الخميس، 2 مايو 2024

قراءة في رواية (قناع بلون السماء)

قراءة في رواية

(قناع بلون السَّماء" للروائي "باسم خندقجي". فلسطين

بقلم الروائي. محمد فتحي المقداد

 

كتبت الأديبة منى عزالدين. في تعليقها على الرواية: "مبارك لحرف تلعثمت في قراءته القضبان؛ فعلّم الكون فلسفة الانعتاق".

لا شكَّ بصعوبة موقف الكاتب "باسم خندقجي" الذي يكتب من وراء القضبان، لا يُمكن تصوَّر حالة الضِّيق النفسي والقلق، وهو  وراء القُضبان ومحكوم بالمؤبَّدات الثلاث، أمَّا سوء معاملة الأسرى الفلسطينيِّين نستطيع التحدُّث بما نشاء وبلا حرج، ومهما تعالى سقف حديثنا؛ فلن يبلغ مقدار عُشر الحقيقة على أرض الواقع.

فمن أهمِّ الصُّعوبات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، وعلى سبيل المثال قضيَّة إدخال الكتب المطلوبة للروائي، كما أنَّه استغرق من الوقت بالاشتغال على أفكاره لإنجاز روايته ستَّة أشهر في ظروف غاية في القهر، وعلى الأخصِّ لاحتياجاته الضروريَّة لكتابة المُسوَّدة، ومن ثمَّ تبييضها، وحتَّى تنطلق إلى رحاب الحُريَّة، وخارج نطاق السِّجن لا بدَّ من الالتفاف والاحتيال، لإيجاد طرائق لتهريبها للخارج، والإفلات من الرَّقابة الإسرائيليَّة الصَّارمة، والخوف من مُصادرتها.

أمَّا خارج السِّجن، فالاشتغال على تجميع هذه الأجزاء من الأوراق المُتفرقة والمُتناثرة لطباعتها على أجهزة الحواسيب ومراجعتها وتدقيقها؛ فأخذت وقتًا كبيرًا، كما أنَّها وصلت مجزَّأة عبر البريد الإسرائيليِّ، ومن خلال بعض الأسرى المُحرَّرين، وساعد في ذلك امتلاك عائلة "خندقجي" واحدة من أقدم المكتبات في نابلس، وإنتاجهم الكثير من أدب السجون.

 

فرحتنا بفوز الرواية يُعتبر انتصارًا آخر لسرديتنا كروائيِّين على العُموم،وللعرب والفلسطينيين على وجه الخصوص، يمكننا تمييز هذا الفوز من عدَّة أوجه جدير بالاهتمام والالتفاف إليها خلال مطالعة الرواية:

*الوجه الأول :أنّ باسم أسير حرية يقضي في السجن ثلاثة مؤبدات ويزيد.

*الوجه الثاني :أنّ الرواية هي جزءٌ من حربِ الرواية بيننا وبين عدونا.

*الوجه الثالث: أن حكومة الاحتلال وظّفت سرديتها منذ اليوم الأول لشنّها حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة، ونَذْكُرُ، ونُذَكِّر كيف استدعى رئيس حكومة الاحتلال نصوصا تلمودية لشحن ضباط وجنود جيشه ضد كلِّ ما هو فلسطيني.

*الوجه الرابع: هو حملة التحريض ضد الكاتب عندما أعلنت لجنة تحكيم الجائزة أن رواية "قناع بلون السماء" دخلت ضمن القائمة القصيرة للمنافسة على الفوز بالجائزة، ووصفت كاتبها بـــــ"الإرهابي".

والقناع هو إشارة إلى "الهوية الزرقاء" التي وجدها نور، وهو عالم آثار مقيم بمخيم في رام الله، في جيب معطف قديم، صاحبها إسرائيلي، فيرتدي نور هذا القناع، وهكذا تبدأ رحلة الرواية السردية متعددة الطبقات التي يميزها بناء الشخصيات، والتجريب واسترجاع التاريخ وذاكرة الأماكن، بحسب بيان الجائزة.

ونأتي لقضيَّة الانتماء التي تُعتَبر ثنائيَّة الحياة المُرافقة للإنسان منذ ولادته حتَّى النِّهاية، ولا حياة إلَّا بانتماء إلى الأسرة الصغيرة أو العشيرة أو القبيلة.

بالمقابل لابدَّ للانتماء للمكان في مخيال كلٍّ منَّا، وباختصار شديد فما اصطلح عليه بــ"الوطن"، وهو المفهوم الشَّامل لمسقط للبيت والمدرسة والقرية والمدينة أو الدولة الكيان الكبير الضامِّ لهذه الكيانات  الصَّغيرة، وفي هذه الأماكن رؤية النور لأوَّل مرَّة، وفيها من الذكريات والأحلام والآمال والأفراح والأحزان، فمن غير الممكن إزاحة هذه النقطة المُهمَّة في حياة كلٍّ منَّا، ولا يمكن أن يكون الإنسان غير منتمٍ، وهو ما أشار إليه "باسم خندقجي". وفي  عبارة وردت: "إن المسكوتَ عنه هو مادتي الروائية"، ص54.

الدخول لمُعترَك الصِّراع بين قضيَّتيْن ورُؤيتَيْن وأيديولوجيَّتيْن مُتناقضتَيْن في سرديَّة روائيَّة واحدة، تُعالج صراع الهُويَّتيْن العربيَّة والإسرائيليَّة فوق أرض فلسطين، واحدة صاحبة حق تاريخي، والثانية مغتصبة مُدَّعية بأحقيَّتها، وكون الكاتب أسير فلسطيني؛ تشتدُّ مُعاناته وتضيق مساحات حريَّته لتتقزَّح بحدود زنزانته التي لا تُشبه إلَّا القبر  في سجن جلبوع.

الرواية من المدرسة الواقعيَّة بجانب كبير منها، وفي الجانب التخيُّلي الآخر لضرورة تأثيث الحدث الروائي بمعقوليَّة مُقنعة للقارئ، وكون الكاتب يكتب من سجن فمن الممكن إدخالها في أدب السُّجون، ولا نفترض حياديَّة الكاتب، ولا يحقُّ لأحد مهما كان مُطالبة "باسم خندقجي" صاحب القضيَّة، وهو ابن الأرض وابن القضيَّة، وهو محبوسٌ من أجلها وعلى ذمَّتها؛ فلا شكَّ أنَّه يبحث عن التاريخ لاستقرائه، وإثبات أحقيَّته الأساسيَّة بامتلاك الأرض قبل مجيء العدوِّ الإسرائيلي الصُّهيوني الغاصب مع بدايات القرن العشرين، منذ إشهار وعد بلفور المشؤوم(1917)، ومن ثمَّ قرار التقسيم  (181) الشَّهير ، بناء على  الأمم المُتَّحدة1947 وذلك قبل 1948 بسنة واحدة.

من هذا لا يُمكن اعتبار الكاتب حياديًّا أو هو خارج عمله الروائيّ، إنَّما سيسوق كافَّة الحُجج والرِّوايات والحكايا والقصص التي تخدم وتؤكِّد حقَّه الأصيل، وتنفي أيَّ تاريخ قديم قبل ذلك للعدوِّ الصُّهيونيِّ قبل هذا التاريخ، وتُثبت الرِّواية رؤيتها وهي ترسم نضال الفلسطينيين وتضحياتهم من خلال الوسائل المُتاحة وتحاول في غير المُتاحة.

