الأربعاء، 27 فبراير 2019

ما زال الجواب ينقصني/بقلم محمد فتحي المقداد

# مازال الجواب ينقصني#

أذكر حينما كنت طالبًا في الصف السّابع 1977، أن كتاب التربية الوطنيّة كان يحتوي من دروس لكل القضايا العربية والقومية، فالقضية الفلسطينية هي القضية العربيّة المركزية، إضافة لقضايا سورية لواء إسكندرون السليب، وهضبة الجولان،  وعلى نفس النسق فضية عربستان الأهواز وأرتيريا لا تقل أهمية عن قضيّتيْ سورية.
** «بعد قيام
الثورة الخميني الإيرانيّة العام 1979، وبعد فترة قصيرة قامت وزارة التربية بحذف قضية عربستان من كتاب التربية الوطنية».
** «بعد الخلاف الذي حصل بين سورية وتركيا1998، حشدت تركيا جيوشها على حدودها وهددت بالحرب، بعد فترة وجيزة فوجئنا وعلى شاشة التلفزيون السوريّ، عند عرض خارطة سورية أثناء النشرة الجوية التي تتبع مباشرة نشرات الأخبار، بأن خارطة سورية فيها شيء ناقص، بأن الحدود المعروفة تبدأ من وسط خليج إسكندرون، بينما الخارطة بعد التعديل لاحظت أن نقاط الحدود بجانب اسم اللاذقية مباشرة».
للآن لم أجد له تفسيرًا ، وحيرتي قاتلة  وهي تنهش قلبي..!!

الأربعاء، 6 فبراير 2019

تساؤل لم أجد له جوابًا.. للآن

تساؤل لم أجد له جواباً.. للآن 

بقلم / محمد فتحي المقداد

عندما كنت أنا وزملاء الدراسة في الصفّ العاشر العام 1980م، طلب منّا مدرّس التربية القوميّة (الوطنيّة). قراءة وتلخيص كتاب (الجذور التاريخيّة للقوميّة العربيّة تأليف عبدالعزيز الدّوريّ). وكان ذلك بمثابة نشاط نكسب منه علامة مشاركة، وهو ما كنّا نطلق عليه (وظيفة شهريّة). لأن العمل فيها وإنجازها خلال مدّة شهر. أو أسبوعين.
استعرت نسخة من أحدهم استطاع الحصول عليها من شعبة الحزب، عندما وزّعوا الكتاب على الأعضاء العاملين. حيث أن الكتاب طبعته القيادة القطريّة للحزب، وعمّمته على الفروع والشُّعَب في القطر. 
فهمت أنّ القوميّة هي من القوم، وجاءت عربيّة لأنها تخص أقوام العرب أجمع أينما كانوا، وفي أيّ زمان عاشوا، تجمعهم وحدة اللغة والدين والتاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة، ووحدة المصير، وهم مطالبون بتحقيق الوحدة العربية التي لا مناص ولا بدّ منها، لتكوين دولة واحدة وقيادة واحدة، فتصبح قوّة سياسية واقتصادية واجتماعيّة فاعلة في الكون، يُحسَبُ لها الحساب. والعربيّ أخا العربيّ يساعده ويسانده مهما كانت الظروف ضد أيّ تهديد خارجيّ أو داخليّ.
توقف بي قطار الدهشة هنا، في محطّة كانت الأخيرة لي، ولم أخرج منها بتفكير يرضي قناعتي التي تشّربتها في صغري، خاصّة عندما قامت الحرب الإيرانيّة العراقيّة في العام 1980م. ووقوف الجمهوريّة العربيّة السوريّة مع جمهوريّة إيران الإسلاميّة. 
النقطة المهمّة أن سوريّة عربية، يحكمها الحزب ذا التوجّهات القوميّة، تصطفّ إلى جانب قوميّة فارسيّة. كما أنّ سوريّة ذات النهج العلماني الذي يصف الدين بالرجعيّة، تتآلف مع نظام إيرانيّ بصبغة دينيّة.
الموقف الآخر: اصطفاف سوريّة مع الأمريكان، عندما أرسلت الجنود السوريّين إلى صحراء حفر الباطن في المملكة العربية السعودية. لمحاربة العراق وإخراجه من الكويت.
المثقّفون ذوو التوجّهات القوميّة لم أعلم ولم أقرأ لهم تبريرًا  لمعضلتي التي أربكتني على مدى سنوات، أحدثت فجوة واسعة في تفكيري.

