الأحد، 16 يوليو 2023

كتابة. قصة قصيرة

كتابة(الصياغة الأولى. الأساسيّة) 

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

جاءت نهاية الفصل ما قبل الخاتمة من روايته بعد عناءٍ شاقٍّ، وختم بعبارة فضفاضة وردت توًّا من لَاوَعْيه: "البطلة كانت عصبيّة المِزاج خلال تلك اللّحظة، حينما رشقَتْ ماء الكأس بعد أن رطّبتْ شفتيْها"، وقبل أن يُغلق الروائيّ دفتره شهَقَ بعُمقٍ، ويُظنُّ بابتلاعه كميّة من الهواء المليء بالميكروبات الدّقيقة يصاحبها الغُبار النّاعم، وراح يمسحُ وجهه كالمُعتاد، وحاول تجفيف قميصه المُبلّل بجزء كبير من صدره. وقف طويلًا أمام النّافذة قُبالة قُرص الشّمس عند الغُروب.

اِرْتسمَ وجه أمّه على قُرص الشَّمس بأكمله. رغبةٌ مُلحّةٌ بتقبيلها، هاجَت بداخله ثرثرة، كان بنفسه لو واتته فُرصةً، أو أحدٌ يسمعه؛ ليبثّها، ويُفرِغ ما في صدره من ضيق يُعانيه باستمرار:

-"لقد كبُرتُ يا أمّي..، وتعبتُ". صوت صرير الباب المُتقطّع ببطء كلحنٍ جنائزيٍّ يُشيّع الشّمس إلى مأواها الأخير؛ قطع عليه مُناجاة أمّه، حرارة جسمه تدفّقت بفَجاجَة غير مُبرّرة، ولم يعُد يشعر برطوبة القميص.

في الدّقائق الحَرِجة تأتي المفاجآت، ربّما تنقلبُ الأمور رأسًا على عقب.

-"شيءٌ ما.. اِنْكسرَ هناكَ في المطبخ؛ أتوقّع  أنّه لا يتعدّى فنجان قهوة، أو صحن الموالح، ليس غيرها.. تلك القطّة اللّعينة التي تعبث بالأغراض".

كان راغبًا بالتّحديق بوجه أمّه، المُطوّق بالهالة الذهبيّة المُشربّة بحُمرة الأصيل؛ لتُضيء عتمة دواخله المُنهكة، ولم يكُن راغبًا بترْك موقعه أمام النّافذة إلى حين تباشير قدوم النّجوم. راوده أملٌ بظهور القمر.

-"ليته يأتي بدرًا، ومعه وجه أمّي" قال لنفسه.

أرهقه التفكير بطريقة التعامل مع الزُّجاج المُكسَّر، التقط المكنسة بحذر شديد. عيناه تدوران بحركة لولبيّة مُتسارعة وعشوائيّة؛ لتحديد نقطة  البدء؛ لجمع بقايا الكأس المُحطّمة الذي رَمَته البطلة. تساءلَ بدهشةٍ:

-"للآن لم أُدرِك سببَ قذفها للكأس؟. أوه.. يا إلهي!! وجدُّتُها.. سأختِمُ بها".

بعد أن سحب نفسًا عميقًا، انفرجت أساريره مُستبشرًا، أغلق دفتره، ورجع للنّافذة راجيًا تحقيق أمنيته. شكل غريب اِسْتوطن جانبًا من وجه القمر ذي ملامح بشريّة، بعد تأمُّلٍ لدقائق، ثبت لديْه: على أنّه شكل رجل ذي عمامة. خَطَرت له صورة الرجل "السّيخيّ" ولحيته الكثيفة، سائق حافلة الشّركة التي كان يعمل بها في الخليج قبل ربع قرن  بعمامته البُرتقاليّة المُنضدّة بإتقانٍ عجيبٍ؛ ثمّ استحضرته خاطرة عادت بها ذاكرة (الفيس بوك) قبل يوميْن:

"إبليسُ دخَلَ عِمامَةً، من فوره خرَجَ مذعورًا. ذُهولٌ ظاهر على ملامحه.

- سُئل: «ولماذا لم تستقرّ فيها؟».

- : «لم أحتمل ما يجري بداخلها».

إبليس والمساء يتصارعان، كلاهما ينتظر الظّلام، للاستيلاء على ذهن الكاتب وسحبه إلى ساحته، قبل عودته لدفتره لتدوين ما استجدّ له، وأغلق النّافذة مُسدلًا السّتارة، لرغبته بالعودة للاستلقاء على سريره بملابس العمل. أعضاء جسمه المُنهكة أفسدت حاجته الضروريّة؛ لتناول وجبة المساء المُعتادة، وتأجيلها لوقتٍ آخر.

 

عمّان. الأردن

ــا17/ 7/ 2023


____________

(الصياغة الثانية للنص) 


كتابة

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

بعد عناءٍ شاقٍّ من التفكير؛ خَتَم الفصل ما قبل الأخير من روايته، بإضافة عبارة قصيرة؛ كانت وليدة اللّحظة الرّاهنة: "البطلة كانت عصبيّة المِزاج خلال تلك اللّحظة، حينما رشقَتْ بماء الكأس بعد أن رطّبتْ شفتيْها"، وقبل أن يُغلق الروائيّ دفتره شهَقَ بعُمقٍ،  وراح يمسحُ وجهه؛ مُحاولًا تجفيف قميصه الرّطِبِ  الصَّدْر، لشعوره ببرودة تتسرّب بين أضلاعه، ارتعاشة لا إراديّة جعلته يتوجّه للنّافذة، قُرص الشّمس عند الغُروب يبعث بقليل من الحرارة.