يقسم الروائي روايته إلى ثلاثة فصول: نور، وأور، وسماء

 *الفصل الأول:  

نتعرف إلى نور الذي يعيش في مخيم من مخيَّمات رام الله، ويعمل على كتابة رواية حول مريم المجدلية، ساعياً من خلال تخصصه في علوم الآثار إلى جمع أكبر قدر من المعلومات التاريخية حول الشخصية الرئيسية وزمنها وبيئتها؛ وإذ يشتري معطفاً من أسواق الثياب المستعملة يجد في جيب من جيوبه هوية إسرائيلية لشاب اسمه (أور)، ليجد نفسه أمام فرصة نادرة لخوض مغامرة الدخول إلى المستوطنات والكيبوتسات مع بعثة أثريَّة، بصفته (أور)، مستفيداً من سحنته ولون عينيه ولونه الذي يشبه يهود أوروبا "الأشكناز".

*الفصل الثاني

الذي يتمكَّن فيه، بصفته أور لا نور، من الانضمام إلى بعثة أثرية تنقيبية، غايتها البحث الأثري حول الفيْلق الرومانيّ السَّادس، وهناك يتعرَّف إلى "أيالا شرعابي" اليهوديَّة.

*الفصل الثالث

يبدأ مع ظهور سماء إسماعيل الفلسطينية الحيفاوية التي تحمل هوية إسرائيلية، لتبلغ الصراعات ذروتها: صراع أيالا مع سماء التي لا تتورع عن التعريف بحقيقة قضيتها العادلة أمام أفراد البعثة الأجانب، وصراع بين أور (نور) وسماء التي ترفض سعيه إلى تهدئتها، بالإضافة إلى صراع داخلي يعانيه البطل بين أصله (نور)، وهويته المؤقتة (أور)، حتى يقرر الاعتراف لسماء بحقيقته التي ترفضها في البداية، ولكنَّها بعد ذلك تقبلها؛ حين تتأكََّد من أنَّه ابن جِلْدتها، وابن قضيَّتها، وحليفها في الرؤية؛ بينما يؤكد لها في نهاية السرد تمسكّه بخيار الهويَّة الفلسطينيَّة لديه، حين يقول: "أنتِ هويّتي ومآلي".

وبعمله الروائيّ لجأ الكاتب إلى لُعبة سردية، وهي تقنيَّة مُستخدمة سابقًا، تتَّضح معالمها من خلال كتابة البطل رواية داخل الرواية، وفي تعبير لطيف للأستاذ "يوسف حطِّيني" بخصوص ذلك:  "للكاتب أو يتحدّث عن صناعة الرواية داخل السرد؛ إذ يخبرنا السارد نور في مفتتح القسم الأول بأنه سيصنع عالمه الروائي الخاص، وسيكتب رواية يواجه بها الرواية المضادة؛ محدِّداً في تخطيط سردي واعٍ زمنين: زمن حاضر، بطلُه فلسطيني اسمه نسيم شاكر، وزمن ماض، بطلتُه مريم المجدلية، وحولها بعض التلاميذ والرسل، ورجل اسمه سمعان، يبتدعه الروائي من خياله".

 

وفي الختام:

يعتبر فوز رواية "قناع بلون السَّماء"، انتصارًا لعالم السَّرد والرِّواية على العموم، وسيُسجِّل سطرًا مُضيئًا في سجلِّ القضيَّة الفلسطينيَّة، والفوز مُشجِّعٌ لكلّ صاحب قضيَّة مثلي أن يكتب بهمَّة بلا ملل عن قضيَّته كي تبقى حيَّة في عيون وقلوب الأجيال، باستقراء تقاطعات عوالم واسعة ما بين الحاضر والماضي،  في محاولات حثيثة من للكشف والمُكاشفة بملامسة حالات مُباشرة وغير مُباشرة مع الآخر (العدو. والدكتاتور) المُختلف بكلِّ وسائله وطُرقه.

كما أنَّ إنصاف الضحايا والمظلومين والمُشرَّدين والمُعدمين والمُعذَّبين، بإعلاء النَّظرة البعيدة بمسحتها الإنسانيَّة،  وفصح أساليب الإجرام والقتل والتشريد الواقعة علينا كما هي واقعة على الآخر الذي نتقاسم معه العذاب والحرمان، كي نجعل من القضيَّة الفلسطينيَّة منارة إنسانيَّة للكوارث الاستعماريَّة الظَّالمة والتي تكيل بمكياليْن، وتُساوي ما بين الضحيَّة والجلَّاد.

وفي النهاية فإنّ رواية "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي"؛ تنتصر للحق الفلسطيني في مواجهة زيف الدعاية الإسرائيلية، وقد نجحت في خلط الأوراق، وإعادة ترتيبها وفق رؤية حاذقة بمحاورة الآخر المُتسلِّط والمُتجبِّر، صارعته وحاورته دون أن تسقط في مهاويه الهابطة، ولم تسقط أيضًا في شِراكِه المنصوبة للإيقاع وإسقاط كلِّ شيء.

 

 

 

 

 

 

 


السبت، 13 أبريل 2024

نص طويل لم يكتمل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلَّما حانتْ اِلتفاتة عفوَّية بطرَف عيني، أجدها مُحدِّقة في وجهي بدا لي بتركيز شديد، لَفَت اِنْتباهي؛ فتصطدم نظراتي بنظرات عينيْها الواسعتيْن ترسم خُطوطهما الكُحلة السَّوداء، والمَسْكَرة التي جعلت الأهداب منتصبة كحُرَّاس على أُهبَة الاِسْتعداد؛ للاِنْقضاض على أيِّ مُتهوِّر تُسوِّل له وساوسه اِقْتحام المكان المُحرَّم؛ فزادهتهما اتِّساعًا على اتِّساع مُشجِّعٍ؛ لتبادل النَّظرات البريئة سفيرة القُلوب والأشواق، وإيصال الرَّسائل المُشفَّرة بأمان.

طبيعة التراجُع مُتلازمتي المُحرجة في مواقف كثيرة، أقرب إلى حالة الطُّفولة الجاهلة بتحليل كلِّ نظرة على حِدَة، لا أقصد الهزيمة بذاتها المُرَّة والكريهة إلى نفسي، لا أدري على وجه الدقَّة لماذا لا أُطيق الانهزام كُليًّا، تعلَّمت التراجُع التكتيكيِّ، كالصيَّاد الماهر يحتال بوسائله العديدة، ليظفر بفريسته.

وحتَّى لا يفهمني أحد خطأً، ويلجأ لتأويله على طريقته كيفما يشاء..! بكلِّ المعايير لا أحتمل هذا، حتَّى وإن كنتُ لا أعرف ما في قرارة نفوسهم. فإذا كانت الهزيمة بهذا الهَوْل على مُواطِن فقير مثلي، فكيف بقادة الجُيوش الجرَّارة المُهيَّأة للدِّفاع عن الوطن؟.

لا أظُنُّ ذلك إلَّا من بعض الحَسَدَة، الذين يرْقُبونني؛ لتصيُّد هَفَواتي.. يا إلهي ..! كيف تركوا شؤونهم وخاصَّة حياتهم، ليصرفوا كامل طاقتهم في سبيلي، ويملؤوا ساحتي بأشباحهم المُتخفِّية كالمُخبرين المُتصيِّدين لكلِّ حركة أتحرَّكها، أو كلمة يَبْنُون عليها آمالًا، وقُصور أحلامهم المريضة، شعور بالاِضْطهاد مُسَيْطر على دَوَاخلي، لا بل ثِقَلَهم على نفسي كجيوش اِحْتلال؛ اِسْتباح ساحاتي بلا رحمة، واِسْتوطنها بشكلٍ دائم.

