السبت، 21 مارس 2020

تقديم لرواية (البطشة الكبرى)

تقديمي لرواية (البطشة الكبرى) للكاتب والباحث (نصر عبدالله عثمان المقداد)

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

في زمن الانحدار الحضاريّ غالبًا ما تتّجه الأنظار والرُّؤى عوْدًا على بدء إلى الزّمن الغابر؛ للتغنّي بسالف الأمجاد والانتصارات، بمغادرة أرض الواقع ذهابًا إلى دائرة (كان)، بدل معالجة الواقع للخروج برؤية تزاوجيّة بين الماضي والحاضر، لتكون جسر عُبور للمستقبل.
وفي مثل هذه الأوقات ما تتعلّق الأنظار الملهوفة إلى مجيء البطل المُخلّص، أو حصول معجزة تكسر قالب العجز في الفعل الحضاريّ، وإذا حقّ لنا وصف ذلك بالهروب إلى الأمام؛ لتجاوز عنُق الزّجاجة، أو ربّما بدفن الرأس في الرّمال والتّعامي عن معالجة ذلك برؤية للخروج من المأزق.
 وبالتوقّف على حالة الأستاذ (نصر عبدالله المقداد) الباحث في قضايا إسلاميّة مهتمّة بقضايا الأمّة، فقد أصدر بحثيْن فكريّيْن مطبوعين، جاءا على درجة من الأهميّة بتطبيقاتهما على الواقع، وهما (الخلافة المقدسيّة) و(الفتن في القرآن الكريم). وله العديد من الأبحاث المخطوطة في مجال الفتن والملاحم.
وجاء عمله الروائيّ(البطشة الكُبرى) والمأخوذ عن الآية الكريمة: (يومَ نبطشُ البطشةَ الكُبرى، إنّا مُنَتقِمُون). ويأتي هذا العنوان ليكون عتبة الرواية بدلالته القويّة الظّاهرة والخفيّة، ليضع القارئ في دائرة القدرة الإلهيّة التي تتجاوز الزّمان والمكان، وقدرات العقل على التخيّل.
تعتبر الرواية قفزة نوعيّة باستشراف وقراءة المستقبل، بعين ثاقبة دارِيَةٍ بما سيكون عليه، وهذا الحدس المُتولّد عن الذّات الواعية، المُكلّلة بالقراءات والدراسات البحثيّة، التي أفسحت المجال لاتّساع الرّؤية ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعمل تسوية سرديّة من خلال حدث روائيٍّ استوعب ما ذهب إليه الباحث (نصر المقداد) من تسوية تقاربيّة ما بين أقانيم الزّمن.
في البداية نوّه المؤلّف، إلى أنّ: (جميع شخصيّات الفصلين الأخيرين، هي شخصيّات حقيقيّة، أمّا بطل الرّواية، والأبطال الثانويّين فهم شخصيّات مزيج بين الواقع وخيال المؤلّف). ولكي لا يتركنا في حيرة التّخمين، فقد فتح لنا الباب المُوارب على مِصراعيْه، ليخبرنا بحقيقة الأمر.
يعني ذلك أنّ الرواية تُصنّف أدبيًّا ما بين المدرسة الواقعيّة والخياليّة، من خلال الخلطة الروائيّة المشوقة لمتابعة القراءة، باستقراء دقيق مُتقن مُركّز على إعادة دراسة وتأويل الأحاديث النبويّة الشّريفة، استنادًا على توافقاتها مع بعض الآيات الكريمة، وعمل إسقاطات تاريخيّة لصنع تقاطعات من المعلومات التي تشّكل سدى ولُحمة رواية (البطشة الكُبرى).
وفي قول مُقتبس من كتاب (سكوفيلد- النبوءة والسياسة) في مقدمة المؤلّف: (عامًا بعد عامٍ، سوف يصل عالمنا إلى نهايته بكارثة ودمار، ومأساة  عالميّة نهائيّة). فكانت النتيجة حسب نظرة الباحث والرّوائي (نصر المقداد) أنّ: (مُصارع القدر مغلوب)، (انقطاع الزّمان)، و (حَدَثَ غدًا). ويُخبرنا بأن بطل الرّواية (مُهاجر)، والاسم دالّ على الهجرة والاغتراب عن الأهل والوطن في سبيل نصرة الحقّ، ومحاربة الباطل.
(لذا يرفض (مُهاجر) أن يُصرّح من أيّ بلد هو. أو من أيّ مدينة أو قرية، فلم يعُد لتحديد ذلك أدنى أهميّة تُذكر؛ فالمصير واحد، والنّهايات واحدة، وسُنن الله في الكون لا تُحابى ولا تُجامَل، ومهما تعدّدت الأسماء الجيوسياسيّة للأوطان المُعلنة فلن يتغيّر القَدَر المكتوب).
(نعم، نحن نعيش الآن في مرحلة "انقطاع من الزّمان"، هكذا يحلو لـ"مُهاجر" تسمية هذا الزّمن، الذي أطبقه عليه بعد أن مرّ بتجارب صقلت معارفه، ووسّعت مداركه، حتّى أصبح يرى الغد بعيون الحاضر، وإذا حدّث عنه فإنّه يقول بيقين: "حدَثَ عدًا"، وكأنّه أوتي فراسة نورانيّة، قد يُسمّيها البعض بـ"الحّاسّة السّادسة").
وقد نقلنا الروائي إلى موضوع مهم له خطّه الأساسي الواضح في مُنعرجات السّرد الرّوائيَ، بنظريّة أسماها (الإسكاتولوجي)، وحسب المؤلِّف فهي مصدرها العلوم التاريخيّة، وينتج عن ذلك: (فأعطاه هذا العلم الفراسة، وأكسبه الحياديّة المميّزة للحقائق، ودلّه على أهم مفاصل الخارطة المُستقبليّة للأحداث، وعلّمه على أبرز أسرارها، فكانت فلسفة استقرائيّة استشرافيّة متينة، بلورتها، وصقلتها رحلته الفريدة عبر الزّمن إلى الغد). ويُعقّب المؤلّف مُردفًا: (لا أقولُ عن الإسكاتولوجي، بأنّه علم استقراء المُستقبل، بل معرفة طرق استقراء ما يُحاك في كهوف الظّلام، لأجل صناعة المُستقبل).
وبقدر الفجوة الفاصلة بين حاضرنا وزمان الرّواية، فإنّها تتّسع الهُوّة في ذهن القارئ للرواية، بين مكانه المعلوم المنظور, وزمانه الذي هو فيه، إلى عوالم وأزمان بأماكن مجهولة، تجعل تصوّرها صعبًا في الذّهن. وستكون الرواية لبنة في عوالم المُستقبليّات، لا ندري شيئًا عن إمكانيّة تمثّلات تحقّقها، كما تأكدّت في ذهن الروائيّ (نصر المقداد)، وبطله (مُهاجر).
أطيب أمنياتي بالتوفيق والنّجاح.

