الأحد، 26 ديسمبر 2021

تقديم لكتاب "حداثة النص" على أحمد عبده قاسم. اليمن

 

تقديم

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا.

 

"لكلّ مُجتهد نصيب" ، كما يُقال: الاجتهاد وحده لا يكفى، إلَّا إذا كان مُقترنًا بالموهبة، ولا يتكرّس ذلك واقعًا ملموسًا ذي أثَر، كما رأيتُ وتابعتُ الصّديق "علي أحمد قاسم"، خطوة بخطوة، رغم وُعُورة وصُعوبة الطريق، إلَّا أنّ إصراره على الوصول، هو ما أثلج القلب، وأنا أرى بين يديّ كتابه "حداثة النصّ – قراءات في النص القصير جدًا".

هذا الجهد المميّز للكاتب واضح من خلال المادّة النقدية التي قدّمها؛ فهو بهذا يكون قد أرّخ لجانب مُهمٍّ من الحركة الثقافيَّة على السّاحة العربيّة عُمومًا، بمبادرته الذاتيّة الذكيّة، قام بانتقاء النُّصوص ذات الجوْدة الأدبيّة العالية، من دون تحيُّزه لأحد تربطه به علاقة شخصيّة.

ذائقته الأدبيَّة من طراز رفيع؛ أخذته إلى محطّات بعيدة، وغاص في دواخل النُّصوص؛ لتتكشّف للقارئ والمُتابِع عُمق ثقافته، ودرايته في إنتاج نصوص نقديَّة جديدة تُضارع جودة النُّصوص التي اشتغل على دراستها، وفي أحيان تفوّقت.

النَّقد أساس الإصلاح؛ فالنّقد والنقد الذاتيّ، حوله تتمحور أفكار التطوير والتحديث بشكل عامٍّ. بالمقابل سيكون مُحبِطًا، ومُيَئِّسًا، ومُدمِّرًا. النقد سيف ذو حدَّيْن، وهو مطلوب تطبيقه في كافّة مجالات الحياة؛ لرؤية الخطأ، والزَّلل، والوَهَن، ومحاولة ابتكار العلاج المُناسب لكلّ حالة على حِدَة.

جميع المُستويات الحياتيَّة بحاجة للحوار والنَّقد، وفي مجال الأدب؛ تَساوَقت الحركة النقديّة للنُّصوص مع مسيرة الأدب بأنواعه وأجناسه، وابتُكِرت النظريّات العديدة، واستخدُمت لاستخراج جماليّات القصيدة بأنواعها، والقصَّة القصيرة، والرواية.... إلخ. أيضًا لم يتوان النُقَّاد عن إبداء آرائهم فيما يُقدَّم لهم من موادٍّ، أو يُطلب منهم إبداء رأيهم النقديِّ فيها.

وربّما سبقت مسيرة الحركة الثقافيَّة خُطى النَّقد البطيئة بمسافات، ولكنّها بحاجة إلى تقويم وتقييم، وبغياب النُّقَّاد عمَّا يجري من سُيولٍ تحمل الغثّ والسّمين، وذلك في ظلِّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعيِّ، وأصبح العالم قرية صغيرة.

ولا أزعُم أنَّ النّقد غائب تمامًا، والرُّؤية الأسلَم بموضوعيَّتها هي عدم القُدرة على مُتابعة هذا السَّيْل الجارف. حيث أنَّ عمليّة النّقد مُعقّدة بكثرة طُرُقها ووسائلها، واختلافاتها، ومذاهبها الفكريّة، ومرجعيّاتها، وسّعت الهُوّة بين الأديب والنَّاقد، وربّما تولّدت علاقة كراهيّة، وحقد دفين بينهما. هذه الجدليّة عميقة التأصُّل في شخصيَّة الأديب الذي لم يعْتَد إلَّا الألسنة المادحة، وعدم قُدرته على الاستماع للرأي والرأي الآخر؛ أيْ الحوار الهادف والبنّاء. كما أنّ بعض النُقّاد تُحرِّكهم دوافع الغيرة للانتقام من أحدهم؛ لتدمير نصِّه الأدبي، وإسقاطه، وتسفيه وتسطيح أفكاره. هذا مُشاهَد ومنظور بوضوح تامٍّ.

بينما الطّموح بتوالُف وتآلُف حركة النّقد مع المُنتَج الإبداعيِّ؛ لتكوين المجتمع الثقافي الرَّاقي المنشود الفاعل على مسرح الثقافة العالميّة. وهو ما لمستُه عند الأديب والنَّاقد "علي أحمد قاسم"، الذي اِمْتلك أدواته المؤهِّلة للنظر في أيّ نص بالتحليل وإعادة التركيب، واستخراج جماليَّاته، وعمل مُزاوجة تأويليّة، واستنباط رُؤى جديدة تتخفَّى بين طيّات التعبير والصّورة الأدبية والمُحسّنات البديعيَّة، وبذلك كان هو.. هو بالذات.

 مع أطيب أمنياتي بالتوفيق، والمتابعة المستمرَّة لتوثيق وتأريخ هذه الفترة على الأقلِّ.

 

 عمّان – الأردن

25/ 12/ ٢٠٢١

 

الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

وقفة مع الأدب الأرتيري أمسية زووم

 

وقفة مع نماذج من الأدب العربي الأرتيري الحديث

(مشاركة في أمسية أدبية لاتحاد الكتاب والأدباء الأرتيريين في المهجر ـــــا الجمعة 23\12\2021)

(عبر منصة ZOOM)

 

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد. سوريا

 

وقفة مع نماذج من الأدب العربي الأرتيري الحديث

(مشاركة في أمسية أدبية لاتحاد الكتاب والأدباء الأرتيريين في المهجر ـــــا الجمعة 23\12\2021)

(عبر منصة ZOOM)

 

مقدمة عن القضية الأرتيرية:

   أمرٌ مُهمٌّ لضرورته لا بدّ منه قبل الولوج إلى عوالم الأدب، وهو تسليط الضّوء على القضيّة الأرتيريّة، وشعبها الذي كافح الاستعمار الإيطاليّ الأوربيّ، ومن ثمّ الاستعمار الأثيوبيّ (الحبشة) الدولة الأفريقيّة الجارة؛ فبعد الحرب العالميّة الثانية أصبحت أرتيريا جزءًا من إثيوبيا، بمزاعم لا دليل ولا بُرهان عليها، وهُما قد تحرّر كليْهما من الاحتلال الإيطاليّ. وهذه النُّقطة جديرة بالفهم للقارئ؛ لأّنها الموضوع الأساسيّ للكثير من الأعمال الأدبية الأرتيرية عمومًا.

إن إنشاء أرتيريا المعاصرة؛ هو نتيجة لإدماج ممالك مستقلّة؛ مما أدى في النهاية إلى تكوين أرتيريا، وهو ما قامت به سلطات الاحتلال الإيطاليّة. وبعد هزيمة الجيش الاستعماري الإيطاليّ في عام 1941، بعد ذلك كانت أريتريا تُدار من قبل الإدارة العسكريّة البريطانيّة حتّى عام 1952.

   بعد قرار الجمعيّة العامّة للأمم المُتّحدة في عام 1952، كانت أرتيريا تحكم نفسها بنوع من أنواع الحكم الذّاتيّ ببرلمان أرتيريّ محليّ، أمّا الشّؤون الخارجيّة والدفاع هي من اختصاص حكومة أديس أبابا المركزيّّة؛  فإنّه محتوم على أرتيريا أن تكون ضمن  اتّحاد فيدراليّ مع أثيوبيا لمدة 10 سنوات. لكنّه في عام 1962 ألغت أثيوبيا البرلمان الأرتيريّ، وضمّت أرتيريا رسميًّا.

   لكن الأرتيريين دافعوا عن استقلالهم بوسائلهم المُتاحة، منذ الإطاحة بالإيطاليين في عام 1941، توقعوا ما هو قادم، ثمّ شهد عام 1960 أوّل تأليف لجبهة تحرير أرتيريا بين العمال والطلبة في القاهرة، وانتقل نشاطه في العام التالي إلى المرتفعات الأرتيريّة إثر الانتفاضة التي قادها (حامد إدريس عواتي).

