الأحد، 9 يوليو 2023

رواية جمال المسالمة

إضاءة على رواية

(أحلام خلف القضبان. للروائيّ جمال المسالمة). سوريا.

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

 الواقعُ مَعينٌ لا ينضب من الحوادث والحكايا، وهو مرتع واسع زمانًا ومكانًا للكّتاب والأدباء، ليغمسون أقلامهم بقوّة وجرأة فيما يلتقطون من قصص وأفكار، لمعالجتها بالطريقة المناسبة لهم، وعلى طريقتهم، وكلٌّ حسب مقدرته ومعرفته الأدبيّة.

والرواية التي بين أيدينا "أحلام خلف القضبان" للمهندس "جمال المسالمة"، هي العمل الروائيّ الأوّل، لوحظ انعكاس حرفته الهندسيّة على طريقة تناوله المنطقيّ، والمتسلسل لبناء قاعدة الرواية، انطلاقًا من وسط قرية "المرج"، لا نتوقّف كثيرًا أمام التسمية بقدر رمزيّتها، وانتمائها لمكان أقام عليه أساس روايته المتين.

وبتأويلات القراءة، واستشفاف المشاهد الخفيّة المُستخلَصة فيما ورائيّة السرديَّة الروائيّة، إلى قضيّة الرّيف والمدينة، وإشكاليّة التفاوت الهائل بالخدمات العامّة، ولا نقول بالإهمال التامّ، بل الخدمات بأقلّها القليل غير الوافي والكافي، ولا مستكمل لأدوات ومبررات العيش الكريم.

والكاتب يُعيد للأذهان هذا الموضوع للمقدّمة، ويأخذنا معه إلى أجواء القرية ببساطتها، وطبيعة علاقاتها المُتشابكة المُتشابهة المُتشاركة لفضاءات روايته المكانيّة، ليجعل منها مسرحًا لحركة أبطاله، وعرض لفعاليّاتهم بمقاربات تُحاكي الواقع، وتناقلاته بوضوح تامّ مباشر، وبهذا يكون قد سلّم مفاتيح عمله الروائي للقارئ.

ساحة القرية الصغيرة جاءت صورة مصغّرة كاشفة للخفايا والخبايا، والصراعات والتنافسات، وحصرًا من دكّان "أبو علي". بتحريك الحدث نحو افتتاح الصيدلية، والشاب الصيدلي الوافد الجديد للقرية، والانتقال لخطوبة الشاب "أحمد" الموظف بوزارة الأوقاف، لواحدة من بنات القرية، وتدخّل عمّها لخطبتها لابنه "ظافر" الموظف كمعلم في مدرسة القرية، وهذا العرف الاجتماعي "بنت العم لابن عمّها". ومع مجيء الصيدلية، تجرّأت البنت "سعاد" على مناقشة النساء حول طبيعة أجسامهن المترهلة، لإهمالهن بأنفسهن وتكاد أن هذه النقطة ميزة لكثير من نساء الأرياف العاملات في الحقول الزراعية بمساعدة أزواجهن، ولإعالة عوائلهنّ الفقيرة.

وبالعودة لموضوع عنوان الرواية "أحلام خلف القضبان" ثلاث كلمات بصيغتها الاسميّة، جديرة بالتوقّف في رحابها، بمحاولة سلوك دروب التأويل، للقبض على بعض دلالتها الممتدة بجذورها داخل العمل الروائيّ.

فكلمة "أحلام" هي الأولى من العنوان؛ تحيلنا لشيء من فلسفة الأحلام، حيث أنّها حق مُتاح لجميع البشر على حدّ سواء، فقيرهم وغنيهم، والقويّ والضّعيف، الحاكم والمحكوم، والسيّد والمسود. وخلقت الأحلام لا لتتحقّق، إنّما هي من دوافع الأمل للاستمرار بالحياة، بتمنية النّفس بالأفضل والأجمل.

وكلمة "خلف" هي الثانية بترتيبها جاءت بعد الأحلام، لتعطي الوجه الآخر غير المُعلن، الذي ستكون الأحلام خلفه، لنفاجأ بالكلمة الثالثة "القضبان" بفظاظتها وخشونتها القائمة على حجز الحريّات، وهي الواجهة الواضحة من السّجون والزّنازين، لا شكّ أن فضاء السّجن المكاني مغلق، على خلاف وضديّة فضاء القرية المفتوح بلا حدود نحو جميع الاتّجاهات، وفضاء القرية تربة صالحة لنموّ الأحلام وتطاولها، بينما فضاء السجن مقبرة للأحياء وأحلامهم، وبيئة فاسدة تنمو فيها الطحلبيّات الفاسدة كاليأس والقنوط والقهر وموت الرّغبة بالحياة، باستعجال قابض الأرواح للخلاص من الكآبة والحزن.

وبذلك من المفترض بعد موجة هذه الاستنتاجات أن يكون العنوان عتبة للرواية، وهو رواية فكرة قامت عليها السرديَّة بمجملها، أو بتعبير أوضح وفي الحالة المُثلى أنّ العنوان رواية كاملة مختصرة لتأتي بهذا الشكل، وهذا ما نستطيع القول عنه بالعنوان القويّ، الواضح بدلالاته وهو ما ينطبق ويتطابق مع فكرة وأحداث رواية "أحلام خلف القضبان".