اِرْتسمَ وجه أمّه على قُرص الشَّمس بأكمله. رغبةٌ مُلحّةٌ بتقبيلها، تمنّى لو يرتمي بحضنها، ويدفُن رأسه في صدرها مثلما كان يفعل في صغره، ويُفرغ حُمولة همومه وأحزانه؛ ليقينه الرّاسخ: بأن لا أحد يحتمل ذلك منه إلّا قلب أمّه:

-"لقد كبُرتُ يا أمّي..، وتعبتُ". صوت صرير الباب المُتقطّع ببطء كلحنٍ جنائزيٍّ يُشيّع الشّمس إلى مأواها الأخير؛ فقطع عليه مُناجاة طيف أمّه، حرارة جسمه تدفّقت بفَجاجَة غير مُبرّرة، ولم يعُد يشعر برطوبة القميص.

-"شيءٌ ما.. اِنْكسرَ هناكَ في المطبخ؛ أتوقّع  أنّه لا يتعدّى فنجان قهوة، أو صحن الموالح، ليس غيرها.. تلك القطّة اللّعينة التي تعبث بالأغراض".

كان راغبًا بالتّحديق في وجه أمّه، المُطوّق بالهالة الذهبيّة المُشربّة بحُمرة الأصيل؛ لتُضيء عتمة دواخله المُنهكة، ولم يكُن راغبًا بترْك موقعه أمام النّافذة إلى حين ظهور النّجوم مترافقة مع القمر.

-"ليته يأتي بدرًا، ومعه وجه أمّي" قال لنفسه.

أرهقه التفكير بطريقة التعامل مع الزُّجاج المُكسَّر، التقط المكنسة بحذر شديد. عيناه تدوران بحركة لولبيّة مُتسارعة وعشوائيّة؛ لتحديد نقطة  البدء؛ لجمع بقايا الكأس المُحطّمة التي رَمَتها البطلة. تساءلَ بدهشةٍ:

-"للآن لم أُدرِك سببَ قذفها للكأس؟. أوه.. يا إلهي!! وجدُّتُها.. سأختِمُ بها".

بعد أن سحب نفسًا عميقًا، انفرجت أساريره مُستبشرًا، أغلق دفتره، ورجع للنّافذة راجيًا تحقيق أمنيته. شكل غريب اِسْتوطن جانبًا من وجه القمر ذي ملامح بشريّة، بعد تأمُّلٍ لدقائق، ثبت لديْه: على أنّه شكل رجل ذي عمامة. خَطَرت له صورة الرجل "السّيخيّ" ولحيته الكثيفة، إنّه سائق حافلة الشّركة التي كان يعمل بها في الخليج قبل ربع قرن  بعمامته البُرتقاليّة المُنضّدَة بإتقانٍ عجيبٍ؛ ثمّ استحضرته خاطرة عادت بها ذاكرة (الفيس بوك) قبل يوميْن:

"إبليسُ دخَلَ عِمامَةً، من فوره خرَجَ مذعورًا، ذُهولٌ ظاهر على ملامحه.

- سُئل: «ولماذا لم تستقرّ فيها؟».

- : «لم أحتمل ما يجري بداخلها».

إبليس والمساء يتصارعان، كلاهما ينتظر الظّلام، للاستيلاء على ذهن الكاتب وسحبه إلى ساحته، قام بإغلاق النّافذة، ومُسدلًا السّتارة، لرغبته بالعودة للاستلقاء على سريره بملابس العمل. أعضاء جسمه المُنهكة أفسدت حاجته الضروريّة؛ لتناول وجبة المساء المُعتادة، وتأجيلها لوقتٍ آخر.

 

عمّان. الأردن

ــا17/ 7/ 2023

الثلاثاء، 11 يوليو 2023

إضاءة أغنيات مالحة

 أغنيات مالحة


بقلم(محمد فتحي المقداد)* 


 أغنيات مالحة عنوان مجموعة شعرية من القياس المتوسط، جاءت القصائد موزعة على (94) صفحة، صدرت حديثاً، عن دار ناشرون الآن في عمّان، للشاعر صيام المواجدة، الذي صدر له سابقاً مجموعة بعنوان (نزفُ القلم)، وله مجموعة تحت الطبع، حملت عنوان (ارتحالاتُ ناي). 

في أمسياتٍ حضرتها سمعتُ بعض قصائد الشاعر صيام المواجدة، فكانت تمر الكلمات سريعة على مسمعي، ولكن لما أهداني أغنياته المالحة تلك، بصراحة، توقفتُ  مدهوشًا بداية من نصّه القصير جدًا، بعنوان (مدخل) صفحة 15، لأجدني متسمِّراً أمام عُمق نظرة الشاعر الثاقبة الواعية  لِمَا هو ذاهبٌ إليه في نصوصه، فأنا لستُ ناقداً، بل مجرد قارئ متذوق، ولا أبالغ إن أطلقتُ على صيام المواجدة (الشاعر الفيلسوف)، خاصة في تجليّاته، فيقول: " بطعم الملح أغنيتي، فقد رشفتْ مِدادَ الحرف من عيني"، كما أن القصائد جاءت بطعم الملح غير المستساغ كثيرُهُ لمن يتذوقه، ولكن الملح لا غنى عنه في الحياة، وهو يحفظها في البر و البحر، وهو ما يعادل الأطعمة، ويُسْبِغ عليها المذاق اللذيذ، وهكذا الحال، جاءت قصائد الشاعر في أغنياته المالحة، فيقول: " بطعم الملح أسكُبُها، بكأس كافُهُ كَبْتٌ بذاكرتي، وكأس من أرَقِ الهوى ألِفٌ، وكأسٍ سينُهُ سهمٌ بخاصرتي، تُحيلُ الليلَ ليليْنِ"، كلمة أسكبها موحية بأنها في بوتقة، سيسكبها بكأس كافُهُ مكبوتةٌ في ذاكرته للوجع الذي تحمله، أو كأس أخرى على شكل أرَقٍ من الهوى، لتكون سين هذه الكأس سهمٌ مغروز في خاصرته، موجع مؤلم، وما عليه إلا أن يصدح بأغنياته المالحة رغم ألمه، مُنَبِّهًا ومُنذرًا كرسول لبني قومه. 