عمّان – الأردن
6/ 2 / 2019

الثلاثاء، 29 يناير 2019

الشاعر ابراهيم مساعدة
#الطريق_إلى_الزعتري

( الطريق إلى الزعتري ) اسم رواية أهداها كاتبُها إليَّ خلال زيارتهِ ، الكاتبُ والروائي الجميلِ الأستاذ محمد فتحي المقداد
في منطقة الرّبّـة بمحافظة الكرك
الشاعر . ابراهيم مساعدة

الـوردُ يُعـرفُ بالرّياضِ بزهْــزهِ
وجميلُــهُ يُأتـى إليــهِ لعِطْــــرِهِ

بحَفاوةِ التّرحابِ فيضُ غَمامَةٍ
في ظلّــه في رَيِّـهِ في سِحْـرِهِ

" مقدادُ " نَبــعٌ للمحبّـةِ حيثُمـا 
والنبـعُ يُعـرَفُ بالفَــلاةِ بِوفْـرِهِ

نُزُرُ من الزَمَـنِ الجميـلِ تَحُفُّنـا
حيثُ اللّقاءُ ومن العلومِ وَنَثْرِهِ

و" طريقُـهُ للزعتري " هُمومُـهُ
يا ليتَها  سَارتْ  عَليـهِ بأمْــرِهِ

ما كُلُّ ما يُؤتى إليكَ مصيبــةٌ
فَلَرُبَّ  نازلـ،ـةٍ  عليكَ  لِشُكْـرِهِ

فالصّبرُ يا أهلَ المَهاجرَ نفحَـةٌ
تَحضَـوا بها في جنّـةٍ مِنْ بِرّهِ

#حبيب_الروح
٢٠١٩/١/١٥ م

شهادة إبداعيّة عن الكاتبة آلاء حسن الشعرات

شهادة إبداعية
قُدّمت للأديبة الواعدة آلاء حسن الشعرات — حفل توقيع كتابها رسائل وتين. في منتدى البيت العربي الثقافي. – عمّان:  28/1/2019

كل إبداع أدبيّ هو محطة للقارئ مثلي.. أتوقّف عنده طويلًا مُتفيئًا ظلال روح الكاتب المُتدلّية كقطوف دانية من روحي.. متاهة تأخذني بعيدًا في مسافات زمنيّة استحوذت على حياة الكاتب، آكلة وقته.. حارقة لدواخله اعتبارًا من ولادة الفكرة في مخاضها العسير إلى صارت في صفحات كتاب رسائل وتين.. للأديبة آلاء الشعرات.
** أرسلت وتين إلي نبض رسالتها الأولى: «كم هو شهيٌّ هذا الصباح. وحكايا المطر تناقضٌ مبعثر.. بك يا نبضُ.. أراكَ وأسمعكَ، وأحملكَ جنينًا في أحشائي.
شكرًا لك أستاذي..!!. أنتَ مطلع الفرحة، وأنا نهايتها. أنا صغيرتُك معك. فلا تختلّ جاذبيّة قمري إلّا لعينيْكَ.. أنتَ ميلادي الأوّل، سرجُكَ العالي تلمسُه أناملي، فيهوي ما تبقّى من رماد الكبرياء.
فصل الشتاء نقطة ضعف العشّاق.. ففي حبّكَ أكون عنيفة لا أقبلُ التّراجع، أراكَ طوق النجاة، الذي أهربُ إليه. غريقةٌ أنا يا نبضُ، لم أعُد أعلمُ كيف النّجاة؟.
تعالَ نُسابقُ الرّيح المتأزّمة ونُركدها أرضًا تحت أقدامنا.
عزيزي: أعيشُ بين تراكيب ذاكرتي، وأنتَ حاضرٌ في تلافيفها، علّمتَني كيف أروّضُ كلماتي لتنساب حروفي بين السّطور. صوتُك الدّافئ يحملُني نحو كوكب بعيد أجهلُ اسمه، لأنه لم يُكتَشف بعد».
** بعدما اسْتمعَ نبض بقلبه لها، وقرأ رسالتها مُحلّقًا في فضائها الروحيّ، أجابها: «أنتِ ساحرةٌ يا وتين».
** من جديد كتبت وتين إليه: «أنا لا أبالي يا سيّدي..!!. فأين المشاعر التي دفنّاها سويّة تحت شجرة الدُّر. تلك السّنون لم تكن جديرة على اكتسائي ثوب النّسيان».
** فردّ نبض عليها: «لم تكتمل قصّتنا بعد، ماردُ الصّباح يُسقط العقلانيّة لينتصر القلب، عندما تنضجين بعد طفولتَكِ البريئة ستكونينَ أعظم حُبّ، فهل تتغيّرُ المرأة بعد سنّ الثلاثين؟. لا تكوني إمّعة تريد الهروب من واقعها.. ستصمدين أمام معتركات تواجهينها، نحن كلّ يا أيتها النّساء. وأنتن تولدن من جديد كشعاع الأمل في فجر كل صباح».
** اختتمت وتين برسالتها له: «هل تساءلتَ يومًا أمام نفسك؟. فأنا علياء في جمالي أعاند انحناء الظهر لك. فتتراقص أنوثتي على وتر الشّقاء. أرفض لعبة الاحتكار، فقلبي خطّ أحمر.. احذر الاقتراب، لا تقُل عنّي مغرورة.. تواضعي بعيدٌ عن الكِبر والغرور، يجعلني أسلكُ منابر الرقيّ والتّسامي. سأبتسم ابتسامتي الشهيّة لحياني، وأمضي نحو حلمي.. وسأكون أنا ..أنا».

