الاثنين، 3 يوليو 2023

تجربة محمد الصمادي

 

لفتات حول تجربة  "محمد الصمادي" القصصيّة

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد

(أمسية قراءات في تجربة محمد الصمادي القصصية. يوم الثلاثاء 4/7/2023 بيت عرار الثقافي. إربد)

 

من المُلاحَظ أنّ نصوص القاصّ  "محمد الصمادي" تتّسم بواقعيّتها البَحْتة القائمةِ على المُحاكاة، والتمثيلِ، والتأشير على بعض القضايا الاجتماعيّة عُمومًا، والقائمةِ على المنطق العقلانيّ أساسًا، بالمُحاكمة وتحليل المواقف، وإعادة تركيبها ضمن توليفةٍ سرديّة فيما بين نصوص قصصيّة قصيرة وقصيرة جدًا، تأتي أحيانًا ساخرةً حاملةً لروح الدُّعابة؛ لتمرير نقد بعض مظاهر السّلوك الفرديّ والجماعيّ.

فالأديب يُلاحظ، ويُؤشّر، ويُلمِّح ويُصرّح، ويُؤكّد، ويُكرّر للفت الانتباه؛ لأنّه غير مَعنيٍّ بالتفسير، والبحث عن حُلول وإجابات للمعضلات والمشاكل.

تتّضح ملامح تجربة "محمد الصمادي" القصصيّة بجلاء لا مِراء فيه من خلال مجموعته الأخيرة "جرعتان والبقية تفاصيل"، التي تُمثّل لوحاتها ومشهديّاتها تشكيلًا قصصيًا بخصوصيّة أو بنكهة "محمد الصّمادي  وبناء لا يختلف عن طريقة الفنانين التشكيليّين بطريقة تأسيس وتأثيث لوحاتهم، وذلك للتقريب والتشبيه مع ملاحظة اختلاف الحالتين. هذا يكتب بالقلم وذاك يرسم بريشته ألوانًا مختلفة تتوافق وتتنافر، لكنها في النهاية تكوينًا ذا محتوى، والنصّ القصصيّ عند "محمد الصمادي" عبارة عن التقاطات قافزة فوق الزّمان والمكان، حتّى يمكن تعميم ذلك على جميع نصوص المجموعة؛ لتكون سِمَةً وطريقةً اتّخذها الكاتب أسلوبًا له.

هذا القفز المُتوثّب بفرط حركته داخل نصوص المجموعة، مرهق للقارئ. مُوهِنٌ لأنفاسه. ربّما حالة القلق الإبداعيّ عند الكاتب، تبدو كتابته حاملة لهمومه القلقة بأفكاره، ومرّةً خائفةً، وضاحكةً، وباكيةً، ولامباليةً، وفوضويّةً، ومُستقيمةً، ومُجدّفة عكس التيّار. هذه المعاني المُستقاة من مطالعة نصوص المجموعة، جاءت العبارة الثانية من العنوان "البقية تفاصيل"، وفي التفاصيل يكمن الهدف، والدّرس، والرّسالة، وذلك من انعكاسات دواخل نفس "محمد الصمادي" على مفرداته وجمله ونصوصه، ليغطّي صورة كاملة واضحة بمعالمها الشخصيّة والنفسيّة والرّوحيّة للكاتب.

وفي اختيار العبارة التي جاءت على الغلاف الخلفي، يتضح شيئا من التماعات المعاني السابقة: "«نَعَمْ وَكَيْف أكُون سَلِيْمًا فِي عَالَمٍ. الْعَيْش فِيْهِ مَرَضٌ؟.  لَدَيّ أَمْرَاضٌ كَثِيرة يَصْعُب عَلَيَّ حَصْرُهَا؛ فَأَنَا مَرِيضٌ بالخوف والأمل، مَريضٌ بِالْمَحَبَّة، مريضٌ بِالْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة، مَرِيضٌ بِالْفَقْرِ، مَرِيْضٌ بِالزَّائِدَة  الدُّوَدِيَّة فِي زَمَن تَنْخَر فِيْهِ الدّيدانُ كُل الْعَلاقات الإِنسَانَية». هذه العبارة بمثابة عتبة المجموعة القصصية بأكملها، ولتكتمل رسالة الكاتب إلى قارئه.

وفي مجموعته "جرعتان والبقية تفاصيل" لوحظ؛ تجلّيات وتقنيّات "محمد الصمادي" القصصيّة، وتُعتبَر تجربة يُعتدّ حَرِيّة بالاطّلاع عليها، ودراستها أدبيًّا ونقديًا؛ تُضاف لتجربته السّابقة في إصداراته، وفيها تتّضح ملامح تجربته المُجنّسة قصًا وسردًا، بنكهة اللّون الأدبيٍّ الواحد، الذي يبدو النصّ فيه للوهلة الأولى مُفكّكًا غير مُترابط، ولكن بالتوقّف والتدقيق تظهر الخيوط المتينة الرابطة للنص، والتي تجعله كتلة واحدة، وذلك من خلال رابط المكان والزمان معًا، أو المكان منفردا أو الزمان منفردًا أيضًا، وفي أحيان يأتي ذلك ظاهرًا بالتصريح عن المكان والزمان، وأخرى بالتلميح أو يكون مُستتِرًا يفهمه القارئ ويستخلصه من سياق قراءته للنصّ، وهذا الأمر ينطبق على المجموعة بأكملها.