لتحكي قصّة الصيدلي "سمير" وتجربة السّجن والتحقيق والتعذيب لسنوات طويلة، بتهمة الانتساب لحزب محظور، وهو الجناح اليميني لحزب البعث العربي الإشتراكي، وهو بهذا المعنى سجين سياسيّ سابق، هذا ما فتحه مجيء "معتز" عنصر أمن الدولة  بعد افتتاح "سمير" للصيدليّة. الأمر الذي يستدعي إجراء دراسات أمنيّة عنه، ومسح سياسي، وهذا الأمر والإجراء مُتّبع في جميع أوجه النّشاط في سوريّا قديمًا وحديثًا.

وفي هذا الاستعراض الوجيز لرواية "أحلام خلف القضبان" التي تُصنّف من المدرسة الواقعيّة في الأدب، وهي محاولة نقل الواقع من الحقل الماديّ، إلى الحقل المعنويّ الفكريّ.

لغة الرواية واضحة فصيحة بتراتبات سليمة سبكًا للمعاني، بتوليفتها النحوية والإملائية والتعبيرية، كما أنّها جاءت من زمن سابق وعلى الأغلب قبل الألفية الثالثة، على محمل الذاكرة المختزنة لدى المهندس "جمال المسالمة" مثله مثل جميع السّوريّين، بنفس طريقة التفكير والمُعاناة واحدة، ولم أجد غرابة أثناء مطالعتي للرواية لأنّني عايشتُ الفترة نفسها بحلوها ومُرّها، وبذلك تُعتبر وثيقة دامعة بصدقيّتها، وبنظرة بسيطة لمل اصطُلح عليه ب"أدب السّجون" وفي الحالة السورية على الأخصّ، فإن جميع الأعمال الروائية المنشورة من الكتاب والأدباء السوريين، وهم ممّن جربّوا السّجون، وعلى اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجيّة الحزبية ما بين الإسلاميين والشيوعيين والبعثيين والناصريين، وبمقارنة تقاطع المعلومات فيما بينهم، فكل ما كُتب مُتشابهًا، فرواية "القوقعة. مصطفى خليفة" وكل ما قرأته من روايات عن سجن تدمر، لم يخرج عن سياقها إلّا بأسلوب الكتابة فقط، وبهذا المنحى يمكن تجنيس رواية "أحلام خلف القضبان" بأنّها من صنف أدب السجون في معظم سرديّتها الروائية، فتكون كشاهد حيّ على العصر. والله الموفق للحق والصّواب.

 

9/ 7/ 2023

 

 

 

 

 

الجمعة، 7 يوليو 2023

بطاقة ذر أحمر

بطاقة تعريفيّة بكتاب "ذرٌّ أحمر"

 للروائيّ والقاصّ "توفيق جاد". الأردنّ

 

بقلم الروائيّ- محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا كتاب "ذرٌّ أحمر" للروائيّ والقاصّ "توفيق أحمد جاد"، هو عبارة عن مجموعة قصصيّة غطّت نصوصها النّصف الأوّل، وفي قسم الكتاب الثاني "خربشات"، واختلف الأمر باحتوائه على طائفة من الخواطر والتأمّلات على شكل ومضات وأقوال. فيها الكثير من التوعية والحكمة والرّؤى الاجتماعية.

وبشكل عامٍ؛ فإنّ الكتاب بجزأيْه بطروحاته القصصيّة والخربشات، يُصنّف في سياق المدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة في الأدب، وتتّسم المجموعة بطروحاتها المباشرة العقلانيّة الواعية على محمَل تعليميّ ووعظيٍ في كثير من تعابيرها.

وفي تتبُّع ما قيل وما كُتب عن الواقعيّة: (كانت الواقعيّة بوصفها حركة في الأدب ظاهرةً انتشرت بعد عام 1848، وفقًا لأوّل مُنظّريها "جول فرانسيه شامبفلوري"، وهي تهدف إلى إعادة إنتاج «الواقع الموضوعي»، وتُركّز على إظهار الحياة والنشاطات اليوميّة العاديّة، في أوساط الطّبقة الوسطى أو الدّنيا بشكل أساسيّ، دون إضفاء مثاليّة أو دراميّة رومنسيّة). نقلًا عن موسوعة ويكبيديا

وفي رأي منقول آخر لتجلية مفهوم الواقعيّة: ) الواقعية تعني المعرفة العقلانيّة للحياة، أو هي طموح العقل الإنسانيّ، وتطلّعه لاكتشاف حقيقة الحياة ومعرفة خفايا العالم، وإدراك قوانين تطوّر المجتمعات، واتّجاهاتها، والآليّة التي يعيشها المجتمع الإنسانيّ).

لمعرفتي اللّصيقة فإنّ القاص "توفيق جاد": حكّاء بامتياز، بما يمتلك من مخزون تجربته الحياتيّة الغزيرة بالعطاء، وحفظ دروسها وعِظاتها، القائمة المعرفة والدّراية الاجتماعية، وهذا مدعاة تستلزم الغوص بأعماق المجتمع، واستخلاص أنماط السّلوكات، ومحاولة إبرازها، ومناقشتها.

أدب "توفيق جاد" عقلانيّ بصير بخطواته الأدبيّة، ذات البُعد الإصلاحيِّ في زمن المُتغيّرات المُتسارعة من حولنا، وبما تواجهنا به العولمة بوجهها القبيح، ومحاولة اختراق المنظومات الاجتماعيّة، وتضليلها وتشكيكها بمعتقداتها الدينيّة والعقائديّة والعادات والتقاليد، وتغيير السّلوك الاجتماعيّ.

مجموعة "ذر أحمر" احتوتّ على ثمانية نصوص قصّة قصيرة ذات عناوين من الممكن استعراضها، وتلمّس دلالتها وإيحاءاتها الظّاهرة والباطنة.