عمّان - الأردن
21\  3 / ٢٠٢٠

الثلاثاء، 17 مارس 2020

صدمة (قصة قصيرة)

صدمة..

قصة قصيرة
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

مكتنزة الجسم.. ضربات الكعب العالي كمطرقة تقع بثقلها على قفا المسمار، تبعثر صمت القاعة الموحش.
وصلتُ مُبكّرًا بنصف ساعة قبل بدء الأمسية.
مسافة أمتار  تهتزّ رقصًا تُساير  حركة ردفيْها. عيناي في حالة تمرين حركيّ سريع تتابعان الاهتزازات التي تتشابه بمهارة أصابع (مجدي الحسيني) بالعزف على البيانو.
شعرها المتهدّل على كتيفيْها غطّى نصف فستانها الخمريّ السّكران التفافًا على جسدها إلى ما فوق رُكبتيْها أقلّ من شبر بسنتمترات.
تصوّرات بعيدة المنال؛ أغرقتني في حميم عواطفي المتكلّسة منذ حقب تاريخيّة عدا عليها الزّمان خُمودًا.
تتقافز أشواقي تزاحمًا:
- "يا لها.. لو أنّني أتمسّى برؤية وجهها..!!".
استحضرتُ من مجاهل ذاكرتي، أحلى الوجوه المختزنة من أيّام مُتابعة أفلام الأسود والأبيض المصريّة في مُراهقتي، ومن صور مجلّات الأزياء التي كانت تخطف عقلي وأترابي مثلي، نتداولها بشغف وانبهار مُحبّب لنا، ووجوه بنات إعلانات الشامبوات والملابس الدّاخليّة في زمن الفصائيّات المُنفلت.
عاد الصمت ليُخيّم على الأجواء مع توقّف وقع خطواتها. جلست على كُرسيّ بجانب الممر الأوسط.
تتشوّق أحلام الطّفولة فِيّ؛ لرؤية القمر مُتمثّلًا بوجهها الصّبوح. النّادل أطلّ برأسه من خلف ستارة تُخفيه خلفها مع أداوت صنع المشروبات السّاخنة. أشارت له بيدها.. ابتسامة مُصطنعة ارتسمت على وجهه المُرهق تعبًا. جفلت نظراتي المُرتبكة مع خطوته الأولى باتّجاهها. هاجسٌ غامضٌ خالطني بدّد إحداثيّاتي،  تواردت أفكار  مملوءة بتخمينات مُتوالدة لا أساس بخصوص الموقف الآن.
نبرات خشنة اقتحمتني بفجاجة، كما صوت كعبها العالي، طلبت:
- "من فضلك أريد فنجان قهوة سادة.. وليكن مغليًّا زيادة.. ولا تنس كأس الماء البارد".
- "حااااضر.. شاعرتنا". قالها، وهو يستدير بظهره لانجاز طلبها. أجّلتُ طلبي لحين عودته إليها.
مدّت يدها، واستخرجتْ علبة دخّان وولّاعة من محفظة كتفها الحُبْلى بأشياء وأدوات.
ما إن رفعت شُعلة النّار قريبًا من لفافة التيغ في فمها، حتّى اشتعلت صورتها  في عقلي، وتبخّرت مع سُحُب الدُّخان الفائضة إلى خارج الصّالة عبر النّافذة المفتوحة.
كجنديّ خلف مكمَنِه يُراقب أدقّ حركات العدوّ، عاينتُ خروجها من مُخيّلتي قبل الصّالة، تنفّستُ بعمق.. أذهبَ توتّري لمعانقة خيالها، وطيفها الذي غادرني.
بجرأة لا مُبالية، ناديتُ على النّادل، وهو يضع الصّينيّة النُّحاسيّة الصّفراء أمامها على الطّاولة الصّغيرة.
ما إن فرغ منها مُتّجهًا نحوي، وقفتُ مُغادرًا  بلا استئذان.
النّادل: "إلى أين يا أستاذ..!!؟".
صوتُه ما زال يُلاحقني أثناء عبوري الشّارع إلى الضّفّة الأخرى، لم أتمالك نفسي من الجلوس على حافّة الرّصيف، مُتأمّلًا حال المبنى الذي يضمّ الصّالة الصّادمة.