لا أدري على وجه الحقيقة، ولم أُحدِّد مَوْقفي منهم جميعًا، ولم أعمل فرزًا لتحييد الأصدقاء العاديِّين، من غيرهم من الأصدقاء الموثوقين، ألتقيهم بلا استثناء أثناء خُروجي ورُجوعي إلى البيت، وفي السُّوق والمقهى والحديقة، معظم ساعات نهاري أقضيها خارجًا، محاوِلًا قطع حالة الوحدة القاتلة، وفي الحركة الدَّائمة على مدار اليوم، تُيسِّر لي سبيل النَّوم، وقتل هواجس قلق اللَّيل المُخيفة، عندما تأخذني بعيدًا وُصولًا إلى حَوافِّ الكُفر، أُشفِقُ على شيْطاني الذي زهق منّي، وهو يجلسُ مُستمعًا مُنصِتًا لإمْلاءاتي الجديدة على مسامعه، وغير المعروفة لديْه سابقًا.

شكوكي لا حدَّ لها..! مُعدَّلاتها اِرْتقت حدًّا لا يُطاق أبدًا، في الواقع أنَّني لم أُخبِر أحدًا بأيِّ شيء يفتح بابًا، أو منفَذًا سيكون مدخلًا سهلًا للنَّفاذ، للحقيقة المُستقِرّة في قلبي وعقلي، فلو امتلكوا الإمكانات العلميَّة المُتقدِّمة الحاليَّة، ربَّما سيُمكِّنهم من اِستغلال ثَرْوتي ونصيبي من الخوف والقهر؛ ولبَدَوْتُ ضعيفًا أمامهم؛ يقتادونني كطفلٍ مُسالمٍ لا يُقاوم.

إذا زالت الأقنعة عن وجهي، والأغطية المُزيَّفة. جازمًا أعتقد أنَّ الاِنكشاف للآخرين لا يقلُّ درجة عن الموْت المشؤومِ بشَمَاتَةٍ. لم أُخبِر أحدًا بطبيعة مخاوفي، وشُكوكي حِيال أيَّة نظرة أو اِبْتسامة ألتقطها من أيِّ شخص يُقابلني، أو تقع عَيْني عليه، حتَّى وإن كان الأمر بطريق الصُّدفة.

الخوف ينهش قلبي يكاد يلتهمه، ويقتلني عندما أسمعُ ممَّن يُطلقون عليَّ صفة جيدة: "شكَّاك" التي ستُضاف إلى سِجِلِّي المليء بالصِّفات والألقاب. حقيقة وبدو لفٍّ ودوَران، أعجَبُ من مهارتهم في اِبْتكار هذه الأشياء عنِّي، أحسدهم على ذاكرتهم السيَّالة بمخزونات هائلة من النُّكات والهَمْبَكه على الآخرين،  ولن أُذيع سِرًّا إذا وصفتهم، ولن أبْخَل.. ولن أخجَل؛ إذا أخبرتُ جُمهوري بوصفي لهم: "بأنَّهم مُبدعون".

في مرَّات عديدة ينقُل لي أحفادي ما قيل ويُقال عنِّي في الحارة من جميع الفِئات الاجتماعيَّة بلا استثناء، ولا يتورَّعون عن قذفي كلَّ يوم بحكاية جديدة لا أساس لها من الصَحَّة، ولم أسمع بها من قبل رغم أنَّني صاحبها كما يزعمون.

ذكاء الأحفاد وقَّاد بلمحاتهم وتلميحاتهم، لم يخطُر ببالي ما يتمتّعون به من قُدرات بالتنبُّؤ؛ بحيث يتوقَّعون ما سيقالُ مُستقبَلً عنِّي، عندما تبيَّن فيما بعد صدق حدسهم، ثمَّ ينخرطون في نوبات من الفرح والمرح والقهقهة، كأنَّهم ينتظرون هذه اللَّحظة؛ لإفراغ شُحناتهم بمُداعبتي بل بمُشاكستي، لعلمهم يقينًا بسروري بهم واِحْتفائي بفرحهم.

أمَّا قصة بأنَّني كلَّ يوم أحرقُ ما كتبته بالأمس، وتعبت في التفكير بما استهلكتُ من الوقت والصحَّة والورق والأقلام، جميعها تذهب هباء منثورًا.

قاتل الله من أخبرهم بهذه الأكذوبة الحاقدة، التي اِخْتلقوها من أوهام بنات أفكارهم المريضة، ولا أساس لها على الإطلاق، ببساطة شديدة لأنَّها لم تحدُث أصلًا. برأيي أنَّ جُموح خيالاتهم الواهمة وسوء الظنِّ، لا أستبعدُ أنَّهم مُكلَّفون بمُراقبتي، وعلى الأغلب تطوُّعهم ومن دون تكليف من أيَّة جهة أمنيَّة، شعوري الغالب بكراهيَّتهم لي، وشُعورهم المُوارب على الأقلِّ بعدم الترحيب بوجودي في نفس الحارة التي تجمعنا. شعور الكراهيَّة يتخطَّى كلَّ التقييمات، لعدم اِسْتطاعة أيًّا منَّا توصيفه بشكلٍ دقيق.

لا أشكُّ إلَّا في جارتنا التي ما فتئت ترمي بسهامها إلى قلبي غير المُستجيب، ثُلوجه القطبيَّة لا تروق لها. هي في وادٍ وأنا في وادٍ، إنَّهما مُتباعدان كبُعد المشرقين، سياسة القلوب لا ضوابط لها كجموح الخيول في فضاءات الحرية في البراري الشَّاسعة.

 تذكَّرتُ أثناء تململي في جلستي على المقعد كمن يتهيَّأ للقيام، والسَّائق مُنهمك في ثرثرته بكلام لا يليقُ بتلك المرأة المسكينة. ليتها ماتت من فَوْرها..! ليتني لم أتواجد في المكان الخطأ، لأُجبَر أن أسمَع مثل هذا (الشُّوفير) يتكلَّم بحقِّها كلامًا ساقطًا ناضِحًا بالقَرَف، ولا أظنُّها إلَّا شريفةً وبريئةً ممَّا يقول. ما يحزُّ بنفسي أنَّني أضعف من الانتصار لها، ولو بكلمة واحدة أمام غضب هذا الثَّوْر الهائج. كأنَّه في مُباراة دوليَّة لأقبح وأسوأ العبارات.

البنتُ تململ تُوازن جلستها، بطرف عيني لاحظتُ حركتها، هل أُصيبت بغريزة القطيع..! أو داء التقليد لحركاتي دون فاصل زمنيٍّ، ولا حاولت إخفاء حركتها كي لا ألاحظها، شعرتُ بإحراجها؛ عندما التقطت نظرتي الخاطفة من طرف عيني.

أوه..! لا مجال لنفي شُكوكي بها، أثناء عودتي إلى البيت، وتجوالي عبر الشَّوارع التي مررتُ بها؛ بأنَّها مُكلَّفة من جهة ما بمُتابعتي، بنفسي لو أعلم ما الذي ستكبته في تقريرها، أو ما ستقوله لو كان شفاهيًّا. كنتُ مُدرِكًا لخُطواتها خلفي، عندها توقَّفتُ أمام واجهة زُجاجيَّة لامعة لأحد محلَّات الملابس، مُتكِّئًا على جذع شجرة تقف وسط رصيف المُشاة، لم أفطن إلَّا أنَّها تُسنِدُ كتفها على يمين الجذع الضَّخم الأسطوانيُّ الشَّكل. تقريبًا يُعادل حجم مُحيط برميل الماء الكبير.