وفي العام  1\سبتمبر أيلول \ 1961 مرحلة الكفاح المسلح. مع بضعة مُقاتلين يحملون بنادق إيطالية عتيقة، وقد تبنّت الجبهة تلك الانتفاضة؛ لتحوّلها في مدى سنوات قليلة إلى ثورة مُسلّحة مُنظّمة؛ تهدف للاستقلال الوطني الكامل عن طريق الكفاح المسلح، وانطلقت الجهود السياسية والدبلوماسية في الخارج، لكسب الدّعم والاعتراف العربيّ والدّوليّ، تأسّست رسميّا جبهة التحرير الأرتيريّة. واختار المؤسّسون المناضل (إدريس محمد آدم) أوّل رئيس للجنة التنفيذية للجبهة. 

سأتوقف في هذه الأمسية بين علمين روائيين هما (حجي جابر وهاشم محمود) كنموذجين لكاتبين كعلامة فارقة في الأدب العربي الأرتيريّ،   وقفتي الأولى مع الكاتب العربيّ الأرتيريّ (حجّي جابر)، هذه القامة الأدبيّة المُميّزة بفعلها الثقافيّ من خلال أعماله الروائيّة العديدة، ولا يزال الواقع هو المنجم الأساسيّ للأدباء؛ ليجتهدوا في استخراج موادّهم، وتشييدها بتقنيّات السّرد الروائيّ.

 

هوية رواية "سمراويت" لحجي جابر:

 *اشتغل "حجّي جابر" على مشروع روائيّ؛ يهتمّ بتسليط الضوء على أرتيريا الماضي والحاضر، الإنسان والأشجار وحجارة الطريق، ويحاول مع بقيّة أدباء أرتيريا إخراج هذا البلد من عُزلته الحضاريّة والثقافيّة وإعادة الاعتبار له في على الخارطة، وهو من مواليد مدينة (مصوّع) الساحلية 1976.

هوية رواية فجر أيلول:

* كما أن الروائي هاشم محمود، وفي روايته (فجر أيلول) يرسم لنا خارطة طريق لتشرج لنا رؤيته للقضية: (منذ عانق إبراهيم حلمه صار باحثًا عن اللّيل في كلّ صدر، وليلُ إبراهيم لم يعرف الخوف أبدًا، ذلك أنه يراه ليلًا وحيدًا ذا نُسخٍ مُتكرّرة، ولا شمس تصلح لكلّ ليل؛ فاللّيل في هذه البقاع لا يعرف السّواد مُطلقًا؛ لأنّ في  جنباته تولد الشّمس، وعذراوات القمر، وفتيان الصّباح) ص11.

أستطيع وصف الروايتين بهذه العجالة:

v    وصف رواية "سمراويت":

ورواية سمراويت هي من وليدة المدرسة الواقعيّة بكلّ تفاصيلها وجُزئيّاتها، وكانت خير عمل أدبيّ صادق للتعبير عن الوطن الحلم (أرتيريا) في ذهن الروائيّ (حجّي جابر)، وهي وثيقة تأريخيّة شاهدة على مرحلة هامّة من حياة الأرتيريّين، ما بين الاحتلال الإيطاليّ والأثيوبيّ، ونشوء (جبهة التحرير الأرتيريّة) التي اجتمع تحت رايتها المقاتلون، ووقف خلفها الشّعب الأرتيريّ بفئاته المُختفة خلفها بكافّة إمكاناته الماديّة والمعنويّة. الصّراع الحضاريّ بين عرب وأحباش، وهو ما عبرت عنه الرواية:

-(إنّ الثقافة العربيّة والإسلاميّة في أرتيريا، والقرن الأفريقيّ، هي ثقافة مؤسّسة منذ أكثر من ألف عام في هذه المنطقة، وليست جديدة، بل عميقة الجذور) ص١٧٢.

-(أنّ الدول الكبرى لا تريدنا، لأنّ الصّراع يدور حول مسألة العروبة، وخاصّة عروبة البحر الأحمر) ص١٧٢.

-(عروبتنا في أرتيريا هي مصيبتنا، ولكنّنا قابلون بها، ولا نرضى عنها بديلًا، نعتقد أنّ مسألة العروبة في أرتيريا هي الأساس، لأنّه لولاها، لمل كانت حاجة للثورة أصلًا) ص١٧٠.

-(أنّ أرتيريا المُستقلّة في ذلك الموقع الاستراتيجيّ الهامّ، وهي مع العرب اليوم، وغدًا وبعد غد، وسوف يكون لها دورها في الشدّ على عنق العدوّ الصهيونيّ) ص١٧٢.

*من خلال إحصائيّة قمتُ بها بتعداد هذه الفصول؛ فكانت بلا الخاتمة ثلاثين فصلًا، وهي إن جاءت بقصد من الكاتب، أو غير ذلك؛ فلو عرفنا أنّ الثورة الأرتيريّة استمرّت على مساحة ثلاثين عامًا، فكانت دلالة الفصول ذات معنى عميق.

*الفصول الثلاثون لم تكن تحمل أيّه عناوين أو أرقام تفصل بينها، بينما جاءت اقتباسات من أشعار الشّاعريْن السّعوديّيْن (محمد الثّبيتي) و (محمد الشّيخ)، بالتناوب في كلّ فصل لشاعر مختلف عن الذي يليه، توظيف جميل وموفّق باختيارات الكاتب الذكيّة، وهي كانت تُعبّر على روح الفصل المُتصدّرة له.

*الرواية عرضت الكثير جزءًا وافرًا من أسماء قادة الفكر والفنّ والثّقافة والثورة ومؤسّسيها، وتسليط الضّوء على مُنجزاتهم باقتضاب شديد، لاتّسع الموقف للمزيد، بل هو دافع للقارئ للبحث والتنبيش عن المزيد من المعلومات للاستزادة معرفيًّا.

*عرض توثيقي للأماكن في أرتيريا من خلال رحلة البطل (عمر)، فكان الوصف موفّقًا للأماكن العامّة في أسمرا والمُصوّع، أسماء الشوارع والفنادق والحدائق وحركة النّاس، وطرائق عيشهم.

*سلّطت الرّواية الضّوء على كثير من التراث الماديّ والمعنويّ الأرتيريّ. من هنا تأتي أهميّة الرّواية (سمراويت) على أنّها وثيقة خاصّة أثناء العرض الشيّق المُتوازن لمرحلة ما بعد الثورة، وهي مرحلة الحكم جبهة التحرير الأرتيريّة، ما بين مُؤيّدي الحكم والمُعارضة، بحيث أنّ ديمقراطيّة الكاتب (حجي جابر)، عندما وقف على مسافة واحدة من الطّرفيْن؛ عندما أفسح المجال للرأي والرأي الآخر بالظّهور، وهو ما يعني حياديّة الكاتب، وخروجه من العمل كروائيّ مُسيّر للحدث، وترك الحديث والصّراع ما بين أبطاله، كلّ يُدلي برأيه دون خشية أو مُواربة في الدّاخل أو الخارج.

*الأمر المُهمّ تسليط الضوء على الفساد وترهّل الأنظمة الفاسدة في القيادات الحاكمة، وفي المُعارضة، بعين ناقدة ناصحة ترتجي الخير من هذا، ولم ذلك بقصد التّشهير بأيّ طرف على حساب الطّرف الآخر. وهناك مقولة في هذا المجال: (ثوريّو الأمس هم رجعيّوا اليوم)، وفي هذا المجال تتساوق الرّواية (سمراويت) مع رواية (ذاكرة الجّسد) للروائيّة الجزائريّة (أحلام مُستغانمي)، حينما انتقدت مُخرجات الثورة الجزائريّة، والنّخب التي حكمت مرحلة ما بعد انتهاء الثورة، والعودة إلى الحياة المدنيّة وبناء الدّولة المُفترضة بنهج العدالة وتكافؤ الفُرَص.

*نقطة أخيرة تُحسَب للروائيّ (حجّي جابر) بتوجيه بوصلته باتّجاهها الحقيقيّ الأصليّ نحو فلسطين، القضيّة المركزيّة ووضعها على سُلّم الأولويّات.

v   وصف رواية "فجر أيلول":

   أ-ابتدأت رواية فجر أيلول، من قصّة حُبّ تكلّلت بالزواج، بين شابٍّ مُسلم و(إبراهيم)، والبنت (ترحاس) المسيحيّة المختلفة دينيًّا عنه في محيطه الأرتيريّ ذي التقاليد والأعراف التي لا تقبل بسهولة مثل هذه الزّيجات المختلطة. و(لا فتى من دون ترحاس، ولا ترحاس من دون إبراهيم) ص14. و(يبتسم العاشقان في خجل بريء، ثمّ يتواريان خلف قلبيّهما المُفعميْن بالأحلام، قبل أن يُباركهما صوتان، تزامن صدحهما في نوبة عِشقٍ حُرّة.. جرسٌ وأذانٌ، وبينهما جسدان منذوران للحياة) ص14.