ولا يتأتّى لأيّ قارئ فهْمُ وسَبْرُ أعماق قصص "محمد الصمادي"، إلّا بالتزامن مع فَهْم شخصيّته وطريقة تفكيره المُنعكسة على كافّة شؤون الحياة عُمومًا، ومحيطه المُصغّر، وهو الذي كتب نصوصه بهذه عامدًا مُتعمّدًا عن سبق إصرار وتصميم، وعلى حدّ قوله المُتكرّر: "أريدُ إيصال رسالتي بيُسرٍ وسهولة، ولن تضيرني المُباشرة والوضوحُ، وسعادتي بتسليم مفاتيح نصّي للقارئ".

أخيرًا أقول رأيي كقارئ: "إنّ نصوص المجموعة -جرعتان والبقية تفاصيل- تُقرأ كنصوص قصة قصيرة متكاملة مُتوافقة، أو تقرأ كلوحات نصوص قصّة قصيرة جدًّا (ق. ق. ج) مُتكامِلة مُتوافِقة، في حال تفتيت وتجزئ أيّ نصٍّ منها، إلى (ق. ق. ج)، ولا يضير قراءة أيّ من أعلى إلى أسفل أو بالعكس". وكما الحياة عمومًا تجربة تُستقى منها الدّروس والعِبَر والعِظات، فإنّ الكتابة تجربة، وكلّ تجربة تروم الصّواب والفائدة، وربّما يشوبها الخطأ والزّلل بجميعها أو ببعضها، والله المُوفّق.

 

عمّان. الأردن

ــا 3/ 7/ 2023

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 23 يونيو 2023

لوحة جريحة. قصة قصيرة

 

لوحة جريحة

قصة قصيرة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

ثمانِ طَعناتٍ بِعَدد سِنِي زواجهما، بسكِّين كبيرة، اِمْتَشقها "فوزات" من المطبخ؛ سدَّدها بإحكامٍ لوجهها، ورأسها وصدرها المكشوف في اللَّوحة، التي رسمها أثناء فترة الخُطوبة، التي وما زالت تحتلُّ صدارة الصَّالة في بيتهم الكبير.

لم يتوانَ "فوزات" برفع وتيرة صوته الغاضبة، عندما تهوي يده لتسديد ضربةٍ جديدةٍ، يعتدلُ ظهره، ويأخذُ نفَسًا هائجًا عميقًا. جسمه يهتزّ بحركة ثمَّ يُخرجه من أعماقه لينفثه بقوَّة للأعلى، وكأنّ صرخته غطَّت على التصفيق، وكلمات الترحيب بنقيب الفنّانين راعي الحفل في اليوم السَّابق، أثناء افتتاح المعرض الأوّل لصديقه الأثير الفنانّ "سعيد":

"إنّه هو.. لا أحد.. لماذا تخونيني مع هذا السّاقط يا ساقطة..؟".

وبعد أن قصّ  راعي الحفل الشريط الحريريّ وسط وميض فلاشات كاميرات الصحافيّين والمُهتمّين. خُطواته القليلة توقّفت به أمام لوحة بورتريه لوجه امرأة حسناء. وقوفُه طالَ أمام بريق عينيْها، ومنزلق صدرها العريض النّافر، المُغطى بجزء منه بخصلات شعرها الأشقر الفاتح المُسترسل على سجيّته.

لم ينطق بكلمة ردًّا على كلام وشَرْح الرّسام "سعيد" بتفاصيل التفاصيل، ولم يلتفت له، أو أبدى أدنى اهتمام:

-"أتعبني البحث عن طبيعة الوجه المُعبّر عن فكرة تدور بذهني منذ زمان، حتّى كاد اليأس يتسلّل إلى نفسي، وأُعلِن عجزي، وأنطوي على حُزني الحارق، لولا اللّحظة الأخيرة التي أنقذت الموقف. الصّدفة وحدها أنقذتني".

وراعي الحفل لم يرفّ له جفن، وما تحوّلت عيناه لأيّة نقطة. أحاديث ممّن يتحلّقون حوله، وهمساتهم اللّطيفة لم تستطع شدّ انتباهه، وتحويل عينيه المغروستين في اللّوحة.

"فوزات" تبرَّم ضيقًا لجموده وصمته المُطبق، وهو يتشارك النظر لِلّوحة مع المجموعة الأكثر عددًا المُتحلّقة من خلف راعي الحفل.

بينما يُتابع كلام "سعيد"، وشرحه لبعص تفصيلات اشتغاله على اللّوحة:

-"وقَع اِختياري على خلفيّة فاتحة، واِستخدمتُ الألوان الباردة، بطبعي لا أميلُ لاستخدام الألوان الحارّة، وتعبتُ مع مصدر الإضاءة لإبراز معالم الوجه بدقّة، وجاء المسقط العام بدقائق تقسيماته مع كلّ لمسة، لإخراج الشّكل الأخير".

