السبت، 20 يوليو 2024

حقيبة بيت العائلة

حقيبة بيت العائلة


قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد


لم يبْدُ عليه الاهتمام أثناء تفقّده لمحتويات الحقيبة البُنيَّة اللَّون المُنتفِخة الأحشاء بالرَّسائل والأوراق منذ عشرين عامًا، القابعة في مُستودَع الجهة الخلفيَّة لبيت العائلة القديم. الظَّلام لا يُفارقها بعد الحادث الأليم على الأوتستراد الدوليّ. عندما تصادف توقّف سائق شاحنة النّقل الكبيرة، ونزل لقضاء حاجته في نفس مكان الحادث الذي وقع قبل يومين من مروره، عَلْتها طبقات الغُبار والأتربة المُتطايرة وفيها انطمرت أحلام للشاب حسام بالحصول على منحة الدراسة الجامعيّة، وتبدّد انتطاره ثمّ طَواها النِّسيان، ولم تمسّها يدٌ إلَّا يد ابنته الصُّغرى حينما أمَرَتْها أمّها وقتذاك بأخذ الحقيبة إلى هناك: 

-"يا سارة خُذي هذه الحقيبة للمستودع، لا حاجة لبقائها هنا". 

- بلا تردّد ولا تأفُّف: "حاضر يا أمّي". 

اِتّفاق الورثة على بيْع بيت العائلة المُشتَرك؛ اِشْتراه تاجر عقار شهير بعد مُساومات وإغراءات وتهديدات مُبطَّنة، وكان قد أخذ جولة تفقديَّة، ومن عادته نبش الأشياء المُهمَلة والقديمة، ورَوُوا عنه عبارة ترددّت على لسانه أكثر من مرّة: 

-"كثيرًا ما ينسون أشياء مفيدة، وذات قيمة في جيوب الملابس والحقائب النّسائيّة العتيقة، يرمونها لضجرهم منها. في صغري اِشْتريتُ بنطال جينز من إحدى محلّات الألبسة الأوربيّة المُستعملة (البالة)، في غرفة المقاسات جرّبت قياس خصره الذي توافق تمامًا. المفاجأة عندما دسَسْتُ يدي في أحد جُيوبه لتلقط مئة دولار، نقلتها إلى محفظتي في البنطال القديم، حتّى لا يشعر البائع ويأخذها، وربّما لن يتمّ الاتّفاق على السّعر فأخسر الصّفقة". 

في المُستودع الخلفيّ المهجور، وقعتْ عيناه على حقيبة الرّسائل التي ما زالت على وضع يد البنت سارة. نَفَض عنها تراكمات الزّمان، تأبَّطها بحرص إلى أن اِسْتقرّت في صندوق سيّارتهَ.

وحسب شخص، وأظنُّ بحسده  لتاجر العقارات الشّهير، حينما سمع بصفقة شراء بيت سائق الشّاحنة، أسرَّ لبعض أصدقائه: 

-"السبب الحقيقيّ لثراء هذا التاجر الذي أصبح من أهمِّ تُجّار البلد هو أنّه في أيَّام فقره كان دائم التردُّد على المزابل وحاويات القمامة، بعد منتصف اللّيل. ومرّة فتّش ألبسة وأغراض شخص شحّاد قضى نحبه في البرد الشديد، نثر فرشته المهترئة فانتثرت بين يديه خمس رُزَم من المصاري من فئة الخمسمئة ليرة". 

مؤكّدٌ أنّ أحدهم أطلق من بين شفتيْه صفيرًا، أكادُ أسمع صفيره أثناء الكتابة، عندما رفع حاجبيْه للأعلى وصَفَق يدًا بيد، وقال: 

-"سبحان الله المُعطي.. يعني هالثروة أساسها ذلك الشحَّاد؟". 

حسب تصريحات السِّمسار: "في نيَّته إقامة عمارة طابقيَّة مكان البيت، بلمسة عصريّة بواجهاتها الزُّجاجيَّة القاتمة العاكسة للضُوء والشّمس". وتمَّت الصّفقة. ظهيرة اليوم الثَّاني كان موقع البيت ساحة تُرابيَّة، الجرَّافات والآليَّات الثَّقيلة لم تترك شيئًا غير مُكترثة بتاريخ البيت. بلا رحمة جرفت الذكريات والأحلام وما تبقَّى من سَقْط المَتاع، اِنْمحى كلُّ أثر، أشعَّة  الشَّمس اللَّاهبة لم تتوانَ عن تسخين المكان، والرّيح ماضية بإثارة مَوْجات الغُبار المُتتالية، تتطاير لتُشكّل طبقات على نوافذ البيوت في المحيط وأبوابهم. الجوارُ مُتأفّفٌ بصمت لا رغبة عندهم برفع أصوات الاِحْتجاج، ولا نيَّة بتقديم شكوى جماعيَّة إلى بلديَّة المدينة. بإجماع قالوا: 

-"الشَّكوى لله. سنصبر.. ها نحن صامدون".

على أطراف المدينة البعيدة وحصرًا في الجهة الجنوبيّة الشّرقيّة يقع مكَبُّ النّفايات الذي أصبح موطنًا لتجمُّعات  من عشوائيَّات الصّفيح وبقايا المُخلّفات؛ تضمُّ المُشرّدين العاطلين عن العمل والمُنحرفين والمُتعاطين. نشأت هناك سلطات أخرى غير رسميّة فرضت هَيْبتها وقانونها بقوّة عضلاتها.

ضربة فأس لم تكن قويّة بما يكفي لانهيار كَومَة من المُخلّفات؛ لتحدُث المفاجأة للمرّة الأولى لحسام الذي يعمل هنا منذ خمس سنوات وأكثر. 

