُت وهَجُها، نبرات صوته تأتيني من مسافة  أربعة عقود، مع اهتزازة من رأسه، وهو يشير للقمر حامدًا لله بصوت مرتفع لنسمعه. يُعلمّنا درسًا بليغًا في رؤية الوجود من حولنا بنعمه العديدة، وأظنّ أنّ ألفة الأشياء تجعلها عاديّة في نظرنا؛ فإذا افتقدناها.. يبدأ بحثنا عن قيمتها بشكل حقيقيّ. وقال:
-"أيّام الاعتقال كنَّا نتناوب على رفع بعضنا لدقيقة واحدة على الأكتاف؛ ليتوازى نظرنا مع الكُوّة الصغيرة المُتساوية بارتفاعها لسطح الأرض فوقنا، لم نكُن لنُفوّت رؤيتنا لضوء القمر، فُسحة عظيمة لنا تأخذنا بعيدًا إلى أهلنا، وتُحرّقنا أشواقنا لهم، وأشدّ ألمي وأنا أتصوّر أمّي ودموعها، وحُزنها الدّائم عليّ، وفي كلّ يوم عند قرع الباب كانت تتوقّع من يأتيها بخبر يريح قلبها المحزون".
نظرتُ إليه مليّا، مـتأمّلًا قسماته الفرحة بالحياة، وللغبيّ مثلي بسؤال الجاهل:
-"وماذا يعني كان يعني لكم وقتها.. وأنت تحت الأرض في السّجن؟ ها نحن نراه سويًّا الآن..!!".
ضحك طويلًا واصبعه تشير للقمر.. بعد هذه المُدّة الطويلة أرثي لحالي وقتها أمام ذلك الشّاب الذي كان يكبُرني بسنوات تتعدّى العشر. وتابع:
-"مواضبتنا الدوريّة لمراقبة القمر.. نُحسّ منها أنّنا مقيمون على قيد هذه الحياة.. والعالم في الخارج لم ينمح.. قطار الحياة يسير.. النّاس فوق مشغولون بأعمالهم وصراعاتهم وأفراحهم وأحزانهم، كنّا نرجع بعد هذه الحفلة نحتسي آلامنا.. نلعق المِبرَد الخشن فتُدمى ألسنتنا، وتتورّم شفاهنا، نخرج من إسار الجُدران الصّلبة الكئيبة برطوبتها، أنا من جهتي كنتُ أتلمّس أعضائي واحدًا تلو الآخر، ونبضي عالٍ رغم انخفاض درجات الحرارة، التي ترتفع على وهج أنفاسنا المُتوقّدة لممارسة البقاء". 
استرسالي البعيد في مجاهل الذّاكرة على وقع صمت الغُرفة أمام حاسوبي. حالة العسكريّ ذاك تُسيطر على مشاعري، صراخ حازم وريم الذي لا ينتهي، كسر قيود حواجزي العديدة، لأتوجّه إلى الغرفة الأخرى لفض الاشتباك النّاشىء. ودوري لا يعدو أن يكون كالحَكَم في مصارعة الدّيكة.

عمّان – الأردنّ
25 \ 3 \ 2020

قراءة في رواية (طواحين بيروت)

(أدب العزلة في زمن الكورونا)
قراءة في رواية (طواحين بيروت) للروائي\ توفيق يوسف عوّاد
           بقلم الروائي \ محمد فتحي المقداد
)اختارتها منظمة الأونسكو العالمية هذه الرواية في سلسلة "آثار الكُتّاب الأكثر تمثيلًا لعصرهم" وقد شرعت بترجمتها إلى اللّغات الأجنبيّة، وقد صدرت الحلقة الأولى - الترجمة الإنكليزيّة - عن دار هايمان في لندن 1976بعنوان "Death in Beirut")