   ب- الحروب الطّاحنة لم تتوقف منذ فجر البشريّة، ما إن تتوقّف في مكان، حتّى تشتعل نيرانها في مكانٍ آخر، بآثارها المُدمّرة للبشرية والكون على كافّة الأصعدة والمُستويات، ومُخرجاتها القذرة التي لا تندمل جراحاتها إلّا بمرور أجيال، وتبقى ذكرياتها الأليمة تقضّ مضاجع الطمأنينة والهدوء والسّعادة. وللتدليل على حالة الحرب في الرواية على سبيل المثال: 

-(هذا الشّيطان مملوء النّار، مُتعطّش إلى الدم.. هذا الشّيطان أراد أن تكون أرضنا جسرًا يعبر به إلى البحر باحثًا عن الجنّة) ص19، وهو إشارة رمزيّة للاحتلال الأثيوبيّ بدولته القاريّة، أراد أن يُطلّ على البحر الأحمر في ميناء (مُصوّع) من خلال احتلال أرتيريا.

-و(لم يتغيّر إدريس -بن إبراهيم وترحاس- كثيرًا عن صباه، كان يمسك بالورقة والقلم؛ فيصنع شِعرًا مُضحكًا عن أولئك الشّياطين الذين غزوا بلاده، يسمع من أبويْه بالمجازر التي ارتكبوها بحقّ الأرتيريّين) ص27.

- و(يتذكّر إبراهيم مذبحة عونا، وكيف رسمها ابنه إدريس على قطعة من الكارتون المقوّى، وعنونها بـ"شارون الحبشيّ") ص28.

-و(يتعجّب الرّجل أيضًا كيف ربط ابنه الصّغير بين المجزرة الأثيوبيّة بحقّ هذه القرية عونا، وبين صبرا شاتيلّا، التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيليّ في 16 سبتمبر من العام 1982) ص28. هذه الفائدة من الروائية بصدقها التوثيقي، لتكون ذاكرة الحاضر للمستقبل، وسجلًّا وثيقًا لا جدال ولا خلاف بشأنه. وما حياة شعب إذا ضاعت ذاكرته، ومقارنة بين احتلاليْن متشابهين بهمجيّتهما في القتل والتدمير.

-و(هل ينسى التّاريخ ما ابتلينا به من تغوّل هذه الطّغمة الدمويّة؟، إنّها خناجر مغروسة في قلوب أخل هذه البلاد، ولن تُفلح حِقَب السّلام، وابتسامات الدّبلوماسيّة اللّزجة في محو نُدُباتها) ص28.

-و(ما الفرق بين "عونا" و"صبرا وشاتيلّا"؟. 12 عامًا تفصل بين المذبحتيْن، لكنّ السّفّاحين كلّهم ملّة واحدة، تجمعهم شراكة القتل والإبادة، وشهيّة الاحتلال) ص29.

-و(كلّ أتباع الشّيطان يدينون بهذا الدّين، ومنهجهم "اُقْتُل، ولا تترفّق بأحد"، ثمّ اِزْرَعِ الأرض بالدّيناميت حتّى تُطهّرها) ص29.

-و(عندما تدينُ لك البِقاع، اِجْلس، واستمع إلى أنّات الثّكالى، وعويل الأطفال، وفكّر بالسّلام المُزيّف، ثمّ صافح المنهزمين بمخالبك، وأنتَ تزهو بأنّك إمبراطور فرش الأرض بالجُثث، ورقصَ فوقها كغراب) ص29. صورة بشعة للحروب، وللسلام الزّائف، من دعاوى السّلام التي تشدّق بها مرارًا الإمبراطور الأثيوبيّ هيلاسي لاسي، بعد القتل والتدمير والدم الذي غاص به حتّى ذقنه.

 

الخاتمة:

هذه الدراسة أضاءت جانبًا مُهمًّا من الجوانب الكثيرة التي تحتاج للدراسات الكثيرة؛ لتبيان جوانب وإظهارها للقرّاء وهي من جماليّات الرّواية، أعتقد جازمًا أن ليس هناك عملًا كاملًا تمامًا، وإنّما هي مُقاربات وتقاربات لقضايا، يطرحها الكاتب للتوثيق، أو للفت الانتباه للخلل، وليس مُكلّفًا بإيجاد الحلول، بل هذه وظيفة السياسيّين والمُصلحين والفلاسفة والقادة بالسّعي بحثًا عن الحلول لما فيه خير مُجتمعاتهم.

   رُؤيتي هذه لجوانب من الرّوايتين، مُؤكّد أنّ هُناك الكثر ليُقال عنها، لعلّي صنعتُ مُقاربة مع روح الرّوايتين كنصٍّ أدبيٍّ، تذوّقتُ جماليّاته، واستمتعتُ ارتياضًا في دوحته، وعشعشت في روحي جاذبيّة المكان الأرتيريّ، بإغرائي لو تُتح لي الذّهاب إليه.

وكنتُ سأتمثّل بانتقالاتي كما فعل (عمر) بطل رواية "سمراويت"، لأرى "سمراويت" هناك في أيّ من مقاهي أسمرة أو مُصوّع، وأجلس معها على طاولة واحدة، وأحتسي فنجان قهوتي، وعَيْنّيّ مغروستيْن في عينيْها؛ لأتملّى منهما ارتواء، وأجبرها على الثرثرة بلغة التّغْرِي بما تعرفُ من كلمات أو عبارات؛ لأستمتع بلكنَتِها الجميلة كما حكاها البطل.

سمراويت رواية مُثّقفة قدّمت جُرعة عالية الجودة، تحثّ على البحث والتوسّع للاستزادة عن مناطق الأطراف العربيّة التي نجهل الكثير من تاريخها القديم والحديث، وجغرافيّتها، وطرائق العيش انتقالًا ما بين حياة الأمس واليوم.

أمّا رواية "فجر أيلول" أظهرت الرواية مهارة الكاتب الروائي (هاشم محمود)، وسعة اطّلاعه التاريخيّ، وإلمامه بقضيّته الأرتيرية والقضايا العربيّة، بعمل مزاوجته وإسقاطاته ما بين تشابُه القضايا، ما يجمع بينها، وأعجبني أكثر ما أعجبني وعيه العروبيّ، ولم يكن همّه الأوحد قضيّة أرتيريا، بل انطلق لقضايا الاستعمار والاستكبار العالميّ، وما واجهته فلسطين  ولبنان من ويلات الاحتلال الاسرائيلي، وتأصيل لقضيّة أرتيريا وربطها بالقضايا العربيّة.

وهناك قضيّة تتشاركها جميع البلاد التي عانت من الحروب التحريريّة أو الأهليّة والطائفيّة،  وهي قضيّة اللّجوء والفرار للنجاة، هؤلاء لم يندمجوا في الأماكن التي ذهبوا إليها؛ إلّا لأنّ الحنين والأشواق تتجاذب قلوبهم بالعودة إلى الوطن، ولكن الوطن بقي حُلمًا جميلًا في مخيالهم، وهو ما عبّر عنه الشّاعر (محمود درويش):  (الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن).

الرّوايتان نقلتا الواقع بعين خبيرة استجمعت الوصف ما بين الحنين إلى كلّ ما بين في الوطن القائم على محمل الذّاكرة على الدّوام عند من هاجر منه، وأصبح لاجِئًا في بلد آخر. وفي الحقيقة أن فصولهما جاءت متناوبة السّرد بوضوح تامّ، بانتقالات لطيفة، ما إن تنتهي من فصل حتّى يُسلّمك إلى الآخر بسلاسة وسهولة بلا تشتّت للذهن.

عمّان - الأردن

22\ 12\ 2021

 

 

 

عمّان - الأردن

22\ 12\ 2021

الاثنين، 20 ديسمبر 2021

رواية مشرد البوسفور

 

إشكاليَّة الوطن

في رواية "مشرد البوسفور". للكاتب "محمد زعل السلوم"

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

من الواضح أن إشكاليَّة الوطن عند "محمد زعل السلوم"، أدّت إلى خصومة عاتبة ليس على جغرافية الوطن، بل هي خصومة الحياة والكرامة الإنسانية المهدورة في الممارسات والإجراءات الدكتاتوريّة الممسكة بخُناق سوريا منذ 1958بمجيء حكم الوحدة، مرورًا إلى عهد الانفصال، وما يليه في 1963من سيطرة العسكر على مقاليد الحكم، وصولًا للمرحلة الحاليّة الأكثر سوادًا وقتامة في التاريخ على الإطلاق.