*** 

و بالانتقال من المدخل إلى رحاب المجموعة، واطلاّعي، لأجد تجربة الشاعر الناضجة، متجاوزًا قشرة الواقع المنظور، وهو يغوص بقوة في أعماق مشاعره لِيبثّها فينا، ونحن نقرأها لاهبة تسوطُ أحاسيسنا المتجمدة المُتكلّسة، ترومُ تحرير سماكة الجليد في دواخلنا.

الشاعر مهجوسٌ بهموم كبيرة أرّقته في ليله ونهاره، حمل هموم أمته، و أعلنها صرخة مدويةً مالحة، علّها تخترق الصمم الماثل في آذاننا، ليسهل عليها النفاذ إلى سويداء قلبٍ واعٍ، أطلقها بقصد الإصلاح ليكون في أسباب الرقي من خلال بصمته، وهو في أغنياته تلك كان جرس إنذار، واستشرف الطريق وعوائقها. 

و أمام النص الثاني(من رحم الألم) صفحة 16، لأجد الكلمات تخرج صادقة، صادمة لغفلتنا عن محيطنا، محاولة إخراجنا من قاع رواسب حالتنا إلى رحاب التفكير، و التأمل، لاستكشاف جماليات غفل الذوق عنها، لأنه أدمن رؤيتها، وهذا النص أشبه ما يكون بالهايكو الشكل الجديد للقصيدة، أي أن كل فقرة منها هي قصيدة بذاتها، لأنها استكملت جوانبها في سكب المعاني لقصة مختلفة تمامًا عما سبقها أو جاء بعدها، (العود يطربنا، من بعد ما عملتْ، في قطع أخشُبِه أسنانُ منشار)، (والكأس يُرشفُنا، من فيض لذّته، قد كان أحرقه الخزّاف بالنار)، (واللّحمُ تلقُمُهُ، طيْبًا بمأكله، من قبلُ قطّعَه سكين جزّارِ)، وهكذا جاءت كلمات (العود, الكأس، اللحم، الشّهد، الأرض، الصّخرُ، الأم، الشعر، العلم) في بداية كل مقطع بدلالات مشهديّة، أيقظت في دواخلنا تشغيل المحفزات لرؤيتها بعين يقظة جديدة.

*** 

وعودٌ على بدء، جاءت الخاتمة بنص (وبعد...)، أرى أن هذا النص القصير لو وضع بعد النص الأول (مدخل) لصعب التفريق بينهما، كونهما يتكاملان، هناك جاءت: 

" بطعم الملح أغنيتي، بطعم الملح أسكبها"، وهنا كانت "لعلي أعود قُبيْل الغروب..، بشيء من الأغنيات.." ولعل الملوحة ذابت في نصوص الديوان لتصل إلى الخاتمة حُلْوَة مملوحة باعتدال. 

تناظُرٌ ذكي من الشاعر سواء كان مقصودَا، أو غير ذلك، و الحديث ذو شجون ويطول ويطول، هذه الإطلالة استنفذت طاقتي عن متابعة الكتابة، وتتبع كل مداخلها ومخارجها، أرجو أن أكون قد وضعت نقطة مصاحبة لجماليات سِفْرِ الشاعر، وأستميحُهُ عذرًا إن أخطأت في فهمي، أو إن لم أستطع أن أوُفِيَهُ حقه. 


عمّان \ الأردن

11 - 7 - 2016

كتب فؤاد قناية

 كتب فؤاد قناية/ سورية


====================


(محمد فتحي المقداد)

(أديب ألمعي وقاص ذكي وشاعر ومبدع)

في البدء كانت الكلمة فكانت السمة الرئيسة التي يتعالى بها شموخ البشرية وتصعد من خلالها إلى منابر الشرف لتبلغ بذلك أعلى درجات العلو والرفعة، فالكلمة ليست مجرد رسالة تصك في دقائق إنما هي من يحرر الإنسان من سجن العقول إلى فضاء الإبداع ومن المعروف لنا أن العلم لا تثمر أزهاره إلا إذا اقترن بالعمل وحسن الأخلاق وأديبنا جمع بين الحسنيين فهو مدرسة إبداع

وأدب وعلم وأخلاق، آتاه الله من الموهبة أجملها ومن الأخلاق أعلاها فهو كنسمة هواء رقيقة ومثال للباقة واللطافة وحسن المعاشرة، استمد ذلك من بيئته العريقة (بصرى الشام) التي تتوسطها قلعتها الشامخة بكل جلال ووقار

محمد فتحي المقداد صاحب كلمات لها فعل كفعل السحر كما أنه يمتلك بلاغة متميزة مما يجعل اللغة خاضعة في بنائها ووظيفتها لمكونات الجنس أما شعره الذي يجمع بين اللغة والأدب والحكمة وجزالة اللفظ lمما يجعل القارئ حائراً غارقاً بين سحر الكلمة والإبداع البلاغي فيزداد شوقاً للمتابعة وعند بلوغه النهاية يجد نفسه لا يستطيع أن يصف روعة ما قرأ، كما أن كلماته تعبر عن صدقه ورقة مشاعره وذلك من خلال مخاطباته الوجدانية وإشاراته الروحية وكشف القبح في المجتمعات ووضع الصورة أمام مقابلاتها فينتج في نفوس متلقييه الرغبة في الترقي للأجمل التي يمس بها النواحي والنواصي العليا التي تبدأ من الضمير وتنتهي إليه وكأنه يمسك بخناق الإنسانية لكي لا تتردى .