1-النصّ الأوّل: "بيت منخفض" وفي الواقع هو منخفض بمنسوبه عن ساحة القرية، ومنخفض بأخلاق أصحابه بصفتهم من الأبناء الذين مارسوا عقوق والدهم، الذي كان عاقًّا لوالده أيّام شبابه، وهو ما يذكرنا بقضية الانتقام والتدبير الربّانيّ.

2-النصّ الثّاني: "ذهبية الشعر" يحكي قضية التشبّه المثيرة للجدل، تشبّه الرجال بالنساء والعكس، وقضية الشذوذ.

3-النصّ الثّالث: "محنة ومنحة" طرق هذا النص موضوع عمالة الأطفال، والتسرُّب من المدارس خلال مرحلة التعليم الأساسيّة، وانحرافات الأطفال واستغلالهم، ومعاقرة الخمور والمخدرات والإدمان وانعكاساتها على حياتهم فيما بعد الزواج.

4- النصّ الرّابع: "ذرات النمل" مراقبة أسراب بقصد مراقبة طرائق سلوكها وحياتها، مجتمعات النمل المنتظمة بأعمالها وتعاونها لتذليل الصعاب، من أجل بقائها واستمرار حياتها.

5- النصّ الخامس: "السكّينة الحمراء" ومن الحبّ ما قتَل، وقضيّة إعاقة عقليّة ولاديّة لطفل ولد لأبويه، حيث ماتت أمّه عند بلوغه الرّابعة من عمره، وقام والده بقتله، مُعتبِرا ذلك من باب الرّحمة للطّفل، عندما سيطرت فكرة الموت عند الوالد، واعتقاده بشقاء ابنه من بعده، وارتكب جريمة القتل والموت الرّحيم، يا لقلب الوالد الحزين على ابنه، وكيف استطاع فعل ذلك؟ لا شكّ بغرابة هكذا طرح في مجتمع عربيّ ومسلم شرقيّ.

6-النصّ السّادس: "خاطرة امرأة" وهو نص هجين مختلف عن محيطه العامر بالقصص القصيرة.

7-النصّ السّابع: "النابالم" قضيّة الحروب وويلاتها بالخراب والدّمار، والتهجير والهروب والموت، والنصّ من حرب حزيران 1967في فلسطين.

8-النصّ الثّامن: "ضيفي الليبيّ" النخوة العربيّة الأردنيّة بمساعدة (السيد الهرابي) الشابّ التونسيّ العائد من دراسته في العراق عندما انقطعت به السّبل، والتجأ إلى عائلة صديق أخيه في مدينة إربد أو الرّمثا، وبسبب خطأ في تقدير الأمر من ربّ العائلة؛ غادر الشابّ التونسيّ إلى عمّان خالي الوِفاض، وبمبادرة من أحد أفراد الأسرة؛ بدأت رحلة البحث المُضني في ظروف غامضة وصعبة، لإعطائه ما يحتاج من المال، ولتمكينه من السّفر إلى بلاده.

لوحظ أنّ جميع نصوص المجموعة القصصيّة، جاءت على محمل الذاكرة المُختزنة من الماضي القريب والبعيد، برؤية توعوية، وبمنظور عقلانيّ يستند لصوت العقل، ومحاكمة الأشياء الخارجة عن سياقها الاجتماعي، بنظرة ناقدة للظواهر السلبيّة، والتحذير من الوقوع في مطبّاتها.

ما زالت ذاكرة "توفيق جاد" مُتخمة بمخزونها الحكائيّ، يريد الوصول بها إلى مدايات واسعة من القرُاء؛ ليعزّز صلتهم بقيمهم وأخلاقهم، والتشبّث بالعادات والتقاليد وامتداداتها الاجتماعيّة على جميع المستويات المتباينة بطرائقها، وسلوكاتها المختلفة المُلتفّة بدوائرها ما بين فكرة الخير والشرّ، والظلم والعدالة، والقيم الدينيّة والإنسانية والاجتماعيّة.

عمان. الآردن

7/ 7/ 2023

 

الاثنين، 3 يوليو 2023

تجربة محمد الصمادي

 

لفتات حول تجربة  "محمد الصمادي" القصصيّة

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد

(أمسية قراءات في تجربة محمد الصمادي القصصية. يوم الثلاثاء 4/7/2023 بيت عرار الثقافي. إربد)

 

من المُلاحَظ أنّ نصوص القاصّ  "محمد الصمادي" تتّسم بواقعيّتها البَحْتة القائمةِ على المُحاكاة، والتمثيلِ، والتأشير على بعض القضايا الاجتماعيّة عُمومًا، والقائمةِ على المنطق العقلانيّ أساسًا، بالمُحاكمة وتحليل المواقف، وإعادة تركيبها ضمن توليفةٍ سرديّة فيما بين نصوص قصصيّة قصيرة وقصيرة جدًا، تأتي أحيانًا ساخرةً حاملةً لروح الدُّعابة؛ لتمرير نقد بعض مظاهر السّلوك الفرديّ والجماعيّ.

فالأديب يُلاحظ، ويُؤشّر، ويُلمِّح ويُصرّح، ويُؤكّد، ويُكرّر للفت الانتباه؛ لأنّه غير مَعنيٍّ بالتفسير، والبحث عن حُلول وإجابات للمعضلات والمشاكل.