 

امتلأ صدر "فوزات" ضيقًا وحنقًا على راعي الحفل، لَازَمته الحالة حتّى المساء امتدادًا إلى موعد نومه بعد منتصف اللّيل. عند عودته إلى البيت في الثالثة بعد الظّهر، وما زاد الطّين بلّة وُقوفه صامتًا أمام لوحته التي رسمها قبل زواجه، لم يأبه لترحيب زوجته بنبرات غانجة مع عبق روائح طعام الغداء الشهيَّة:

-" حبيبي فوزاتي.. سامحني. لم أفتح لكَ الباب.. اِنْشغالي ببعض الترتيبات للغداء.. كما تعرف..!".

يومٌ مختلفٌ تمامًا عن روتين "فوزات" الهادئ بطبيعة تكوينه المختلفة عن مُحيطه الاجتماعيّ كفنّانٍ تشكيليٍّ حالم رومانسيّ. غارق أثناء يقظته بتأمّلاته العميقة.

 قبل نومه بعد الواحدة ليلًا، كتب على ورقة بيضاء خالية من الأسطر والهامش عبارة:

-"مَنْ الذي فضَّ العباءة السّوداء؛ ليستفيقَ الخنجر المسموم النّائم تحتها؟".

سلطانُ النّوم استولى عليه ليُصدر أوامره باسترخاء كافّة أعضائه، ويده مازالت قابضة على الورقة تعتصرها بعصبيّة واضحة.

رأرأة عينيْه بحركات مفاجئة على غير اعتياد  بعد إطفاء الإنارة،  وَقْعُ صوتٍ أجشٍّ اِقتحم سريره بفظاظة، كأنّه مطرقة عظيمة تطرقُ الجدار بجانب رأسه، اهتزّ جسمه بعنفٍ انتفاضًا، بينما زوجته راقدة بسلام إلى جواره؛ تغطُّ بنوم عميق.

اِعْتدل جالسًا بعد أن دعَك عينيْة، اِسْتعاد شيئًا من وَعْيه، لاحظ أنَّ خُيوط الشّمس مع بدايات شُروقها تسلَّلت عبر النّافذة؛ لتضيء وجه زوجته، بخُطوات بطيئة مُتثاقلة حاذرة أحبّ الاِطْمئنان على اللّوحة في الصّالة. تأكّد أنّها على حالها تزُيّن حياتهما بذكراها التي تقترب من التّاسعة.

أصابع يده مُتشجنّة من إطباقها على شيء ما. فَطِن لذلك عندما حاول لمس اللّوحة ليتوثّق منها، تذكّر الورقة ذات العبارة. أعاد قراءتها، وأشعل بها النّار من عود ثقاب. ولما طال نوم زوجته، أحسّ بتوقّف أنفاسها، وأضاف في اليوم شريطًا أسودًا مُبلّلًا بدموعه على طرف اللّوحة الأيسر ثبّته بشكلٍ مائلٍ.

 

الأردن. إربد

22/ 6/ 2023

 

 

 

 

 


الاثنين، 12 يونيو 2023

استطلاع مجلة روافد 96

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأستاذ /ة

نسعد بمشاركتكم بالرأي في قضيتنا المطروحة للنقاش في مجلة فرقد الإبداعية العدد ٩٦

بعنوان (الأماكن والثقافة .. بين الشواهد والمشاهد )

من خلال المحاور التالية :

- كيف حضرت الأماكن في المشهد الثقافي وما أكثر الفنون الأدبية اهتماماً بها ؟

- كيف وظف الادباء والمثقفون الاماكن  داخل النصوص الأدبية وما مدى انعكاسها على جودة المنتج ؟

- هل ترى أن توازن الاديب في توظيف الأماكن بالإنتاج مطلب وضرورة أم ان العبرة بانعكاسات المكان على الاحداث ؟

مع خالص التقدير لتجاوبكم منتظرين مشاركتكم في خلال خمسة أيام ولكم التحية

 المحررة في مجلة فرقد

                    هيا العتيبي

........

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأماكن والثقافة.. بين الشواهد والمشاهد

 

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا

 

 

المكان هو القشرة المُغلِّفة لنا ولوجودنا كاملًا، نتمسَّك بها لأمانتها، ولمحافظتها على ودائعنا، وتُصرُّ بعنادٍ صامتٍ على خُصوصيَّة أيِّ شيءٍ بأمانة. كما أنَّها العُنصرُ الأساسيُّ كساحة للصِّراعات، ومَراحٍ للآمال والأحلام، والرَّغبات.

ولا قيمة للحياة بلا مكانٍ - أيِّ مكان على االإطلاق- والمكان لا قيمة له ولا خُصوصيَّة بلا وجود فعل بشريٍّ، على حدّ سواء الخيِّر والشرِّير، البنَّاء والمُدمِّر.

الأماكن مثل البشر منها الحيويّ والجذّاب الممتلئ بضجيج الحياة، ومنها الميِّت المُميت القاتل لكلِّ أسباب الحياة، وبينهما من الأماكن الوسط والدّنيا اكتسبت أهميّتها من صراعات البشر واحترابهم في ساحاتها في سبيل السَّيطرة والهيمنة.

المنطقُ مُلتزمٌ باستحضار المكان في أيِّ فعلٍ إنسانيٍّ صغيرًا كان أم كبيرًا، دنيئًا أم عظيمًا؛ فالمكان هو ساحة ومساحة للحركة والفعل بكافَّة الأشكال الفعليَّة والقَوْليَّة، ولا يمكن أن يشذَّ عن هذه القاعدة التي أصبحت بمثابة بديهيَّةٍ رياضيَّةٍ، لتَنتُج المُعادَلة الزمكانيَّة (معادلة الزَّمان والمكان) ، إضافة للفعل البشريِّ المُعادل المنطقيِّ للزّمان والمكان؛ وليُضفي عليهما أهميَّة ذات أبعاد شخصيَّة ونفسيَّة مُقدَّسة وتاريخيَّة.