"ما هذا..! يا إلهي، رسائل غير معقول أن يرمي أحدهم بهذه الكميّة!" أعادها للحقيبة المُنفتقة ووضعها بكيس آخر. حملها إلى كوخه غير البعيد من هنا. مع أضواء آخر النّهار أصابته نشوة طارئة تسرّبت لقراءتها. عاوَدهُ فُقدان رغبة القراءة والكتابة التي كانت عشقه. 

توالى فتح الرسائل واحدة تِلوَ الأخرى، وانفتحت نافذة تزامنت مع آخر حُصونه المُوشكة على الاِنْهيار، أثناء قراءته للرّسالة العاشرة: 

-"السيّد حسام، بعد الاطّلاع على أوراقكَ التي تقدّمتَ بها للجامعة من أجل الحُصول على منحة لدراسة الهندسة، نُعلمكَ عن موافقتنا، وقبولك للعام الدراسيّ القادم بعد إجراء المُقابلات اللّازمة". 

تحجّرتْ يده على الورقة التي دعكها بقوّة كفّه الخشنة. لاكَتْها أسنانه غير آبِهٍ بطعم الحبر والعفن. داهمَهُ مغصٌ شديد وانتهى كلّ شيء مع توقّف أنفاسه.

الثلاثاء، 16 يوليو 2024

استطلاع. هشام العطار

سؤال. هشام العطار. مصر. 

... 

لماذا تكتب ايها الاديب 

هناك خمسة اختيارات يمكن ان تختار احد منها او تختارها كلها معا 

1. **التعبير عن الذات**: يكتب الأدباء للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم وتجاربهم الشخصية. الأدب يوفر وسيلة للكاتب ليشارك جزءاً من نفسه مع القراء.

2. **التواصل**: الأدب يُعتبر وسيلة لتواصل الأفكار والثقافات بين الناس والمجتمعات. من خلال الأدب، يمكن للناس فهم تجارب ومشاعر الآخرين.

3. **التأثير والتغيير**: يسعى بعض الأدباء إلى إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي من خلال أعمالهم الأدبية. الأدب يمكن أن يكون أداة قوية للتوعية والتأثير.

4. **الترفيه**: الأدب يُكتب أيضاً للترفيه والتسلية. القصص والروايات والشعر يمكن أن توفر هروباً من الواقع وتخلق عوالم جديدة للقارئ.

5. **الحفاظ على الثقافة والتاريخ**: الأدب يمكن أن يكون وسيلة لحفظ تاريخ وثقافة مجتمع معين، ونقلها للأجيال القادمة.

يمكنك ان تعطي نسبه مئويه لكل من تلك الختيارات بحيث يكون المجموع ١٠٠%

مثلا

٣٠% لتحقيق الذات

٢٠% للتواصل 

وهكذا

...... 

الجواب : الروائي محمد فتحي المقداد


تلقَّيتُ سؤالًا استطلاعيًّا مُهِمًّا من الصَّديق الشَّاعر "هشام العطَّار": لماذا تكتب؟ ، والسُّؤال متُفرّع إلى خمسة مسارات:

1-(للتعبير عن الذّات):٣٠ بالمئة


2-(التواصل): ٢٠ بالمئة


٣-(التّأثير والتغيير):٢٠بالمئة

 ٤- (الترفيه): ١٠ بالمئة 


٥-(الحفاظ على الثقافة والتاريخ):٢٠بالمئة


السبت، 13 يوليو 2024

ملامح القصة السورية

 ملامح القصة في سورية 

المقدمة :

القصة جنسٌ من الأجناس الأدبية العربية ، و إن كان قد سبقها الشعر ، حيث أن الشعر هو ديوان العرب .

و القصة الناجحة تجذب اهتمام القارئ لتوفّر عنصر التشويق و العقدة ، حيث تتشابك الأحداث و تتصاعد ليصل الكاتب إلى الحلّ أو النهاية .

و تبقى القصّة تعبّر عن الحياة ، و كلما كانت واقعية في أحداثها ، و جاذبة بلغتها و أسلوب سردها ، كانت أكثر نجاحاً .

و باعتبار أن العربَ تعرّفوا على القصّ من خلال قصص القرآن الكريم ، فقد تعلّقوا بهذا الجنس الأدبي ، و بدأت تظهر حركة القصّ في سورية ، و بقية الأقطار العربية .


البحث :


قد ظهرت بذور القصة في سورية في الثلث الأول من القرن العشرين ، و يؤكد  د. حسام الخطيب أستاذ الأدب المقارن في جامعة دمشق : أن ملامح القصة السورية ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين ، و قد أورد في بحثه أن أشهر القاصّين في تلك الفترة  د. عبدالسلام  العُجيلي ، حسيب كيّالي ، سعيد حورانية .

كما يؤكد بعض مؤرخي الحركة الأدبية في سورية ، أن هذه الحركة بدأت بين الحربين العالميين الأولى و الثانية ، و بعد حركة تعريب الكتب في سورية ، و بعد أن باشر محمد كرد علي بتأسيس المجمع العلمي العربي ، الذي كان يمثّلُ صوتَ اللغة العربية ، تم تأسيس الجامعة السورية .

و ربما كان شكيب الجابري من السّبّاقين في كتابة القصة السورية حيث كتب قصة (( نهم )) و بعدها (( قصور الشام )) لمحمد النّجار ، ثم ظهر على الساحة مجموعتا (( ربيع و خريف )) لعلي الخلقي ، و بعدها ظهر انتاج شفيق جبري ، و فؤاد الشايب ، و بديع حقي ، و غيرهم ، بالإضافة إلى ظهور بعض المجلات الأدبية التي تهتم بالقصّة ، و على رأسها مجلة (( الصباح )) ثم مجلة (( النّقّاد )) حيث انتعشت القصة السورية عن طريق هاتين المجلتين .

و تبلور هذا الفنّ بظهور عشرات من المجموعات القصصية لمجموعة من القاصّين السوريين . 