أما فيما يتعلق بموضوعاته فهو الرجل الجديد المتجدد من دون منازع فكل يوم يظهر لنا بحلةٍ جديدة مختلفةً عن سابقتها فهو يعُنى بتنويع المعاني الشيء الذي لا يجعل القارئ يصاب بالملل فهو يقوم بانتقاء الألفاظ السهلة والعبارات السلسة ذات المعنى والمغنى إضافة إلى الموهبة الساحرة التي يمتلكها والتي تعد بمثابة وقود توهجه وتكشف لنا عن أصالته التي حظيت بمرتبة الشرف بامتياز فيكون بذلك قد حقق شخصية الأديب فالأديب هو ضمير أمته ومرآة عصره

أما عن شخصيته فهو إنسان بكل معاني الإنسانية ودليل ذلك موضوعاته التي نقرأها كل يوم فلو اختل في شخصيته معنى من معاني الإنسانية لانعكس ذلك الخلل على فنه وكان بذلك غير مقنع لقرائه، وتجلى لي ذلك عند حديثي معه للمرة الأولى فوجدته إنساناً متواضع يعتنق فكرة عزة النفس والكرامة والإيثار وإنكار الذات وليس بعيداً عنه ذلك فالنظرة في عين المرء تريك مدى علاقته بالفكر ولو نظر أحد إلى وجهه لوجد القراءة والكتابة تحفر لها أخاديد على بشرته وتضيف إلى عينيه عمقا آخر .

وبذلك فإن تلك الصفات والخصوصيات التي تحدثت عنها ليست مطروحة على قارعة الطريق كما يظن البعض ، بل هي وهب من الله وأصحاب تلك الخصوصية قلة قليلون

وفي النهاية لا يسعني إلا القول بأن ومن بين كل النماذج الإنسانية الرائدة والطليعية يبقى الأديب متميزاً بالخيال الحر الطليق والتصور المكتمل لكل وجوه الحياة ، كيف هي كائنة وكيف يجب أن تكون تحية معطرة بأسمى آيات المحبة والتقدير لأديبنا محمد فتحي المقداد مع خالص الود والمحبة

.....................................................................

fouad kanaya

الأحد، 9 يوليو 2023

رواية جمال المسالمة

إضاءة على رواية

(أحلام خلف القضبان. للروائيّ جمال المسالمة). سوريا.

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

 الواقعُ مَعينٌ لا ينضب من الحوادث والحكايا، وهو مرتع واسع زمانًا ومكانًا للكّتاب والأدباء، ليغمسون أقلامهم بقوّة وجرأة فيما يلتقطون من قصص وأفكار، لمعالجتها بالطريقة المناسبة لهم، وعلى طريقتهم، وكلٌّ حسب مقدرته ومعرفته الأدبيّة.

والرواية التي بين أيدينا "أحلام خلف القضبان" للمهندس "جمال المسالمة"، هي العمل الروائيّ الأوّل، لوحظ انعكاس حرفته الهندسيّة على طريقة تناوله المنطقيّ، والمتسلسل لبناء قاعدة الرواية، انطلاقًا من وسط قرية "المرج"، لا نتوقّف كثيرًا أمام التسمية بقدر رمزيّتها، وانتمائها لمكان أقام عليه أساس روايته المتين.

وبتأويلات القراءة، واستشفاف المشاهد الخفيّة المُستخلَصة فيما ورائيّة السرديَّة الروائيّة، إلى قضيّة الرّيف والمدينة، وإشكاليّة التفاوت الهائل بالخدمات العامّة، ولا نقول بالإهمال التامّ، بل الخدمات بأقلّها القليل غير الوافي والكافي، ولا مستكمل لأدوات ومبررات العيش الكريم.

والكاتب يُعيد للأذهان هذا الموضوع للمقدّمة، ويأخذنا معه إلى أجواء القرية ببساطتها، وطبيعة علاقاتها المُتشابكة المُتشابهة المُتشاركة لفضاءات روايته المكانيّة، ليجعل منها مسرحًا لحركة أبطاله، وعرض لفعاليّاتهم بمقاربات تُحاكي الواقع، وتناقلاته بوضوح تامّ مباشر، وبهذا يكون قد سلّم مفاتيح عمله الروائي للقارئ.

ساحة القرية الصغيرة جاءت صورة مصغّرة كاشفة للخفايا والخبايا، والصراعات والتنافسات، وحصرًا من دكّان "أبو علي". بتحريك الحدث نحو افتتاح الصيدلية، والشاب الصيدلي الوافد الجديد للقرية، والانتقال لخطوبة الشاب "أحمد" الموظف بوزارة الأوقاف، لواحدة من بنات القرية، وتدخّل عمّها لخطبتها لابنه "ظافر" الموظف كمعلم في مدرسة القرية، وهذا العرف الاجتماعي "بنت العم لابن عمّها". ومع مجيء الصيدلية، تجرّأت البنت "سعاد" على مناقشة النساء حول طبيعة أجسامهن المترهلة، لإهمالهن بأنفسهن وتكاد أن هذه النقطة ميزة لكثير من نساء الأرياف العاملات في الحقول الزراعية بمساعدة أزواجهن، ولإعالة عوائلهنّ الفقيرة.

وبالعودة لموضوع عنوان الرواية "أحلام خلف القضبان" ثلاث كلمات بصيغتها الاسميّة، جديرة بالتوقّف في رحابها، بمحاولة سلوك دروب التأويل، للقبض على بعض دلالتها الممتدة بجذورها داخل العمل الروائيّ.

فكلمة "أحلام" هي الأولى من العنوان؛ تحيلنا لشيء من فلسفة الأحلام، حيث أنّها حق مُتاح لجميع البشر على حدّ سواء، فقيرهم وغنيهم، والقويّ والضّعيف، الحاكم والمحكوم، والسيّد والمسود. وخلقت الأحلام لا لتتحقّق، إنّما هي من دوافع الأمل للاستمرار بالحياة، بتمنية النّفس بالأفضل والأجمل.

وكلمة "خلف" هي الثانية بترتيبها جاءت بعد الأحلام، لتعطي الوجه الآخر غير المُعلن، الذي ستكون الأحلام خلفه، لنفاجأ بالكلمة الثالثة "القضبان" بفظاظتها وخشونتها القائمة على حجز الحريّات، وهي الواجهة الواضحة من السّجون والزّنازين، لا شكّ أن فضاء السّجن المكاني مغلق، على خلاف وضديّة فضاء القرية المفتوح بلا حدود نحو جميع الاتّجاهات، وفضاء القرية تربة صالحة لنموّ الأحلام وتطاولها، بينما فضاء السجن مقبرة للأحياء وأحلامهم، وبيئة فاسدة تنمو فيها الطحلبيّات الفاسدة كاليأس والقنوط والقهر وموت الرّغبة بالحياة، باستعجال قابض الأرواح للخلاص من الكآبة والحزن.