وبديهي استجرار المكان للفعل الكتابيِّ والثقافيِّ، المُتَمثِّل في ذهن الكاتب ليُقنع به القارئ، أيضًا مُعادَلة توفيقيَّة لمقاربة الواقع بدرجات مُتفاوتة.

من هناك نستطيع الموافقة على تقسيم المكان إلى فضاءات عديدة، صغيرة وكبيرة، ولكنَّها جميعًا مُفتَرضَة في ذهن الكاتب أوَّلًا، وهو ضرورة مُكمِّلة لأركان القصَّة والرِّواية والحكاية، المصطلح على تسميته بفضاءات المكان. ويجب الانتباه أن قضية المكان في الكتابة معنويّة، اقتطع الكاتب مُستلزَمهُ منها، لتحريك الحدث وفق رؤاه وتصوّراته، وإيهاماته وتخييله الأدبيّ؛ لاستيفاء أركان النصّ الأدبيّ أيًّا كان.

والمكان اتّخذ بُعدًا إنسانيًّا ومُؤنسنًا مليئًا بضجيج المشاعر والأحاسيس، منذ زمن "امرئ القيس" وما قبله، حينما وقف واستوقف؛ لتصبح "الأُبابة"  قضيَّة الحنين والشَّوق للديار مُؤرّقة حرّاقة، تشدّ بحبالها على قلوب مُحبّيها بالعودة إليها، وهذا المصطلَحُ العربيُّ هو المُعادل الأصيل "للنوستولوجيا"، والأماكن مُرتَحِلة فينا ومعنا، إن حللنا فيها أو ابتعدنا عنها.

 

عمّان. الأردن

12/ 6/ 2023

 

الخميس، 1 يونيو 2023

العرافة ذات المنقار الأسود

 

إشكاليّة المثقف والسلطة

في رواية(العرّافة ذات المنقار الأسود)

للروائي (محمد إقبال حرب). لبنان

 

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

لذّة الأدب عندما يغوص في أعماق الحياة البشريّة، ومعالجة عتمة الزوايا الخافية المُخفِيَة، والمساحات الأعمال الروائيّة تتّسع للنّشاطات الإنسانيّة المختلفة، الشخصية باعتقاداتها، ودياناتها، وعاداتها، وتقاليدها، ودقائق شؤون اشتغالاتها الإيجابيّة والسلبيّة، والمؤثّرات النفسيّة والاجتماعيّة الداخليّة والخارجيّة.

وبين يديّ، وفي رحاب رواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»، ذات المنحى الرمزيّ بإيحاءات ودلالات جليّة بمؤشّراتها، ذات الأبعاد والأهداف الظّاهرة والخفيّة، وفي هذا المنحى الذي اتّخذته بمسارات انتقلت للحالة الموازية للواقع البشريّ عُمومًا، وتطبيق كل لوازم ومستلزمات الإنسان، لتطبيقها على المجتمعات الحيوانيّة، ابتداء من التجمّع بكانتونات مُتخيلةّ، ورسم خرائط الخوف، والتسلّط، وغريزة القطيع، والقمع، والقتل، والموت، وجماهير المُصفّقين والردّاحين، والمنافقين، الأقوياء والضّعفاء.

منذ القديم لجأ الأدباء والكتّاب للترميز بنصوصهم السردية، وهو ما يُعبَّر عنه بالتكنية، على رأي من قال: «الكلام للعمّة - الحماة أمّ الزوج-، لتفهم الكنّة» أو العكس الكلام للكَنّة حتّى تفهم العمّة. وهذا ما قرأناه في كتاب «كليلة ودمنة»، الذي ترجمه «عبدالله بن المقفع» عن اللُغة الفارسيّة إلى العربيّة، ويُقال أنّ «ابن المقفع» هو من ألّفه، كتبه الحكيم الهندي «بَيْدَبا» قد ألّفه لملك الهند «دَبْشليم».

وقد استخدم المؤلّف الحيوانات والطيور كشخصيّات رئيسة فيه، وهي ترمز في الأساس إلى شخصيّات بشريّة،  من خلال القصص على لسان الحيوانات، وعالجت مجموعة من المواضيع السّاخنة، كالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، المُوشّاة  بالحِكمة والموعظة.

أمّا الروائيّ«محمد إقبال حرب»، ومن خلال روايته «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»؛ فقد عاد بنا إلى إشكاليَّة المثقّف والسّلطة، القضيّة القديمة المُتجدّدة، ومحاولة السّلطة الاستحواذ على المُثقّف؛ ليكون لسان حالها، يُزيّن عوراتها، ويُسوّق ظلمها، وإمّا أن يرفض كلّ أساليب الاستمالة والتدجين، ليكون في الصفّ المُغاير للسّلطة يقول كلمة الحقّ، ولا يخشى في الله لومة لائم، وقضية خلق القرآن أيّام الخليفة العبّاسيّ «المأمون»، الذي حبس وجلد الإمام «أحمد بن حنبل» لوقوفه الصّامد في وجه السّلطان وعلمائه وجوقته.