تتّضح ملامح تجربة "محمد الصمادي" القصصيّة بجلاء لا مِراء فيه من خلال مجموعته الأخيرة "جرعتان والبقية تفاصيل"، التي تُمثّل لوحاتها ومشهديّاتها تشكيلًا قصصيًا بخصوصيّة أو بنكهة "محمد الصّمادي  وبناء لا يختلف عن طريقة الفنانين التشكيليّين بطريقة تأسيس وتأثيث لوحاتهم، وذلك للتقريب والتشبيه مع ملاحظة اختلاف الحالتين. هذا يكتب بالقلم وذاك يرسم بريشته ألوانًا مختلفة تتوافق وتتنافر، لكنها في النهاية تكوينًا ذا محتوى، والنصّ القصصيّ عند "محمد الصمادي" عبارة عن التقاطات قافزة فوق الزّمان والمكان، حتّى يمكن تعميم ذلك على جميع نصوص المجموعة؛ لتكون سِمَةً وطريقةً اتّخذها الكاتب أسلوبًا له.

هذا القفز المُتوثّب بفرط حركته داخل نصوص المجموعة، مرهق للقارئ. مُوهِنٌ لأنفاسه. ربّما حالة القلق الإبداعيّ عند الكاتب، تبدو كتابته حاملة لهمومه القلقة بأفكاره، ومرّةً خائفةً، وضاحكةً، وباكيةً، ولامباليةً، وفوضويّةً، ومُستقيمةً، ومُجدّفة عكس التيّار. هذه المعاني المُستقاة من مطالعة نصوص المجموعة، جاءت العبارة الثانية من العنوان "البقية تفاصيل"، وفي التفاصيل يكمن الهدف، والدّرس، والرّسالة، وذلك من انعكاسات دواخل نفس "محمد الصمادي" على مفرداته وجمله ونصوصه، ليغطّي صورة كاملة واضحة بمعالمها الشخصيّة والنفسيّة والرّوحيّة للكاتب.

وفي اختيار العبارة التي جاءت على الغلاف الخلفي، يتضح شيئا من التماعات المعاني السابقة: "«نَعَمْ وَكَيْف أكُون سَلِيْمًا فِي عَالَمٍ. الْعَيْش فِيْهِ مَرَضٌ؟.  لَدَيّ أَمْرَاضٌ كَثِيرة يَصْعُب عَلَيَّ حَصْرُهَا؛ فَأَنَا مَرِيضٌ بالخوف والأمل، مَريضٌ بِالْمَحَبَّة، مريضٌ بِالْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة، مَرِيضٌ بِالْفَقْرِ، مَرِيْضٌ بِالزَّائِدَة  الدُّوَدِيَّة فِي زَمَن تَنْخَر فِيْهِ الدّيدانُ كُل الْعَلاقات الإِنسَانَية». هذه العبارة بمثابة عتبة المجموعة القصصية بأكملها، ولتكتمل رسالة الكاتب إلى قارئه.

وفي مجموعته "جرعتان والبقية تفاصيل" لوحظ؛ تجلّيات وتقنيّات "محمد الصمادي" القصصيّة، وتُعتبَر تجربة يُعتدّ حَرِيّة بالاطّلاع عليها، ودراستها أدبيًّا ونقديًا؛ تُضاف لتجربته السّابقة في إصداراته، وفيها تتّضح ملامح تجربته المُجنّسة قصًا وسردًا، بنكهة اللّون الأدبيٍّ الواحد، الذي يبدو النصّ فيه للوهلة الأولى مُفكّكًا غير مُترابط، ولكن بالتوقّف والتدقيق تظهر الخيوط المتينة الرابطة للنص، والتي تجعله كتلة واحدة، وذلك من خلال رابط المكان والزمان معًا، أو المكان منفردا أو الزمان منفردًا أيضًا، وفي أحيان يأتي ذلك ظاهرًا بالتصريح عن المكان والزمان، وأخرى بالتلميح أو يكون مُستتِرًا يفهمه القارئ ويستخلصه من سياق قراءته للنصّ، وهذا الأمر ينطبق على المجموعة بأكملها.

ولا يتأتّى لأيّ قارئ فهْمُ وسَبْرُ أعماق قصص "محمد الصمادي"، إلّا بالتزامن مع فَهْم شخصيّته وطريقة تفكيره المُنعكسة على كافّة شؤون الحياة عُمومًا، ومحيطه المُصغّر، وهو الذي كتب نصوصه بهذه عامدًا مُتعمّدًا عن سبق إصرار وتصميم، وعلى حدّ قوله المُتكرّر: "أريدُ إيصال رسالتي بيُسرٍ وسهولة، ولن تضيرني المُباشرة والوضوحُ، وسعادتي بتسليم مفاتيح نصّي للقارئ".

أخيرًا أقول رأيي كقارئ: "إنّ نصوص المجموعة -جرعتان والبقية تفاصيل- تُقرأ كنصوص قصة قصيرة متكاملة مُتوافقة، أو تقرأ كلوحات نصوص قصّة قصيرة جدًّا (ق. ق. ج) مُتكامِلة مُتوافِقة، في حال تفتيت وتجزئ أيّ نصٍّ منها، إلى (ق. ق. ج)، ولا يضير قراءة أيّ من أعلى إلى أسفل أو بالعكس". وكما الحياة عمومًا تجربة تُستقى منها الدّروس والعِبَر والعِظات، فإنّ الكتابة تجربة، وكلّ تجربة تروم الصّواب والفائدة، وربّما يشوبها الخطأ والزّلل بجميعها أو ببعضها، والله المُوفّق.

 

عمّان. الأردن

ــا 3/ 7/ 2023

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 23 يونيو 2023

لوحة جريحة. قصة قصيرة

 

لوحة جريحة

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

ثمانِ طَعناتٍ بِعَدد سِنِي زواجهما، بسكِّين كبيرة، اِمْتَشقها "فوزات" من المطبخ؛ سدَّدها بإحكامٍ لوجهها، ورأسها وصدرها المكشوف في اللَّوحة، التي رسمها أثناء فترة الخُطوبة، التي وما زالت تحتلُّ صدارة الصَّالة في بيتهم الكبير.