وبذلك من المفترض بعد موجة هذه الاستنتاجات أن يكون العنوان عتبة للرواية، وهو رواية فكرة قامت عليها السرديَّة بمجملها، أو بتعبير أوضح وفي الحالة المُثلى أنّ العنوان رواية كاملة مختصرة لتأتي بهذا الشكل، وهذا ما نستطيع القول عنه بالعنوان القويّ، الواضح بدلالاته وهو ما ينطبق ويتطابق مع فكرة وأحداث رواية "أحلام خلف القضبان".

لتحكي قصّة الصيدلي "سمير" وتجربة السّجن والتحقيق والتعذيب لسنوات طويلة، بتهمة الانتساب لحزب محظور، وهو الجناح اليميني لحزب البعث العربي الإشتراكي، وهو بهذا المعنى سجين سياسيّ سابق، هذا ما فتحه مجيء "معتز" عنصر أمن الدولة  بعد افتتاح "سمير" للصيدليّة. الأمر الذي يستدعي إجراء دراسات أمنيّة عنه، ومسح سياسي، وهذا الأمر والإجراء مُتّبع في جميع أوجه النّشاط في سوريّا قديمًا وحديثًا.

وفي هذا الاستعراض الوجيز لرواية "أحلام خلف القضبان" التي تُصنّف من المدرسة الواقعيّة في الأدب، وهي محاولة نقل الواقع من الحقل الماديّ، إلى الحقل المعنويّ الفكريّ.

لغة الرواية واضحة فصيحة بتراتبات سليمة سبكًا للمعاني، بتوليفتها النحوية والإملائية والتعبيرية، كما أنّها جاءت من زمن سابق وعلى الأغلب قبل الألفية الثالثة، على محمل الذاكرة المختزنة لدى المهندس "جمال المسالمة" مثله مثل جميع السّوريّين، بنفس طريقة التفكير والمُعاناة واحدة، ولم أجد غرابة أثناء مطالعتي للرواية لأنّني عايشتُ الفترة نفسها بحلوها ومُرّها، وبذلك تُعتبر وثيقة دامعة بصدقيّتها، وبنظرة بسيطة لمل اصطُلح عليه ب"أدب السّجون" وفي الحالة السورية على الأخصّ، فإن جميع الأعمال الروائية المنشورة من الكتاب والأدباء السوريين، وهم ممّن جربّوا السّجون، وعلى اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجيّة الحزبية ما بين الإسلاميين والشيوعيين والبعثيين والناصريين، وبمقارنة تقاطع المعلومات فيما بينهم، فكل ما كُتب مُتشابهًا، فرواية "القوقعة. مصطفى خليفة" وكل ما قرأته من روايات عن سجن تدمر، لم يخرج عن سياقها إلّا بأسلوب الكتابة فقط، وبهذا المنحى يمكن تجنيس رواية "أحلام خلف القضبان" بأنّها من صنف أدب السجون في معظم سرديّتها الروائية، فتكون كشاهد حيّ على العصر. والله الموفق للحق والصّواب.

 

9/ 7/ 2023

 

 

 

 

 

الجمعة، 7 يوليو 2023

بطاقة ذر أحمر

بطاقة تعريفيّة بكتاب "ذرٌّ أحمر"

 للروائيّ والقاصّ "توفيق جاد". الأردنّ

 

بقلم الروائيّ- محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا كتاب "ذرٌّ أحمر" للروائيّ والقاصّ "توفيق أحمد جاد"، هو عبارة عن مجموعة قصصيّة غطّت نصوصها النّصف الأوّل، وفي قسم الكتاب الثاني "خربشات"، واختلف الأمر باحتوائه على طائفة من الخواطر والتأمّلات على شكل ومضات وأقوال. فيها الكثير من التوعية والحكمة والرّؤى الاجتماعية.

وبشكل عامٍ؛ فإنّ الكتاب بجزأيْه بطروحاته القصصيّة والخربشات، يُصنّف في سياق المدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة في الأدب، وتتّسم المجموعة بطروحاتها المباشرة العقلانيّة الواعية على محمَل تعليميّ ووعظيٍ في كثير من تعابيرها.

وفي تتبُّع ما قيل وما كُتب عن الواقعيّة: (كانت الواقعيّة بوصفها حركة في الأدب ظاهرةً انتشرت بعد عام 1848، وفقًا لأوّل مُنظّريها "جول فرانسيه شامبفلوري"، وهي تهدف إلى إعادة إنتاج «الواقع الموضوعي»، وتُركّز على إظهار الحياة والنشاطات اليوميّة العاديّة، في أوساط الطّبقة الوسطى أو الدّنيا بشكل أساسيّ، دون إضفاء مثاليّة أو دراميّة رومنسيّة). نقلًا عن موسوعة ويكبيديا

وفي رأي منقول آخر لتجلية مفهوم الواقعيّة: ) الواقعية تعني المعرفة العقلانيّة للحياة، أو هي طموح العقل الإنسانيّ، وتطلّعه لاكتشاف حقيقة الحياة ومعرفة خفايا العالم، وإدراك قوانين تطوّر المجتمعات، واتّجاهاتها، والآليّة التي يعيشها المجتمع الإنسانيّ).

لمعرفتي اللّصيقة فإنّ القاص "توفيق جاد": حكّاء بامتياز، بما يمتلك من مخزون تجربته الحياتيّة الغزيرة بالعطاء، وحفظ دروسها وعِظاتها، القائمة المعرفة والدّراية الاجتماعية، وهذا مدعاة تستلزم الغوص بأعماق المجتمع، واستخلاص أنماط السّلوكات، ومحاولة إبرازها، ومناقشتها.