وبعد ذلك صمتَتِ الشّفاه ونطقتِ العيون. (رسائل وتين) حملت تفاسير الكلام. لا تفتأ تُعلن للملأ شرح الحالة المُثلى للإنسانية، عندما ترتقي بأحاسيسها ومشاعرها رِفعة، بعيدًا عن الهبوط إلى قذارات الحضيض، لتُنافس الملائكة بفضائلها الروحانيّة. وتتسامى على حمأة الجسد المحمومة برغباتها وشهواتها الهائجة.
جاءت مجموعة الخواطر ممزوجة بروح قصصيّة، لتحاكي واقعًا مُدجّجًا بقسوة العواطف المتكلّسة المنبثقة عن نفوس مريضة. ارتضت مغادرة إنسانيّتها بتوحّش تنهش بضراوة القلوب والأرواح تحت مُسمّيات اختزلت الحياة ضمن دائرة ضيّقة من المصالح الآنيّة.
الأديبة آلاء الشعرات استطاعت تسجيل خواطرها وقصصها على شكل رسائل متبادلة بين قطبي الحياة (المرأة والرجل)، لتُسمع صرختها للعالم أجمع وبجرأة الحق، وهي تنظر بعين خبيرة إلى التشوّهات المجتمعيّة، تروم إزاحة الغيار والصدأ والطحالب عن النفوس، من خلال مؤلفها البكر (رسائل وتين)، الذي شكّلت منه نسقًا صادقا واضحًا في مسارات الأدب النسائيّ العربي.
الفطرة السليمة تنتج عقلًا سليمًا يتوخّى الخير والجمال، وإبراز محاسنه من بين رًكام الإنسانيّة المُحتَضَرة على مذبح الظلم والتظالم، وهذا ما ناقشته وعالجته آلاء الشّعرات في رسائل وتين.

عمّان – الأردن
28 / 1 / 2019
محمد فتحي المقداد
قاص و روائي

الاثنين، 28 يناير 2019

نوافذ.. شبابيك - إضاءة أدبية على مجموعة (أغدا ألقاك- للكاتبة عنان محروس )القصصية

نوافذ .. شبابيك
قراءة في مجموعة (أغدا ألقاك) للقاصة عنان محروس
بقلم – محمد فتحي المقداد