و بعدها لعبت الصحف مثل (( الآداب )) (( و الطليعة )) (( و النقاد )) دوراً هامّاً في تطور القصة السورية ، حيث كانت تعالج ما يعانيه المواطن السّوري في تلك الحقبة .

و في فترة الخمسينيات تشكّلت رابطة الكتاب السوريين و أصدرت مجموعة مشتركة بعنوان (( درب إلى القمة )) و التي ألقت الضوء على الواقع الاجتماعي و الفكري في تلك الفترة ، و بخاصّة القضية الفلسطينية ، و قد بكّرَ عبدالسلام العُجيلي بالكتابة عن النكبة الفلسطينية ، و حذا حذوه أدباء سوريون ، فمجّدوا النضال و الكفاح في قصصهم حيث أقبل عليها الجمهور بنهمٍ و رغبة ، و في الخمسينيات و السّتينيات كان تركيز الأدباء على الهموم الوطنية و القومية و الاجتماعية ، و فيها على سبيل المثال : هموم المرأة و العادات و التقاليد و الزواج و الإنجاب و الشرف ، و الدعوة للالتزام الأخلاقي و التمسك بالقيم الخلقية الأسرية ، فظهرت قصة (( أنصاف مخلوقات )) لاسكندر لوقا و قد حارب في قصصه التحلل و الفساد الخلقي و القيمي .

و قد ركّزت القصص آنذاك على الظروف الحياتية و الفقر ، و التسوُّل و الكسب غير الشريف و غيرها ، و برز من الكتاب عبدالسلام العُجيلي ، حسيب كيّالي ، سعيد حورانية و غيرهم ، و كان للعُجيلي الدور الواضح و الملتزم بقضايا الناس الفقراء ، و قيم الحق و العدالة الإنسانية ، و الحبّ ، بينما ركز حسيب كيّالي في قصصه و منها (( حفّار القبور )) على انتقاداته اللاذعة للوضع السياسي ، و تقديم نماذج بشرية و طباع متنوّعة بتلقائية سردية أشبه بالمكاشفات . 

و كانت للمرأة السورية دوراً في النهوض بالقصّة السورية ، فقد كتبت وداد سكاكيني (( مرايا الناس )) و التي صوّرت فيها العادات و التقاليد السائدة في الخمسينيات من القرن العشرين ، وكانت مساهمة العُجيلي  في تطور القصّة بشكلها الفني المعروف الأثر الكبير في نُموّ و رسوخ هذا الفنّ . 

ويرى د.نعيم اليافي في كتابه ((التطور الفني يشكل القصة في الأدب الشامي)) ان القصة السورية مرّت بمراحل هي:

المرحلة الاولى:قبل الخمسينات،وهي مرحلة البدايات للقصة السورية.

والمرحلة الثانية:بين الخمسينات والستينات وهي مرحلة التقدّم على المستوى الفنّي للقصة السورية.

والمرحلةالثالثة:بعد الستينات،وهي مرحلة نضوج القصة القصيرة السورية.

وقد اهتم بالأسلوب القصصي كلٌّ من:وداد سكاكيني،قدري العمر،سامي الكيّالي،سلمى الحفّار الكزبري.

اما روّاد الاتباعية الجديدة فكان على رأسهم عبد السلام العُجيلي،اما أشهر روّاد الواقعية فكان حسيب كيّالي،ألفة الادلبي،فارس زرزور،مراد السباعي،صميم الشريف.

ومن روّاد الواقعية الاشتراكيّة،سعيد حورانية وحنا مينه وتعد فترة ما بعد الاستقلال في سورية فترة الانطلاقة الصحيحة للقصة،حيث سجل الأدب التطلعات الاجتماعية والسياسية للتخلص من التخلف والجهل،والتناقضات،لذا كان المذهب الواقعي هو الطاغي.

وفِي تلك الفترة رفع بعض الأدباء شعار((الفنّ للفنّ)) ولكن حشدٌ كبير من الأدباء القاصين طرح شعاراً جديداً هو((الفنُّ في سبيل الحياة ))حيث شدد هؤلاء الأدباء على مجموعة من القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية،وبذلك حشدوا تطلعات الجيل الناهض في سبيل  حياة العزة  والكرامة وصياغة أدب يخدم الانسان وقضاياه،وتتطلع لمواكبة الحركة الأدبية العالمية.

وقد بلغت القصة السورية ذروتها في عقدالتسعينات حيث صدر في هذا العقد:خمسمئة وتسعٌ وعشرون مجموعة قصصية،كما قال د.نضال صالح،كما تنامى الصوت النسائي القصصي في تلك الفترة أيضاً.

ففي المجال الاجتماعي صدر((اعترافات ناس طيبين)) لفاضل السباعي((الرسالة الاخيرة ))لفؤاد حداد وقصة((فنان))لابراهيم كبة،وقصة((لحظة دهر))للقاص  والمسرحي محمد الخفري الذي نال عدة جوائز على كتاباته.

أمّا في المجال الوطني القومي.فقد صدر((نص لص))و ((السادس والعشرون))لبسام كوسا و((إيحاءات))     لضياء قصبجي و((غناء البنفسج))لعبد الرحمن سيدو، و((ليلة المغول))لمحمد ابو معتوق، و((مملكة الصمت))لناديا  خوست و((الغربة وحالها))لوليد اخلاصي،و((المغني و النخلة))لخليل جاسم الحميدي، و((مرآة الذاكرة))لمراد السباعي، و((القناع)) لفرح اثاسي،و ((الانسان والأفعى)) لعيسى اسماعيل، و ((شبكة العنكبوت)) لأكرم ابراهيم، و((صور من الواقع)) لحسين علي محمد.

وما قبل الألفين بقليل ظهر جنس ادبي في مجال القصة وهو ((القصيرة جدا)) و التي تهتم بتكثيف الأحداث واللغة والسرد،ومازال هذا النوع يشق طريقه بحياء في عالم الأدب القصصي في سورية.