أدب "توفيق جاد" عقلانيّ بصير بخطواته الأدبيّة، ذات البُعد الإصلاحيِّ في زمن المُتغيّرات المُتسارعة من حولنا، وبما تواجهنا به العولمة بوجهها القبيح، ومحاولة اختراق المنظومات الاجتماعيّة، وتضليلها وتشكيكها بمعتقداتها الدينيّة والعقائديّة والعادات والتقاليد، وتغيير السّلوك الاجتماعيّ.

مجموعة "ذر أحمر" احتوتّ على ثمانية نصوص قصّة قصيرة ذات عناوين من الممكن استعراضها، وتلمّس دلالتها وإيحاءاتها الظّاهرة والباطنة.

1-النصّ الأوّل: "بيت منخفض" وفي الواقع هو منخفض بمنسوبه عن ساحة القرية، ومنخفض بأخلاق أصحابه بصفتهم من الأبناء الذين مارسوا عقوق والدهم، الذي كان عاقًّا لوالده أيّام شبابه، وهو ما يذكرنا بقضية الانتقام والتدبير الربّانيّ.

2-النصّ الثّاني: "ذهبية الشعر" يحكي قضية التشبّه المثيرة للجدل، تشبّه الرجال بالنساء والعكس، وقضية الشذوذ.

3-النصّ الثّالث: "محنة ومنحة" طرق هذا النص موضوع عمالة الأطفال، والتسرُّب من المدارس خلال مرحلة التعليم الأساسيّة، وانحرافات الأطفال واستغلالهم، ومعاقرة الخمور والمخدرات والإدمان وانعكاساتها على حياتهم فيما بعد الزواج.

4- النصّ الرّابع: "ذرات النمل" مراقبة أسراب بقصد مراقبة طرائق سلوكها وحياتها، مجتمعات النمل المنتظمة بأعمالها وتعاونها لتذليل الصعاب، من أجل بقائها واستمرار حياتها.

5- النصّ الخامس: "السكّينة الحمراء" ومن الحبّ ما قتَل، وقضيّة إعاقة عقليّة ولاديّة لطفل ولد لأبويه، حيث ماتت أمّه عند بلوغه الرّابعة من عمره، وقام والده بقتله، مُعتبِرا ذلك من باب الرّحمة للطّفل، عندما سيطرت فكرة الموت عند الوالد، واعتقاده بشقاء ابنه من بعده، وارتكب جريمة القتل والموت الرّحيم، يا لقلب الوالد الحزين على ابنه، وكيف استطاع فعل ذلك؟ لا شكّ بغرابة هكذا طرح في مجتمع عربيّ ومسلم شرقيّ.

6-النصّ السّادس: "خاطرة امرأة" وهو نص هجين مختلف عن محيطه العامر بالقصص القصيرة.

7-النصّ السّابع: "النابالم" قضيّة الحروب وويلاتها بالخراب والدّمار، والتهجير والهروب والموت، والنصّ من حرب حزيران 1967في فلسطين.

8-النصّ الثّامن: "ضيفي الليبيّ" النخوة العربيّة الأردنيّة بمساعدة (السيد الهرابي) الشابّ التونسيّ العائد من دراسته في العراق عندما انقطعت به السّبل، والتجأ إلى عائلة صديق أخيه في مدينة إربد أو الرّمثا، وبسبب خطأ في تقدير الأمر من ربّ العائلة؛ غادر الشابّ التونسيّ إلى عمّان خالي الوِفاض، وبمبادرة من أحد أفراد الأسرة؛ بدأت رحلة البحث المُضني في ظروف غامضة وصعبة، لإعطائه ما يحتاج من المال، ولتمكينه من السّفر إلى بلاده.

لوحظ أنّ جميع نصوص المجموعة القصصيّة، جاءت على محمل الذاكرة المُختزنة من الماضي القريب والبعيد، برؤية توعوية، وبمنظور عقلانيّ يستند لصوت العقل، ومحاكمة الأشياء الخارجة عن سياقها الاجتماعي، بنظرة ناقدة للظواهر السلبيّة، والتحذير من الوقوع في مطبّاتها.

ما زالت ذاكرة "توفيق جاد" مُتخمة بمخزونها الحكائيّ، يريد الوصول بها إلى مدايات واسعة من القرُاء؛ ليعزّز صلتهم بقيمهم وأخلاقهم، والتشبّث بالعادات والتقاليد وامتداداتها الاجتماعيّة على جميع المستويات المتباينة بطرائقها، وسلوكاتها المختلفة المُلتفّة بدوائرها ما بين فكرة الخير والشرّ، والظلم والعدالة، والقيم الدينيّة والإنسانية والاجتماعيّة.

عمان. الآردن

7/ 7/ 2023

 

الاثنين، 3 يوليو 2023

تجربة محمد الصمادي

 

لفتات حول تجربة  "محمد الصمادي" القصصيّة

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد

(أمسية قراءات في تجربة محمد الصمادي القصصية. يوم الثلاثاء 4/7/2023 بيت عرار الثقافي. إربد)

 

من المُلاحَظ أنّ نصوص القاصّ  "محمد الصمادي" تتّسم بواقعيّتها البَحْتة القائمةِ على المُحاكاة، والتمثيلِ، والتأشير على بعض القضايا الاجتماعيّة عُمومًا، والقائمةِ على المنطق العقلانيّ أساسًا، بالمُحاكمة وتحليل المواقف، وإعادة تركيبها ضمن توليفةٍ سرديّة فيما بين نصوص قصصيّة قصيرة وقصيرة جدًا، تأتي أحيانًا ساخرةً حاملةً لروح الدُّعابة؛ لتمرير نقد بعض مظاهر السّلوك الفرديّ والجماعيّ.

فالأديب يُلاحظ، ويُؤشّر، ويُلمِّح ويُصرّح، ويُؤكّد، ويُكرّر للفت الانتباه؛ لأنّه غير مَعنيٍّ بالتفسير، والبحث عن حُلول وإجابات للمعضلات والمشاكل.