بالتوقّف في عتبة الثقافات للمجتمعات تتبدّى حالة عجيبة من الفسيفساء الاجتماعيّة ذات التكوينات الإثنيّة والدينيّة، والطّائفيّة، والعادات والتقاليد وطرائق العيش المختلفة، في مكان جغرافيّ ربّما يتّسع أو يضيق، وهو المُحتَوي المُغلّف للصّراعات التي تجري في بطنه.
القراءة نعمة لذيذة كالأكل والشّراب والهواء، ضرورة للعقل، دائمّا ما أشعر بتعفّن عقلي عند ابتعادي لفترة ولو قليلة عن الكتاب. ومع ظروف الحجر العزل في البيوت من وباء الكورونا، فقد أنهيت مشروعي المؤّجل منذ فترة، في قراءة رواية (طواحين بيروت) للروائي اللّبناني (توفيق يوسف عوّاد). العنوان دلالته واضحة تُستخلص من خلال طيّات الرواية، فلو كان الأمر مخصّص بكلمة طاحون، لكان الكلام ربّما يأتي تراثيًّا، ولكن ورد بالجمع (طواحين). بالعودة إلى القاموس نقف على حقيقة الكلمة ودلالاتها قبل الخوص في تفاصيل السّرد الروائيّ: [طحَنَ يَطحَن ، طَحْنًا، فهو طاحِن ، والمفعول مَطْحون وطحين. طحَن الحَبَّ: صيَّره ذرّات دقيقة، سحقه بشدّة حتّى جعله ناعمًا، طَحَنَتِ الْحَيَّةُ: اِسْتَدَارَتْ، طحَن الطعامَ بأسنانه: مضغه بشدّة، طحن الناسَ: أهلكهم، طحنتهم المنون / طحنتهم المَنِيّة / طحنتهم الحرب: أهلكتهم وأفنتهم].
تعدّد المطاحن في بيروت والطّاحنين، تتبدّى لنا المأساة بحجمها أمام تحدّيات أكبر بكثير من حجم لبنان الجغرافيّ المحدود.
أعتقد جازمًا أنّ الطّواحين اتّضحت ماهيّتها بعد الانتهاء من قراءتي، فالطائفيّة المميّزة للمجتمع اللّبناني المُشَكّلَة لنسيجه المتآلف على مدار تاريخه، السياسة وتُجّارها لعبوا دورًا قذِرًا في تفتيت هذا النّسيج المتآلف منذ فجر التّاريخ، وجاءت القضيّة الفلسطينيّة لتكون أحد المؤثّرات بنتائجها بعد سنين، بعد إنشاء منظّمات الثورة الفلسطينيّة المُتعدّدة التوجّهات والولاءات والانتماءات الفكريّة بمرجعيّاتها المتنافرة بتناقضاتها العميقة. وهي مرحلة العمل الفدائيّ التي كان لها الأثر الأكبر في حياة لبنان، ما بين مؤيّد لها ومعارض، ومناضل صادق، ومنافق مُتسلّق، وجاسوس مُتخفٍّ مُتربّص باقتناص لحظة لإخماد خنجره المسموم في جسد القضيّة.
فالطواحين هي التحدّيات الكبيرة الآنفة الذّكر، إضافة للموجودة أصلًا منها التحدّي الجغرافي المتمثّل بصغر مساحة لبنان، بجوار سورية الوطن الأمّ له، والتحدّي الآخر على حدوده الجنوبيّة العدوّ اليهوديّ المُتربّص على مدار السّاعة، وهجماته الدّائمة على القرى الجنوبيّة، وتكلّل أخيرًا بالاجتياح الاسرائيليّ لبيروت العام 1982م.
والتحدّي الأهمّ هو الاقتصاديّ، فمساحة عشرة آلاف وخمسمئة كيلومتر مربعة لا يمكن أن تبني حالة اقتصاديّة متكاملة زراعيّة وصناعيّة، تكون قاعدة لتحرير القرار السياسيّ المُرتهن بالخارج بشكل دائم منذ إنشاء جمهوريّة لبنان.
***
الرواية (طواحين بيروت) عملت كرسّام معماريّ ماهر أخذ مقطعًا رأسيًّا للمجتمع اللّبناني، فمن يجلس في الأعلى تكون الرؤية عنده واضحة بشموليّتها، وهذا ما مثّله الروائيّ (توفيق يوسف عوّاد).
فقد سلّط الأضواء السّاطعة على الزوايا المُظلمة، وفضح المسكوت عنه، بلغة روائيّة حكائيّة وسرديّة أدبيّة سلسة مفهومة، مع إدخال الكثير من الكلمات المحليّة المحكيّة باللهجة العاميّة كما هي منطوقة في الواقع.