تشتَّت تركيزي بمُتابعة واستعراض الملابس من خلف الزُّجاج المُتلألئ بأضواء (السُّبوتات) المُلوَّنة، وأخرى تومض دوريًّا، أصوات مولدَّات الكهرباء تصمُّ الأذان. أصوات العابرين تختلط بتمازج عجيب لارتفاع وتيرتها، هنا تصعُبُ مُهمَّة المُخبرين، ويجعلهم عاجزين عن فرز الكلام المنتقد لأداء الدولة في حالة الحرب الطَّويلة.

تنحنت كأنَّها تُنظِّف حُنجرتها من البلغم المُتجمِّع بفعل سكوتها لساعات دون أن تُكلِّم أحدًا. سمعتُها بعد أن تهيأت واستعدَّت:

-"مساء الخير أستاذ. منذ زمان أتحيَّن الفُرصة للقائك والكلام معاك، سعيدة بكَ أستاذ".

رفعتُ حاجبي الأيمن، بينما يدي اليُسرى امتدَّت لتلبية رغبة الحكِّ لفروة رأسي، كأنَّها تُعينني على تذكُّر أو استرجاع ذكرى ضائعة في مجاهل ذاكرتي. أوه.. هذا الوجه غير غريب عنِّي أبدًا أجزمُ بذلك، مُؤكَّد أنَّني رأيته ذات مرَّة. لكن أين ومتى..! هنا المُعضلة بنسيان الأسماء مع حفظ الملامح جميعها أو بعضها.    

 

   

   


الأربعاء، 3 أبريل 2024

كتب محمد طكو. إلى سادن الطريق.

 رسائل الادباء، رسالة من الشاعر محمد عبدالستار طكو إلى سادن الطريق محمد فتحي المقداد 

---------- 

فلقد قرأت روايتك الطريق إلى الزعتري قراءة حقيقية وإني أعني كلمة حقيقية قولاً وفعلاً :

و كنت قد تقمصت العديد من الشخصيات فيها

إن لم أكن تقمصتها جميعاً

في بداية الأمر وعندما استوقفني العنوان ظننتني سأقف على الحدود قليلاً ومن ثم أدخل إلى المخيم.

إلا أنك أعدتني إلى قرية من قرى سوريا الجميلة الحرة الثائرة.

هذه القرية ( مَوْج) التي تتربع على حافة الأمل

التي أراد بعض من أهلها لها أن تحيا كما قدر الله لها ذلك .

قرية أرادت أن تسدل سنيناً من الظلم والقهر وتتنفس هواءها النقي الذي أكرمها الله به لا الهواء المعلب الذي أعده لها ثلة من المجرمين .

لقد رسمت يا صديقي بعض بيوتها ومضافتها وشوارعاً منها حتى لكأني أتمشى في قرية فيها ما فيها من الحياة . تنبض بالحب على سعف من نخيل الأمنيات البسيطة للشعب البسيط .

وعندما رأيت المحامي وصافحته بيدي شعرت بحرارة المثقف الواعي المدافع حقيقة عن بلده وأبنائها.

ولي مع شاعرها وحروفه الثائرة وتصويره قصة وفنجان قهوة .

أما أبا فندي فلا يليق به إلا أن يكون عربياً أصيلاً من سهل حوران النابض خيراً وغلالاً والمنتصب كالزيتون واللامع كبيادر القمح وقت حصادها.

لا يليق به إلا أن يكون ثائراً ليقود كما قاد ويحمل كما حمل حب الوطن وحب أهله و ألا يعتب إلا على من باع .

لقد مضيت معهم جميعاً ، إلى أن وقفت مع أبي فندي على باب مخيم الزعتري وإني إذ أكتب لك هذا فإنما أتمنى عليك أن تعيده إلى بيته ليخرج الخاتم بيديه من قرب جذع شجرة الزيتون ، وألا يطول به الأمد فيوصي أبناءه بأن يفعلوا ذلك .

هذا ما خطه يميني على عجالة ولعلي أعود فأكتب ما شاء الله لي أن أكتب

مع خالص الود والأمنيات الطيبة لك


محمد عبدالستار طكو

الثلاثاء، 2 أبريل 2024

غرزة. كتب رائد العمري

 غرزة


      كثيرا ما نلتقي لنتعاطى، كم نحنُ مدمنون، كلّما مررتُ بالحيِّ الجنوبي لمحافظةِ إربدَ توجَّبَ عليَّ أن أزورَ تلكَ الغرزة، وكذلكَ أمثالي من متعاطي نفسِ العقارِ، بالأمسِ وبعدَ زيارتي للمشفى لصرف علاجي الشهري _ الذي أتجرعهُ بالحكمِ الإجباري لسلامةِ جسدي المتعب_  قرَّتُ أن أنزاحَ نحوَ تلكَ الغرزةِ؛ فروحي  تشتاق لعلاجها الروحي _إصابتي بالجلطةِ الدماغية قبل ما يقارب الثلاثة أشهر خلَّفتني عن زيارة تلك الغرزةِ ولقاء الأحبةِ كما اعتدنا، ولحسنِ حظي وجدتُ صاحِبَ الغرزةِ كما أعرفهُ جيدا مشتاقٌ للقاء، وقد جَهَّزَ لي جرعةً دسمة، كانت مختلفةً أسلوبا ومضمونا ولو احتَوت بعضَ السقطاتِ والألم، عندما وصلتُ جاء بعديَ مباشرةً زميلي الأشقر _ هو متعاطٍ هادئٌ بطرحهِ وبجرَعهِ وعقاقيرهِ الشعرية، لطيفٌ ومحبوب، ويحسنُ الإصغاء، وبعيدٌ كلَّ البعدِ عن الغيرةِ أو الحقدِ أو النميمةِ_  بفرصةُ تواجدهِ تبادلنا عقارينِ في اللغةِ والنقدِ والبلاغةِ والبيانِ من آيِ القرآن، كثيرا ما مدحني صاحبُ الغرزةِ حتَّى أصابتني نشوةُ الإعجابِ الروحيّ في نفسي _أحيانًا يحتاجُ أحدنا جرعةً للتعزيزِ والنشوة_ ثمَّ غادرنا الأشقرُ بهدوء.. وبقيتُ أنا وصاحبي وحدَنا، وعندما شرعتُ مرةً أخرى للمغادرة، إذ بالخضورِ يطلُّ علينا من علوِّ سيارتهِ مبتسمًا _ رجلٌ محبٌّ لهذا النوعِ من العقارات ويداومُ على جلساتِ التعاطي تلك_ وما إن رأيتهُ حتَّى عدتُ للتعاطي برفقتهِ من جديد، وفور جلوسهِ داعبنا ببعضِ الطُرفِ وهاتفَ السعيدين :

_ أينَ أنتَ؟

_ نعم هل وصلتَ قبلي.

_ منذُ دقائقَ وصلتُ وبدأنا جلستنا فلا تتأخر.

_ نعم، خمسُ دقائقَ وأكونُ بينكم.

 وفعلا وصلَ السعيدين _ وجهُهُ الباسمُ يخفي كثيرا من  الخبايا القلبية التي أفهمها ، وعيناهُ تفيضانِ بالشوقِ لغائبة ما،  الآنَ عُدنا للتعاطي من جديد، ، أخبرني صاحبنا المقدادُ بأنّهُ حَوَّل لي جرعةً لجوالي، لأبدأ بنثرها أمامَ الرفاقِ ونتبادلَ تعاطي جرعاتِ النقدِ، كان لحديثنا في هذه الغرزة الثقافية كبيرَ الأثرِ في نفسِ وروحِ كلّّ مِنَّا، حتّى أصابتنا النشوة الحقيقية التي نبتغيها... صديقنا الصمادي كانَ غائبا جسديًا عن جلستنا هذه ولكنَّهُ حاضرٌ كعادته في حديثنا، وقد تخيلتهُ يكتبُ أقصوصة لاذعةً ينتقدُ بها عادة سيئة.. نعم صالون البرج هذا للروائي المقداد  هو غرزتنا التي ننتشي فيها...