عمّان - الأردنّ
١٦،/ ٣ / ٢٠٢٠

الخميس، 12 مارس 2020

مشهديّة الأصوات المتعدّدة والإسقاطات التاريخية

مشهديّة الأصوات المتعدّدة والإسقاطات التاريخية
في قصيدة (مسلات الفتي النبطيّ)
من ديوان (قلق أنا) للشاعر عبدالرحيم جداية
(دراسة قدمت في احتفالية إشهار ديوانه (قلق أنا) في جمعية إيدون في إربد – يوم الخميس ١٢\٣/٢٠٢٠)

بقلم الروائي / محمد فتحي المقداد

وجدتُ أنّ قصيدة (مسلّات الفتي النبطيّ) هي النموذج الذي تتمثل بالتاريخ المعشعش في وجدان الشاعر، اعتبارًا من العنوان الذي ندخل من عتبته إلى رحاب تاريخنا العربيّ الذي ابتدأ بالأنباط، وقوّتهم وجبروتهم، وهو ما تدلّ عليه آثارهم من بترا إلى بصرى الشام العاصمة الثانية للأنباط، وجنوبًا إلى مدائن صالح.
الثموديون: هم قوم ثمود من العرب البائدة؛ فقد ذكرهم الله بوصف دالّ على هذا، بقوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصّخر بالواد). أرسل الله إليهم صالحًا عليه السلام نبيًا ورسولًا منهم، يدعوهم لعبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان؛ فاستجابوا لدعوته؛ ثم ارتدّ أكثرهم عن دينهم، وعقروا الناقة التي أرسلها الله لهم آية، وتحدّوا صالحًا أن يأتيهم بالعذاب، ودبر تسعة منهم مكيدة لقتل صالح وأهله، فأهلك الله الذين ظلموا منهم. وهم قوم ورد ذكرهم في القرآن وكانوا ينحتون الجبال لتكون بيوت لهم، ويتخذون من سهولها قصورًا لهم، ودلالة هذا الكلام واضحة تمامًا في الأماكن التي ذكرناها.
بعد هذه التقدمة ندرك لماذا افتتح الشّاعر (عبدالرحيم جداية) قصيدته هذه التي نحن بصددها بعبارة: (ثموديٌّ يُغازل صخرة البتراء). ومشهديّة الغزل تستلزم المشاعر والأحاسيس واستنفار كافّة الحواس، ليكون اللّسان مترجم  الحالة بالكلام، وليس أيّ كلام.. بل الانتقاء من الأرقّ والأسلس لمحاكاة العواطف بتجليّات ربّما تنتهي بالوصال أو بلواعج الهجر والفقد.

أ‌- مشاهد الأصوات المعلنة:
- (ويزرع في يديه السحرَ، إن مالت جدائلها، يثور الكون في دمه):
- (يلامسُ في جروح الصّدر غزلانًا تُطارده إلى شِعْبٍ يموء اللّيل في وسَن):
- (ضِحكتُها رنين الفجر في وَلَهٍ):
- (تُراقص مع أصابعها صدى الصّحراء إيقاعًا):
- (ونبطيٌّ له من حكمة السّمّارِ أسمالًا):
- (يعانقُ ملء عينيه تسابيحًا وأغنية يردّدها بصوت العاشق البدويّ له نايٌ):
- (تُلاعبُ الرّيحُ إن عبرت، تُلاعبُ مع صفير الرّياح أنغامًا، يُردّدها، وبحفظها):
- (فكلّ الأرض للنبطيّ إيقاعًا، ولي في لحنه وطن):
- (وخلف الكهف ينشرُ من صهيل الخيل أمواجًا):
- (ويرسلُ مع صفير الرّيح عصفورًا، يُغرّد حُبّه الأبدي، يعانقُ صوتَهُ الأملُ):
- (عيناهُ من صدَفِ البحار، أيا رسولَ الأمنيات):
- (ألقت على الأرض السلام، ورتّلت في نظرة أرضَ الغياب):
- (وقلبُ عمّون في كفّيه فلّبها، وأنّبها):
- (يرفعون االصّوت إن  هبّت رياح الموت في لغة الرّجوع المستحيل):
- (ذريني يا بنة التّاريخ):
- (مشى والحَرُّ يلسع في محيّاه، فسَنّ الرّمحَ في وتر):
- (ضباءٌ تعزفُ الدمعات ما وجمت):
- (وخيلٌ تضبط الإيقاع في وتر، تُغنّي رحلة الصّحراء):
- (وينقش قلبُها البازلتَ ترتيلًا وأدعية):
- (كي يدعو قبائله):
- (يحمل نقشَه والقلبَ في رُجمٍ من الآهات):
- (تنذرُ مع صهيل الخيل سنبلة):
- (بباب السّيق دمعًا يُشهدُ البتراء أنّ القلب ما غنّى):
- (صبيٌّ من بني (البُدول) حاوره):
- (صبيٌّ من بني البدول أنّبه):
- (وتُنذرها لنائلة):
- (وذاك الحرف علّمنا؛ فهذا صوتنا العربيّ وصوتكَ):
- (فشريان الدّماء بكي):
- (فتى البُدول وبّخه):
- (صهيل الخيل أنشده، وردّده):
- (ويعلن في مدائنها):