وما أشبه اليوم بالأمس، وما وليس ببعيد ما حدث لعالم الاجتماع العربي «إدوارد سعيد» المثقّف المنفيّ، والذي حورب داخل الولايات المتّحدة من اللُّوبيَّات الصُهيونيّة،  كفلسطينيٍّ مازل قائمًا على تُخوم روح وطنه المُغتَصب عندما دافع عن القضيّة الفلسطينيّة، والتي شبّهها «بالأمّ الثّكلى التي لا بواكي لها مثل بقية الأمّهات».

ولو تتبّعنا إشكاليَّة المُثقّف والسّلطة، سيطول ويطول الحديث، ونكتفي بالمثاليّن السّابقين المختلفين بحيثيّاتهما، ونتحوّل إلى عمل أدبيٍّ مُهمٍّ، تمثّل برواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»، لِتُحيلنا إلى موضوع جديد، بمحاولة أنسنة طيور الدّجاج، وتحريكها وفق سرديّة روائيّة مقنعة تمثّلت زمانًا ومكانًا غير مألوفين لتأليف الحكايا، وأسطرتها على درب قصص «كليلة ودمنة»، وبرغبة تقريبها للواقع المليء بالخوف الملموس بين ثنايا التعابير، وفي مآلات فهم القارئ، وتنشيط هرمون الأدرينالين عنده.

الخوف مزروع في دواخل البشر عمومًا، والكاتب والأديب هو أيضًا فرد من البشر في حيّز مجتمعه المصغّر. التساؤل الذي يستوجب التوقّف عنده. هل خوف الأدباء والكتّاب مُبرّر. وهل خوفهم أو تخوّفهم بدرجة باقي أفراد المجتمع؟.

ولكنّ حساسيّة الكاتب تجاه الخطر الكامن أو القادم، إنّما هو مُؤشّر يستحقّ أخذ عيّنته على محمل الجدّ وعدم الاستهانة بها. الأمر الذي يجعل القارئ لرواية «العرّافة ذات المِنقار الأسوَد»؛ يستشعر ويتلمّس مخاوف راويها، «محمد إقبال حرب». الذي كشف عن الأصابع الخفية للحكومات العميقة، ومن ورائها حكومات الظلّ التي تتحكّم بمصائر البشريّة، بإثارة الحروب والقتل والدّمار، من هنا يمكن تفهّم فكرة الترميز بالإشارات الواضحة والخفية لهذه القضيّة، والمخاوف والهواجس والصّراعات المُعتَمِلة في ذهن الكاتب.  وقد استطاع «د. علي حرب» تحسّس هذه المّقطة. بقوله: «ورَفَعَ الستائِر الحاجِبة للحقائِق، وغاصَ حتى آخِر الأعمَاق في الاستِقراء والتَّقميش وسَبر بَواطِن الأجندات الغامِضة، بهَدَف إحدَاث الرجّة في العُقول المستَسلِمة، وطَرف العُيون المسدِلة جفونَها بأمان».

وبمجمل الرّواية فإنّ تجليّات فكرتها توزّعت على  مسارات وفق تراتُبات السّرديّة الروائيّة، استغرقت جهدًا عظيمًا، واستنزفت خيال الكاتب بالمزاوجة بين الواقع والخيال، ممّا يُنبئ عن مِخيال ثريٍّ يتمتّع به «محمد إقبال حرب»، وعلى ما وصف أيضًا. د. حرب للرواية: «بين بداية الهمس وآخره، ترقد حكاية “بني تراب” بكل ما فيها من حب وحسد وغيْرة وعنصريّة، وما يرافقها من صراعات وخيانات ودسائس ومُؤامرات وترويع وإرهاب، لتحقيق الأطماع الشّيْطانيّة التي تُراود الماديّين السّفلة للقبض على رقاب الدّنيا بمن وما فيها».

وتعدّ الرّواية إضافة جديدة في مسار الأدب الرمزيّ الهادف لإيصال رسالة ذات فوائد إذا انتُبه لفحواها، حالمة لأحلام وآمال ومخاوف كبيرة ظاهره وباطنه، عالجها الكاتب بأسلوب السّرد بلسان البطل الموازي، وبالانتقالات تارة أخرى للحواريّة بين أبطال روايته بمحاكاة مقنعة؛  جعلت من تعدديّة الأصوات سِمةً بارزة.

 