وفِي هذه الفترة ظهر كتاب الأدب الساخر مثل د.يوسف جاد الحق في قصته (( وأقبل الخريف )) و كذلك الأديب القاص خطيب بدلة .

و قبل عام الألفين تميزت هذه الفترة بغزارة انتاج القصص و ظهور أدباء جدد على الساحة الأدبية السورية .

و في جنوب سورية مثلاً برز القاص حمدي البصيري في قصة (( نساء ينتظرن )) و كذلك الأديب الشاب محمد طلب في مجموعته (( الوجه الآخر )) .


الخاتمة:


ومن هنا يتأكد لدينا ان القصة السورية كانت تمثل صفحة مشرقة من صفحات القصة في الوطن العربي الكبير مع وجود تفاوت بين أقطار الوطن العربي،وقد ظهرت في سورية قامات ادبية شامخة سجلت حضورها في سجل القصة العربية.

ولا شك ان القصة العربية تنمو وتزدهر في ظل مناخ الحرية والتوازن الاقتصادي  

والاستقرار الاجتماعي بين طبقات الشعب،وعلى العكس تتراجع القصة بوجود الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة والقلق  والاضطرابات.

                 

              تقديم:خليل النابلسي

الأربعاء، 10 يوليو 2024

كتاب. مملكة الحيوان. سعيد العريبي

 

إضاءة على كتاب

"مملكة الحيوان" للكاتب "سعد العريبي. ليبيا.

 

بقلم محمد فتحي المقداد

 

عالَم الكتاب بطبيعته مُنفتِح على الكونْ أجمع؛ فالكاتب أيقونة مُتفرّدة في سماوات الأفكار والإبداع، ولا كتابة بلا قصديّة إصلاحيّة وتخريبيّة، بل هي رسائل مباشرة ومُشفّرة، وبتساؤل بسيط ومشروع: لماذا يلجأ كثير الكثير من الكُتّاب للترميز والأسطرة بإسقاطاتها ومحاولة مزاوجتها مع الواقع؟.

بطبيعة الحال فإنّ عوامل الخوف من الرّقابة والتهميش والبطش والسّجن والسّحل، هذه المُحدّدات خلقت إشكاليَّة راسمة لملامح العلاقة بين المُثقّف والسّلطة، التي تتحدّد وِفْق الظُّروف الاجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة التي تتحقّق فيها، ووفق منطق وماهيّة السّلطة القائمة يتحدد موقف المثقف منها؛ ليجد المثقّف نفسه في موقف معقد، حيث يتعيّن عليه التفاعل مع سلطات متعدّدة الأوجه. هذه السّلطات قد تكون سياسيّة، دينيّة، اجتماعية، أيديولوجيّة.

المثقف المعرفي مختلف بطبيعته التكوينيّة، على عكس المثقّف الأيديولوجيّ الذي لا يقطع الحبال مع السّلطة،لاعتماده بأن الحركة الفكرية لا يمكن أن تتجسد وتتحقق دون دعم ورعاية من سلطة ما. هذه السلطة قد تكون دولية، دينيّة، حزبيّة؛ لذلك من الطبيعيّ أن يجد المثقّف نفسه في موقف برضاه أو بالإكراه يتطلّب التفاهم والتفاعل مع هذه السّلطات، ويُعتَبر التناغم بين المثقّف والسّلطة أمرًا معقدًا. قد يكون هناك توافق أحيانًا، وتصادم في أوقات أخرى. يعتمد ذلك على الظّروف والتحدّيات التي يواجهها كلّ من المثقف والسّلطة في مجتمع معيّنُ.

الأمر الذي تكرّر مع الكتاب الذي بين أيدينا "مملكة الحيوان" لمّؤلّفه اللّيبيّ "سعيد العريبي"، وقال في هذا الصّدد: (هذا الكتاب منع من النشر أيام النظام السّابق، بموجب تقرير رابطة الأدباء والكتاب اللّيبيين بشأن منعه من النشر).

وفي العودة للمفكر والباحث" "إدوارد سعيد"، فقد كان يرى أن المثقّف شخص نخبويّ، ذو رسالة، ولا مُنتمٍ، ولا يكتسب رزقه من المعرفة، وناقد للوضع الحاليّ، بُغية إصلاحه، أو كما يصفه: (منفي، هامشي، هاو، ومؤلف لغة تحاول أن تقول الحقيقة للسّلطة). وما ينطبق على الكاتب والأديب "سعيد العريبي" وكتابه "مملكة الحيوان"، وتشاكُلات هذا العنوان بتقاربات مع عناوين كتب وروايات بمثل هذا العنوان، مثل "المملكة الحيوانية. تأليف بيتر هولاند"، ورواية "مزرعة الحيوان. جورج أورويل". ولتجلية المفهوم الذي نعالجه، نعود لمقولة "إدوارد سعيد": «إن لكلِّ مُثقفٍ أو مُفكر جمهورًا وقاعدة؛ أيْ جمهورًا مُعينًا يَسمعه، والقضية هي: هل عليه أن يُرضي ذلك الجمهور، باعتباره زبونًا عليه أن يُسعِده، أم أن عليه أن يتحدَّاه؛ ومن ثَم يُحفِّزه إلى المعارضة الفورية أو إلى تعبئة صفوفه للقيام بدرجةٍ أكبر من المشاركة الديمقراطية في المجتمع؟ أيًّا كانت الإجابة على هذا السؤال، فإنه لا بد من مُواجَهة السلطان أو السلطة، ولا مَناصَ من مناقشة علاقة المُثقف بهما. كيف يُخاطب المُثقف السلطة: هل يُخاطبها باعتباره محترفًا ضارعًا إليها، أم باعتباره ضميرَها الهاوي الذي لا يَتلقى مكافأةً عما يفعل؟». وبطريقة مُواربة في توطئة كتابه يقول العريبي: «من سابع المستحيلات في أيامنا هذه أن يعترض طريقك ذئب حقيقي.. ويسلم عليك.. ويخاطبك بلغته الذئبية التي لا تفهمها». ولم يبتعد كثيرا بتشبيهه السّلطة بالذّئب، ولغتها بالذئبيّة.