القيصر رائد العمري

الاثنين، 25 مارس 2024

قراءة ريما كلزلي. في قصة من ليما إلى ستوكهولم

 

من ليما إلى ستوكهولم

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

بعدما ثبتت إصابتي بالمتلازمات على غير إرادة ولا تخطيط منّي؛ فقد تاهت أفكاري بعيدًا ما بين (ليما و ستوكهولم)، رغم أنّني لا أعرف هاتيْن المدينتيْن إلّا من خلال الأطلس الجغرافيّ، الذي كنتُ أستخدمه في دروس الجغرافيا، بأمر أستاذنا أحمد اليوسف رحمه الله في المرحلة الإعداديّة والثّانويّة؛ لتثبيت ما كنّا نقرأ من أسماء لمواقع جغرافيّة مختلفة على الكرة الأرضيّة.

ولسنوات طويلة ما زلتُ أحتفظُ بنسخة من الأطلس، لدرجة أنّها أصبحت قديمة وعلى وشك أن تُصبح تُراثًا من الماضي، لأنّ هناك خرائط دول تغيّرت، ظهرت لنا دولًا جديدة، دولة كردستان التي كانت جزءًا من العراق، ودولة جنوب السّودان، وكذلك الصّومال التي تحوّلت إلى ثلاث دول، واليمن التي توحّدت لسنوات على إثر حرب، وعادت لتنفصل بعد حرب، هذه بقيت على حالها في كتابي الأطلس القديم، الذي أحفظ عنه اليمن الشمالي، واليمن الجنوبيّ، لم يختلف الأمر شيئًا عند هذه النّقطة الأخيرة.

والأمر المُخيف في بلدي سوريّة بعد عِقْد من الحروب والتدخّلات الخارجيّة، وشبح التقسيم المُخيف؛ عندها لاشكّ أنَّ كتابي هذا (الأطلس) سيُصبح وثيقة تاريخيّة، وسأعرضه وقتها بعشرات الآلاف من الدُّولارات، وسيعوّضني عن خساراتي الماديّة الكثيرة على الأقلِّ خلال طيلة فترة الحرب.

وسيصبح مرجعًا للوُحدويّين الرّافضين لفكرة التّقسيم، ولن تستغني عنه لجان ترسيم الحدود؛ فيما لو حصل ما أخشاه.. لا سمح الله.

ولم تكن (ليما) إلّا اسم عاصمة دولة (البيرو) في القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة، و(ستوكهولم) عاصمة مملكة (السّويد) الإسكندنافيّة في أوروبّا الشماليّة. والتي نصحني الكثير من الأصدقاء، لو كان باستطاعتي الهجرة عن طريق مفوضّية اللّاجئين، أو بطريقة التّهريب. الوُصول إلى السّويد أمنية كلّ مهاجر في العالم؛ لاِعْتبارات كثيرة في العيش بمستوى يليق بالإنسان.

والتّساؤل المهمّ: ما الذي أخذني للتفكير في (ستوكهولم) ما هو إلّا أنّي أثناء قراءتي لرواية (إنّي أتعافى) للكاتب الفرنسي (دافيد فوينكينوس) التي أهداني نسختها الإلكترونيّة مُترجمها الدكتور "محمود المقداد". وفي أحد فصول الرواية ذكر المُترجم في الحاشية عن (متلازمة ستوكهولم)، الأمر الذي دفعني للبحث عنها، وكان: (هي ظاهرة نفسيّة تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف).

(وأُطلق على هذه الحالة اسم "متلازمة ستوكهولم" نسبة إلى حادثة حدثت في ستوكهولم في السُّويد حيث سطا مجموعة من اللُّصوص على بنك (كريديت بانكين) هناك في عام 1973، واتّخذوا بعضًا من مُوظّفي البنك رهائن لمدة ستَّة أيّام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًّا مع الجُناة، وقاموا بالدّفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم).

قادني البحث للاستزادة إلى ظاهرة مُتلازمة (ليما) التي كانت على العكس تمامًا من المتلازمة السّابقة، حيث أنّها: (وفيها يتعاطف العدو مع المعتدى عليه بدافع الرحمة والتعاطف والشفقة، وقد جاء المصطلح بعد حادثة اختطاف الرهائن المدعوين في حفل رسمي برعاية السفير الياباني في مقر السفارة في ليما (البيرو) عام 1996 حيث أفرج أفراد من حركة المقاومة المئات من الرهائن بمن فيهم أهم الشخصيات في غضون ساعات قليلة فقط من الخطف وذلك بدافع التعاطف معهم).

خلال ما مرّ بي من الاستماع لكثير من كلام المعتقلين السّابقين لدى الأجهزة الأمنيّة العديدة في سوريّة، ممن أُفرج عنهم فإنّ عمُرًا جديدًا كُتبّ لهم، لابدّ أنّهم تعرّضوا لمثل هذه المُتلازمات التي لم أصّب بها، لكن من المُؤكّد أنّه وخلال فترة الحظر أُصبت بمتلازمة (الكوخ) الغريبة وغير المألوفة، لكن حين تبيّن لي أن تاريخ معرفة هذا المصطلح يرجع إلى أكثر من مئة عام، للإشارة إلى الأشخاص الذين اضطّروا للاعتزال في المناطق النائية، خاصة خلال فصل الشتاء حين يشتدّ البرد، ويضطرّ البعضُ للمكوث داخل البيت لأيّام، وأحيانًا لأسابيع دون هواتف أو وسائل تواصل اجتماعيّ.

على كلّ حالٍ الحمد لله، حينما تأكّدتُ أنّ متلازمة (الكوخ) لا تعتبر اضطرابًا نفسيًّا، ولكن أعراضها وتأثيرها معترف به في علم النفس على أنّها شيء حقيقي، كان فرحي عظيمًا حيث أنّني لا أحتاج للعلاج النفسيّ، والذي لا يمكنني دفع تكاليفه البّاهظة أو حتّى جزء يسر منها، تركيزي الأهمّ على أساسيّات الحياة الخبز وطبق البيض ودلو اللّبن الرّائب وصحن الفول.

كنتُ لا أودّ إخباركم أنّني أعتاش من معونات مُنظّمة الأمم المتّحدة للاجئين، وأنتظر بفارغ الصّبر نهاية كلّ شهر شحن بطاقة الأغذية الخاصّة.

 

عمان الأردن

ــــا 28\ 11\ 2020

............

 

قراءة في قصة/ من ليما إلى ستوكهولهم.

بقلم. ريما آل كلزلي

 

تحمل القصة في طياتها مزيجًا من الأحاسيس والأفكار المُثقلة بالهموم والآمال، ومشاعر مُتداخلة تتأرجح بين الحنين والألم، والتطلع إلى المستقبل مع القلق من المجهول. هي قصة تعكس واقعًا صعبًا يعيشه الكثيرون في سوريا وغيرها من مناطق النزاعات العالمية، حيث الحياة تتقاطع مع التاريخ والجغرافيا وعلم النفس.

الخلفية الجغرافية للقصة توفر إطارًا غنيًا لتحليل مقدمة القصة الذي يكشف لنا عن تداخل عدة محاور مهمة تشكل خلفية للسرد وتوطئة لاستكشاف الأحداث:

فتبدأ المقدمة بإشارة إلى حالة من الإصابة بمتلازمات غير معروفة التفاصيل، لكنها تؤثر بوضوح على الحالة النفسية للراوي. هذه الحالة تدفع بأفكاره للتيه بين مدينتين بعيدتين، ما يوحي بشعوره بالضياع وربما العزلة.