لم يتوانَ "فوزات" برفع وتيرة صوته الغاضبة، عندما تهوي يده لتسديد ضربةٍ جديدةٍ، يعتدلُ ظهره، ويأخذُ نفَسًا هائجًا عميقًا. جسمه يهتزّ بحركة ثمَّ يُخرجه من أعماقه لينفثه بقوَّة للأعلى، وكأنّ صرخته غطَّت على التصفيق، وكلمات الترحيب بنقيب الفنّانين راعي الحفل في اليوم السَّابق، أثناء افتتاح المعرض الأوّل لصديقه الأثير الفنانّ "سعيد":

"إنّه هو.. لا أحد.. لماذا تخونيني مع هذا السّاقط يا ساقطة..؟".

وبعد أن قصّ  راعي الحفل الشريط الحريريّ وسط وميض فلاشات كاميرات الصحافيّين والمُهتمّين. خُطواته القليلة توقّفت به أمام لوحة بورتريه لوجه امرأة حسناء. وقوفُه طالَ أمام بريق عينيْها، ومنزلق صدرها العريض النّافر، المُغطى بجزء منه بخصلات شعرها الأشقر الفاتح المُسترسل على سجيّته.

لم ينطق بكلمة ردًّا على كلام وشَرْح الرّسام "سعيد" بتفاصيل التفاصيل، ولم يلتفت له، أو أبدى أدنى اهتمام:

-"أتعبني البحث عن طبيعة الوجه المُعبّر عن فكرة تدور بذهني منذ زمان، حتّى كاد اليأس يتسلّل إلى نفسي، وأُعلِن عجزي، وأنطوي على حُزني الحارق، لولا اللّحظة الأخيرة التي أنقذت الموقف. الصّدفة وحدها أنقذتني".

وراعي الحفل لم يرفّ له جفن، وما تحوّلت عيناه لأيّة نقطة. أحاديث ممّن يتحلّقون حوله، وهمساتهم اللّطيفة لم تستطع شدّ انتباهه، وتحويل عينيه المغروستين في اللّوحة.

"فوزات" تبرَّم ضيقًا لجموده وصمته المُطبق، وهو يتشارك النظر لِلّوحة مع المجموعة الأكثر عددًا المُتحلّقة من خلف راعي الحفل.

بينما يُتابع كلام "سعيد"، وشرحه لبعص تفصيلات اشتغاله على اللّوحة:

-"وقَع اِختياري على خلفيّة فاتحة، واِستخدمتُ الألوان الباردة، بطبعي لا أميلُ لاستخدام الألوان الحارّة، وتعبتُ مع مصدر الإضاءة لإبراز معالم الوجه بدقّة، وجاء المسقط العام بدقائق تقسيماته مع كلّ لمسة، لإخراج الشّكل الأخير".

 

امتلأ صدر "فوزات" ضيقًا وحنقًا على راعي الحفل، لَازَمته الحالة حتّى المساء امتدادًا إلى موعد نومه بعد منتصف اللّيل. عند عودته إلى البيت في الثالثة بعد الظّهر، وما زاد الطّين بلّة وُقوفه صامتًا أمام لوحته التي رسمها قبل زواجه، لم يأبه لترحيب زوجته بنبرات غانجة مع عبق روائح طعام الغداء الشهيَّة:

-" حبيبي فوزاتي.. سامحني. لم أفتح لكَ الباب.. اِنْشغالي ببعض الترتيبات للغداء.. كما تعرف..!".

يومٌ مختلفٌ تمامًا عن روتين "فوزات" الهادئ بطبيعة تكوينه المختلفة عن مُحيطه الاجتماعيّ كفنّانٍ تشكيليٍّ حالم رومانسيّ. غارق أثناء يقظته بتأمّلاته العميقة.

 قبل نومه بعد الواحدة ليلًا، كتب على ورقة بيضاء خالية من الأسطر والهامش عبارة:

-"مَنْ الذي فضَّ العباءة السّوداء؛ ليستفيقَ الخنجر المسموم النّائم تحتها؟".

سلطانُ النّوم استولى عليه ليُصدر أوامره باسترخاء كافّة أعضائه، ويده مازالت قابضة على الورقة تعتصرها بعصبيّة واضحة.

رأرأة عينيْه بحركات مفاجئة على غير اعتياد  بعد إطفاء الإنارة،  وَقْعُ صوتٍ أجشٍّ اِقتحم سريره بفظاظة، كأنّه مطرقة عظيمة تطرقُ الجدار بجانب رأسه، اهتزّ جسمه بعنفٍ انتفاضًا، بينما زوجته راقدة بسلام إلى جواره؛ تغطُّ بنوم عميق.

اِعْتدل جالسًا بعد أن دعَك عينيْة، اِسْتعاد شيئًا من وَعْيه، لاحظ أنَّ خُيوط الشّمس مع بدايات شُروقها تسلَّلت عبر النّافذة؛ لتضيء وجه زوجته، بخُطوات بطيئة مُتثاقلة حاذرة أحبّ الاِطْمئنان على اللّوحة في الصّالة. تأكّد أنّها على حالها تزُيّن حياتهما بذكراها التي تقترب من التّاسعة.