"فما أكثر الذئاب البشرية من حولنا.. وما أكثر الثعالب والكلاب والحمير".

ومن خلال مطالعتي لمواد الكتاب ذات الطابع القصصي التي جاءت جميعها على ألسنة الحيوانات فقد حصلت لي متعة القراءة كما حصلت للدكتور "أحمد عمران بن سليم"، حسبما ورد في مقدمة الطبعة الرابعة، وبتساؤل مشروع تولّد أثناء القراءة، حول الكتابة باللهجة الدارجة، وهو نفس القلق الذي اكتنفني، أيضًا ورد في المقدمة: "فما الداعي إذا لأن يلجأ الكاتب إلى إجراء الحوار بالدارجة في نص يحمل بعداً رمزياً يتطلب نوعاً خاصا من المتلقين..؟!". كنت أتمنّى أن تكون الكتابة بالفصحى، وستبقى "الفصحى هي الحل" بكلّ الموازين.

ويتماثل كتاب "مملكة الحيوان. لسعيد العريبي" مع كتاب قصص "كليلة ودمنة" الذي ترجمه للعربية "ابن المقفع"، فقد كتبه الحكيم الهندي "بَيْدَبا"  لملك الهند "دَبْشليم"، وجاءت قصصه على ألسنة الحيوانات والطّيور كشخصيّات رئيسة فيه، وهي ترميز وتأشير إلى شخصيّات بشريّة، وتناقش العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بالإضافة إلى عدد من الحِكم والمواعظ.

أما كتاب "الحيوان. للجاحظ" فقد تناول فيه تأثير البيئة في الحيوان والإنسان والشجر، وتناول الطب وأمراض الحيوان والإنسان، إضافة إلى عدد من المفردات الطبية النباتية والحيوانية والمعدنية، وأبيات مختارة من الشعر العربي النادر، والأمثال السّائرة والنوادر الطريفة.

 بينما كتاب "حياة الحيوان الكبرى" هو أشهر مؤلفات كمال الدين الدميري. بمفهومنا دراسة تطبيقية لعالم الحيوان وأنواعه وسلوكه وأسماءه، وطبيعته التكوينية. وبتتبع هذا المنحى نتوقف مع "المملكة الحيوانية"  الكاتب بيتر هولاند. الذي يتماهى مع كتاب الدميري تقريبًا في دراسة الحيوانات وتوصيفها. يبدؤها بتعريف الحيوان، ثم يستعرض مستويات التصنيف العليا للحيوانات (الشُّعَب) والرؤى الجديدة بشأن علاقاتها التطوُّرية بِناءً على البيانات الجزيئية، إضافةً إلى إلقاء نظرةٍ على الطبيعة البيولوجية لكلِّ مجموعةٍ من الحيوانات.

و بالعودة إلى ميدان الأدب لا بدّ من التعريج على رواية "مزرعة الحيوان" فهي  رواية "دِيستوبيّة" من تأليف "جورج أورويل" وهي إسقاط على الأحداث التي سبقت عهد ستالين، وناقدة له ومتشككة في سياساته،  بممارسة إرهاب الدولة والقمع السياسي في عهده.

وقبل سنتين صدرت رواية  "العرافة ذات المنقار الأسود" للروائي اللبناني "محمد إقبال حرب"، وهي رواية أيضًا "دِيستوبيّة" أخذت مجتمعات الدّجاج، لتصنع إسقاطات  لامست "التابوهات"  المسكوت عنه، وسلطت الضوء على منظومات الفساد والتسلط.

من خلال ما تقدّم نخلص إلى فكرة هروب الكاتب من قيود الخوف والتخويف والترهيب، والالتفاف على منظومات الرّقابة المتشدّدة وغير المُتسامحة مع الأفكار المخالفة لنهج السلطات، التي لا تعترف بالآخر، بل تعتمد فرض رؤيتها ونهجها بالقوة. وفي هذا المنحى نجح "سعيد العريبي" يكتابة المُوازية والالتفاف بترميزات تحتاج لتأويلات.  

الأحد، 7 يوليو 2024

بقايا من خبز وكتاب. إضاءة

 

إضاءة على رواية

"بقايا من خبز وكتاب" للروائي "أكرم النجار"

 

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

بين الصحو والهذيان، وبين اليقين والإدراك علاقة جدلية اتّسمت بها شخصية البطل الرئيسة "ماجد" في رواية "بقايا من خبز وكتاب"، وهو الأمر الذي انسحب عليه بجميع أحواله، وقد كان يرى في شخصية "سعدية" المرأة العجوز الجارة المُبادرة لمعاونة ومساعدة جوارها بما تستطيع رغم عجزها وضعفها الذي وسم حركتها بالبطء بحركات وتتهادى على عكازها؛ الحياة بعطائها والوطن والإصرار. غرفته عبارة عن كتلة طافحة بالضّوء والظلام يتناوبان عليها، مع أصوات العابرين من الجوار. يجلس ويراقب من النّافذة التي هي منفذًا لماجد، لسماع ورؤية أشكال الحياة وتفاعلاتها. المجتمع حركة دائمة نابضة بلا توقّف.

توصف رواية "بقايا من خبز وكتاب" بأنّها رواية قصيرة (نوفاتيلا)، وهي ضمن لائحة أدب المدينة الفاسدة (الديستوبيا)، التي تمثّل حياة الفقر والظلم والفساد والانحلال والجريمة والطبقيّة والدكتاتوريَّة العسكريّة. ويمثّل الخوف الثيمة الأساسيّة للرواية بالطبع الرواية من جيل التسعينيّات أي أنّها نشرت1990.