"محمد زعل السلوم" هو شبيه وطنٍ نُسخةٌ طِبقَ الأصل، يحمل وطنًا في دواخله، مُرتحل معه أينما حلَّ، وهو مُرتحِلٌ بذكرياته هناك في الوطن سوريا، وربّما تركها هناك ليس نسيانًا، بل عن سابق إصرار وتصميم.. لكي لا ينسى. اِرْتحَل محمد عن كلِّ الأشياء التي أحبّها وألِفها، وارتحلت عنه الأشياء جميعها تباعُدًا، مثله كمثل ملايين السُّوريين. أشواقه ترسم لوحة حنين بملامح الدُّموع والابتسامات، عندما أصبح مُشرَّدًا على البوسفور، اشتغل على تثبيتها في عمل روائي.

 

العنوان:

جاء عنوان الرواية من كلمتين هما عتبة الرواية، وهما أوجز الوجيز بدلالتهما على فكرة الرواية عمومًا، وبالتحليل نتوقَّف عند الكلمة الأولى.

*المُشَرَّد.. المُهَجَّر.. المَطْرود من دياره كلّها تدور في فلك المعنى الذي سنتتبّعه من خلال اللّغة: (شَرَّدَ - فعل- و يُشرِّد، تشريدًا؛ فهو مُشرِّد، وشَرَّدَهُ: طرَدَهُ وتركه بلا مأوًى، تَشَرَّدَ أَهْلُ القَرْيَةِ: تَفَرَّقُوا، تشرّد بين الأزقّة والشّوارع: تسكّع. شَخْصٌ مُتشرِّد: لا بيت له ولا وظيفة، يتجوَّل بدون هدف مشيًا على الأقدام، قائمًا بأفعال غريبة أو سائلاً الناسَ لكسب معيشته) قاموس المعاني الإلكتروني.

*(البوسفور) ممرّ دوليٌّ يقع في اسطنبول. تركيّا. (البوسفور أو مضيق إسطنبول يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويشكّل مع مضيق الدردنيل الحدود الجنوبية بين قارّة آسيا وأوروبّا، ويبلغ طوله 30 كم، ويتراوح عرضه بين 550 متر و3000 متر). مصدر ويكيبيديا.

مُشرّد البوسفور:

هو "محمد زعل السلُّوم" شريد العواطف وذكريات الطفولة المغروسة في رُبى هضبة الجولان المُحتلّ منذ عام 1967. تشريده الأوّل من دياره على يد عدوٍّ مُحتلٍّ غاصبٍ. واليوم يُعيد سيرة التشريد من جديد على يد أبناء الوطن. عند هذه النُّقطة تتساوى العداوة والكراهة والمعارضة للعدوّ ولبطش الدكتاتور.

التشريد سِمَة العصر، والمُشرّدون طوائف مختلفة من البشر على العموم. وماذا لو كان المُشرّد شاعرًا وروائيًّا، ومُترجما وباحثًا ك"محمد زعل" ، لا شكَّ أنّه سيكون فيلسوفًا بامتياز. وفي مثل حالته سأُطلق عليه فيلسوف المنافي، أو الفيلسوف المُشرّد، وهو ملموس في رُؤاه المُثبتة في روايته "مُشرَّد البوسفور".

بالتوقُّف عند مقولة: "محمد الماغوط" في وصفه ل"زكريا تامر": (بأنّه مطرقةَ من حديدٍ في وطنٍ من فُخّارٍ)،ص35.

ولعلَّ "محمد زعل السلوم" بتأمّلاته الفكريّة المُعمَّقة، وهو يقف ذات مساء على حوافّ بوّابة الشرق البوسفور حالمًا بالحريّة؛ استذكر سبب تسميته في التراث اليوناني: (وهو ممرُّ البقرة، وذلك نسبة لحكاية أسطوريّة قديمة، تقول: أنّ "الإله زيوس" حوّل محبوبته "أيبو" إلى شكل بقرة؛ خوفاً عليها من غَيْرة زوجته؛ فعلمت زوجتهُ بذلك؛ فسلّطت عليها ذُباباً؛ فهربت منها "أيبو"، وعبرت هذا المضيق، ولذلك سُمِّي "بوسفور" المشقّة، والكلمة مُشتّقة: من كلمتَيْ (بوس) وتعني البقرة، و(هوروس) يعني المضيق، واجتمعت الكلمتان بمفردة واحدة (بوسفور). مصدر ويكيبيديا.

تأكيدًا لذلك، أعتقد أنّ الجغرافيا تفرض شروطها على الحياة عمومًا، ومن هنا فإنّ رواية "مُشرّد البوسفور"؛ فالمكان بتاريخيّته القديمة؛ فرض فكرة الشّرود والتشريد منذ عصر آلهة اليونان القديمة، وشرود "إيبو" معشوقة "زيوس". والسلّوم ليس ك"زيوس" باحثًا عن عواطف ورغبات، بل هو ساعٍ؛ لمتابعة طريق الحياة الممتدّ من دمشق إلى البوسفور، من باب الجابية إلى بوّابة العبور إلى بلاد الشِّمال الوفيرة بكلّ شيء.

 

وصف الرواية:

"مشرّد البوسفور" رواية منتمية إلى الواقع بجميع تفاصيلها، وتُصنّف في خانة أدب الثورة السوريّة 2011، وأدب اللّجوء المصطلح الجديد لشيوع الحروب واللُّجوء على نطاقات واسعة، وجاءت في سرديّتها كجزء من ذكريات كثيرة، الذّاهبة باتّجاهها الشخصيّ؛ لتظهر بملامح سيرة ذاتيّة للكاتب، وهو الرّاوي الأساسيّ للأحداث في الوقت الحاليّ، جاءت على محمل الذكريات، واسترجاع للماضي في جزء كبير منها، وهو توثيق دقيق بانتقائيّته للتفاصيل بما يخدم هدف الرواية العام.

كما أنّ الرواية جاءت على شكل لوحات مُتموضعة كلّ منها تحت عنوان دلاليّ لكل منها، هذه اللوحات متباعدة زمانيًّا ومكانيًّا ذات أبعاد ثقافيَّة، دالة على تجذُّرها في أعماق الروائيّ.

للقارئ أن يذهب بتفكيره بداية إلى عدم تجانس هذه اللَّوحات في بناء تراتُبات الرواية، وبوقفة بسيطة يتبيّن أنّ رابطها الأساسيّ ما جادت به الذاكرة، ومن ثمّ الرَّاوي (الكاتب نفسه) كونها سيرة ذاتية. هذه العوامل هي ما جعلت اللّوحات تتقارب وتتلاصق بشدّة لملء الفراغات؛ لتنتج عملًا روائيًا متناسقًا يتقاسم الحياة والفنون والتاريخ والفنون.

لغة الرواية سلسة غير مُجهدة للقارئ "اللّغة البيضاء" الأقرب للمتداول على ألسنة الناس عُمومًا. وتوصف أيضًا بالرواية المثقّفة، لانتقالاتها الكثيرة بين لوحة وأخرى، وتفاصيل كل لوحة من مقابلات ومعارف وقراءات وشعر وأساطير وصحافة وإعلام.

المكان الذي رُويت فيه أحداث الرواية مدينة "استانبول"، تزاوج السرد بتعانق محبة امتدّ من دمشق إلى استانبول. واتضح من الأحداث الربط التاريخي فيما بين الشام واستانبول، من الوشائج والروابط المتينة الجامعة لمكوّنات الأمّة العربيّة والإسلاميّة.