وتصاعد الصّراع في أحداث الرّواية بداية ما بين مجتمع الرّيف الفلّاحيّ المحافظ على عاداته وتقاليده، في طريقة عيشه في بيوت أقرب إلى البساطة والكفاية من أجل حياة كريمة تستند إلى الكفاف. كما بيّن أسباب الهجرة من الرّيف إلى المدينة بدوافع اقتصاديّة بحته بحثًا عن العمل، وبيع منتجات القرى، والفقر الذي دفع بكثير من الآباء للدفع ببناتهم الصّغيرات للدفع بهنّ للعمل كخادمات عند أهل المدينة في بيروت من الأسر الميسورة، مقابل ليرات قليلة يقبضها الآباء في نهاية كلّ شهر، لكنهم أغمضوا أعينهم عن الانتهاكات التي تحصل للبنات هناك، والموت بالمرصاد لمن تظهر عليها أعراض الانتهاك والاغتصاب، لغسل الشّرف والكرامة كما يدّعون، وهم أضاعوها بأيديهم، وألقوا التّبعات على بناتهم، ولم ينتبهوا للفقر..!!(الفقر مقابل الشّرف).
أمّا مجتمع المدينة فهو خليط عجيب غير متجانس جمعته جغرافيّة العمارات العالية بشُققها العديدة في الطّابق الواحد. لا أحد يعرف أحدًا.. ولا يسأله من أين أنت؟.. ولا ما الذي تفعله..؟. وتسليط الضوء على الزيجات المدنية المختلطة ما بين مختلفي الدّيانة.. وعدم تقبل المجتمع الريفي لهذه الظاهرة، والمشكلة الأعقد هي القانونيّة لمثل هذه الزّيجات، فيضطرون للهروب أو السّفر خارج لبنان لعقد زواج مدني غير ملتزم بدين لأحد الزوجين.
أمّا موضوع الهجرة إلى دول أفريقيا، وهي الهجرة الثانية للبنانيّين بعد الأولى للأمريكيّتيْن. وما صاحب ذلك في كلا الحالتيْن، من اختلالات اجتماعيّة، عادت على قسم من المهاجرين بالثّراء الفاحش الذي لم يسأل أيًّا منهم عن المصدر .. من أين لك هذا..!!؟. إضافة لترك الزّوجات والأولاد لسنوات طويلة كما حدث لأسرة (تامر نصّور) الذي هاجر إلى غينيا تاركًا زوجته الشّابة وولدين وابنة، وما صاحب ذلك من انحرافات أخلاقيّة عن الأولاد والبنت، وكان الدم هو الذي يغسل شرف العائلة.
كلّ هذه المستجدّات التي عالجتها الرّواية في حقيبة منتصف السّتينيّات من القرن الماضي، وما رافقها من ظهور سلطان النّقابات العماليّة، ودور الجامعات واتحادات الطلّاب. والمدّ القوميّ على أشدّه على السّاحة العربيّة، ولكنّه في مثل حالة لبنان الرّخوة سياسيًّا، أخذ أشكالًا كانت أقرب إلى الانفلات ومنها من لجأ إلى العسكرة متأثّرًا مع ظهور العمل الفدائيّ بعد السبعينيّات.
السّياحة أحد أعمدة الاقتصاد اللّبنانيّ المنفتح بلا حدود، حتّى يظنّ المراقب أنّه انفلات بلا حدود، فانتشرت شبكات تجارة الجنس والمخدّرات وغسيل الأموال، وشكّلت (كارتلات) ضغط اجتماعيّة وسياسيّة غيّرت البنية الأساسيّة للشعب اللّبناني.
في عالم اليوم لا يمكن أن تكون فكرة الانعزال والاستغناء عن المحيط الجغرافي بذات فائدة؛ فالعلائق والارتباطات لها تداخلات، فالسياسي مرتبك بالاقتصادي، وقراره مرهون بحالته الاقتصادية. والتّاريخ سيقول كلمته على أنغام سيمفونيّته الجغرافيّة. لبنان مسرح صغير لا يحتمل لعب اللّاعبين المتنافسين على أهدافهم المتناقضة، وساحة محدودة لا تحتمل المُتراشقين بأسلحتهم دون إصابة الأبرياء، وتعميق جروحهم، وتعميم المأساة لتكون طامّة كبرى تقلب الثوابت، وتُلبس البلد لباسًا غير لباسه.
عمان – الأردن
24 \ 3 \ 2020