الحدثُ  الروائيّ تُستشفّ ماهيّته من خلال القراءة، لتتّضح حياة الشابّ "ماجد"  المؤدلجٌ حزبيًّا بانتمائه للحزب الشّيوعيّ، وبدا ذلك في ثنايا الرواية بطرحها الشّعاراتي لقضايا الفقر والثورة، والضرب على وتر العدالة الاجتماعيّة في بلد يُعاني من الأحكام العُرفيّة، المكان الروائي بقي مجهولًا بإطلاق العُموم، بعدم التأشير أو تسمية مكان بِعيْنه.

شُخوص الرواية محدودي العدد(ماجد وسعدية). (سعيد البدوي) هذه الشخصيات الثلاث هي مرتكز الرواية. وهناك (سامر وعائشة والجنود) كانوا شخصيات عابرة ودورها ثانوي جاء لاستكمال الحدث الروائي.

وكانت حركة الشخوص بطيئة. لم تحرك الحدث بينما كلنت منفعلة بطبيعة الحدث الآخر، الذي ركزت عليه الرواية، والاتجاه إلى أوجه الفلسفة، بمعنى تأصيل لمفاهيم  تشكل جملًا مفتاحية، تصلح أن تكون ساحة للبحث والتأويل. كما لوحظ أن هناك الكثير من الفقرات شكلت وحدها مشهدية صالحة لتشكيل مفهوم قصصي، وتعتبر بحد ذاتها نص قصة قصيرة جدا "ق. ق.ج".

الحامل الأساسي للرواية كان محمل اللغة الأدبية المنتقاة، التي تتقارب كثيرا مع اللغة الشاعرة، لتشكل مزيجًا مع روح القص والسرد، لتنتج شكلًا أدبيًّا روائيًا كما هذه الرواية "بقايا من خبز وكتاب". شكل العمل بمجمله حالة أدبية جديرة بتتبع من القارئ المُتذوّق للمعاني والصّور الأدبية والتشابيه، الأمر ااذي فتح آفاقًا إيحائية للتأويل من خلال الإيماءات الترميزية، فهي تسعى لإشعال الذّهن بثبيت جمل مقولات شبه محكمة منها المعروف ومنها المنسوج للمرّة الأولى على طريقة الكاتب "أكرم النجار".

وما بين الصحو والهذيان النفسي وتجلياتهما في سيرة البطل "ماجد"، الأمر الذي تكرّر في مواضع عديدة، حينما يرى ويسمع ويحلل ثم تأتي كلمة "أدرك"، لتأتي معها حالة الصحو والخروج من قبو الهذيان والاِسْتغراق الذّاتيّ؛ ليحكي أو يكتب الحقيقة التي يراها من وجهة نظره، المُتطابقة مع نظر الكاتب الرّوائي، بل هي رؤاه الخاصّة به، وليس الرّاوي الموازي والبديل الذي هو من صُنع كاتب الرّواية بالذّات، رسمه على طريقته على هواه بما يتوافق مع آرائه ومعتقداته وهو ما يطلق عليه "دكتاتوريّة الكاتب". أمّا المونولوجات الداخلية اِسْتحوذت على معظم الحدث الروائيِّ ومساحاته السرديّة؛ لتأخذ منحًى واِتّجاهًا أراده الكاتب كي يستجر ويأخذ القارئ معه إلى دائرة عوالمه الفكريّة والأدبيّة.

المعاناة والألم والخوف والفقد (للوالدين) عند البطل "ماجد" والهواجس، كلّ ذلك شكّل الحوارات الداخليّة الصّامتة للرواية، عبر حديث النفس الطويل والمليء بالشكوك والتخمينات والقلق. لوحظ قلّة الحوارات بين البطل وغيره، ومرجع هذا الأمر هو تسيير الحدث الرّوائي وفق مسار زمنيّ واحد مُتقارب جدًّا، بل سيطرت حواراته الداخلية "المونولوجات" على جُلّ لوحات السرديَّة الروائيّة، وقد شكّلت هذه الألفاظ: "الظلّ والفراغ والعتمة والجدار والنّمل والعكّاز" خطًا هارمونيًّا من البداية إلى النّهاية، وتأرجحت السّرديّة حول هذه المفاهيم، ومحاولة قراءتها بأبعادها الثلاثيّة، ممّا ميّز الرّواية وأعطاها بُعدها الفكري بمنحاه الفلسفيّ، لذلك نستطيع إطلاق صفة الرّواية المُثقّفة.

وتُمثّل النّافذة جزءًا لا ييتجّأ في خطّ الرّواية العامّ حالة صحو واعية، تُتيح المجال للرّؤية والتفكير وُصولًا لاستدراك ذلك بالتدوين والتوثيق من أجل التّاريخ، الذي أخذ دورًا واسعًا من مساحة الرّواية، والتي بدورها جاءت كجزء من توثيق تاريخيّ لتجربة الكاتب على ما بدا. المكان والزّمان مُبهمان لم تتضح صورتهما، ولم تفصح عنهما تفاصيل الرّواية، وذلك حسب إرادة الكاتب "أكرم النجار".

 

 

الجمعة، 5 يوليو 2024

نصوص الشوارع

 إضاءة على كتاب (نصوص الشوارع) للكاتب الأديب "طلعت شناعة" منشورات 1990.

 بقلم. محمد فتحي المقداد


الكتابة ساخنة طازجة ما زالت تحتفظ بنكهتها يوم كُتبت قبل ثلاثة عقود ونصف.

العنوان "نصوص الشوارع" لافت وجاذب لمتابعته وقراءة ما انطوى تحته.  