تتّضح ملامح تجربة "محمد الصمادي" القصصيّة بجلاء لا مِراء فيه من خلال مجموعته الأخيرة "جرعتان والبقية تفاصيل"، التي تُمثّل لوحاتها ومشهديّاتها تشكيلًا قصصيًا بخصوصيّة أو بنكهة "محمد الصّمادي  وبناء لا يختلف عن طريقة الفنانين التشكيليّين بطريقة تأسيس وتأثيث لوحاتهم، وذلك للتقريب والتشبيه مع ملاحظة اختلاف الحالتين. هذا يكتب بالقلم وذاك يرسم بريشته ألوانًا مختلفة تتوافق وتتنافر، لكنها في النهاية تكوينًا ذا محتوى، والنصّ القصصيّ عند "محمد الصمادي" عبارة عن التقاطات قافزة فوق الزّمان والمكان، حتّى يمكن تعميم ذلك على جميع نصوص المجموعة؛ لتكون سِمَةً وطريقةً اتّخذها الكاتب أسلوبًا له.

هذا القفز المُتوثّب بفرط حركته داخل نصوص المجموعة، مرهق للقارئ. مُوهِنٌ لأنفاسه. ربّما حالة القلق الإبداعيّ عند الكاتب، تبدو كتابته حاملة لهمومه القلقة بأفكاره، ومرّةً خائفةً، وضاحكةً، وباكيةً، ولامباليةً، وفوضويّةً، ومُستقيمةً، ومُجدّفة عكس التيّار. هذه المعاني المُستقاة من مطالعة نصوص المجموعة، جاءت العبارة الثانية من العنوان "البقية تفاصيل"، وفي التفاصيل يكمن الهدف، والدّرس، والرّسالة، وذلك من انعكاسات دواخل نفس "محمد الصمادي" على مفرداته وجمله ونصوصه، ليغطّي صورة كاملة واضحة بمعالمها الشخصيّة والنفسيّة والرّوحيّة للكاتب.

وفي اختيار العبارة التي جاءت على الغلاف الخلفي، يتضح شيئا من التماعات المعاني السابقة: "«نَعَمْ وَكَيْف أكُون سَلِيْمًا فِي عَالَمٍ. الْعَيْش فِيْهِ مَرَضٌ؟.  لَدَيّ أَمْرَاضٌ كَثِيرة يَصْعُب عَلَيَّ حَصْرُهَا؛ فَأَنَا مَرِيضٌ بالخوف والأمل، مَريضٌ بِالْمَحَبَّة، مريضٌ بِالْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة، مَرِيضٌ بِالْفَقْرِ، مَرِيْضٌ بِالزَّائِدَة  الدُّوَدِيَّة فِي زَمَن تَنْخَر فِيْهِ الدّيدانُ كُل الْعَلاقات الإِنسَانَية». هذه العبارة بمثابة عتبة المجموعة القصصية بأكملها، ولتكتمل رسالة الكاتب إلى قارئه.

وفي مجموعته "جرعتان والبقية تفاصيل" لوحظ؛ تجلّيات وتقنيّات "محمد الصمادي" القصصيّة، وتُعتبَر تجربة يُعتدّ حَرِيّة بالاطّلاع عليها، ودراستها أدبيًّا ونقديًا؛ تُضاف لتجربته السّابقة في إصداراته، وفيها تتّضح ملامح تجربته المُجنّسة قصًا وسردًا، بنكهة اللّون الأدبيٍّ الواحد، الذي يبدو النصّ فيه للوهلة الأولى مُفكّكًا غير مُترابط، ولكن بالتوقّف والتدقيق تظهر الخيوط المتينة الرابطة للنص، والتي تجعله كتلة واحدة، وذلك من خلال رابط المكان والزمان معًا، أو المكان منفردا أو الزمان منفردًا أيضًا، وفي أحيان يأتي ذلك ظاهرًا بالتصريح عن المكان والزمان، وأخرى بالتلميح أو يكون مُستتِرًا يفهمه القارئ ويستخلصه من سياق قراءته للنصّ، وهذا الأمر ينطبق على المجموعة بأكملها.

ولا يتأتّى لأيّ قارئ فهْمُ وسَبْرُ أعماق قصص "محمد الصمادي"، إلّا بالتزامن مع فَهْم شخصيّته وطريقة تفكيره المُنعكسة على كافّة شؤون الحياة عُمومًا، ومحيطه المُصغّر، وهو الذي كتب نصوصه بهذه عامدًا مُتعمّدًا عن سبق إصرار وتصميم، وعلى حدّ قوله المُتكرّر: "أريدُ إيصال رسالتي بيُسرٍ وسهولة، ولن تضيرني المُباشرة والوضوحُ، وسعادتي بتسليم مفاتيح نصّي للقارئ".

أخيرًا أقول رأيي كقارئ: "إنّ نصوص المجموعة -جرعتان والبقية تفاصيل- تُقرأ كنصوص قصة قصيرة متكاملة مُتوافقة، أو تقرأ كلوحات نصوص قصّة قصيرة جدًّا (ق. ق. ج) مُتكامِلة مُتوافِقة، في حال تفتيت وتجزئ أيّ نصٍّ منها، إلى (ق. ق. ج)، ولا يضير قراءة أيّ من أعلى إلى أسفل أو بالعكس". وكما الحياة عمومًا تجربة تُستقى منها الدّروس والعِبَر والعِظات، فإنّ الكتابة تجربة، وكلّ تجربة تروم الصّواب والفائدة، وربّما يشوبها الخطأ والزّلل بجميعها أو ببعضها، والله المُوفّق.

 

عمّان. الأردن

ــا 3/ 7/ 2023

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 23 يونيو 2023

لوحة جريحة. قصة قصيرة

 

لوحة جريحة

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

ثمانِ طَعناتٍ بِعَدد سِنِي زواجهما، بسكِّين كبيرة، اِمْتَشقها "فوزات" من المطبخ؛ سدَّدها بإحكامٍ لوجهها، ورأسها وصدرها المكشوف في اللَّوحة، التي رسمها أثناء فترة الخُطوبة، التي وما زالت تحتلُّ صدارة الصَّالة في بيتهم الكبير.