السبت، 21 مارس 2020

تقديم لرواية (البطشة الكبرى)

تقديمي لرواية (البطشة الكبرى) للكاتب والباحث (نصر عبدالله عثمان المقداد)

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

في زمن الانحدار الحضاريّ غالبًا ما تتّجه الأنظار والرُّؤى عوْدًا على بدء إلى الزّمن الغابر؛ للتغنّي بسالف الأمجاد والانتصارات، بمغادرة أرض الواقع ذهابًا إلى دائرة (كان)، بدل معالجة الواقع للخروج برؤية تزاوجيّة بين الماضي والحاضر، لتكون جسر عُبور للمستقبل.
وفي مثل هذه الأوقات ما تتعلّق الأنظار الملهوفة إلى مجيء البطل المُخلّص، أو حصول معجزة تكسر قالب العجز في الفعل الحضاريّ، وإذا حقّ لنا وصف ذلك بالهروب إلى الأمام؛ لتجاوز عنُق الزّجاجة، أو ربّما بدفن الرأس في الرّمال والتّعامي عن معالجة ذلك برؤية للخروج من المأزق.
 وبالتوقّف على حالة الأستاذ (نصر عبدالله المقداد) الباحث في قضايا إسلاميّة مهتمّة بقضايا الأمّة، فقد أصدر بحثيْن فكريّيْن مطبوعين، جاءا على درجة من الأهميّة بتطبيقاتهما على الواقع، وهما (الخلافة المقدسيّة) و(الفتن في القرآن الكريم). وله العديد من الأبحاث المخطوطة في مجال الفتن والملاحم.
وجاء عمله الروائيّ(البطشة الكُبرى) والمأخوذ عن الآية الكريمة: (يومَ نبطشُ البطشةَ الكُبرى، إنّا مُنَتقِمُون). ويأتي هذا العنوان ليكون عتبة الرواية بدلالته القويّة الظّاهرة والخفيّة، ليضع القارئ في دائرة القدرة الإلهيّة التي تتجاوز الزّمان والمكان، وقدرات العقل على التخيّل.
تعتبر الرواية قفزة نوعيّة باستشراف وقراءة المستقبل، بعين ثاقبة دارِيَةٍ بما سيكون عليه، وهذا الحدس المُتولّد عن الذّات الواعية، المُكلّلة بالقراءات والدراسات البحثيّة، التي أفسحت المجال لاتّساع الرّؤية ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعمل تسوية سرديّة من خلال حدث روائيٍّ استوعب ما ذهب إليه الباحث (نصر المقداد) من تسوية تقاربيّة ما بين أقانيم الزّمن.
في البداية نوّه المؤلّف، إلى أنّ: (جميع شخصيّات الفصلين الأخيرين، هي شخصيّات حقيقيّة، أمّا بطل الرّواية، والأبطال الثانويّين فهم شخصيّات مزيج بين الواقع وخيال المؤلّف). ولكي لا يتركنا في حيرة التّخمين، فقد فتح لنا الباب المُوارب على مِصراعيْه، ليخبرنا بحقيقة الأمر.
يعني ذلك أنّ الرواية تُصنّف أدبيًّا ما بين المدرسة الواقعيّة والخياليّة، من خلال الخلطة الروائيّة المشوقة لمتابعة القراءة، باستقراء دقيق مُتقن مُركّز على إعادة دراسة وتأويل الأحاديث النبويّة الشّريفة، استنادًا على توافقاتها مع بعض الآيات الكريمة، وعمل إسقاطات تاريخيّة لصنع تقاطعات من المعلومات التي تشّكل سدى ولُحمة رواية (البطشة الكُبرى).