أصابع يده مُتشجنّة من إطباقها على شيء ما. فَطِن لذلك عندما حاول لمس اللّوحة ليتوثّق منها، تذكّر الورقة ذات العبارة. أعاد قراءتها، وأشعل بها النّار من عود ثقاب. ولما طال نوم زوجته، أحسّ بتوقّف أنفاسها، وأضاف في اليوم شريطًا أسودًا مُبلّلًا بدموعه على طرف اللّوحة الأيسر ثبّته بشكلٍ مائلٍ.

 

الأردن. إربد

22/ 6/ 2023

 

 

 

 

 


الاثنين، 12 يونيو 2023

استطلاع مجلة روافد 96

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأستاذ /ة

نسعد بمشاركتكم بالرأي في قضيتنا المطروحة للنقاش في مجلة فرقد الإبداعية العدد ٩٦

بعنوان (الأماكن والثقافة .. بين الشواهد والمشاهد )

من خلال المحاور التالية :

- كيف حضرت الأماكن في المشهد الثقافي وما أكثر الفنون الأدبية اهتماماً بها ؟

- كيف وظف الادباء والمثقفون الاماكن  داخل النصوص الأدبية وما مدى انعكاسها على جودة المنتج ؟

- هل ترى أن توازن الاديب في توظيف الأماكن بالإنتاج مطلب وضرورة أم ان العبرة بانعكاسات المكان على الاحداث ؟

مع خالص التقدير لتجاوبكم منتظرين مشاركتكم في خلال خمسة أيام ولكم التحية

 المحررة في مجلة فرقد

                    هيا العتيبي

........

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأماكن والثقافة.. بين الشواهد والمشاهد

 

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا

 

 

المكان هو القشرة المُغلِّفة لنا ولوجودنا كاملًا، نتمسَّك بها لأمانتها، ولمحافظتها على ودائعنا، وتُصرُّ بعنادٍ صامتٍ على خُصوصيَّة أيِّ شيءٍ بأمانة. كما أنَّها العُنصرُ الأساسيُّ كساحة للصِّراعات، ومَراحٍ للآمال والأحلام، والرَّغبات.

ولا قيمة للحياة بلا مكانٍ - أيِّ مكان على االإطلاق- والمكان لا قيمة له ولا خُصوصيَّة بلا وجود فعل بشريٍّ، على حدّ سواء الخيِّر والشرِّير، البنَّاء والمُدمِّر.

الأماكن مثل البشر منها الحيويّ والجذّاب الممتلئ بضجيج الحياة، ومنها الميِّت المُميت القاتل لكلِّ أسباب الحياة، وبينهما من الأماكن الوسط والدّنيا اكتسبت أهميّتها من صراعات البشر واحترابهم في ساحاتها في سبيل السَّيطرة والهيمنة.

المنطقُ مُلتزمٌ باستحضار المكان في أيِّ فعلٍ إنسانيٍّ صغيرًا كان أم كبيرًا، دنيئًا أم عظيمًا؛ فالمكان هو ساحة ومساحة للحركة والفعل بكافَّة الأشكال الفعليَّة والقَوْليَّة، ولا يمكن أن يشذَّ عن هذه القاعدة التي أصبحت بمثابة بديهيَّةٍ رياضيَّةٍ، لتَنتُج المُعادَلة الزمكانيَّة (معادلة الزَّمان والمكان) ، إضافة للفعل البشريِّ المُعادل المنطقيِّ للزّمان والمكان؛ وليُضفي عليهما أهميَّة ذات أبعاد شخصيَّة ونفسيَّة مُقدَّسة وتاريخيَّة.

وبديهي استجرار المكان للفعل الكتابيِّ والثقافيِّ، المُتَمثِّل في ذهن الكاتب ليُقنع به القارئ، أيضًا مُعادَلة توفيقيَّة لمقاربة الواقع بدرجات مُتفاوتة.

من هناك نستطيع الموافقة على تقسيم المكان إلى فضاءات عديدة، صغيرة وكبيرة، ولكنَّها جميعًا مُفتَرضَة في ذهن الكاتب أوَّلًا، وهو ضرورة مُكمِّلة لأركان القصَّة والرِّواية والحكاية، المصطلح على تسميته بفضاءات المكان. ويجب الانتباه أن قضية المكان في الكتابة معنويّة، اقتطع الكاتب مُستلزَمهُ منها، لتحريك الحدث وفق رؤاه وتصوّراته، وإيهاماته وتخييله الأدبيّ؛ لاستيفاء أركان النصّ الأدبيّ أيًّا كان.

والمكان اتّخذ بُعدًا إنسانيًّا ومُؤنسنًا مليئًا بضجيج المشاعر والأحاسيس، منذ زمن "امرئ القيس" وما قبله، حينما وقف واستوقف؛ لتصبح "الأُبابة"  قضيَّة الحنين والشَّوق للديار مُؤرّقة حرّاقة، تشدّ بحبالها على قلوب مُحبّيها بالعودة إليها، وهذا المصطلَحُ العربيُّ هو المُعادل الأصيل "للنوستولوجيا"، والأماكن مُرتَحِلة فينا ومعنا، إن حللنا فيها أو ابتعدنا عنها.

 

عمّان. الأردن

12/ 6/ 2023

 

الخميس، 1 يونيو 2023

العرافة ذات المنقار الأسود

 

إشكاليّة المثقف والسلطة

في رواية(العرّافة ذات المنقار الأسود)

للروائي (محمد إقبال حرب). لبنان

 

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

لذّة الأدب عندما يغوص في أعماق الحياة البشريّة، ومعالجة عتمة الزوايا الخافية المُخفِيَة، والمساحات الأعمال الروائيّة تتّسع للنّشاطات الإنسانيّة المختلفة، الشخصية باعتقاداتها، ودياناتها، وعاداتها، وتقاليدها، ودقائق شؤون اشتغالاتها الإيجابيّة والسلبيّة، والمؤثّرات النفسيّة والاجتماعيّة الداخليّة والخارجيّة.