 وفي دلالة العبارة هذه (الحلم أتاني، فاجأني في الشارع وحدي، قال: هي الأرصفة نخيل الصعاليك؛ فابدأ الرقص يسّاقط الحب ثمرًا جَنِيًا .. اغمس الأضلاع بالحنّاء والبدن وتقبّل دعاء الهابطين إلى محراب قلبك) على رؤية الكاتب لفكرة العنوان.

فالشوارع مسارح استعراضات تعدّد الألوان فيها والأشكال والكلام والأصوات واختلاطاتها المُتعالقة. وفي الشوارع الكثير من فضاءات الأمكنة، فالشارع فضاء من فضاءات واسعة في المدينة أو القرية.

استخدم الكاتب "طلعت شناعة" لنصوصه اللغة الأدبية العالية بمستوى أدائها البنائي والتصويري الحداثي. مشاهد بتتاليات سريعة يربط بينها المكان "الشارع". هذه النصوص لفتت انتباهي لإعادة اكتشاف الشوارع بصخبها والحركة السريعة والمتسارعة فيها، وأصبحت ضرورة حياتيّة للبشر، للشّراء وقضاء الحاجيّات والتنزّه والمواعيد اللقاءات والتسكّع والتلصّص والابتزاز والمراقبة، نصوص الشوارع ملئية بالحياة النابضة بالأمل والأشواق والبهجة، واليأس وفي الجانب المظلم للشوارع المليء بالإحباط والفقر والبطالة والمتسكعين والنشالين والمتحرشين. وفي الحركة العابرة من المشاة والأرصفة والمحلات التجارية والمطاعم والمقاهي والحمامات العامة والحدائق والنوافذ والأبواب المطلة على الشوارع، والأضواء الضجيج والسيارات والمشاة، ولكل مرتاد للشارع له غرضه وهدفه. وكثيرًا ما تأتي اللقاءات العابرة صدفة، لتجدّد الذكريات وتتورد الأحلام والأمنيات.

الأربعاء، 3 يوليو 2024

سؤال حول الكتابة. من الصمادي

 

 

*سأل الكاتب والقاص محمد علي فالح الصمادي:

(سلام من الله عليكم. أكتبُ قصة قصيرة إجابة لسؤال: لماذا نكتب؟

الروائي و القاص  لماذا تكتب  حوار مركب لمجموعة اصدقائي؟)

 

*إجابة الروائي محمد فتحي المقداد على سؤال القاصّ محمد الصمادي بالتالي:

الكتابة هَمٌّ يعيشه بل هموم مُثقِلة لكاهل كلّ من يقترف ليس جريمة أقول، بل هي إدمان مَشوبٌ بقلق دائم يستوطن بواطن النفس، ويستغرق حالات تفكير نازفة لدواخل الكاتب. الكتابة ليست رفاهًا ولا مهنة يُكتَسب منها الرّزق عمومًا، أراها حاجة ضروريّة مُلحّة، لتتلطّخ الصفحات بدم المخاض عند ميلاد الفكرة، ساعتها يكون مأزق الكاتب الذي يحشره في عنق الزجاجة، فإذا استطاع الإفلات والخروج لفضاء التدوين، يستعيد أنفاسه، وتهدأ روحه وتعود نبضات قلبه لمعدلها الطبيعيّ، وتزول مخاوفه وهواجسه، ويملأ صدره بأوكسجين يُساعده باستعادة أنساغ الحياة.

رغم كلّ المُكابدات والمعاناة لكنّها متعة حقيقية، لأنّها مُحاكاة عالية المستوى بما يرتقي فوق مستوى البطن بكثير إلى مُخاطبة العقول الراقية بوعي لإيصال رسالة ما.

بلا شكٍّ بأنّ كتابة القصّة بكافّة أشكالها الأدبيّة فيها من الصّعوبة، لأنّها تحتاج لحشد قُدُرات الكاتب إلى درجات التأهُّب القُصوى للإحاطة بكافة جوانب النصّ، والتي هي ضرورة تأثيثه باللّغة المُعبرّة ذات الدّلالة الدّقيقة على المعنى المُراد، وحصر الموضوع بنقاط محددّة، وزمن ومكان، وكيفية بناء شخصيّة البطل القائمة على الفعل والحركة داخل النصّ، واِسْتبطان العوامل النفسيّة والظّروف المرافقة حسب حاجة النصّ، بحيث لا تكون أحمالًا زائدة، تُثقل كاهله؛ فيترهّل.

انتاج نصّ عالٍ بمُستواه يحتاج وقتًا ليس بالقليل من الكاتب، بما يستلزم بالقراءة والإعادة والتدقيق والمُراجعة، لتفادي التناقضات والفراغات غير المُبرّرة، لأنها من مَقتَل لأيّ نصّ أدبيّ، والرُّكن الأهمّ المُوازي لذلك هو الاستماع للملاحظات النَّاقدة للنصّ، والتفريق بين النصّ والكاتب، على اِعْتبار أنّ النّقد مُوجّهٌ للنصّ فقط.

من مهارة الكاتب اِستطاعته توهيم القارئ وتوريطه في صوابيّة وأحقيّة نصّه، ولا بدّ من المفارقات وتتاقضاتها والانزياحات والدّهشة الخادمة لفكرة ونسيج ودَوَالّ النصّ،

 لفتح سماءات التأويل على أوجه عدّة، وهي دلالة على ثراء النص واكتنازه، وكلّ هذا يجعل من القارئ شريكًا يُكمل بعض المسكوت عنه والمخفي وراء السّطور والكلمات، وبذلك تكوم رسالة الكاتب وصلت بسلام واِطْمئنان لمن قصدهم.

.... 

كتب محمد الصمادي:

القصة القصيرة التالية تستعرض حوارًا فلسفيًا حول التداخل بين الأجناس الأدبية، حيث يجتمع ناقد وباحثة (إيمان العمري)، قاص (محمد الصمادي)، وروائي (محمد فتحي) في نقاش شيق.