ب‌- مشاهد الأصوات الخفيّة:
- (يزاولُ لكنةً حضرتْ على فوضى يمارسها):
- (تهيجُ الذكرى في عينيه في شفتيه):
- (فذكرى العابرين مضت، وقلبي صيدُه الذكرى، على ذكراه أرتحلُ):
- (ألقت على الماضي السلامَ، ورتّلت في نظرة أرض الغياب):
- (وقفت بباب السّيق ترقبُ غيبة الطّرّاقِ، هل رجعوا؟):
- (جمعٌ هنا.. جمعٌ هناك، عطرٌ يفوح وتذكريه، بأنه الإنسيّ، يا أحلى ملاك):
- (ومن صفير الريح... إذ تعبثُ في ثنايا الرّمال أعوادًا):
- (كم حنّت لعاشقها، وطارقها):
- (يزور البيتَ ميلادًا):
- (فتاهَ السّيقُ في عينيه، يحمل طعنة الماضي، ولعنته).
- (أللنبطيّ ظباءً كان يعشقها، وخيلًا عاش يطلقها؛ فيسبقها):
- (صفاويٌّ مشى، والحرُّ يلسعُ في محيّاه):
- (ويرسم سيفه العربيّ، لا شمس تُطاوله، ولا رمح):
- (وحنّت حين تلقاه):
- (علا والرّيح في صلصال من نقشوا، بذاكَ السّلع يا بترا):
- (هو النبطيّ كم تحلو شمائله):
- (أنا العربيّ.. أنا البدويّ، قافلني تجوبُ الأرض في روما):
- (فلا زمنٌ يفضّ بكارة العذراء في بترا):
- (أزاميلٌ تُداعبُ وجهها الورديّ، تقيمُ العشقَ تاريخًا):
- (رأته الخيلُ ما بسمت، وما صهلت لنبطيٍّ، أثار النقع خلف حدود حارته):
- (وكان في صبا الرعويّ يعشقُ خدّ جارته):
- (وقد زرعت بباب الكهف أشواقًا):
- (هو النبطيّ لم يعرف لبنت الدّار أطواقًا، فسافر حين قبّلها):
- (وأودع عشقه في الكهف.. قلبُ الكهف ما طاقا).
- (تنسى اللحن باب الكهف.. حين الفجر يرقُبها):


مشهديّة الإسقاطات التّاريخيّة:
القصيدة مُترعة بإسقاطاتها التّاريخيّة، اعتبارًا من العنوان (مسلّات الفتى النبطيّ)، ولا غرابة في ذلك، خاصّة عند نعلم أنّ شاعرنا عبدالرحيم يحمل شهادتي (ماجستير) إحداهما في الآثار الكلاسيكيّة، والأخرى في طريق وتدريس المناهج التربويّة.

** فالعنوان جاء طويلًا في ثلاث كلمات (مسلات)، وهي الأعمدة الشامخة ذات الرؤوس المدببة المنحوتة عليها تواريخ الانتصارات، والملوك، والقادة والحوادث الهامّة في حياة الأمم، اعتبارًا من مسلة رمسيس، ومسلة حمورابي، وميشع.
وكلمة (الفتى) من الفتوّة والقوّة والمنعة، واستدعاء ذلك في زمن انحدارنا الحضاريْ، ومسلّاتنا المنهوبة ما تزال شامخة في العواصم الأوربية، تحكي على الدوام قصة الحضارة.
الكلمة الثالثة (النبطيّ)، ولماذا النبطيّ بالذات؟. أعتقد جازمًا أن الشاعر يستنهض الهمّة من ذات المكان الذي كان يومًا مصدرًا للقوة والسيادة، ليبعث فينا الأمل بالمستقبل الأفضل لنا.

** منذ أول كلمة في القصيدة (ثموديٌّ) فهو يستدعي هؤلاء الجبارين المشهورين بقوة بنائهم الجسميّ، وصلابة شكيمتهم. وورد ذكرهم في القرآن الكريم. وبعد ذلك بكلمتين جات كلمة (البتراء) المكان العجيب، الذي ما زالت أسرار عجائبه خفيّة رغم التقدّم العلميّ، وما قيل عنها، لا يعدو موضوع دراسات قائمة على التخمينات، والتوقّعات حسب الدّارسين، وعلماء الأنتربولوجيا.

** و(نبطيٌّ له من حكمة السّمار) فالعقول التي بنت وأشادت الحضارات لها من الحكمة وضروبها ما يُستضاء به على مرّ العصور.
(سقاه الحارث الثالث معالم أرضه الكبرى، خرائطَ في ذراع مؤابَ يذرعها، وقلبُ عمّون في كفّيه قلّبها، وأنّبها) هذا الملك النبطيّ الأشهر والأقوى، يرسم بناظريه حدود دولته وامتداداتها الجغرافية، وتنافس جوارها على السيطرة والنفوذ.

** وينتقل الشاعر، ليقول: (وُشوم من بني قيدارْ، أكانوا يعقرون القلبَ يا صالح) وهي القصة القرآنية الشهيرة، مع قوم نبي الله صالح. ومملكة قيدار العربيّة القديمة، نسبة إلى (قيدار) الابن الثاني للنبي إسماعيل بن إيراهيم عليهما السّلام. ويعتقد أنّ مركزها في (دومة الجندل).