وبين يديّ، وفي رحاب رواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»، ذات المنحى الرمزيّ بإيحاءات ودلالات جليّة بمؤشّراتها، ذات الأبعاد والأهداف الظّاهرة والخفيّة، وفي هذا المنحى الذي اتّخذته بمسارات انتقلت للحالة الموازية للواقع البشريّ عُمومًا، وتطبيق كل لوازم ومستلزمات الإنسان، لتطبيقها على المجتمعات الحيوانيّة، ابتداء من التجمّع بكانتونات مُتخيلةّ، ورسم خرائط الخوف، والتسلّط، وغريزة القطيع، والقمع، والقتل، والموت، وجماهير المُصفّقين والردّاحين، والمنافقين، الأقوياء والضّعفاء.

منذ القديم لجأ الأدباء والكتّاب للترميز بنصوصهم السردية، وهو ما يُعبَّر عنه بالتكنية، على رأي من قال: «الكلام للعمّة - الحماة أمّ الزوج-، لتفهم الكنّة» أو العكس الكلام للكَنّة حتّى تفهم العمّة. وهذا ما قرأناه في كتاب «كليلة ودمنة»، الذي ترجمه «عبدالله بن المقفع» عن اللُغة الفارسيّة إلى العربيّة، ويُقال أنّ «ابن المقفع» هو من ألّفه، كتبه الحكيم الهندي «بَيْدَبا» قد ألّفه لملك الهند «دَبْشليم».

وقد استخدم المؤلّف الحيوانات والطيور كشخصيّات رئيسة فيه، وهي ترمز في الأساس إلى شخصيّات بشريّة،  من خلال القصص على لسان الحيوانات، وعالجت مجموعة من المواضيع السّاخنة، كالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، المُوشّاة  بالحِكمة والموعظة.

أمّا الروائيّ«محمد إقبال حرب»، ومن خلال روايته «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»؛ فقد عاد بنا إلى إشكاليَّة المثقّف والسّلطة، القضيّة القديمة المُتجدّدة، ومحاولة السّلطة الاستحواذ على المُثقّف؛ ليكون لسان حالها، يُزيّن عوراتها، ويُسوّق ظلمها، وإمّا أن يرفض كلّ أساليب الاستمالة والتدجين، ليكون في الصفّ المُغاير للسّلطة يقول كلمة الحقّ، ولا يخشى في الله لومة لائم، وقضية خلق القرآن أيّام الخليفة العبّاسيّ «المأمون»، الذي حبس وجلد الإمام «أحمد بن حنبل» لوقوفه الصّامد في وجه السّلطان وعلمائه وجوقته.

وما أشبه اليوم بالأمس، وما وليس ببعيد ما حدث لعالم الاجتماع العربي «إدوارد سعيد» المثقّف المنفيّ، والذي حورب داخل الولايات المتّحدة من اللُّوبيَّات الصُهيونيّة،  كفلسطينيٍّ مازل قائمًا على تُخوم روح وطنه المُغتَصب عندما دافع عن القضيّة الفلسطينيّة، والتي شبّهها «بالأمّ الثّكلى التي لا بواكي لها مثل بقية الأمّهات».

ولو تتبّعنا إشكاليَّة المُثقّف والسّلطة، سيطول ويطول الحديث، ونكتفي بالمثاليّن السّابقين المختلفين بحيثيّاتهما، ونتحوّل إلى عمل أدبيٍّ مُهمٍّ، تمثّل برواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»، لِتُحيلنا إلى موضوع جديد، بمحاولة أنسنة طيور الدّجاج، وتحريكها وفق سرديّة روائيّة مقنعة تمثّلت زمانًا ومكانًا غير مألوفين لتأليف الحكايا، وأسطرتها على درب قصص «كليلة ودمنة»، وبرغبة تقريبها للواقع المليء بالخوف الملموس بين ثنايا التعابير، وفي مآلات فهم القارئ، وتنشيط هرمون الأدرينالين عنده.

الخوف مزروع في دواخل البشر عمومًا، والكاتب والأديب هو أيضًا فرد من البشر في حيّز مجتمعه المصغّر. التساؤل الذي يستوجب التوقّف عنده. هل خوف الأدباء والكتّاب مُبرّر. وهل خوفهم أو تخوّفهم بدرجة باقي أفراد المجتمع؟.

ولكنّ حساسيّة الكاتب تجاه الخطر الكامن أو القادم، إنّما هو مُؤشّر يستحقّ أخذ عيّنته على محمل الجدّ وعدم الاستهانة بها. الأمر الذي يجعل القارئ لرواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»؛ يستشعر ويتلمّس مخاوف راويها، «محمد إقبال حرب». الذي كشف عن الأصابع الخفية للحكومات العميقة، ومن ورائها حكومات الظلّ التي تتحكّم بمصائر البشريّة، بإثارة الحروب والقتل والدّمار، من هنا يمكن تفهّم فكرة الترميز بالإشارات الواضحة والخفية لهذه القضيّة، والمخاوف والهواجس والصّراعات المُعتَمِلة في ذهن الكاتب.  وقد استطاع «د. علي حرب» تحسّس هذه المّقطة. بقوله: «ورَفَعَ الستائِر الحاجِبة للحقائِق، وغاصَ حتى آخِر الأعمَاق في الاستِقراء والتَّقميش وسَبر بَواطِن الأجندات الغامِضة، بهَدَف إحدَاث الرجّة في العُقول المستَسلِمة، وطَرف العُيون المسدِلة جفونَها بأمان».