 

إشكالية الوطن:

ما الحاجة إلى وطن لا أنام فيه بأمان بملء عينيَّ، هاجس زُوّار الفجر سيطر عليّ، ما حاجتي إلى وطن مُعفّش بأيدي حُماته، الذين تركوا حماية حدود الوطن ساحة فارغة للعدوّ الإسرائيليّ، إذا كان رغيف الخبز صعب المنال في وطني، فأصبح شحّادًا على جميع بُوّابات العالم. وإذا فقدت الأمان في وطني؛ فسأبحث عنه في أي بقعة من هذا الكون الوسيع. هذا هو لسان "محمد زعل السلوم" مثله مثل كلّ السُّوريّين الذين فرّوا للأسباب الآنفة الذكر. وللقارئ بعض الاقتباسات من رواية "مشرد البوسفور"؛ المغنية بدلالتها الدقيقة على إشكاليّة الوطن فيها:

-(إلى زهور الزنبق التي عرفتها من ذوي الفضيلة العظيمة، إلى كلِّ من أحببت وأحبُّ، وسأحبُّ فأنت ميِّت ميِّت، وأنا ميت ذلك أقول لك ميت أو ميت ومع فأنت حي مزروع في ذاكرتي فلا تدعوا أحد أن يدفعكم على الصراخ ولا تدعوا أحد يصرخ فحتى تنالوا المجد كونوا مشغولين، وأشغلوا أنفسكم بما هو خير لكم لا تُضيِّعوا أوقاتكم، إنَّه ببساطة المجد ... كونوا مجانين إن كنتم صغار أو كبرتم ابقوا أطفالا، ومهما قيل أو سيُقال: كونوا أنتم بعيداً عن البلاهة السوداء والظلامية، تابعوا حياتكم، وأنعشوا آمالكم المقدسة... اذهبوا وعيشوا، أو موتوا في مساحات الأمل)ص14.

-(أرفض الطاغية الموجود في داخلي، وكأنَّ سوريَّا كلمة ترتبط بكلمة طاغية، ولكن ذاكرتي أيضًا ترتبط بعيون الشام الجميلة التي لا تفارق وجداني الكليل حين تستعيدها ذاكرتي طبعا دفنت مستقبلي في بلدي واعتبرته وطن العار والمقتلة التي لا تتوقف والعجز الدائم وعدم الفائدة أو الجدوى من تغييره لا اليوم ولا بعد عقود وحتى أجيال، فهي بلاد ميتة لا يمكنني إمساكها ولا نفض الغبار عنها) ص18.

-(فأنا بالفعل خارج نفسي أحاول كتابة شهادة حقيقية عن ظلام دامس حل في نفوسنا ومسار غير واضح ومهلكة دمرت ذروة فرحتنا في أقبية معبد افتقد للشرف لا أطيع إلا ذاتي غيرت بوصلتي وغامرت في محنتي مثل ملايين السُّوريِّين، فلكلّ محنته الخاصَّة معي، ومع كل نيَّة طيِّبة، لتفسح المجال أمام قوَّة الطبيعة البشريَّة في البحث عن أمل في صناعة وطن لا يرتبط بأرض ولا بشر) ص20.

-(إنَّها الحاجة لاقتراف جريمة الحياة مودِّعين آخر ملامح الموت، وقد رسمت على وجوهنا الشَّاحبة ما تمزَّقَ في داخلنا، بحيث لم يعُد بالإمكان الشِّفاء ممَّا تمَ فصله وانتزاعه منَّا، وكأنَّ قوافل اللَّاجئين السُّوريين تُنشِد "الهابانيراس" كالجنود الإسبان، الذين خسروا أرضهم الموعودة؛ ليعودوا للأرض بعد تحليق، ويعودوا لإسبانيا، وهذا الحزن والشَّجن، وقد تحوَّلنا لجُثَث مُتحرِّكة و"زومبي"؛ فقط يبحث عن اللَّاشيء بلا روح؛ فهذا ما يريده أعداؤنا أعداء البشر جميعاً، الطُّغاة والقتلة اللُّصوص والسرَّاقين المُتسلِّقين والانتهازيِّين. نحن نعيش ونستمتع بحياتنا، ونصنع ما نريد لأنَّنا خُلقنا أحرارًا، وسنعيش أحرارًا، ونموت أحرارًا، وكما هَمَسْتني حبيبتي الإيطاليَّة بعبارتها "لافيتا دولتشي" نعم "لافيتا دولتشي"، وليذهب الطاعون للجحيم) ص24.

- (اتَّفقنا أن نبتعد قليلًا لنشتاق، لكننا نسينا أن نعود) ص28.

- (وتُذكِّرني القصة. بمقولة محمد الماغوط في وصف زكريا تامر (بأنَّه مطرقةٌ من حديد في وطن من فخَّار)، فأوطاننا تشبه قطعة الادلين الفرنسية، رغم أن الفران التركي أنكر فرنسيتها وأن اسمها (بيزديه) مع تفتيلة شوارب واعتزاز وشهيق رافع للصدر وانتفاخ رئوي، ولكن من لا يعرف مادلين؛ فطعمها يشبه القباقيب التي كنا نبتاعها من سوق الحميدية، لكن قباقيب الشام أمتن وأمكن؛ فيجب أن تكون أسنانك مطرقة حديدية بالفعل لقضمها مع أنه  قبقاب، يشبه "قبقاب غوار" الذي خان الضمير الإنسانيّ لكلّ سوري منذ انطلاقة الثورة السورية، وانحاز لمذهبه الدمشقيّ الشّيعيّ في دعم طاغوت دمشق. لكنه صناعة وطنية وأقصد القبقاب، کما تغنّى بهذي العبارة أيمن رضا بإحدى مسلسلاتنا السّوريّة التي لا تنتهي) ص35+36.

- (وبالفعل تمكنتُ من التأكُّد، وكعادتي في هواية الضياع) ص38.

- (كلاب بلادي أجبرتني على الركض أمامها طوال الوقت إلى أن تخلصت من فوبيا الكلاب) ص40.

-(فالسلطة لدي محرد قرف شعارات مجوّفة، وترف تصرفات زائفة وفارغة ... أفضل الحرية؛ لأفكر والراحة الأكبر لأكتب) ص45.

-(بعض المِزاجيِّين يستحكمون في هذه الآلة الرَّهيبة، والكثير من اللُّصوص والفيتامين واو، ومُنَزِّلات السَحَّابات ورافعات السِّيقان والمُطُوبْزين للدُّولارات ...) ص48.

 

الخاتمة:

الخاتمة لا أعني بها النهاية؛ فالطَّريق ما زالت طويلة لم يبلغ السوريُّون برّ الأمان، ولم يبلغوه في ظلّ مؤامرة عالميَّة بين الشَّرق والغرب المُعادي لقضايانا العربيَّة والإسلاميَّة العادلة.

"محمد زعل السلّوم" لن أقول عنه إلا أنَّه الوجه الآخر المُشرِق للوطن سوريا. مهجوسٌ بالرَّفض لكلَّ ما يمسّ الوطن، خرج مُكرهًا من دمشق، ليعيش أجواء الحريَّة في إيصال صوته للعالم أجمع، مُحاولًا شرح قضيَّة شعبه العادلة الثائرة في وجه الظُّلم، والدكتاتوريّة الجاثمة على صدر سوريا، والانحياز الواضح للكرامة وحقوق الإنسان السّوريّ وغير السّوري في هذا العالم المُترامي الأطراف.

 

عمّان – الأردن

20/ 12/ ٢٠٢١

 

 

 

الأحد، 12 ديسمبر 2021

رواية ملابس عسكريَّة

 

 

المُفارقات السُّلوكيَّة في رواية "ملابس عسكريَّة"

للروائيِّ- عصام أبو شِندي. الأردنّ

 

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

الأعمال الروائيّة عُمومًا مرآة عاكسة للواقع، ومن خلالها يستطيع القارئ رسم المشهديّة في ذهنه بكافّة أطيافها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، برصد المُفارقات الصغيرة وغير المرئيّة، والمسكوت عنه ليس لإثارة المشاكل والنَّعرات والخلافات، بل بلفت الانتباه من أجل إصلاح، أو تعديل مسار، وتقويم سُلوك. الرواية تطرحُ الأسئلة، وهُناك من هو مطلوب منه الإجابة، والعمل على الإصلاح.

الجانب التربويِّ ذو البُعد الأخلاقي في رواية "ملابس عسكريّة" اتّخذ خطًّا ظاهرًا واعيًا مُترفّقًا بالطّرح، ولم يذهب الروائيُّ إلى المنهج الخطابيِّ الوَعظيِّ، عندما أشّر بعين المُعلّم والتربويّ والمُربّي، وليس بغريب هذا الكلام عن الروائي "عصام أبو شندي"، خاصّة إذا عرفنا أنّ عمله في ميدان التعليم في المدارس، ومادّته هم الطُّلّاب. لذلك كان يُلامس بحذر شديد هذه القضايا الحسّاسة بمُقاربات مُلتزمة الخطّ الأخلاقيِّ، بعيدًا عن الإسفاف والهُبوط دَرَكَات من هبطُوا إلى ما دون المُستوى الأخلاقيّ من خلال السّرد الروائيّ.