 

*الجغرافيا والتاريخ:

في القصة إشارة الجغرافية لليما وستوكهولم فهو حين ذكر مدينتين متباعدتين جغرافياً يمكن أن يرمز إلى تناقضات في الحياة الشخصية للراوي أو شعوره بالتشتت والانقسام بين عالمين مختلفين.

كما يُظهر الكاتب "محمد فتحي المقداد" حنينًا وتقديرًا لتأثير أستاذه، وللدور الذي يلعبه التعليم في توسيع الآفاق، وبناء الجسور بين الثقافات المختلفة، ومع ذلك، يُمكن للكُتَّاب أن يصبحوا وثائق تاريخية؛ عندما تغيّر الحروب والصراعات خرائط العالم، كما هو الحال في سوريا التي تُعاني من تداعيات الحرب والتدخُّلات الخارجيَّة.

أما اِحْتفاظه بنسخة من الأطلس الجغرافيِّ يشير إلى تعلقه بالماضي وقيمة التاريخ والذكريات في حياته.

 

*علم النفس:

يتطرق الراوي إلى مفهومين نفسيين مهمين: متلازمة ستوكهولم ومتلازمة الكوخ. متلازمة ستوكهولم: هي ظاهرة نفسيّة يمكن أن تصيب الأفراد الذين يتعاطفون مع المُعتدين عليهم، وهي تعكس التعقيدات النفسية التي يمكن أن تنشأ في ظروف الأسر والاحتجاز. أما متلازمة الكوخ، التي تتميّز بالعزلة والانقطاع عن المجتمع، فتُظهر كيف يمكن للظروف المحيطة أن تُؤثر على الحالة النفسيّة للأفراد. وقد يعكس شوقه للسفر والهروب من واقعه، أو تمثيله لحالة من الضّياع الفكريّ والجغرافيّ.

 

*الإنسانية والبقاء:

يُبرز الرّاوي أهميّة الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى، ويُعطي صورة واقعيّة لمعضلة العيْش على معونات الأمم المتَّحدة للاجئين. وفي ذلك دلالة على القوَّة البشرية والكرامة في مواجهة الشّدائد. إنّ الانتظار لنهاية كلّ شهر للحصول على المساعدات يُظهر الصّبر والأمل في غدٍ أفضل.

 

يتميز النص بالخصائص التالية:

-التشخيص الذاتي: يقدم الكاتب وصفًا ذاتيًا لتجربته مع المتلازمات، ويستخدم هذا كأداة للتعبير عن الأفكار والمشاعر الشّخصيّة.

-التنقل بين الأماكن: من خلال عرض المدن (ليما وستوكهولم) كرموز لحالة نفسية، ينقل الكاتب القارئ بين أماكن مختلفة، ما يعكس الضّياع الفكري والعاطفي الذي يشعر به.

-التّاريخ والثقافة: يذكر الكاتب تفاصيل مثل الأطلس الجغرافي، والحروب في سوريا، ممّا يضيف عُمقًا ثقافيًا وتاريخيًا للنص.

-الأمل واليأس: يتأرجح النصّ بين الأمل في حياة أفضل، واليأس من الظروف الحاليّة، مما يعكس النّضال الإنسانيّ في مواجهة الأزمات.

-التحليل النفسيّ: يعكس النصّ فهمًا وتحليلًا للحالات النفسيّة مثل متلازمة ستوكهولم ومتلازمة الكوخ.

-الاستشهاد: يُدخل الكاتب مراجع أدبيّة مثل رواية "إني أتعافى" ويشرح كيف أثَّرت هذه الأعمال في تفكيره.

-أسلوب سردي واقعي: يُقدِّم الكاتب وصفًا واقعيًا للحياة اليومية والصُّعوبات التي يواجهها التي اختتم بها قصته . وهذا بحد ذاته عودة قسريّة للرِّضا بالواقع.

أسلوب الكاتب في سرد القصّة يعكس تعقيد الظروف والأحداث التي عايشها، ويُظهر درجة عالية من الوعي والتأمل في الواقع الذي يعيشه. كما أن ملاحظات الرّاوي حول التغييرات الجيوسياسيّة؛ تدل على وعيه بالتحوُّلات الكبيرة التي يمكن أن تحدث في العالم. يمكن أن يكون هذا تشبيهاً للتحوُّلات الداخليَة التي يمرّ بها الرّاوي نفسه.

في النِّهاية من خلال هذه العناصر، يمكن استنتاج أن القصة تناولت موضوعات مثل تأثير التاريخ والذكريات على الحاضر، الشُّعور بالضَّياع والبحث عن الهويّة، وكيفية تعامل الأفراد مع التغيُّرات الكبيرة في العالم من حولهم.

الثلاثاء، 19 مارس 2024

لقاء ملتقى القصة الإلكتروني. مريم الحسن

 

🔴 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إدارة ملتقى القصة الإلكتروني (التفاعلي)

تبارك لكم حلول الشهر الكريم والحمدلله الذي أعاده علينا وعليكم والجميع بخير وعافية.

اعتدتم منا في كل عام من هذا الشهر أن نتوقف معكم، ونختلس النظر إلى حياتكم من إحدى النوافذ المتعددة التي صقلت أقلامكم.

 

 شهر رمضان المبارك له مذاق خاص وشعور متفرد،  ولنا معه وقفات وذكريات، كل ذكرى تداعب خيالنا بصور وأحداث متعددة، لكل كاتب هناك نبض خاص له أهمية عنده، عن أيامه ولياليه في شهر الخير .

 فماذا سنكتشف في هذا العام من ذكرياتك وطقوسك وأحلامك وأمانيك  والصور الحية التي عشتها في هذا الشهر ولا تنساها؟

🔴من فضلك أنتظر منك الإجابة على الأسئلة وإعادة ارسالها لي مشكوراً.

...

 

 

امحمد فتحي المقداد. روائي سوري. مقيم في الأردن.

 

*ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟.

± مساحات فرح واسعة نثرت فيها ذكرياتي الجميلة، ربما لا تُسعفني الذاكرة باستحضارها جميعًا في لحظة واحدة. بلا شكّ أنّ الطفولة بشقاوتها البريئة، البسيطة التناول لمعطيات الحياة المُتشابهة مع أطفال القرية، اللعب في الحارة، واللهو بأشياء بسيطة تزرع الفرحة والسرور في نفوسنا، وأحلامنا تكبر وتتعالى مع كل يوم نذهب فيه إلى المدرسة مشيًا على الأقدام. تلك حالة عامّة لأبناء الفلّاحين الذين يتقاسمون قسوة الحياة، وشظف العيش في المناطق الريفيّة

 

*لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟

± بكلّ تأكيد أوافق وبلا تردُّد وأكون سعيدًا، وأنا أسترجع الفقد الغالي من نفسي ومن الأحبة أهل المكان الذين توارْوا في قبورهم عليهم شآبيب الرّحمة. وسأبحث عن ذكريات طفولتي الأغلى والأجمل. وربًما يطيب لي اللّعب بالتراب والحصى لألبّي حاجةً مُلحّةً؛ لأعود نقيًّا أبيض. بسيطًا تُرضيني لمسة أمّي، وهي تناولني قطعة حلوى، ولأتخلّص من كلّ الأقنعة المُتكدّسة بدواخلي. كم هي أمنية عزيزة بالعودة للطفولة النقيّة البريئة.

 

*صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.