وبمجمل الرّواية فإنّ تجليّات فكرتها توزّعت على  مسارات وفق تراتُبات السّرديّة الروائيّة، استغرقت جهدًا عظيمًا، واستنزفت خيال الكاتب بالمزاوجة بين الواقع والخيال، ممّا يُنبئ عن مِخيال ثريٍّ يتمتّع به «محمد إقبال حرب»، وعلى ما وصف أيضًا. د. حرب للرواية: «بين بداية الهمس وآخره، ترقد حكاية “بني تراب” بكل ما فيها من حب وحسد وغيْرة وعنصريّة، وما يرافقها من صراعات وخيانات ودسائس ومُؤامرات وترويع وإرهاب، لتحقيق الأطماع الشّيْطانيّة التي تُراود الماديّين السّفلة للقبض على رقاب الدّنيا بمن وما فيها».

وتعدّ الرّواية إضافة جديدة في مسار الأدب الرمزيّ الهادف لإيصال رسالة ذات فوائد إذا انتُبه لفحواها، حالمة لأحلام وآمال ومخاوف كبيرة ظاهره وباطنه، عالجها الكاتب بأسلوب السّرد بلسان البطل الموازي، وبالانتقالات تارة أخرى للحواريّة بين أبطال روايته بمحاكاة مقنعة؛  جعلت من تعدديّة الأصوات سِمةً بارزة.

 

عمّان. الأردن

ــا 1/ 6/ 2023

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 30 مايو 2023

كتب رائد العمري. صالون أدبي

 #صالون أدبي


بعدَ أن قمتُ بإغلاقِ مكتبي تيَّقنتُ بعدمِ قدرَتي ان أتخلى عن الثقافةِ والأدب، وأن ليسَ شرطًا أن تكونَ الثقافةُ مرهونةً بشهاداتٍ جامعية، أو حتى بمكتبٍ ومنصةٍ ومسرحٍ مرموقٍ، فكلّما ملَأني الشغفُ نحوَ محاورةِ صديقٍ مثقفٍ، أو أن أجتمِعَ ببعضِ أصدقائيَ من المثقفينَ، او أن أتجَرَّعَ شربةً من أدبٍ سائغٌ منبَعهُ، صافٍ أسلوبهُ ومجراهُ ذهبتُ إلى صالونِ فتحي، هو في الحقيقةِ يمتهنُ الحلاقةَ فيقصُ لكَ شعركَ فيُهذِّبهُ ويجملهُ، ويقصُّ عليكَ آخرَ ما قرأهُ من رواياتٍ أو جزءًا مما كَتبَهُ لنتدارَسهُ، فهوَ دائمًا ما يُشعرُني بقدرَتي على التحليلِ الأدبيِّ والنَّقديِّ، ويُجَهِِّزُ لي كعادتهِ فنجانًا من القهوةِ ونصًّا نتداولَ مقاصِدَ كاتبِهِ فنُحَلِّلُهُ ونبحرُ فيهِ، صالونُ فتحي هذا مليءٌ بالكتبِ الأدبيَّةِ التي مرَّت عليهِ، وقاسمَت زبائنهُ والمثقفينَ من روادهِ وقتَهُ، وما إن خلوَنا في جِلسَةٍ أدبيةٍ خاصةٍ لنتصارحَ فيها دونَ مجاملاتٍ في واقعِ الثقافةِ والمثقفينَ، وآخرَ الإصداراتِ وخاصةً المتعلّقةَ بالأصدقاءِ، نضحَكُ ونتسامَرُ في جَديَّةِ النصوصِ من عفويتها، ونتبادلُ الرأيَ، ولأعترفَ وأكونَ أكثرَ صِدقًا في نقليَ للواقعِ فإنَّ جِلستنا هذهِ لم تخلُ من بعضِ النميمةِ الأدبيةِ في بعضِ أصدقائنا المقربينَ الذينَ يعرِفونَ ذلكَ جِدا، فنحنُ نتسامحُ ونتصافَحُ بحبٍّ حقيقيٍّ غيرَ مُصطَنَعٍ إذا التقينا بأحدهم عندَهُ، مباشرةً اليومَ أشارَ لي ببعضِ ما كتَبَهُ مؤخرًا أحدهُم لنتسامرَ فيهِ وبدوري قرأتُ لهُ آخِرَ دراسةٍ نقديةٍ قدمتها لكتابِ لكاتبةٍ اسمها إلهام، وكعادتهِ أثنى عليَّ بهذا النهجِ وشجَّعني في الاسترارِ فيهِ. ضحكتهُ اليومَ في أثناءِ زيارتي لهُ كانت متنوعةً بحجمِ وشكلِ فناجينِ القهوةِ المختلفةِ المتواجدةِ عندَهُ، وكذلكَ طول النصوصِ والدراساتِ التي تبادلنا الحديثَ فيها، اليومَ أخبرني بعدَ أن عرفَ أنني كنتُ بالمرسمِ أنهُ يحبُّ الرسمَ أيضًا ولكنَّهُ مُهجَّرٌ عنهُ كحالهِ تمامًا، ودَْعتُهُ بعدَ أن قصَّ لي وعليَّ وبقيَ فكريَ في آخرِ إصدارٍ تكلمنا فيهِ حتى فرغتُ قبلَ قليلٍ من دراستهِ النقديةِ، ولكنَْ نصفَ دماغي بقيَ مع فتحي..


القيصر رائد العمري

تأملات قرآنية