جغرافيا الرّواية انطلقت من بيئة المدينة الثَّانية "الزرقاء" في الأردنّ من حيث الكثافة السّكانيّة، وتنوّعها بخلائط بشريّة مُختلفة المنابت والأصول؛ فشكّلت مُجتمعًا متعايِشًا مُتآلِفًا مُتناغمًا مُتنوِّعًا، بأبعاد ثقافيّة صبغته باحترام خصوصيّة الآخر، هذا الثراء خلق حالة اجتماعيّة فريدة.

ومن ثمّ انطلقت رواية "ملابس عسكريِّة" إلى بيئة مُختلفة تمامًا، خارج خارطة التفكير المُعتاد، انطلاق من المدينة إلى الصّحراء لفتح باب رزق جديد لأحد أبطال الرواية. من الزرقاء المدينة ذات الثِّقل السُكّانيِّ ، وكما يُقال: "الرزق عند تزاحُم الأقدام"، يبدو أنَّ التزاحُم الشّديد، وكثرة العرض وقِلّة الطَّلب، دفع به إلى منطقة "الصّفاوي" التي تقع إلى الشرق من مدينة "المفرق" مركز المحافظة، قرابة السّبعين كيلومتر، قريبًا من حدود العراق والحدود السّوريّة في هذه المنطقة، وهي جزء من صحراء بادية الحماد القاحلة، وكتجمّع سُكّاني فلا يتعدّى من يسكنونه الثلاثة آلاف شخص أو يزيدون قليلًا، وهم بغالبيّتهم من البدو الذين يمتهنون رعي الإبل والأغنام والماعز، ربّما ما نشّط الحركة التجاريّة فيها، مرور الخطّ الدوليِّ القادم من بغداد.

كلّ ذلك قريبًا من بيئة الروائيَّ "عصام أبو شندي" في مدينة "الخالديّة" التَّابعة بدورها إلى محافظة المفرق. وهو ما يأخذنا إلى عوالم الروائيِّ اللّيبيّ "إبراهيم الكوني" أديب الصحاري وعاشق الرّمال، الذي صنع منه آيات جماليّة أضاءت فيافي الصّحاري الغامضة، من خلال أعماله التي أخذت عاشقي القراءة إلى هذه العوالم في رحلة خياليّة، لكنّها إضافة معرفيّة لدواخل بواطن الصّحراء وواحاتها وشعوبها. هذه التشابكات المُتشابهة خلقت عوالم جماليّة، ودليلًا معرفيًّا جُغرافيًّا.

 

نماذج بعض السُّلوكيات:

1-تلوّن السّلوك بين الظاهر والباطن:

الشاب المتدين في الظاهر، يلك هذا الطريق بعد خروجه من السجن، وهو يعمل في مطعم في مدينة الزرقاء. لكنه فاسد ومنحرف له سلوك باطن مختلف تمامًا؛ فهل يجتمع فساد وصلاح في نفس واحدة سويّة، فإذا كان ذلك فلا بد من الحكم بأن هناك مشكلة نفسية بحاجة لمعالجة إذا أمكن ذلك، مؤكد أنه شخص غير سوي بكلّ المعايير الأخلاقية المعروفة. ولكن من خلال المتابعة، نجد أن الانحراف باتجاه التدخين والسرقة والمخدرات والخمر. مستنقع قذر يقع فيه الشباب.

-(خبرت معشر النساء في هذه البلدة جيدا؛ فإن تمنعت الفريسة التي أهم باصطيادها عن الاتصال بي بالفيديو، واكتفت بالاتصال أو الدردشة كتابة؛ فهي في الأغلب من ساكنات هذه البلدة) ص6.

-(عادت رسائل الواتس أب للظهور مرة أخرى في جوالي صوفيا وهذا الاسم هو الذي اخترته لها، لأن علاقتي بها لا تزيد عن ساعات فقط، كتبت لي في أولاها : من؟.  - أين أنت ؟) ص9.

-(السنوات توالت وبدأت الصفة الأبرز في شخصيتي تنضج وهي الفشل )"، فمنذ التحاقي بالمدرسة وأنا فاشل في دراستي وفاشل في علاقاتي مع زملائي ومع المدرسين وعلاماتي متدنية وعلاقاتي مع زملائي سيئة، اعتدت على سرقة مصروفات زملائي من المال من حقائبهم وجيوبهم، وما وجدت حلفا من أحلاف الشر إلا وانخرطت فيه، مرة أقع ضحية شقاوتي فأنال عقابي من الإدارة والمدرسين ومرة، أنجو، وما أكثر ما تعرضت للعقاب جلدا وشتما وطردا . ومع بلوغي مرحلة المراهقة انخرطت في فريق جديد من فرق السوء، ذلك أن أحد الرفاق دلنا على متعة جديدة وهي لف نوع من السجائر، في البداية ظنناها سجائر تبغ، ولكننا مع استمرار مشاعر اللذة وتماديها في المراحل القادمة اكتشفنا أن ذاك الشيء ليس تبغا بل حشيشة، هي شكلها التبغ ولكنها حشيشة، ومن الطبيعي أن يلاحظ الأهالي في البيوت اختلافا على طباع أولادهم المراهقين المنغمسين في مثل هذا النوع من الرذيلة، أولاد صغار قد يصل الأمر بالواحد منهم أن يكون مصدر أذى في بيته) ص10-11.

-(تقاطر الناس متجهين إلى المسجد بعد أذان المغرب، فقمت ودخلت إلى الشق الخلفي من مطعمي الذي سميته باسمي " مطعم الشيخ زهدي " والجزء الخلفي منه مفصول عن الجزء الأمامي بحاجز خشبي وبينهما باب خشبي يشكل جزءا من الحاجز، والجزء الخلفي هو منامتي التي أنام فيها بعد الانتهاء من العمل) ص12.

-(قضيتُ حاجتي، وتوضأت وأنا أنظر في المرآة إلى وجهي ولحيتي السوداء والعلامة الداكنة في وسط جبهتي التي أكرمني بها ربي بعد توبتي) والتزامي بديني، علامة تقوى من الله بها علي ولا ريب، ومن ثم مددت سجادتي على البرندة أمام المطعم وطفقت أصلي المغرب وأنا أستمع إلى صوت الإمام وهو يصلي في المسجد المجاور، ثم انقضت الصلاة، وعاد الناس إلى أعمالهم) ص12-13.

 

-(صديقي أمين لا يبعد عني في الشكل، وأقصد بالشكل المظهر الخارجي، فقد تعرفت عليه في المطعم الذي كنت أعمل فيه داخل موقف الباصات الرئيس في مدينة الزرقاء، فكانت صحبتنا صحبة مشايخ نعتمر الثياب القصيرة ونطيل لحانا ونضع الطواقي البيضاء على رؤوسنا، ونحضر دروس تحفيظ القرآن والأحاديث وعلوم اللغة العربية في مجالس العلم في مدينة الزرقاء، كان ذلك في الفترة قضيتها هناك في الزرقاء قبل قدومي إلى الصفاوي وافتتاحي لهذا المطعم) ص 13.

-(فما إلا ساعة حتى ملأنا الأقداح لتتحول إلى كؤوس ممتلئة خمرا، فشربنا منها وشربنا حتى تضاعف الضغط على الأمعاء، عندها راح شاكر) هذا يفرغ لنا ما في جوفه من شكوى من زوجته وتسلطها عليه الذي يصل إلى حد الضرب أحيانا، ونحن نضحك، وأنا على ثقة أنني وأمين وفهاد وسلمان لم نضيع تركيزنا ولا عقولنا بسبب الخمر، أما شاكر هذا فيبدو أنه جديد في هذا الكار، حتى إنه أظهر خوفه من أن ينال جزاء قاسيا من زوجته بسبب سهرته هذه معنا، الأمر الذي أدخلنا في موجة جديدة من الضحك والسعال)ص15.

 

2-العسكري على حدود الوطن:

أ-فعلة اللّواط: المشينة المُنافية للأخلاق والأديان والعادات والتقاليد، بفعلها المشين، وخاصّة من رجل حارس لحدود الوطن، مرة بصفة فاعل، وأخرى بصفة المفعول به. الضحايا لا ينسون آلامهم أبدًا، تبقى تحفر دواخلهم بامتعاض وندم وأسف وخيبة أمل مدى حياتهم.