وفي قول مُقتبس من كتاب (سكوفيلد- النبوءة والسياسة) في مقدمة المؤلّف: (عامًا بعد عامٍ، سوف يصل عالمنا إلى نهايته بكارثة ودمار، ومأساة  عالميّة نهائيّة). فكانت النتيجة حسب نظرة الباحث والرّوائي (نصر المقداد) أنّ: (مُصارع القدر مغلوب)، (انقطاع الزّمان)، و (حَدَثَ غدًا). ويُخبرنا بأن بطل الرّواية (مُهاجر)، والاسم دالّ على الهجرة والاغتراب عن الأهل والوطن في سبيل نصرة الحقّ، ومحاربة الباطل.
(لذا يرفض (مُهاجر) أن يُصرّح من أيّ بلد هو. أو من أيّ مدينة أو قرية، فلم يعُد لتحديد ذلك أدنى أهميّة تُذكر؛ فالمصير واحد، والنّهايات واحدة، وسُنن الله في الكون لا تُحابى ولا تُجامَل، ومهما تعدّدت الأسماء الجيوسياسيّة للأوطان المُعلنة فلن يتغيّر القَدَر المكتوب).
(نعم، نحن نعيش الآن في مرحلة "انقطاع من الزّمان"، هكذا يحلو لـ"مُهاجر" تسمية هذا الزّمن، الذي أطبقه عليه بعد أن مرّ بتجارب صقلت معارفه، ووسّعت مداركه، حتّى أصبح يرى الغد بعيون الحاضر، وإذا حدّث عنه فإنّه يقول بيقين: "حدَثَ عدًا"، وكأنّه أوتي فراسة نورانيّة، قد يُسمّيها البعض بـ"الحّاسّة السّادسة").
وقد نقلنا الروائي إلى موضوع مهم له خطّه الأساسي الواضح في مُنعرجات السّرد الرّوائيَ، بنظريّة أسماها (الإسكاتولوجي)، وحسب المؤلِّف فهي مصدرها العلوم التاريخيّة، وينتج عن ذلك: (فأعطاه هذا العلم الفراسة، وأكسبه الحياديّة المميّزة للحقائق، ودلّه على أهم مفاصل الخارطة المُستقبليّة للأحداث، وعلّمه على أبرز أسرارها، فكانت فلسفة استقرائيّة استشرافيّة متينة، بلورتها، وصقلتها رحلته الفريدة عبر الزّمن إلى الغد). ويُعقّب المؤلّف مُردفًا: (لا أقولُ عن الإسكاتولوجي، بأنّه علم استقراء المُستقبل، بل معرفة طرق استقراء ما يُحاك في كهوف الظّلام، لأجل صناعة المُستقبل).
وبقدر الفجوة الفاصلة بين حاضرنا وزمان الرّواية، فإنّها تتّسع الهُوّة في ذهن القارئ للرواية، بين مكانه المعلوم المنظور, وزمانه الذي هو فيه، إلى عوالم وأزمان بأماكن مجهولة، تجعل تصوّرها صعبًا في الذّهن. وستكون الرواية لبنة في عوالم المُستقبليّات، لا ندري شيئًا عن إمكانيّة تمثّلات تحقّقها، كما تأكدّت في ذهن الروائيّ (نصر المقداد)، وبطله (مُهاجر).
أطيب أمنياتي بالتوفيق والنّجاح.

عمّان - الأردن
21\  3 / ٢٠٢٠

الثلاثاء، 17 مارس 2020

صدمة (قصة قصيرة)

صدمة..