نوافذ البيوت تنقذها من احتمال تحوّلها إلى قبور، وهي علامة مُفضية إلى العالم الخارجي، فيدخل الضوء والنّور بحريّة تامّة، تجعل التشارك ميّزة بين الدّاخل والخارج. ونطلق عليها شُبّاك إذا شُبِكت واجهتها بالحديد والخشب للحماية من اللّصوص والحراميّة.
وهي إطلالة تفاعليّة ضروريّة لحياة سليمة تستجيب لقيم الطّبع السويّ، فإذا صارت مثارًا للمشاكل فسدّها وإغلاقها هو الأولى لدرء المفسدة وجلب المنفعة.
«أغدًا ألقاك» ضرب من المواعيد بين صديقين أو حبيبين أو غير ذلك، أمّا وأن تأتي العبارة عنوان لمجموعة قصصيّة للأديبة (عنان رضا محروس)، فهذا اختيار موفّق، سيّما وأنّ الفصل الأوّل جاء تحت عنوان نوافذ، توزّع على خمسة نصوص كانت نوافذ مفتوحة أمام القارئ على نماذج إنسانيّة لها اعتبارها الاجتماعيّ المؤتلف ما بين السُّدى واللُّحمَة.
ولا يسعني في إطلالتي هذه إلّا التوقّف أمام نوافذ أغدًا ألقاك، وهي تستثير في نفسي رغبة سبر ما خلفها مما هو محجوب مخفيّ عنّي.
- النّافذة الأولى: تصدّرتها عبارة تقول: (لا يغفو قلب الأب، إلّا بعد أن تغفو جميع القلوب) -ريشيليو-.  ولكنّ قلب الابن الغافل غفا أمام جبروت زوجته القاسية فلم لزوجها الخيار في ردّ شيء من حقّ أبيه السبعينيّ العاجز عليه.
فكان «يرقب الطّرقات.. وكأن فيها انعتاق روحه من قيد أتعبه سنينًا.. ستائر تافذته الرّثّة  تحجب عنه بعض الرّؤيا.. فتبعدها يده المرتجفة بصعوبة».
 الذي سمع بأمر ظالم يُخرجه من بيته إلى دار العجزة. فتوقّف قلبه الضّعيف حزنًا وكمدًا من ظلم لا يستطيع دفعه عن نفسه في مثل هذا العمر الوَهِن، وصار ذكرى منسيّة من قلب ابنه العاقّ.

- النّافذة الثانية، تصدّرتها عبارة غاندي: «الرٍجل.. ما هو إلّا نتاج أفكاره .. بما يُفكّر، يصبح عليه»، لنرى نموذجًا بشريًا مختلف تمامًا بانحراف سلوكيّ مُتلاعب بعواطف الآخرين خاصّة من الجنس اللّطيف لا يرعوي ذمّة ولا خُلُقا، وقد أضاع بوصلته  وانطلق بتوحشّه خاليًا من بقايا ضمير، وهو يغسل خطاياه بدموع الضحايا. وكل جرائمه جاءت عبر النّافذة: «عند نافذة قريبة أضواؤها خافتة، وقف رجلٌ وسيمٌ مُصاب بأنيميا حبٍّ مُزمن لا شفاء منه. الجزء الأعلى من جسمه يظهر من النّافذة، ويختفي الجزء الأسفل تحت حافّتها، وقف يُلوّح بلهفة عاشق لصبيّة جميلة، نافذتها تًقابل نافذته».

- أمّا النّافذة الثالثة، فقد تصدّرتها عبارة غاندي ثانية: «ساعة الغضب ليس لها عقارب»، ومنها نرى حال الزوجة المخلصة مقابل زوج غير قانع بما لديه، فيهيم ضياعًا في دروب بائعات الهوى خيانة لأمانة الحياة الزوجيٍّة. «لماذا ننسى قيمة عندما تكون لنا.. نغالط أنفسنا ونطارد الوهم».  فماذا يكون انعكاس ذلك على الزوجة: «ينعكس خيال صورتها على زجاج النّافذة، فتستغرب ما ترى..!!. تحوّل وجهها الملائكيّ إلى مخلوق بشع». من المؤكّد صدق حديث المرايا، فهو حقيقة مجرّدة بلا رتوشات مّزوّقة.

- وعند النّافذة الرابعة نجد أنّ: «المصائب نوعان: حظٌّ عاثر يصيبنا، وحظٌّ حسنٌ يصيب الآخرين» جاء ذلك على لسان -أمبيروسبيرس- لنتوقّف أمام حالة فريدة حقيقة، أرملة شهيد تعمل تحت غطاء اللّيل راقصة في مرابع السّمر، لتقوم بتربية أولادها عندما ضاقت في وجهها سُبُل العيش، وتُخفي عن أولادها الصّغار الذين ينتظرون عودتها دقيقة بدقيقة، وقد أدمنوا ذلك: «من بعيد رأت ضوءًا ينبعث من نافذتها، وثلاثة أزواج من عيون بريئة، تسعى هي بكلّ قوّتها لإبقائها حُرّة أبيّة.. ذات يوم جلست قرب نافذتها.. وامتدّ نظرها إلى الشّارع المُعتِم، وكأنّ الطّرقات المفتوحة هي السجن والعزلة، وجدران بيتها هي الانعتاق والحريّة».