عمّان. الأردن

ــا 1/ 6/ 2023

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 30 مايو 2023

كتب رائد العمري. صالون أدبي

 #صالون أدبي


بعدَ أن قمتُ بإغلاقِ مكتبي تيَّقنتُ بعدمِ قدرَتي ان أتخلى عن الثقافةِ والأدب، وأن ليسَ شرطًا أن تكونَ الثقافةُ مرهونةً بشهاداتٍ جامعية، أو حتى بمكتبٍ ومنصةٍ ومسرحٍ مرموقٍ، فكلّما ملَأني الشغفُ نحوَ محاورةِ صديقٍ مثقفٍ، أو أن أجتمِعَ ببعضِ أصدقائيَ من المثقفينَ، او أن أتجَرَّعَ شربةً من أدبٍ سائغٌ منبَعهُ، صافٍ أسلوبهُ ومجراهُ ذهبتُ إلى صالونِ فتحي، هو في الحقيقةِ يمتهنُ الحلاقةَ فيقصُ لكَ شعركَ فيُهذِّبهُ ويجملهُ، ويقصُّ عليكَ آخرَ ما قرأهُ من رواياتٍ أو جزءًا مما كَتبَهُ لنتدارَسهُ، فهوَ دائمًا ما يُشعرُني بقدرَتي على التحليلِ الأدبيِّ والنَّقديِّ، ويُجَهِِّزُ لي كعادتهِ فنجانًا من القهوةِ ونصًّا نتداولَ مقاصِدَ كاتبِهِ فنُحَلِّلُهُ ونبحرُ فيهِ، صالونُ فتحي هذا مليءٌ بالكتبِ الأدبيَّةِ التي مرَّت عليهِ، وقاسمَت زبائنهُ والمثقفينَ من روادهِ وقتَهُ، وما إن خلوَنا في جِلسَةٍ أدبيةٍ خاصةٍ لنتصارحَ فيها دونَ مجاملاتٍ في واقعِ الثقافةِ والمثقفينَ، وآخرَ الإصداراتِ وخاصةً المتعلّقةَ بالأصدقاءِ، نضحَكُ ونتسامَرُ في جَديَّةِ النصوصِ من عفويتها، ونتبادلُ الرأيَ، ولأعترفَ وأكونَ أكثرَ صِدقًا في نقليَ للواقعِ فإنَّ جِلستنا هذهِ لم تخلُ من بعضِ النميمةِ الأدبيةِ في بعضِ أصدقائنا المقربينَ الذينَ يعرِفونَ ذلكَ جِدا، فنحنُ نتسامحُ ونتصافَحُ بحبٍّ حقيقيٍّ غيرَ مُصطَنَعٍ إذا التقينا بأحدهم عندَهُ، مباشرةً اليومَ أشارَ لي ببعضِ ما كتَبَهُ مؤخرًا أحدهُم لنتسامرَ فيهِ وبدوري قرأتُ لهُ آخِرَ دراسةٍ نقديةٍ قدمتها لكتابِ لكاتبةٍ اسمها إلهام، وكعادتهِ أثنى عليَّ بهذا النهجِ وشجَّعني في الاسترارِ فيهِ. ضحكتهُ اليومَ في أثناءِ زيارتي لهُ كانت متنوعةً بحجمِ وشكلِ فناجينِ القهوةِ المختلفةِ المتواجدةِ عندَهُ، وكذلكَ طول النصوصِ والدراساتِ التي تبادلنا الحديثَ فيها، اليومَ أخبرني بعدَ أن عرفَ أنني كنتُ بالمرسمِ أنهُ يحبُّ الرسمَ أيضًا ولكنَّهُ مُهجَّرٌ عنهُ كحالهِ تمامًا، ودَْعتُهُ بعدَ أن قصَّ لي وعليَّ وبقيَ فكريَ في آخرِ إصدارٍ تكلمنا فيهِ حتى فرغتُ قبلَ قليلٍ من دراستهِ النقديةِ، ولكنَْ نصفَ دماغي بقيَ مع فتحي..


القيصر رائد العمري

الثلاثاء، 23 مايو 2023

رواية عودة الغائب. للروائي منذر قباني

 

قراءة في رواية

"عودة الغائب" للروائي السعودي "د. منذر القبّاني"

 

بقلم الروائيّ. محمد فتحي المقداد

 

للروائيّ "منذر القبانيّ" رواية "حكومة الظلّ" وهذه الرواية "عودة الغائب" ورواية "فرسان وكهنة"، ثلاثيّة روائيّة تسلسلت لاستكمال فكرة الموضوع الماسوني، وتفرّعاته مثل نوادي "الرّوتاري"، ونشوء نفوذه الواسع في منطقتنا مع أفول نجم "الدولة العثمانية"، والآثار المُنعكسة على الحياة العربية مع مجيء مرحلة "سايكس بيكو"، وتقسيم الدّول العربيّة فيما بين دول الحلفاء المُنتصرة في الحرب العالميَّة الأولى (بريطانيا وفرنسا)، وترسيخ واقع متلائم مع مصالحهم الاستعماريّة.

ركّزت رواية "عودة الغائب" على ثيمة الصّراع الذي لا يهدأ بين حكومة الظلّ وأعضاء جماعة العروة الوثقى.

ابتدأت الرّواية من عُقدة سرديّة الحدث الروائيِّ - أي من نهاية الحدث- والذي كان عبارة عن جريمة قتل، أو محاولة قتل في ظروف غامضة.

ثمّ كان الاشتغال على فكفكة وحلحلة العُقدة بفنيّة دالّة على قدرة الكاتب التتبعيّة لتطوّرات الحدث الروائيِّ، ومُزاوجة بين الماضي والحاضر، وتفتيت المادّة التاريخيّة المُستخدمة، وتذويبها داخل السرديَّة بمهارة ناجحة.