-(اسمع يا هذا، أريد أن أفتح لك الباب لتخرج وتأخذ حماما تنشط به جسمك وتنظف به جثتك العفنة، لكن إن أتيت بأية حركة غدر فسألحقك بالجيفة التي تركناها هناك.. وأشار بيده، ففهمت من كلامه أنه يقصد بلفظة " الجيفة " صديقي أمينا، فشعرت بوخزة ألم في صدري، ولم ينتظر الرد مني حتى استدار وفتح الباب وتنحى جانبا مفسحا الطريق لي للخروج من االغرف) ص48- 49

-(وصل الأمر إلى مرحلة امتهان ذكورتي ورجولتي بكلام داعر، أحسست بوهن كبير ينتاب جسمي، وقدماي لا تقدران على حملي، وبت أشعر برغبة كبيرة في البكاء) ص51.

-(نزعوا الجزء السفلي من ملابسي وبدأ الضابط في نزع إنسانيتي وكرامتي ورجولتي مني، وعندما بدأت بالفطرة والغريزة أقاوم هذا الفعل، راح يهمزني في جنبي وطرف فخذي خاصة بأداة حادة مؤلمة جدا، فصرت في صراع بين تحمل ألم الأداة الحادة أو القبول بامتهان الكرامة.. نعم إنه صراع الكرامة مع اللاكرامة، صراع الإنسانية مع اللاإنسانية، صراع الإنسان مع الحيوان، صراع النظام والاعتدال والاستقامة مع اللانظام واللااعتدال واللااستقامة .. امتهنت الكرامة وأمسيت في بضع دقائق فاقدا لرجولتي) ص51.

-(ليس لدي من مال لأقدمه رشوة للعسكر، وحتى لو كان لدي مال فهل يصدق عاقل أنهم سيأخذونه مني ومن غيري من السجناء رشوة ) لا أظن إلا أنهم سيأخذونه منه عنوة، ولدى خروجي من دورات المياه مرة شكوت إلى العسكري الذي أوصلني إلى هناك، فقال لي : " عليك بالوبش فقلت له : " ومن الوبش ؟ "، ففهمت من حواري معه أن الوبش هذا أحد العرفاء من السجانين، وما المقابل الذي يمكن أن أقدمه له هو!. نعم فهمت أنها القذارة مرة أخرى .. يا إلهي فإذا كنت قد خسرت كرامتي هناك، فهل علي أن ألوث نفسي في هذا المستنقع مرة أخرى! إن هذا الوبش مستعد أن يفعل لك كل ما تريده مقابل أن تعبث بمؤخرته) ص72.

وحديث أحد الضحايا لصديق له:

-(ما رويته له هو جو التراجيديا، لسوء ما مر بي من مواقف لا سيما بعدما وقعت في أسر سجانينا هؤلاء، حاولت ألا أكذب عليه بقدر المستطاع، وكنت صريحا معه في معظم ما قلته باستثناء ذلك الموقف الذي فقدت فيه رجولتي) ص97.

 

پ-الرشوة: فما الذي يُرتجى ممن هو مؤتمن على حدود الوطن بحراستها، ويتعامل بالرشوة والسرقة.. (دفع رشوة عددا من آلاف الليرات السورية لضابط مخابرات ليتهم محمودا بأنه متعاون مع الجماعات المسلحة، وإذن فقد أفلح ذلك الجار في حرمان العائلة من ابنها الثاني بعد أن  القدر من ابنها الأصغر) ص100.

 

ج-امتهان كرامة الإنسان: عندما وضعوا السجين في حظيرة الحيوانات بلا طعام ولا شراب، وقد اضطرّه للبحث عن بقايا حبوب الشعر في بقايا روث الحيوانات وجمعه، ثم يتناوله، وتنقذ عطشه ماعز رضع حليبها جيء بها من المُصادرات المُهرّبة عبر الحدود، فكان حليبها بديلًا للماء.

-(طفقت أجمع حبات الشع الشعير حبة حبة أو أحشدها بباطن يدي استغرق الأمر وقتا طويلا حتى صنعت كومة استسغتها وأقنعت نفسي أنها خالية من الشوائب ورحت ألتهمها وأطحنها بأضراسي، وما أشد فرحي بها وأنا أجبرها على أن تكون حشوة لمعدتي، حتى وصلت إلى حالة من الاكتفاء وراح ينتابني شيء من .. القرف والتقزز منها) ص53.

-(ثمة فرق بين هذا السجن وذاك السجن عند البئر، ليس فرقا واحدا بل قل فروقا عدة، فهنا يقدمون الطعام لنا نحن السجناء في مواعيد يمكن القول إنها ثابتة إفطارا وغداء، أما العشاء فيمكن أن يجودوا به علينا ويمكن ألا يفعلوا ذلك، فهي مزاجية إذن مزاجية الظالم تجاه المظلوم مزاجية) ص69.

 

 

3- تحويل مدرسة إلى سجن:

في ظروف الحرب تنعكس الرُّؤى وطريقة التعامل مع البشر والأئياء، وتفقد الحياة كثيرًا من معانيها النبيلة، وقِيمَها الأخلاقيّة والروحيّة، وتنعدم الحالة الإنسانيّة عند الكثيرين، وبذلك فلا غرابة ممّا يحصل على كافّة المُستويات الحياتيّة للأفراد والجماعات والمؤسّسات الحكوميّة والمجتمع المدنيّ. وفي مثل هكذا ظرف، أن تتحوّل دور العلم والمدارس والمنابر إلى ثكنات ومتاريس تُداس ببساطير الجنود والعسكر، الذين يدوسون غير آبهين بالحياة أبدًا، وبتحويل المدرسة إلى سجن تتجلّى الحرب والوضع عمومًا، بأسوأ المعاني والصُّور، وكلّ قول بعد ذلك هو عبيثيّ:

-(دخلت بنا السيارة في فناء المدرسة، مؤكد أنها مدرسة، فاسمها المكتوب على بوابتها واصطفاف عدد من الغرف بجانب بعضها والرسوم التي تمجد الزعيم على الجدران، كل ما حولي يقول إنها مدرسة، وكثرة عدد العساكر ملحوظة هنا، إذ بمجرد وقوف السيارة تلقفتني أيديهم واقتادوني إلى إحدى هذه الغرف .. يا رب يا إلهي ما الذي يحدث معي وما الذي يجري في هذا الكون ؟! سأفهم شيئا فشيئا، وبالرغم من أنني لست راغبا في الفهم لكن مؤكد أنني سأفهم، لا غرو أن هذه مدرسة تم تحويلها إلى سجن في هذه الظروف التي تعيشها هذه البلاد، وهذه البلدة بالرغم من أن نبض الحياة ملموس فيها إلا أن إحدى مدارسها حولت إلى سجن) ص63.

 

وصف الرواية والخاتمة:

يمكن وصف رواية "ملابس عسكريَّة" عمومًا بأنّها من المدرسة الواقعيّة، وتُصنّف في خانة أدب الثورة السوريّة، علمًا أنّ الكاتب "عصام أبو شندي" هو أردنيّ الجنسيّة. هنا يجب التوقّف حتمًا عند مفصليّة ذات أهميّة كبرى، وهو ما أستطيع تسميته ب"دكتاتوريّة الجغرافيا"، فالجغرافيا تُرفَضُ شروطها مؤقّتًا من خطوط الحدود بين الدُّوَل، وما الحدود السياسيّة إلّا حالة هشّة، تحاول جاهدة وبمشقّة عظيمة الاحتيال على دكتاتوريّة الجغرافيا، ولكن بلا فائدة. والزمن وحده هو الكفيل لتجاوزها، والعودة للأصل بوحدة الشعوب المُقسّمة لتستطيع النهوض من جديدة في مواجهة التحديات والمخاطر القديمة والجديدة، فلا يمكن فصل الشعوب عن بعضها، فهي المتأثر الأهم على كافة الأصعدة.

كما أنّ الرواية كانت مرآة حقيقيّة، عكست واقع الحرب والموت والدمار؛ لتنضمّ إلى قافلة روايات كُتبت عن الثورة السّوريّة، التي ناهزت الخمسمئة عمل روائيّ ويزيد، من كُتّاب وأدباء سوريين وعرب وغيرهم. جميعها عالجت القضايا الإنسانيّة، ومخالفات ومُخلّفات الحرب ومُخرجاتها، ونتائجها برؤى تقاربت في كثير، لكنّها تباعدت أيضًا في القليل الخاصّ بالكاتب الأيديولوجي وغيره، كلّ ذلك له بعد وطني أصيل، ولا بدّ من الإشارة للبعض ممّن عزف على أوتار الطائفية المقيتة.