---

إيمان الصالح العمري 

محمد فتحي المقداد 

محمد صمادي 

**عنوان القصة: التداخل الأدبي**


في إحدى أمسيات الأدب والثقافة، اجتمع ثلاثة أصدقاء في مقهى قديم يتنفس فيه المكان رائحة الكتب القديمة وعطر القهوة الطازجة. إيمان العمري، الناقدة والباحثة الأدبية، جلست بين محمد الصمادي، القاص المعروف بقصصه القصيرة العميقة، ومحمد فتحي، الروائي الذي تألق برواياته الطويلة والمعقدة.


إيمان: "ما رأيكم في الحديث عن التداخل بين الأجناس الأدبية؟ أصبحت الحدود بين القصة القصيرة والرواية تتلاشى في بعض الأحيان."


محمد الصمادي (مبتسمًا): "بالتأكيد، إيمان. في بعض الأحيان أكتب قصة قصيرة وأجد نفسي أتجاوز الحدود المرسومة لها، لتصبح أقرب إلى رواية صغيرة."


محمد فتحي: "هذا صحيح، محمد. أنا أيضًا أجد نفسي أحيانًا أكتب فصولًا من رواياتي تتسم بخصائص القصة القصيرة، خصوصًا عندما أركز على أحداث معينة أو شخصيات فرعية."


إيمان: "هل تعتقدون أن هذا التداخل يُثري الأدب أم يُضعفه؟"


محمد الصمادي: "أرى أنه يُثريه. فالأدب يجب أن يكون حرًا ومتجددًا، لا يلتزم بقواعد صارمة. التداخل بين الأجناس الأدبية يفتح المجال للإبداع والتجريب."


محمد فتحي: "أوافقك الرأي. الرواية بطبيعتها تتسع لكل شيء: السرد الطويل، الوصف الدقيق، والتفاصيل العميقة. ولكن إضافة عناصر القصة القصيرة يمكن أن يمنحها إيقاعًا وحيوية."


إيمان: "إذاً، أنتم ترون أن الأدب يجب أن يتجاوز هذه الحدود الفاصلة، ليصبح أكثر ديناميكية وحيوية؟"


محمد الصمادي: "بالتأكيد، الأدب يجب أن يعكس الحياة، والحياة ليست محددة ولا مقيدة. يجب أن نسمح للأدب أن يتنفس ويتطور."


محمد فتحي: "هذا هو التحدي الحقيقي للأدباء والنقاد، أن يفهموا ويقدروا هذا التداخل والتنوع، وأن ينظروا إلى الأعمال الأدبية من منظور شامل ومفتوح."


إيمان (مبتسمة): "إذاً، لنشرب نخب الأدب المتجدد والمتنوع، ولنستمر في دعم الكتابة الحرة والإبداعية."


رفع الأصدقاء الثلاثة فناجين القهوة، متفقين على أن الأدب الحقيقي لا يعرف حدودًا ولا يقبل القيود، وأن كل جنس أدبي يمكن أن يتداخل ويتمازج ليخلق لنا عوالم جديدة مليئة بالإبداع والجمال.


بهذا الحوار، استعرضت القصة القصيرة آراء مختلفة حول التداخل بين الأجناس الأدبية، مؤكدة على أهمية الإبداع والحرية في الكتابة.

...... 

قصة ثلاثية الأبعاد 

بقلم. محمد الصمادي 

" قلم وفكر وقصيدة وقصة ومقطع من رواية"


في إحدى الأمسيات الهادئة، اجتمع في مقهى صغير في قلب المدينة ثلاث شخصيات لامعة، كل منهم يحمل في جعبته عالمًا من الأفكار والإبداع. كان اللقاء بين الشاعرة المبدعة إيمان صالح العمري، والروائي المتميز محمد فتحي المقداد، والكاتب القاص محمد صمادي.


بدأت الأمسية بكلمات إيمان، التي ألقت قصيدة نابعة من قلبها، تفيض بالمشاعر والعواطف. كانت الكلمات كالسحر، تلامس أرواح الحاضرين وتنسج بينهما خيوطًا من الحنين والشجن. تحدثت إيمان عن أهمية الكتابة التشاركية في إثراء المحتوى الأدبي، وكيف أنها تؤمن بأن التعاون بين الأدباء يمكن أن يخلق نصوصًا فريدة ومميزة.


أخذ محمد فتحي المقداد دوره في الحديث، معبرًا عن تقديره لمبادرة إيمان في تعزيز الكتابة التشاركية. شارك بعضًا من تجاربه الروائية وكيف أن تبادل الأفكار والنقاشات مع زملائه الأدباء كان له دور كبير في تطوير رواياته. كانت كلماته تشع بالتواضع والاحترام، وتؤكد على أن الأدب هو نتاج جهد جماعي، حتى وإن كان الكاتب هو من يخط الحروف.


حين جاء دور محمد صمادي، شكر إيمان ومحمد على شهاداتهما وكلماتهما الطيبة. وأكد على أنه كان دائمًا موضع اهتمام ورعاية زملائه عبر السنوات الماضية، وأنه يشعر بالفخر والامتنان لكونه جزءًا من هذه المجتمع الأدبي الراقي.


في نهاية الأمسية، اقترحت إيمان أن يكتبوا قصة قصيرة مشتركة، يكون أبطالها هم أنفسهم. وافق الجميع بحماس، وبدأوا في رسم ملامح القصة التي ستجمع بين قلم إيمان الفذ، وفكر محمد الوقاد، وروح محمد الودودة.


كانت تلك الأمسية بداية لمشروع أدبي جديد، يجسد قوة التعاون بين الأدباء، وكيف يمكن للكلمة أن تكون جسرًا يعبرون من خلاله إلى عالم أرحب من الإبداع والتأمل.

تأملات قرآنية