** (أدومٌ، يرفعون الصوت إن هبّت رياح الموت في لغة الرّجوع المستحيل). وأدوم اسم قديم للمنطقة الواقعة في جنوب فلسطين، وخليج العقبة سكنها الآدوميّون، وهم فبائل بدويّة يُنسبون إلى (عيسو) بن اسحاق بن إبراهيم عليهما السّلام.

** (صفاويّ، مشى والحرُّ يلسع في محيّاه؛ فسنَّ الرّمح في وترٍ، وألقاه) والصّفاة جزء من صحراء بادية الحماد. والصّفاوي مكان يقع في الشمال الغربي من الشرقيّ من البادية الأردنيّة، في منطقة الطريق المؤدّية إلى العراق، وقريبة من الحدود السّوريّة، وفي محيطها العديد من الأديرة القديمة، ومن ضمنها صومعة للرّاهب بحيرا.

** (أنا العربيّ.. أنا البدويّ،، قافلتي تجوب الأرض في روما) من هنا تأتي أهميّة التاريخ، وإعادة قراءته ليكون جسر عبور بدروسه وعِبره.

** (صبيّ من بني البدول حاوره: تُراك نسيتنا موسى، أتذكرُ معبد الكُتبيّ؟ أعشتَ ملامح الأنباط في مكابّ مع روما؟).
المكابيّون: هي مجموعة عسكرية يهودية. اشتهر المكابيون بعصبيّتهم الدينية حيث ركّزوا على دور الديانة اليهوديّة في الحياة اليوميّة، وحدّوا من انتشار اللّغة والثقافة اليونانيّة في المنطقة.
والمكابيّ: هو اللقب الذي اشتهر به يهوذا أحد الأنبياء الخمسة عندهم، وهناك من يقولون: إن هذا اللّقب مشتقّ من الكلمة العبريّة "مكبة" التي تعني "مطرقة" وصفًا لبطولة وشجاعة يهوذا الذي كان كالمطرقة على أعدائه.

** (فشريان الدّماء بكى.. تلوّثُ كفّك الأسمر، فكفُّك ليس بالوطنيّ، أرحنا من رزاياهم.. وخلّ النفط آبارًا، فلا ترجو عطاياهم)، موجعة هذه الرؤية التي عكست بمرآتها مرارة التفتت والتشظّي في العلاقات العربية العربية. وفي مقل هذه الحالات فإنّ رأى بحسّه المرهف هذه القضيّة، ليخلدّها في خريدة ستخلد في سجل المستقبل لقادم الأجيال.

** تنتهي القصيدة بالتأكيد على أسطورة الحكاية الشعبية، بذلك النبطي.. فتي البدول وريث المكان والزمان للملك الحارث، فيقول الشاعر: (مسلّات الفتى النبطيّ.. تشهد أنّه المطويّ في عرف الهوى الأبديّ) عُرف العطاء والحب، ولكن إذا وقعت الواقعة ف (تشهد كلّ معركة، بأنّ العابر الآتي هو المنسيّ) الأماكن تعيش بأهلها وحُماتها، وكل عابر غاصب مهما طال الزمان، سيُطوى ويُنسى ذكره).
ويعلنها صريحة، بقوله: (وأشهدُ أيّها الغاوي.. مذ غادرتَ أرضَ الله في بترا: سأشهدُ أنّك الوثنيّ).
وبهذا الاستعراض التاريخيّ الموجز لحقب حافلة مليئة بالأحداث، أتوقّف عند كلمات دلالية (ثموديٌّ، نبطيّ، البدول، بترا، البدويّ، العربيّ، بني قيدار، الصّفاويّ، آدوم، مكاب، مؤاب، عمّون، السّلع، معبد الكتبيّ، الحماد، ووادي راجل). لعلّ الشّاعر يؤّكد على منبته في بقعة حغرافيّة، كانت مسرحًا تعاقب عليه ممثّلوا الحضارات وبُناتها، والعابرين لها احتلالًا واستعمارًا، ذهبوا جميعًا، وبقي الأردن.. فهي قصيدة جاءت من رحم الوطن العزيز المنيع بقيمه وثوابته العربيّة والإسلاميّة.
وذاكرة القصيدة استنهضت ذاكرة المكان من جديد، بعد أن كاد يتقادم عليها الزّمان بغوائل النسيان، استنهضها الشاعر لتشكيل رؤية تزاوجيّة ما بين الماضي والحاضر؛ للخروج من مأزق هبوطنا الحضاري.