± من شُرفة بيتنا أنتظر صوتًا يصدح في أجواء مدينتي (بصرى الشام) التي كانت قرية وقتذاك. بفارغ الصّبر لحظة بلحظة أرقُب مئذنة العروس في الجامع العمريّ، وأنا أداري ضيق أُفُقي وتبرّمي بالدّقائق الأخيرة، لينتشلني إعلان "الله أكبر" بصوت جدّي (أبو قاسم) المُتهدّج، وإيذانًا لي بالرّكض بلا وعي لإبريق الماء. هذه الصّورة كتبتُ عنها، ولا تزال ثائرة في قلبي وعقلي مُثيرة تُهيّج الذكريات؛ مُلهمة الكتابة.

 

*في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟.

± عظمة اللّحظة الرمضانيّة بصفائها ونقائها، والأرواح تنتشي بربيعها الإلهي، وتهتزُّ القلوب وَجَلًا، إذا سمعت آيات من القرآن بصوت "عبدالباسط" أو "الحُصَريّ"، لتنفح آفاق التفكّر في قصّة الخلق والموت والمعاد، ولتُحلّق النّفس سابحة في ملكوت الله العليا بعيدًا عن الطّين والتراب. فهذا أعظم إلهام لقصة الحياة.

 

*أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم، وإذا كان هل تعرضه علينا؟.

± لا أذكُر تاريخ أوّل نص قصصيّ كتبته، على الأغلب ليس في رمضان، ولو كان ذلك ستكون روح رمضان تتلبّس النص.

 

 

 

*ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟.

± أمتلك مجموعات قصصيّة تتوزّع ما بين القصيرة والقصيرة جدًا، فلا أدري إن كان من حسن أو سوء الحظّ، أن لا يُطبَع منها شيئًا، لأن بداية طباعة كتبي ابتدأت بالأعمال الروائيّة (دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض) إلى جانب كتاب(مقالات ملفقة) وكتاب(شاهد على العتمة) إلى جاء في نهاية القائمة المطبوعة مجموعة أقاصيص (بتوقيت بُصرى) ولماذا أطلقت عليها صفة أقاصيص، مفردها أقصوصة، لأنها تتوسط الحجم ما بين القصة القصيرة والقصيرة جدًا.

كل الشكر والتقدير لإدارة ملتقى القصّة الإلكترونيّ، وللأخوة والأخوات من الكتاب والأدباء. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وكل عام وأنتم بخير.

 

إربد. الأردن

19/3/2024

 

الاثنين، 18 مارس 2024

إضاءة على كتاب إطلالات سلطان الخضور

 

إضاءة على كتاب

إطلالات على الرِّواية الأردنيَّة المُعاصرة. للدكتور سلطان الخُضور

بقلم الروائي. محمد  فتحي المقداد

المُتتبّع لمسيرة الدكتور "سلطان الخُضور"، يستطيعُ تشبيهه ببستان مليء بأنواع الأشجار المُثمرة والورود؛ فقد كتب الشِّعر والقصَّة والخاطرة الرواية، كما أنَّه نحى منحى الدِّراسات النقديَّة لأعمال أدبيَّة على اختلاف تنوَّعها الأدبيِّ. والكتاب الذي بين يديَّ هو "إطلالات على الرواية الأردنيَّة المُعاصرة"، فقد سلَّط الضُّوء على عشرة أعمال روائيَّة صدرت حديثًا، وهو بذلك جزء من تاريخ الحركة الأدبيَّة الأردنيَّة على وجه الخصوص، والعربيَّة عُمومًا، وقد وصف كتابه. بقوله: (الباحث إذ ينظر إلى هذه النصوص بعين الناقد، لا يدَّعي بأنَّ ما سيقدمه في هذا الكتاب هو الأفضل، فالنقد الأدبي كما هو معروف يختلف في طرائقه وأساليبه ومُحدداته ونتاجاته من ناقد إلى آخر، مما ينتج بالتالي تباينا في وجهات النظر، ويعود ذلك إلى اختلاف الرُّؤى، وتعدُّد القراءات، وبالتالي اختلاف في النتاجات النقدية، لأن الأمر لا يناقش قاعدة علمية أو رياضية ثابتة ومتقاربة الاستنتاجات).ص9. وهو بهذا يُقرِّر بأنَّ قراءاته ما هي إلَّا رؤى شخصيَّة تستند إلى فهمه ووعيه للنُّصوص التي قام بدراستها، ويقول في موقع آخر: (ولا نُبالغ إذا قُلنا إنَّ النَّاقد قد يشطحُ شطحات في التَّعليل والتَّفسير، لم تكُن قد دارت في خَلْد الكاتب).ص97.

ويُبيَّن كذلك المنهج الذي اتَّبعه في مساراته النقديَّة، بقوله: (اعتمد مؤلِّف الكتاب على المنهج التفكيكيِّ والتحليلي، الذي يعتمد التَفسير بناء على ما يرِدُ في النصِّ من مُفردات، حيث تعامل مع كلِّ نصٍّ كجُزء عن الكاتب، إلّا مما تفرضه المُعطيات الدَّالَّة الواردة في بعض النُصوص).ص97.

وكلمة إطلالات مفردها إطلالة، وكما وردت في لسان العرب: (أطلَّ على الشَّيءِ: أشرف عليه :-مدينة تُطِلّ على البحر، - شُرْفتُه تُطِلُّ على الحديقة). وبذلك تطابقت مع المقصود من إيرادها مُفْتَتَحًا للعنوان، وكأنَّ "د. سلطان". أراد لنا الوقوف معه على شُرفته، لتكون الرُّؤية واضحة تمامًا بلا غَبَشٍ ولا شَوَشٍ.

*..*

 

وباستعراض لمادة الكتاب: المكوّنة من عشر إضاءات على عشر روايات، لندخل من خلال بُوّابة العنوانات، وملاحظة غناها التنوّعي بانتقالاتها المُؤشّرة على مواضيع جديرة بالتوقّف عندها، وهي دالّة شخصيّة على كاتبها "د. سلطان الخضور":

*الشاعر الدكتور راشد عيسى يقدم مساقًا تربويًا على أوراق رواية "لم أكن أتوقع".

*دلالات المفردات في رواية بأي ذنب أحببتك لأريج صافي الخصاونة .

*رواية (ثقوب سرية في غابات الأمازون) لمحمد ثامر عرض متسارع للأحداث .

*الدكتورة سوزان خلقي تمتطي صهوة الدراما في رواية (روت لي حكايتها).

*انعكاس المسمى والغلاف على المحتوى وعلاقته بنفسيّة الراوي في رواية بنش مارك لتوفيق جاد.

*مؤشرات الانتماء في رواية (لعنة الفراعنة) للدكتور حسين منصور العمري.

*رواية(يعقوبيل) لناصر القواسمي أطروحة تعالج عشرين مسألة .

*(فلستيا) الرواية الممسرحة للدكتور حسام عزمي العفوري.

*التراكيب والمعاني في رواية السجينة والسجان لحسن أبو هنية .

*الوهم في رواية تقاسيم على جدار الوهم للدكتور أنور الشعر..

بعد اِسْتعراضي لهذه المواضيع، وقراءتها بالتفصيل لمرّتين سبقتا هذا، أتوقّفُ عند دراستين تُعدّا نموذجًا مُشرقًا وازنًا في الكتاب. جاءت الأولى في المجال التربويَّ، والثانية في رحاب التاريخ، وهما:

*الشّاعر الدكتور راشد عيسى يقدم مساقًا تربويًّا على أوراق رواية (لم أكن أتوقّع).

*رواية (يعقوبيل) لناصر القواسمي أطروحة تعالج عشرين مسألة.