- النافذة الخامسة والأخيرة، تصّدرتها مقولة الشّاعر محمود درويش: «لا أستطيع الذّهاب إليكِ.. ولا أستطيعُ الرّجوع إلي». وقضية السّاعة في الزواج العُرفي خارج إطار القانون النّاظم للحقوق والواجبات، ف «قطرات من النّدى على زجاج النّافذة زادت من غبَش الرّؤية.. لأنثى تنتظر وصوت أذان الفجر يُبشّر بيوم جديد».
صور عديدة جاءت بها القاصّة والروائيّة عنان محروس في ثوب شديدة البياض بنقائه الشفيف عن حسّ مليء بضميره اليقظ ذي النّزعة الإصلاحيّة في إطار خُلُقيّ متين، سلطّت الضوء على معاناة ومآسي اجتماعيٍّة خطيرة تحيق بفئات من النّاس وهم بحاجة ليد العوْن تمتدّ لانتشالهم إلى برّ الأمان.

عمان – الأردن
6 /1 /2019

نوافذ.. شبابيك .. إضاءة على مجموعة(أغدا ألقاك - للأديبة عنان محروس)القصصية

نوافذ .. شبابيك
قراءة في مجموعة (أغدا ألقاك) للقاصة عنان محروس
بقلم – محمد فتحي المقداد

نوافذ البيوت تنقذها من احتمال تحوّلها إلى قبور، وهي علامة مُفضية إلى العالم الخارجي، فيدخل الضوء والنّور بحريّة تامّة، تجعل التشارك ميّزة بين الدّاخل والخارج. ونطلق عليها شُبّاك إذا شُبِكت واجهتها بالحديد والخشب للحماية من اللّصوص والحراميّة.
وهي إطلالة تفاعليّة ضروريّة لحياة سليمة تستجيب لقيم الطّبع السويّ، فإذا صارت مثارًا للمشاكل فسدّها وإغلاقها هو الأولى لدرء المفسدة وجلب المنفعة.
«أغدًا ألقاك» ضرب من المواعيد بين صديقين أو حبيبين أو غير ذلك، أمّا وأن تأتي العبارة عنوان لمجموعة قصصيّة للأديبة (عنان رضا محروس)، فهذا اختيار موفّق، سيّما وأنّ الفصل الأوّل جاء تحت عنوان نوافذ، توزّع على خمسة نصوص كانت نوافذ مفتوحة أمام القارئ على نماذج إنسانيّة لها اعتبارها الاجتماعيّ المؤتلف ما بين السُّدى واللُّحمَة.
ولا يسعني في إطلالتي هذه إلّا التوقّف أمام نوافذ أغدًا ألقاك، وهي تستثير في نفسي رغبة سبر ما خلفها مما هو محجوب مخفيّ عنّي.
- النّافذة الأولى: تصدّرتها عبارة تقول: (لا يغفو قلب الأب، إلّا بعد أن تغفو جميع القلوب) -ريشيليو-.  ولكنّ قلب الابن الغافل غفا أمام جبروت زوجته القاسية فلم لزوجها الخيار في ردّ شيء من حقّ أبيه السبعينيّ العاجز عليه.
فكان «يرقب الطّرقات.. وكأن فيها انعتاق روحه من قيد أتعبه سنينًا.. ستائر تافذته الرّثّة  تحجب عنه بعض الرّؤيا.. فتبعدها يده المرتجفة بصعوبة».
 الذي سمع بأمر ظالم يُخرجه من بيته إلى دار العجزة. فتوقّف قلبه الضّعيف حزنًا وكمدًا من ظلم لا يستطيع دفعه عن نفسه في مثل هذا العمر الوَهِن، وصار ذكرى منسيّة من قلب ابنه العاقّ.