إربد – الأردن
١٠ / ٣ / ٢٠٢٠

الأحد، 8 مارس 2020

إضاءة على لوحة (النجمة) للفنان التشكيلي عماد المقداد



إضاءة على لوحة (النجمة)
للفنان التشكيلي عماد المقداد

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

للألوان واستخداماتها فلسفتها الخاصّة عند معظم الفنّانين التشيكليّين، لتشكيل ثقافة بصريّة لدى المتلقّي، ولإحداث صدمتة الدّاهشة من النظرة الأولى، آخِذةً به إلى عوالم بعيدة عن الواقع ساحرة بأفكارها؛ في محاولة لجرّه إلى رحاب اللّوحة؛ ليكون جزءًا من نسيجها وبُنيتها، وهي تكتسب شرعيّتها وألقها من فرط إعجابه، فتتكرّس في ذهنه بأنّها باهرة خالدة.
وعند عماد المقداد يتخّذ اللّون البنّي وتدرّجاته الترابيّة رؤية عميقة لبدء الخلق ونهايتهم، فمن أديم هذه الأرض نبتت هذه الأجساد، وإليها تعود لتفنى ملامحها الماديّة وهي تتّحلّل وتتفسّخ لتعود ترابًا وفق ترتيباته ذرّات صغيرة لا تكاد بعضها تُرى بالعين المجرّدة.
فكانت لوحة (النّجمة) مُتدرّجة بألوانها تقاربًا ما بين البُنيّ العديدة والأسود والأبيض. يتجلى الكون هنا بليله ونهاره، وهما يتعاقبان على أرضه العامرة بالإنسان ضمن نواميس أزليّة لا تحيد عن مُهمّتها التي خُلقت من أجلها لاستدامة الحياة عليها.
وتشكيلات خطوطها الأبرز هي: دائرة تتوسّط أعلى اللّوحة وفيها يتجلّى وجه كالقمر في ليلة بدره, لون العينان الأزرق بصغر حجم العين فقد احتلّ مساحة أزرق الكون أجمع (السماء و البحر)، وكأن الفنّان يرسم تشابيه علم البديع باللّون؛ فلم يكن للسماء والبحر وجود في اللوحة، بل استعاض عنهما بلون العينيّن.. ونُقاط بلا حروف كمرتكزات بنائيّة لفكرة الهجائية باحتوائها العلوم كافّة.. يا لها من ذاكرة مُستوطنة دواخل الفنّان عماد في لا وعيه..!!
والدائرة تشي في الأذن بأنها قرص الشمس، والقمر، بل الأشمل والأوضح بأنّها الكرة الأرضيّة تسبح في مداراتها الأشكال الهندسيّة المربّعات والمستطيلات والمثلثات وخطوط مستقيمة ومتوازية، وهناك أشكال موميائيّة متحجّرة على ذاتها، كأنّها مهمومة بوجودها القسري على وجه التراب أو تحته، والحاجة الأوضح هي ما يتّضح في أماكن من اللّوحة على أنّها خلايا النحل المعروف بجديّته في الحياة ضمن تجمّعات تكوينيّة دالّة على الجد والأمل والتفاؤل. وهي صفات الروائية عنان محروس المتأرجحة بين الجد والبساطة في حياتها.
فضاءات اللوحة كثيرة ربّما وصل للمتأمّل مثلي بعض ما أرادت أن يصل لي، وخفي عن إدراكي لما استعصى فيما وراء فكرتها، أدركتُ بعضًا من فضاء، وضاعت منّي عقدت فضاءات.
ملاحظة : (لوحة النجمة قدمها الفنان عماد المقداد للروائيّة عنان محروس في حفل إشهار روايتها خُلق إنسانًا في مركز الحسن الثقافي في مدينة عمّان ــا 30/3/ 2019)

الثلاثاء، 3 مارس 2020

فيروس كورونا (قصة قصيرة)

فيروس كورونا
(قصة قصيرة)