 

عمان – الأردن

10/ 12/ ٢٠٢١

 

 


الثلاثاء، 7 ديسمبر 2021

الزواج الأبدي

 الزواج الأبديّ (خاطرة) 


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 


‏الورقة هي ميدان القلم الأوّل.. وما قيمة الورقة بلا قلم؟، ستبقى بيضاء فارغة من أيّ حرف أو كلمة دلاليّة، أي وجودها سيكون عبثيّا بلا معنى

وماذا سيفعل القلم بنفسه لو تكن الورقة.

مؤكّد أنّهما زوجان لا يمكن أن يفترقا. وإذا حصل؛ فهما بحاجة لتزاوج جديد. لا أستطيع تأكيد افتراقهما، حقيقة هما في زواج لزوميّ أبديّ غير قابل للطلاق في جميع الشرائع السماويّة أو البشريّة. هما في حالة عشق دائم.

...... 

من كتابي (من أول السطر)

آخر الشام

 ﺍﺧﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎء ﺍﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﻣﺴﺎﺀ ﺍﻟﺸﺎﻡ ..

و ﺍﺧﺮ ﺍﻟﺼﺒﺎﺣﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﺸﺎﻡ . .

ﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﺻﻔﺤﺔ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻣﻦ ﻧﻭﺭ ﺍﻟﺄﻣﻮﻱ ﻭﺷﺎﻫﺎ ﺍﻟﻴﺎﺳﻤﻴﻦ ﺧﻴﻮﻁ ﻧﻮﺭ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻲ.

و ﺍﺧﺮ ﺍﻟﺄﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻱ ﻳﻮﻡ ﺧﺸﻮﻋﻲ ﻣﺘﺒﺘﻠﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺮﺍﺏ ﺍﻟﻂﻬﺮ ﻳﺎ ﺷﺎﻡ. 

ﻭﺃﺧﺮ ﺳﻮﺍﺩ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ. ﻳﻮﻡ ﻛﺤﻠﺖ ﻋﻴﻨﻲ ﺑﻤﺮﺍﻙ ..

و ﻣﺨﺎﺯﻥ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ , أﻭﺻﻴﺖ أن ﻳﻨﻘﻠﻮﻫﺎ لقبري

ﺍﻧﺎ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ ﻫﺬي ﻫﻮﻳﺘﻲ, ﻃﻲ ﻗﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻤﻴﻢ ﺗﻌﺘﻠﺞ . 

ﺍﻟﻜﺮﻙ/ الأردن

الاثنين، 6 ديسمبر 2021

كتاب ملامح الشعر الأردني

 وقفة مع .. كتاب ملامح الشعر الأردني


للشاعر و الناقد ( عبدالرحيم جداية)


 


بقلم/ محمد فتحي المقداد


 


يُعتبر هذا الكتاب وثيقة أدبية تاريخية، أضاءت جانبًا مُهِمًّا من الحركة الشعريّة في الآونة الأخيرة في الأردنّ، و أفسح المجال لتوثيق النتاج الأدبيّ في الشعر، هذا العمل الجليل بداية، فقد وجد الصدى الكبير في نفسي و قلبي، وأنا أشتغل عليه مراجعة و تدقيقا، مساعدة لصديقي المؤلف.


حقيقة لا تستهويني قراءة ومطالعة كتب الدّراسات النقديّة كثيرا، ولكن أثناء العمل وجدتُ نفسي مُنجذبًا إلى مراجعتها التي استطابت مذاق هذا الفنّ القديم المُتجدّد، عبدالرحيم جداية استقطبني إلى ساحته النقديّة، ووجدتني مُنقادًا باستسلام عجيب لقراءة عميقة لدراساته النقديّة التي جاءت كنسائم الرّبيع الجَذلى، وهي تُداعب القلب و تتجلّى الرّوح منّي، وهي تُحلّق في دوّامة من المفاهيم الجديدة في طريقة الأداء السَلِس المُحبّب.


عبدالرحيم جداية مثله كمثل غيره من الأدباء و أساتذة النّقد، لكنّه شذّ عن طريقتهم، حينما نَحا طرْقَ النّصوص من أبواب جديدة، تتميّز بسهولة الفهم دون اللجوء للمفاهيم و المصطلحات المُعقّدة المُستعصية على فهم القارئ العاديّ، دون الحاجة لاستنطاق تلك المفاهيم عن مجاهلها، و التي ربّما يقف أمام بعضها أساطين الفكر.


لا مراء و لا تزلّف، جاء هذا السّفرُ ليكون شاهدًا وثّق شهادته في سجلّ خلّد أسماء الشعراء، وأضاء دروب حروفهم، وفتح المجال لقراءتهم بعمق، و أعطى أبعادًا فكريًة ذات صبغة فلسفيّة للمجموعات الشعريّة التي حظيت بالقبول لدى عبدالرحيم جداية، وأتاح إيصال رسالتها إلى المتلقي العادي.


هذه الدراسات و القراءات التي تقدّم بها جداية في كتابه، جاءت إضافة مُهمّة للمكتبة الأدبيّة العربيّة عمومًا، فقد استفزّت مكنونات النّاقد، فاستخرجت أجمل ما عنده، حينما استنفذت طاقته المُتوقدّة، لتُظهر عُمق ثقافته، وسِعَة إطّلاعه، و أصالة فكره الذي لم يبرح دائرة العروبة و الإسلام، و غرّد بمفاهيمه المُسطّرة بين دفتيّ كتابه ملامح الشعر الأردني، وهو يؤسس لمدرسة ذات اتّجاه لها خصوصيّتها النابعة من إيمانه الذي لا يزايله الشك، بأنه يخدم ثقافة أمته.


ما عرفُته إلا مثابرًا دؤوبًا على عمله بجدٍّ و إخلاص، مُبتعِدًا عن التجاذبات التي تحرق الرؤية الحقيقيّة للمثقف و الأديب، عندما تَسلِقُ المراحل للسعي المجنون إلى المقدّمة بقليل من الأدوات اللازمة لذلك، ساعتها تنكشف الحقيقة عندما يذوب الثلج، وتظهر الكارثة، عبدالرحيم مُتأنٍّ برأيه الحصيف، فهو يدبّ على الدرب كالنملة، أو كالسلحفاة، لا يحبّ القفز فوق المراحل وهو يروم الوصول.


وَفِيٌّ بطبعه، لم ينس صديق مشواره الشّاعر مهدي نصير من خلال تخصيصه بالشكر في بداية صفحات الكتاب، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.


***


 


دلالات العنوانات لدراساته جاءت مثيرة محفزة للقارئ، وهي كالآتي:


1- المعاندة و المطاوعة في ديوان (موتى بلا سقوف) للشاعر د. محمد الحوراني.


2- إشكالية الفعل بين اللغة و العلم و الدين في ديوان(بيوت الطين)للشاعر د. حربي المصري.


3- ميكانيكا التصورات الجمالية. للشاعر د. محمد مقدادي.


4- الزجل و المناخات الأدبية في تجربة (حسن ناجي).


5- ملامح البعث بين النزوة و الفكر في ديوان (شراك الصقيع) للشاعر عيد النسور.


6- المشاركة التكامليّة في فعل المقاومة عند الشاعر ناصر قواسمة.


7- التقابل النفسي و الدلالي في ديوان(تلالي تضيق بعوسجها) للشاعر عمّار الجنيدي.


8- الثنائيات في ديوان (ارتعاشات على جسد الخريف) للشاعر د. سلطان الزغول.


9- الشعر و إعادة الانتاج في ديوان (الكتابة على الماء و الطين) للشاعر نضال القاسم.


10- ضاق الفضاء بدمي، وأسئلة التجريب للشاعر يونس أبو الهيجاء.


11- القصيدة المثقفة و أميّة القصيدة (رؤية جديدة)، الشاعرة إيمان العمري، أنموذجا.


12- القصيدة المفاهيمية الشاعر إسلام علقم.


13- فلسفة الكلمات المفتاحية في ديوان (الطواف حول الثبات) للشاعرة أفنان هديب الدوايمة.


هذه الطائفة من العنوانات السابقة بجديدها، تسترعي انتباه القارئ، وتحثه لمتابعة محتوياتها بتشويق طافح بالتثقيف.


الأردن -عمان 

2017/12/6

تأملات قرآنية