قصة قصيرة
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

مكتنزة الجسم.. ضربات الكعب العالي كمطرقة تقع بثقلها على قفا المسمار، تبعثر صمت القاعة الموحش.
وصلتُ مُبكّرًا بنصف ساعة قبل بدء الأمسية.
مسافة أمتار  تهتزّ رقصًا تُساير  حركة ردفيْها. عيناي في حالة تمرين حركيّ سريع تتابعان الاهتزازات التي تتشابه بمهارة أصابع (مجدي الحسيني) بالعزف على البيانو.
شعرها المتهدّل على كتيفيْها غطّى نصف فستانها الخمريّ السّكران التفافًا على جسدها إلى ما فوق رُكبتيْها أقلّ من شبر بسنتمترات.
تصوّرات بعيدة المنال؛ أغرقتني في حميم عواطفي المتكلّسة منذ حقب تاريخيّة عدا عليها الزّمان خُمودًا.
تتقافز أشواقي تزاحمًا:
- "يا لها.. لو أنّني أتمسّى برؤية وجهها..!!".
استحضرتُ من مجاهل ذاكرتي، أحلى الوجوه المختزنة من أيّام مُتابعة أفلام الأسود والأبيض المصريّة في مُراهقتي، ومن صور مجلّات الأزياء التي كانت تخطف عقلي وأترابي مثلي، نتداولها بشغف وانبهار مُحبّب لنا، ووجوه بنات إعلانات الشامبوات والملابس الدّاخليّة في زمن الفصائيّات المُنفلت.
عاد الصمت ليُخيّم على الأجواء مع توقّف وقع خطواتها. جلست على كُرسيّ بجانب الممر الأوسط.
تتشوّق أحلام الطّفولة فِيّ؛ لرؤية القمر مُتمثّلًا بوجهها الصّبوح. النّادل أطلّ برأسه من خلف ستارة تُخفيه خلفها مع أداوت صنع المشروبات السّاخنة. أشارت له بيدها.. ابتسامة مُصطنعة ارتسمت على وجهه المُرهق تعبًا. جفلت نظراتي المُرتبكة مع خطوته الأولى باتّجاهها. هاجسٌ غامضٌ خالطني بدّد إحداثيّاتي،  تواردت أفكار  مملوءة بتخمينات مُتوالدة لا أساس بخصوص الموقف الآن.
نبرات خشنة اقتحمتني بفجاجة، كما صوت كعبها العالي، طلبت:
- "من فضلك أريد فنجان قهوة سادة.. وليكن مغليًّا زيادة.. ولا تنس كأس الماء البارد".
- "حااااضر.. شاعرتنا". قالها، وهو يستدير بظهره لانجاز طلبها. أجّلتُ طلبي لحين عودته إليها.
مدّت يدها، واستخرجتْ علبة دخّان وولّاعة من محفظة كتفها الحُبْلى بأشياء وأدوات.
ما إن رفعت شُعلة النّار قريبًا من لفافة التيغ في فمها، حتّى اشتعلت صورتها  في عقلي، وتبخّرت مع سُحُب الدُّخان الفائضة إلى خارج الصّالة عبر النّافذة المفتوحة.
كجنديّ خلف مكمَنِه يُراقب أدقّ حركات العدوّ، عاينتُ خروجها من مُخيّلتي قبل الصّالة، تنفّستُ بعمق.. أذهبَ توتّري لمعانقة خيالها، وطيفها الذي غادرني.
بجرأة لا مُبالية، ناديتُ على النّادل، وهو يضع الصّينيّة النُّحاسيّة الصّفراء أمامها على الطّاولة الصّغيرة.
ما إن فرغ منها مُتّجهًا نحوي، وقفتُ مُغادرًا  بلا استئذان.
النّادل: "إلى أين يا أستاذ..!!؟".
صوتُه ما زال يُلاحقني أثناء عبوري الشّارع إلى الضّفّة الأخرى، لم أتمالك نفسي من الجلوس على حافّة الرّصيف، مُتأمّلًا حال المبنى الذي يضمّ الصّالة الصّادمة.

عمّان - الأردنّ
١٦،/ ٣ / ٢٠٢٠

تأملات قرآنية