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد

وصلت الأمور إلى النهاية، ولا مجال للتراجع عمّا كنتُ أفكّر به.
اتّخذ الطبيب قراره الأخير، بعد احتجازي في الحجر الصّحّي بالمستشفى المركزي الحكومي. لعدّة أيام كنتُ معزولًا فيها عن البشر جميعًا، نعمتُ فيها بالخلوة، فسحة أتاحتني لنفسي. جاءت في لحظة كنت فيها بأمسّ الحاجة للابتعاد عن البشر جميعًا، فقد تمنّيتُ الحصول على مثل هذه الفرصة الثمينة، والقيّمة فلم تُتَح لي أبدًا، والظروف المحيطة غالبًا ما تتكاتف مُعلنة تآمرها عليّ.
على غير العادة، وبشكل مفاجئ داهمتني نوبة عُطاس أتعبت أعصابي، ترافقت مع سيلان أنفي. اضطررتُ لتناول حبّات (البندول) من العيار الثقيل، خفّفت حدّة الحرارة التي تناوبتني على دفعات، على مدار يومين، وأنا في معاناة لا يعلم مداها إلّا الله.
***
نصائح مُتعاقبة بالذّهاب إلى طبيب عام عيادته في طرف الحارة المقابل لنا. رغم الاحتياطات المُعتادة من شرب اللّيمون، والثّوم مع اللّبن. في هذه الوقعة كلّ ذلك لم يكن له نتائج ملموسة إلّا آنيّة، وما هي نصف ساعة إلا واشتدّت وطأة الحُمّى أكثر من سابقتها.
***
افتقدني جارنا، وما فطنتُ إلّا بالباب يُقرع، فتحوا له، ورأى ما رأى من حالي، جاءته النّخوة، فقال:
- "جهّز نفسك حتى أحضر السيّارة، سآخذك إلى الطبيب القريب منّا".
- "لا أحبّ الذّهاب أبدًا، أنا بخير..!!".
- "حالتك غير مطمئنة، أفزعني شُحوب وجهك مثل حبّة اللّيمون الذّابلة".
رجَحَت كفّه اقتراحه تضامنًا مع أمنيات زوجتي وأولادي، فتعاضدوا ضدّ عزيمتي الخائرة، وهمّتي الواهنة. لم يكن بُدًا من الاستجابة لهم.
الطبيب منتصب أمامي سرير الفحص بحذر، لبس قفّازات مطاطيّة في يديْه، وكمّامة على أنفه، أعادني منظره، إلى بكيّن وشوارعها المزدحمة بالنّاس، ونصف وجوههم مغطّاة ككائنات فضائيّة غزت كوكبنا مؤخّرًا. سمّاعتة تتحرّك على صدري، وميزان الحرارة في فمي، وجهاز قياس الضّغط على ساعدي. جبينه مُقطّب، وخطوط جبهته كأنّما هي أقنية حفرتها مياه السّيول. حاجباه معقودان متلاصقان، هزّ رأسه، وقال:
- "إلى المشفى فورًا".
صرخت زوجتي:
- "لشو المشفى؟".
- الطبيب: "اشتباه بأعراض الفيروس كورونا".
***
الأوامر صارمة في قسم الحجر، الأطباء والممرّضون يتعاملون معي بحذر شديد. تعقيم، لباس خاصّ يغطّيهم بشكل كامل.
حمدتُ الله على الفرصة المُتاحة، جاءتني على طبق من ذهب. فأكملتُ مما كان مكسورًا عليّ من قراءات في رواية (طواحين بيروت)، ومسرحيّة (مغامرة المملوك جابر)، ومسرحيّة (ليل العبيد).
صباح اليوم الثاني كنتُ على أحرّ من الجمر؛ بانتظار جولة الأطبّاء الاستشاريٍّين.
قرؤوا ملفّي المُحتوي على تحاليل الدمّ والبول، وصور الأشّعة، وقياس معدّلات السّكر والضغط. قلّبوا أوراقه مرّتيْن، تشاورا فيما باللّغة الإنكليزيّة، واتّخذوا قرارهم. فهمتُ القليل مما قالوا.
أشاروا للطبيب المقيم بعزلي في الدرجة الثانية. لخطورة حالتي، وخوفًا من انتشار العدوى.
أيقنتُ أنّني على وشك الهلاك؛ استدعيتُ فكرة خطيرة من مجاهل النسيان كنت مُعرضًا عنها، لخوفي الشديد من أحد علم أنّني أفكّر بها، وهي مشروع كتاب لم أكتب فيه سطرًا واحدًا، رغم أن جميع فصوله، وحيثيّاته ماثلة في ذهني؛ فقلت لنفسي:
- "مادامت حالتي ميؤوس منها، ونهايتي قريبة في أية ساعة يأخذونني إلى قبري، سأكتبها في الحال، ونشرتها على الفيسبوك: قريبًا في المكتبات طالعوا كتابي الجديد بعنوان (الإنسان في فكر السلطان الذي لايعترف بحقوق الإنسان)".
استفقتُ بعد منتصف اللّيل مرعوبًا، طلبتُ من زوجتي كأس ماء بلّلتُ به جفاف حلقي.

الأردنّ - عمّان
٣ / ٣ / ٢٠٢٠

السبت، 29 فبراير 2020

خطاب (قصة قصيرة)

خطاب
قصة قصيرة

بقلم الروائي/محمد فتحي المقداد

ضجيج حركات الممثّلين تملأ الصّالة. الجميع مُنهمكٌ بترتيب أدواته.. ممثلة هناك خرجت من خلف الكواليس تعتني بنفسها، تراجع صورة مِكياجها، وتسريحة شعرها الأنيقة أمام مرآة مركونة في الزّاوية لهذا القصد.
ممثّل شابّ.. يروح جيئة وذهابًا، صوته يخالط الأصوات بعناد؛ لتثبيت حفظ دوره المُكلّف به. حركة دؤوبة مشغولة بنشاطها في مختلف أقسام دار الأوبرا.
المُخرج مُنهمك بتقليب أوراقه، وإعادة ترتيبها حسب الأدوار المرسومة في ذهنه.
عامل الإكسسوارات، ثبّت ميكروفونًا من أجل الافتتاح، ابتداءً بكلمة المسؤول الكبير راعي الاحتفال.
***
وقف الجميع مُتخشّبين كالأصنام، أجسامهم مشدودة، رؤوسهم ثابتة بلا أدني حركة، عيونهم جامدة.  أيديهم مُسبلة بهيئة الاستعداد. كاميرا النقل التلفزيونيّ غير معنيّة بالالتزام بمهابة الموقف. عدستها تُسجّل جمود الوجوه بصرامة اللّحظة التاريخيّة الفارقة.
الأكُفّ تلتهب احمرارًا من تصفيقها الحادّ مع انتهاء موسيقى النشيد الوطنيّ. المقاعدُ من جديد مُثقلة بالأجسام بعد جلوسها.
عريف الحفل أرغى، وأزبد إيغالًا وترحيبًا بالضيف. ثمّ دعاه لاعتلاء المنصّة.
المسؤول ارتجل خطابًا طويلًا استعرض مسيرته وانجازاته.. والتصفيق لم يترك له مجالًا لمتابعة كلامه متواصلًا يهزّ جنبات الصّالة.
ودّع المستمعين بحركة من يده، خرج من المدخل الخلفيّ، ليفاجأ بالمتفرجّين ينتظرون طلعته البهيٍّة في السْاحة. أصواتهم المبحوحة لا تفتأ تِردادًا للشّعارات الرّائجة.
على مدار ساعة كاملة استغرق في الحالة انسجامًا بخيلائه وصولجانه. راقه منظر أعضاء الفرقة المسرحيّة يهتفون مع الجماهير، ويُصفّقون.
***
راقبتُ الاحتفاليّة من زاويتي عن بُعد، وتبدّل الموقف؛ لأنّني وللمرّة الأولى في حياتي أستعدّ بمثل هذه الجاهزيّة؛ كنتُ مأخوذًا بانتظار العرض المسرحيّ بشغف غير معهود، للتأثير الشديد للإعلانات اليوميّة عليّ.. وعلى مدار شهر كامل:
- (انتظروا العرض الكبير على مسرح القبّاني، لمسرحيّة تاجر البندقيّة) ، التي ما زالت ماثلة أحداثها في مخيّلتي منذ أيّام الصفّ العاشر. لأنّها كانت مُقرّرًا دراسيًّا.
مساء أضفتُ ملاحظة في دفتري:
- (الخطابات متاهات الجماهير، وألعوبة الزّعماء، لإقناعهم).
فراغ الصّالة أغرى صدى التصفيق والخطاب والهتافات، بالتغلغل حدّ المدى تزاحمًا على احتلال زواياها.