لم يتوانَ "فوزات" برفع وتيرة صوته الغاضبة، عندما تهوي يده لتسديد ضربةٍ جديدةٍ، يعتدلُ ظهره، ويأخذُ نفَسًا هائجًا عميقًا. جسمه يهتزّ بحركة ثمَّ يُخرجه من أعماقه لينفثه بقوَّة للأعلى، وكأنّ صرخته غطَّت على التصفيق، وكلمات الترحيب بنقيب الفنّانين راعي الحفل في اليوم السَّابق، أثناء افتتاح المعرض الأوّل لصديقه الأثير الفنانّ "سعيد":

"إنّه هو.. لا أحد.. لماذا تخونيني مع هذا السّاقط يا ساقطة..؟".

وبعد أن قصّ  راعي الحفل الشريط الحريريّ وسط وميض فلاشات كاميرات الصحافيّين والمُهتمّين. خُطواته القليلة توقّفت به أمام لوحة بورتريه لوجه امرأة حسناء. وقوفُه طالَ أمام بريق عينيْها، ومنزلق صدرها العريض النّافر، المُغطى بجزء منه بخصلات شعرها الأشقر الفاتح المُسترسل على سجيّته.

لم ينطق بكلمة ردًّا على كلام وشَرْح الرّسام "سعيد" بتفاصيل التفاصيل، ولم يلتفت له، أو أبدى أدنى اهتمام:

-"أتعبني البحث عن طبيعة الوجه المُعبّر عن فكرة تدور بذهني منذ زمان، حتّى كاد اليأس يتسلّل إلى نفسي، وأُعلِن عجزي، وأنطوي على حُزني الحارق، لولا اللّحظة الأخيرة التي أنقذت الموقف. الصّدفة وحدها أنقذتني".

وراعي الحفل لم يرفّ له جفن، وما تحوّلت عيناه لأيّة نقطة. أحاديث ممّن يتحلّقون حوله، وهمساتهم اللّطيفة لم تستطع شدّ انتباهه، وتحويل عينيه المغروستين في اللّوحة.

"فوزات" تبرَّم ضيقًا لجموده وصمته المُطبق، وهو يتشارك النظر لِلّوحة مع المجموعة الأكثر عددًا المُتحلّقة من خلف راعي الحفل.

بينما يُتابع كلام "سعيد"، وشرحه لبعص تفصيلات اشتغاله على اللّوحة:

-"وقَع اِختياري على خلفيّة فاتحة، واِستخدمتُ الألوان الباردة، بطبعي لا أميلُ لاستخدام الألوان الحارّة، وتعبتُ مع مصدر الإضاءة لإبراز معالم الوجه بدقّة، وجاء المسقط العام بدقائق تقسيماته مع كلّ لمسة، لإخراج الشّكل الأخير".

 

امتلأ صدر "فوزات" ضيقًا وحنقًا على راعي الحفل، لَازَمته الحالة حتّى المساء امتدادًا إلى موعد نومه بعد منتصف اللّيل. عند عودته إلى البيت في الثالثة بعد الظّهر، وما زاد الطّين بلّة وُقوفه صامتًا أمام لوحته التي رسمها قبل زواجه، لم يأبه لترحيب زوجته بنبرات غانجة مع عبق روائح طعام الغداء الشهيَّة:

-" حبيبي فوزاتي.. سامحني. لم أفتح لكَ الباب.. اِنْشغالي ببعض الترتيبات للغداء.. كما تعرف..!".

يومٌ مختلفٌ تمامًا عن روتين "فوزات" الهادئ بطبيعة تكوينه المختلفة عن مُحيطه الاجتماعيّ كفنّانٍ تشكيليٍّ حالم رومانسيّ. غارق أثناء يقظته بتأمّلاته العميقة.

 قبل نومه بعد الواحدة ليلًا، كتب على ورقة بيضاء خالية من الأسطر والهامش عبارة:

-"مَنْ الذي فضَّ العباءة السّوداء؛ ليستفيقَ الخنجر المسموم النّائم تحتها؟".

سلطانُ النّوم استولى عليه ليُصدر أوامره باسترخاء كافّة أعضائه، ويده مازالت قابضة على الورقة تعتصرها بعصبيّة واضحة.

رأرأة عينيْه بحركات مفاجئة على غير اعتياد  بعد إطفاء الإنارة،  وَقْعُ صوتٍ أجشٍّ اِقتحم سريره بفظاظة، كأنّه مطرقة عظيمة تطرقُ الجدار بجانب رأسه، اهتزّ جسمه بعنفٍ انتفاضًا، بينما زوجته راقدة بسلام إلى جواره؛ تغطُّ بنوم عميق.

اِعْتدل جالسًا بعد أن دعَك عينيْة، اِسْتعاد شيئًا من وَعْيه، لاحظ أنَّ خُيوط الشّمس مع بدايات شُروقها تسلَّلت عبر النّافذة؛ لتضيء وجه زوجته، بخُطوات بطيئة مُتثاقلة حاذرة أحبّ الاِطْمئنان على اللّوحة في الصّالة. تأكّد أنّها على حالها تزُيّن حياتهما بذكراها التي تقترب من التّاسعة.

أصابع يده مُتشجنّة من إطباقها على شيء ما. فَطِن لذلك عندما حاول لمس اللّوحة ليتوثّق منها، تذكّر الورقة ذات العبارة. أعاد قراءتها، وأشعل بها النّار من عود ثقاب. ولما طال نوم زوجته، أحسّ بتوقّف أنفاسها، وأضاف في اليوم شريطًا أسودًا مُبلّلًا بدموعه على طرف اللّوحة الأيسر ثبّته بشكلٍ مائلٍ.

 

الأردن. إربد

22/ 6/ 2023

 

 

 

 

 


تأملات قرآنية