*..*

 

 

 

النموذج الأول. التربوي:

*الشّاعر الدكتور راشد عيسى يقدم مساقًا تربويًّا على أوراق رواية (لم أكن أتوقّع).

-(الراوي قد قدم على أوراق روايته مساقًا تربويًا خالصًا مُتنوّع المذاق، يصلح ليس فقط للناشئة كما خطّ على مقدمتها، بل للناس كافة على مختلف الأعمار ومختلف المستويات) ص11.

 -(أن بطلة الرواية المتفوقة "دانة" هي ابنة واحد من العبيد وأن السيدة التي كانت تعيش معها والتي كانت تناديها "سيرا" في إشارة أنها ابنة خادم أي سيريلانكية، والتي تعاني من نوبات الصرع لم تكن أمها، بل هي ابنة سيد أبيها)ص11.

-(طرق الكاتب مسألة العبد والسيد، وبيّم نظرة المجتمع السلبيّة تجاه من يطلقون عليهم لفظ العبيد) و(أن معايير المجتمع في الحكم على الأشخاص تعتمد المظهر والحالة الاجتماعية من فقر وغنى، والكيد لمن يشعرون بتفوقه عليهم، والأهم  هو غياب البعد الإنساني في التعامل بين الناس) ص12.

-(نلاحظ الأثر التربويّ والنفسي على لسان بطلة الرواية: "كان موقف المديرة غيثًا وقع على كل عشبة جافة في حقل نفسي، وأصبحت خلال أيام قليلة مسؤولة الإذاعة المدرسية")ص13.

وفي العناوين الداخلية لرواية "د. راشد عيسى". جاء على تأصيلها "د. سلطان" ضمن مفاهيم دراسته عن الرواية:

-(من عناوين المساقات التي تتحدث عن الأمل في المستقبل وعن الحرية)ص13. (وفي عنوان آخر، جعل الكاتب بطلة روايته تعدل من سلوك صديقاتها في كتابة الرسائل على الهاتف المحمول)ص13.

-(والعنوان التالي على لسان البطلة أيضًا حين قالت:" إذن من أسباب ضعف الطلبة في اللغة العربية قلة دافعية المعلم والمعلمة" ص14.

-(أما العنوان التالي من عناوين المساق، فقد جاء على لسان "دانة" أيضًا: "ليس بالضرورة أن يكون العبقري أين يكون ابن أسرة غنية. العبقرية موهبة خاصة يضعها الله فيمن يشاء") ص15.

-(سبعة من العناوين متتالية، وردت من الطالبات المشاركات استجابة لاقتراح من بطلة الرواية في فن كتابة العبارة القصيرة، يصلح كل منها عنوانا لجلسة عصف ذهني يستنهض الأفكار لدى الطلبة على مختلف مستوياتهم، أوردها كما هي:

الاعتذار ممحاة الضغينة. لسانك صورة قلبك ومرآة عقلك. هكذا قال الصمت. لأن سمعي ثقيل فلا أسمع إلا ضجيج الفراشة. ليت المدرسات والمدرسين يدركون أن التعليم طريقة تفكير وليست معلومة. يدا أمي تضعهما على شعري.. (سشوار) حنون. لا تراهني على رجل في أيام الحب بل بعد الزواج. مشكلة الوردة أنها لا تعاتب قاطفها)ص15.

-(ذكر الكاتب مهارات الاتصال الأربع بقصد تعليمها: القراءة. الكتابة. التحدث. الاستماع) وأورد عبارة من الرواية على لسان. "د. راشد عيسى": (قرأت نقدا مباشرا للمناهج التي تقدم المعلومة، لكنها لا تعلم الطلبة مهارات الحياة، وفن بناء الشخصية، وتحقيق الأهداف، وقلما تلتفت إلى قيم التسامح والمحبة واحترام الرأي الآخر وفن الحوار وتشجيع المواهب)ص16.

*..*

 

النموذج الثاني. التاريخي:

*رواية «يعقوبيل» لناصر القواسمي أطروحة تعالج عشرين مسألة .

يشير "د. سلطان الخضور" إلى شدة إعجابه بالرواية، فقد وصفها. بقوله المجمل جاء على فكرة الفكرة التي قامت عليها الرواية بشكلٍ عامٍّ: (وإني لأغبط ناصرًا حيث تنفست روايته (يعقوبيل) وإني لأراها رواية تشهق وتزفر عشقا للوطن والأمة، وتؤكد على عمق الروابط التي تجمع بين أبناء الأمة العربية، وعلى عمق ثقافة الشعب الجزائري، وأصالته ومناصرته لقضية فلسطين ولكل قضايا الأمة والوطن الممتد من المحيط إلى الخليج)، و(ناصر القواسمي مؤرخا لتاريخ الكنعانيين حين رسم بيديه الواثقتين رواية «يعقوبيل»، فقد حفرت روايته  في أعماق التاريخ، وقلعت أوتاد الطارئين على تاريخ كنعان، وعرت أحلامهم)ص61.

أستعرض بهذه العجالة أفكار أطروحة الرواية العشرين التي عالجتها كما حدَّدها "د. سلطان الخضور". وتتمحور حول: ارتباط المسلمين الروحيِّ بمقام إبراهيم، والارتباط بالوطن. عدالة الضّمير والضّمير الزَّائغ بين الأخوة. خصلتا الخير والشرِّ  المتأصِّلتان في الإنسان، حتميَّة العودة للوطن. الصبر على هجران الوطن. العلاقة العمية الرَّابطة بين الأم وابنها. ضرورة تحمُّل المسؤوليَّة عند اتخاذ القرار. مناقشة مبدأ تشاركيَّة الحياة. وأحلام اليقظة وتشابكات العقل الباطن مع العقل الظَّاهر. مناقشة قضيَّة أسرية مهمة الجمع بين الأختين. مسألة الاستقلال وعدم التبعيَّة. قضيَّة الإيمان والتوحيد وصراعها مع الوثنيَّة. تعميم فكرة الختان. اختلاف الرُّؤى بين البشر باختلاف طريقة تفكيرهم. رواية قصة سيدنا يوسف عليه السَّلام بأسلوب  شبيه أو قريب ممَّا ورد في القرآن الكريم.

*..*

الخاتمة:

إنَّ الفوائد التي يتحصَّل عليها الكاتب النَّاقد من كتابة مواضيع نقديَّة لأعمال أدبية، ربَّما تكون معدومة له شخصيًّا بلا على الأغلب، لكنَّ النَّقد في مجمله هو السَّبيل لتطوير أداء الأساليب الكتابيَّة، والمُفاضلة بين الغثِّ والسَّمين، والكتاب الذي كنَّا بصدده، وكما أشار مؤلفه "د. سلطان" لذلك، على أنّه قراءات انطباعيَّة، لم تكن تسير وفق مناهج النَّقد الصَّارمة، ونظريَّاته العديدة المعروفة لدى الجميع، وآثر وَضْع بصمةٍ خاصَّة به حسب رؤيته، وقد أشار لمحاسن الأعمال التي كتب عنها، ولم ينس الإشارة إلى بعض مواطن الخلل البنائيَّة واللَّغويَّة والتعبيريَّة الشَّاردة عن مسارها الحقيقي والمُفتَرَض. هذه بعض جوانب الكتاب، وهناك الكثير ليُقال عنه، ولا حيلة لي مع الوقت المُحدَّد في مثل هذه الاحتفاليَّة الاِحَتفائيَّة. وهو ما جعلني أركِّز باختياري على القراءتين. فإن كنتُ قد وُفِّقتُ فمن الله، وإن جانبتُ الصَّواب فمن نفسي والشَّيطان. تحياتي لكم.

 

 

 

 

 

 

تأملات قرآنية