الأردن - عمّان
29 / 2 / 202‪0

الأربعاء، 26 فبراير 2020

أميرة بُصرى

أميرة بُصرى
قصة قصيرة


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

تلجلج السؤال على شفتيْه مع إطلالة الأميرة من شرفتها، عيون الانتظار تنشدّ بلهفة الشوق لرؤية وجه محبوبة الجماهير.
انشداده مع الجموع أنساه ما كان يُفكّر فيه، دموع الفرحة تغالبه لوقوفه أمام أمنية حياته هذه اللّحظة.
الأميرة نؤوم الضّحى تتثاءب كسلًا، تتمطّى رافعة ذراعيْها للأعلى، وصيفتها تقف خلفها تُلملمُ أكمام قميصها الزّهريّ.
أصوات رعاياها تُطاول الشّرفة مُحيّية محبوبتهم ابنة سيّدهم سيّدتهم، ظنّّا منهم أنّها تُحييّهم. لم تتمالك إلّا أن تُبادلهم مشاعرهم.. يُمناها تُشوّح للجميع.. وترمي لهم القبلات عبر الأثير.
تفاعل غير معهود من قبل، جاء رئيس الحرس، ليكون سدًّا منيعًا لتبادليّة الحبّ، ويُطلق حرسه بفظاظة لتفريغ السّاحة.. وتفريق المُحبّين، دموع الأميرة تنزلق على صدرها المرمريّ لترسم عِقدًا لؤلؤيّا ينثّ حُزنًا وكآبة.
ما أوجع عشقهما مع صرامة ملامح العساكر الجامدة كالبازلت الأسود.. شعاع القمر مات في أحضان الـمساء.. الفراشات نسيتهم.. ضوء الفجر تجاهلهم..  المطر رتّلهم صلوات هَجْرٍ على ربيع لا يعترف بالألوان.
***
لعلّ دموع الأميرة هيّجتني؛ لأذرف دموعي حُزًنا على سريرها الحجريّ المُبهر بكثرة زخارفه الفريدة، الذي أُسقط أرضًا، وتناثرت قطعه في كلّ اتّجاه. جنون المدفع المقهور حقدًا، لم يترك أثر الأميرة الذي رفعها والدها إليه، خوفًا على وحيدته من كلام العرّافين. وكم تفطّر قلبه ألمًا وحُزنًا على ابنته، عندما حمل إليها الموت الزؤام، مع بواكير عنب بُصرى؛ ليُفرح قلبها.. فلا نامت أعيُن الجُبناء.
فقدتُ قلبي بفقدان ذكرى أميرتي.. لطالما فاخرتُ أصدقائي ممن يزورنني في مدينتي. عقدٌ مضى.. ألمًا وحسرة.. هجرة ولجوءًا.. وحنينًا وشوقًا..  أضاعت.
يا للمدفع المجنون وأنت تقتل أحلامي..!!. وتترك العمود الحامل للسرير وحيدًا يشكوك إلى الله.
***
اسماعيل صديقي، وزائري جثا على رُكبتيْة على بلاطات الشّارع، وظلّ حوريّات الماء يُلقى وشاحه بُعيْد العصر على المكان، ويتلّمس بنعومة وحنان على فُوّهة مجرى قناة فُخاريّة، وهو يقول بلهجته العراقيّة المُحبّبة إلى قلبي:
- "عيني.. هذا لازم يضعوا عليه صندوقًا زجاجيًّا لحمايته".
- "صدقتَ بقولك.. لازم..!!".
وقف.. وعيناه ساهمتان تسمّرًا على سرير ابنة الملك، وشرد بعيدًا، ولا أظنّه سمع شيئًا مما شرحتُ له من خبر الأميرة.. انتبه إليّ فجأة، وقال:
- "وددتُ لو أنّي صعدتُ إلى السّرير؛ لأوقظ تلك الأميرة النّائمة هناك، وألقي عليها تحيّة المساء، وأنتشي ببريق عينيْها النّاعستيْن".
كلماته مازالت ماثلة في ذهني، تتقلّب على جمر أحزاني كالسّفود، ولو استطعتُ، لنَحَتُّها على أحد الأعمدة المجاورة؛ لتحكي قصّة آلامي المُتجدّدة. يا لتعاسة حظّك أميرتي.. وهم يمحون ذكرك من مدينتك.. مدينتي!!.

الأردن - عمّان
25 / 2 / 202‪0

تأملات قرآنية