- النّافذة الثانية، تصدّرتها عبارة غاندي: «الرٍجل.. ما هو إلّا نتاج أفكاره .. بما يُفكّر، يصبح عليه»، لنرى نموذجًا بشريًا مختلف تمامًا بانحراف سلوكيّ مُتلاعب بعواطف الآخرين خاصّة من الجنس اللّطيف لا يرعوي ذمّة ولا خُلُقا، وقد أضاع بوصلته  وانطلق بتوحشّه خاليًا من بقايا ضمير، وهو يغسل خطاياه بدموع الضحايا. وكل جرائمه جاءت عبر النّافذة: «عند نافذة قريبة أضواؤها خافتة، وقف رجلٌ وسيمٌ مُصاب بأنيميا حبٍّ مُزمن لا شفاء منه. الجزء الأعلى من جسمه يظهر من النّافذة، ويختفي الجزء الأسفل تحت حافّتها، وقف يُلوّح بلهفة عاشق لصبيّة جميلة، نافذتها تًقابل نافذته».

- أمّا النّافذة الثالثة، فقد تصدّرتها عبارة غاندي ثانية: «ساعة الغضب ليس لها عقارب»، ومنها نرى حال الزوجة المخلصة مقابل زوج غير قانع بما لديه، فيهيم ضياعًا في دروب بائعات الهوى خيانة لأمانة الحياة الزوجيٍّة. «لماذا ننسى قيمة عندما تكون لنا.. نغالط أنفسنا ونطارد الوهم».  فماذا يكون انعكاس ذلك على الزوجة: «ينعكس خيال صورتها على زجاج النّافذة، فتستغرب ما ترى..!!. تحوّل وجهها الملائكيّ إلى مخلوق بشع». من المؤكّد صدق حديث المرايا، فهو حقيقة مجرّدة بلا رتوشات مّزوّقة.

- وعند النّافذة الرابعة نجد أنّ: «المصائب نوعان: حظٌّ عاثر يصيبنا، وحظٌّ حسنٌ يصيب الآخرين» جاء ذلك على لسان -أمبيروسبيرس- لنتوقّف أمام حالة فريدة حقيقة، أرملة شهيد تعمل تحت غطاء اللّيل راقصة في مرابع السّمر، لتقوم بتربية أولادها عندما ضاقت في وجهها سُبُل العيش، وتُخفي عن أولادها الصّغار الذين ينتظرون عودتها دقيقة بدقيقة، وقد أدمنوا ذلك: «من بعيد رأت ضوءًا ينبعث من نافذتها، وثلاثة أزواج من عيون بريئة، تسعى هي بكلّ قوّتها لإبقائها حُرّة أبيّة.. ذات يوم جلست قرب نافذتها.. وامتدّ نظرها إلى الشّارع المُعتِم، وكأنّ الطّرقات المفتوحة هي السجن والعزلة، وجدران بيتها هي الانعتاق والحريّة».

- النافذة الخامسة والأخيرة، تصّدرتها مقولة الشّاعر محمود درويش: «لا أستطيع الذّهاب إليكِ.. ولا أستطيعُ الرّجوع إلي». وقضية السّاعة في الزواج العُرفي خارج إطار القانون النّاظم للحقوق والواجبات، ف «قطرات من النّدى على زجاج النّافذة زادت من غبَش الرّؤية.. لأنثى تنتظر وصوت أذان الفجر يُبشّر بيوم جديد».
صور عديدة جاءت بها القاصّة والروائيّة عنان محروس في ثوب شديدة البياض بنقائه الشفيف عن حسّ مليء بضميره اليقظ ذي النّزعة الإصلاحيّة في إطار خُلُقيّ متين، سلطّت الضوء على معاناة ومآسي اجتماعيٍّة خطيرة تحيق بفئات من النّاس وهم بحاجة ليد العوْن تمتدّ لانتشالهم إلى برّ الأمان.

عمان – الأردن
6 /1 /2019

الجمعة، 25 يناير 2019

حذاء أوروبي (قصة قصيرة)