الزمن الروائيّ امتدّ على مساحة زمنيّة من (1909- 2009)، وبلا شكٍّ فإنّ ذلك مُنبئٌ بدلالة على نهاية الدّولة العثمانيّة، وهذا ليس اجتهادًا أو تخمينًا من خلال القراءة، بل إنّ النص الروائي موسوم بالزمن التاريخيّ المُتخَم بالإشكالات، وهو ما حدّده الكاتب بدقّة؛ ليُريح القارئ؛ وليُسلمّه مفتاح قراءة الرّواية بِيُسر وسهولة؛ وليبتعد به عن الضّياع في متاهات التأويل والتّخمين.

بيسر وسهولة كذلك باستطاعة القارئ معرفة تصنيف "عودة الغائب" بأنّها من صنف الأدب البوليسيّ، وفي تركيزها الواضح على تعزيز فكرة المُؤامرة الخارجيّة على بلادنا العربيّة.

نسيج الحدث الروائيِّ مُدهش بطريقة الضّبط والرّبط لتراتُباته، كون الحدث مُعقّد لعُبوره الزمانيّ الطّويل، وكثرة الانتقالات المكانيّة. لكن ما هو لافت للنظر، يستدعي التوقّف عنده: ألا هو الذي نستطيع به الإشارة للروائيِّ "منذر القبّاني"، بأنّه بقي ممسكًا بجميع الخيوط الجامعة للعمل الروائيّ المُتماسك بقوّة السّبك والسّرد.

 

شخصيّات رواية "عودة الغائب"، حيث ابتدأ الحدث بجيل (1909) كانوا رجالًا وشبابًا آنذاك، ثمّ عُبورًا لجيل الأحفاد بعد موت الآباء والأجداد، لِيَكتووا بآثار صُنع أجدادهم، بمعنى أنّ الرّواية هائلة عابرة لأزمان وأجيال ثلاثة، والتاريخ لا يرحم، ولا يشفع للجيل الجديد بأنه: كما قال الحقّ سبحانه في كتابه العزيز: (ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى/ سورة فاطر18)، كما هو الأمر في الشرائع الإلهيّة.

اللُّغة المُستخدَمة الفصيحة البيضاء البعيدة عن غريب الألفاظ والكلمات أو العاميّة، لوحظ أنّ هناك بعض الهوامش القليلة في أسفل بعض الصّفحات لتفسير شيء مُعيّن. وتتراوح حركة الأصوات داخل العمل الروائيّ بين السّرد الموجب تمهيدًا للحوار، وجاءت على شكل فصول تحمل بعضها دلالات بعناوين مُعيّنة أو أرقامًا.

لوحظ أنّ النّسخة الورقيّة التي بين يديّ كانت بطبعتها السّادسة، وهذا دليل الطّلب والإقبال على مثل هذه الأعمال المُشوّقة بحكايتها، وخبرة الكاتب العريقة بإدارة الفكرة واستثمارها باقتصاد حين اللُّزوم، والإسهاب في حين آخر، وهي أقرب أيضًا لروح السّيناريو، الأمر الذي يُؤهّلها لصناعة عمل مسلسل تلفزيوني، أو فيلم سينمائي.

عمّان. الأردن

ــــا 21/ 5/ 2023

 

 

الثلاثاء، 16 مايو 2023

التوظيف في رواية إنا نجمتك

 

التوظيف المعرفي

في رواية "أنا نجمتك. للروائيّة" "إنعام القرشي" الأردن.

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد

 

المساحات المفرودة في الكتابات الروائيّة تتّسع لجميع الأجناس الأدبيّة والمعرفيّة، ويأخذ الكاتب مدايات واسعة يستطيع من خلالها التعبير عن آرائه ومعتقداته، وفلسفته لرؤاه وفق مسارات اختارها؛ لبسط آرائه ورسالته أمام القرّاء بمختلف انتماءاتهم، وبذلك سيجلس قُبالتهم وجهًا لوجه لإبلاغه بوجهات نظرهم المُنصبّة على النصّ المقروء سلبًا كانت أو إيجابًا. بعيدًا عن تأثّرهم بشخصيّة الكاتب سواء كانوا على قُربٍ ومعرفة به، أو هم على مسافات منه.

رواية "أنا نجمتك" المُستهدَفة بهذه القراءة، جهد لا يُستهان به استغرق وقتًا طويلًا من الروائيّة "إنعام القرشيّ"، حتّى استطاعت العودة من جديد للتجربة الدراسيّة، وإلى القاعات الدراسيّة الجامعيّة مع طلّاب مُستجدّين، مع ملاحظة الفارق العُمْريّ الفاصل بينها وبينهم.

وفي هذا الصّدد يحكي. أ. د - "محمد باسل الطائي": (عرفتُ إنعام يوم اتّصلت بي للسّؤال عن مراجع موثوقة في علم الفلك، وعلمتُ منها: أنّها تنوي خطّ رواية عن علم الفلك في جوٍّ جامعيٍّ راقٍ؛ فأعطيتُها کتابي علم الفلك والتقاويم الذي يدرسهُ الطّلبة.

ثم قالت: أنا على استعداد أن آتي إلى "إربد"؛ لكي أحضُر معكَ بعض المحاضرات في جامعة اليرموك؛ لأعيش جوّ الرّواية كما هو في الواقع. فقلتُ: ربما تكونين محظوظة، لستِ بحاجة أن تأتي إلى "إربد" لهذا الغرض، فإنّني سأقوم بتدريس مساق لطلبة (جامعة الأميرة سميّة)، وهي في "عمّان" عن التُّراث العلميّ العربيّ والإسلاميّ، وفيها قدر كبير من علم الفلك؛ فرحتْ "إنعام" كثيرًا بذلك؛ فأعطيتُها مواعيد المحاضرات، وحضرتِ المساق كلّه تكتب الملاحظات، وتقرأ الكتاب، ثمّ واظبت على كتابة الرّواية، وخلال ذلك تواصلت معي بالأسئلة العلميّة التي ترد في خاطرها) .