«المنخفض القادم هذه المرة قطبي بارد جدًّا مؤكّد هطول الثلوج بكثافة ابتداء من مساء غد». مشى عايش بخطوات بطيئة، الكلمات التي سمعها صنعت متراسًا في أذنيْه، ولم تكتف، بل راحت تتسلّل لمداعبة حيرته حيال انتظاره العاجز، مظهره موحٍ ببؤس منبثق من بين أسمال أردانه مُهلهلة المظهر.
أفكاره مضطربة حدّ الصّراع، عجزه التّام في إيجاد نقطة البداية لمشروع مقاومة تبعات مترافقة مع الضيف القادم غدًا.
أتعبه المشي في شوارع المدينة. اتّكأ على جدار بعيد عن أبواب المحلّات التجاريّة. المارّة غارقون في اهتماماتهم ومقاصدهم التي يبتغونها. على مدار ساعة كاملة تابع تأمّلاته لتقاطيع وجوه من مرّوا أمامه. قرأ ملامحهم بتأنٍّ استغرقه، وابتعد به تفسيرًا وتأويلًا أنساه واقع حاله الذي لا يحتمل التأجيل ولو لساعة واحدة.
برودة الجدار اخترقت ملابسه وسرَت في أعصابه وعضلات كتفه، شعر بخدر انحدر إلى ساعده وصولًا إلى معصمه وكفّه. بحركات قويّة من يده الأخرى فرَك أصابعه لتبديد التنميل الطارئ عليها. 
«يا إلهي البرد لا ينتظرني كي أُكمل استعداداتي..!!. ولا يمهلني إذا جاء موعده». هذه الكلمات البسيطة المفهومة بدلالاتها، انطلق بها لسان عايش ليُسمِع أذنيْه فقط. رسالة عاجلة من داخله دفعت به لاتخاذ أمر هامّ غاب عن حياته منذ ثلاثة أشهر عندما فُصِل من وظيفته في الشركة التي كان يعمل فيها.
تلمّس محفظة نقوده اطمأن قلبه إلى ما تبقّى فيها من بقايا تعويض نهاية خدمته. عادت نبضات قلبه نشطة مُتجدّدة، تواثبت أمنياته تزاحُمًا لكسب الوقت. لا محال لاحتمال التأخير وعيناه ترقبان مقدّمة حذائه كمن فغر فاه من جوع أو عطش.
 مع بداية كلّ شهر. عند استلام راتبه؛ تنفتح عليه أبواب من طلبات أسرته تفوق طاقة راتبه، على مدار سنة كاملة حلُم بحذاء جديد متوسّط الجودة. لحظة الحسم كانت في محل عتيق في أحد الشوارع الفرعيّة خاصّ ببيع موديلات أحذية أوربيّة مستعملة ذات مستويات من الجودة المختلفة. على مدار نصف ساعة من البحث وتقييس ما راق له منها. البائع البائس نظر بازدراء لقدم عايش، وكيف تستطيع أن تكون داخل الحذاء المُتوسّع كالاستيطان الصهيوني في جميع الاتجاهات؟. 
استعلاء بنبرة صوته عندما يجيب على تساؤلات عايش عن سعر كلّ زوج من الأحذية. هو لا يأبه لقرف البائع ولا لنظراته. 
- حاول عايش تسلية نفسه وإقناعها: «مؤكّد أن هذا المحل دخله قبلي ابن أحد المسؤولين، وما الفرق بيني وبينه؟». 
مضى في بحثه بهمّة ونشاط للخروج من مأزقه، صدمة السّعر الذي طلبه البائع جعلته يتمرّد على ما بنفسه بعد إقناعها: «أوه رضينا بالهمّ، والهمّ ما رضي بنا، ووجه كلامه للبائع من جديد: أفّ..!! السعر غالي جدًّا، يعادل ضِعفيْ الجديد غير الملبوس من قبل».
- البائع: «نعم.. ولكنّها قطعة تستحقّ ثمنها لجودتها كماركة عالميّة، وهي أخت للجديد، بل في الحقيقة هي أفضل، انظر..!!.. إنّها غير ملبوسة كثيرًا، وأكبر ظنّي أنها سُرقت من صاحبها، أو انّه مُصاب بهوس شراء الموديلات الأحدث».
- عايش: «على كلٍّ لا تعدوا مهما علت ستبقى مستعملة، وما يدريني من استخدمها من قبل، أهو ملاك أم شيطان.. أم لصّ محترف ومهرّب مخدّرات، أو صحفيّ أفّاق كذّاب يملأ الدنيا بكذبه؟».
- البائع: «وماذا يضيرك من كلّ ما ذكرت إذا كان هناك في بلادهم؟. متأكّد أنّك ستدعو لي بظهر الغيب بعد أن ترتاح قَدَماكَ فيه».
تذكّر أمر غدٍ، وكفّ عن مجادلة البائع مختصرًا التمدّد في الحديث معه بعد خصم مُرضٍ حصل عليه، ولم يتردّد في إيداع حذائه الأصلي حاوية الزّبالة قبالة المحلّ، غير آسف عليه بعد أن لبس الجديد.

عمّان – الأردن
16 / 1 / 2019

تأملات قرآنية