بالطّبع ليس من السّهل على أيّ إنسان الإلمام وحيازة جميع معارف الدّنيا. إلّا بالسّؤال لأهل العلم المُختّصين في المجال المطروق، وهو ما سعت إليه "إنعام" لأخذ معرفتها حول علم الفلك، وما يدور حوله من منابعه الأساسيّة؛ لتستطيع الدُّخول بها إلى صفحات عملها الروائيّ الأوّل "أنا نجمتك"، الذي يعدُّ عملًا مُثقّفًا وازنًا بما قدّم من معرفة مَوّثوقةٍ مُوثَّقةٍ؛ لرفد قارئها بمعارف ربّما يُعجزِه  البحث عنها في مضّانها الأصيلة.

وبهذا تُعبّر عن مُعاناتها في رحلتها الشّاقّة ما بين الكتابة والبحث: (تتعطّل الرّوح، وأغدو كطاردة الطّيور في كُرُومٍ تيبّست عُروقها، أحتارُ في أيّ اِتّجاه ألتفتُ إن أمطرتِ السّماء !.. رغم عُيوني الأربع)، وعلى هذا المنحى فالرّواية تناولت المجتمع الطلّابيّ وما به من علاقات علميّة، وروابط إنسانيّة (شباب وبنات) بتداخلاتها العاطفيّة وتحصيل العلم، ما بين أحلام يتعالى سقفها في عيونهم. عقولهم تتعبُ من أجل المستقبل، كما أنّ الرّواية جاءت على الشّكل التعليميّ الجامعيّ المليء بالجدّ والنّشاط والتنافس، تجلّت هذه الأمور على محمل سرديّة جادّة أرادت تقديم شيء جديد، ربّما يكون مطروقًا جزئيًّا  في بعض من أعمال روائيّة سابقًا، بينما رواية "أنا نجمتك" من المُمكن وصفها بأنّها: رواية المرحلة الجامعيّة بامتياز، وتطرّقها لمشاكل الشباب والتعليم، والتحدّيات المُتسارعة في رِكاب العولمة التي اجتاحت المجتمعات البشريّة قاطبة، وانتهاك الخُصوصيّات والثوابت الدينيّة والقيَم الاجتماعيّة من عادات وتقاليد مُتورَاثة عبر الأجيال. لتطرح في النتيجة تساؤلًا مهمًّا أين نحن من هذه المُتغيّرات؟.

الرّواية ذات منحى علميّ تخصُّصي في مجال الكون والفلك، واجتماعيّة من خلال مجتمع الطّلبة المُصغّر بعلاقاته الدّاخليّة، والخارجية مع المجتمعات المُتعدّدة. وفي بدايتها حواريّة بسيطة على ألسنة الشّباب من الجِنسيْن حول الإيمان والإلحاد، الفكرتين المُتناقضتيْن توجّهًا وسبيلًا، ولا لقاء بينهما بأيّ وجه كان. وبتتبّع بعض العناوين الداخليّة للرّواية؛ تتّضح محاورها الرّئيسة الهادفة برسالتها التثقيفيّة، والتأكيد على دور العلم في نهضتنا من أجل المستقبل: (بطليموس والنظريّة الخاطئة/ الحياة على كوكب الأرض/ محمد وكوكب الزّهرة/ دعوة لكوكب المرّيخ/ حقائق علميّة غريبة/ الإسقاط النّجميّ).

تقول الكاتبة في (ص 163) رأيها المُؤلم بصراحته: (العرب تستهلك المعرفة، ولا تُنتجها، لذلك تفكيرنا عاطفيّ وغير منطقيّ، لذا نحن نُعتَبر مُتخلّفين عن ركب الحضارة والعلم التكنولوجيا، وإنتاج المعرفة بحاجة إلى تأمّل عميق، وهذا ما يفتقر إليه العقل العربيّ)، وفي اقتباسها لمقولة "شمس التبريزي": (اتركوا طوفان الطّبيعة يحملني معه إلى آفاق بعيدة، كأوراق الخريف الصّفراء، فلا يبقى منّي أثر) ص263. وهل بهذا إشارة مُكمّلة للعبارة السّابقة بأنّنا كعرب ورقة صفراء انتهت دورة حياتها تتقاذفها الرّياح في كلّ اتجاه، وهي جزء من رسالة "إنعام القرشيّ"، وروايتها "أنا نجمتك" هي العمل الروائيّ الأوّل لها، ربّما اعتراه بعض الملاحظات بتقنيّات السّرد غير المُخلّة بتراتُبات الرّواية سرديًّا على محاور الزّمان والمكان والشخصيّات والحكاية القصصيّة، ولأنّها استطاعت إيصال رسالتها، وهي ثمرة جهد وتعب لا يُستهان به.

 

عمّان. الأردن

ــــا 15/ 5/ 2023

تأملات قرآنية