الأحد، 12 ديسمبر 2021

رواية ملابس عسكريَّة

 

 

المُفارقات السُّلوكيَّة في رواية "ملابس عسكريَّة"

للروائيِّ- عصام أبو شِندي. الأردنّ

 

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

الأعمال الروائيّة عُمومًا مرآة عاكسة للواقع، ومن خلالها يستطيع القارئ رسم المشهديّة في ذهنه بكافّة أطيافها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، برصد المُفارقات الصغيرة وغير المرئيّة، والمسكوت عنه ليس لإثارة المشاكل والنَّعرات والخلافات، بل بلفت الانتباه من أجل إصلاح، أو تعديل مسار، وتقويم سُلوك. الرواية تطرحُ الأسئلة، وهُناك من هو مطلوب منه الإجابة، والعمل على الإصلاح.

الجانب التربويِّ ذو البُعد الأخلاقي في رواية "ملابس عسكريّة" اتّخذ خطًّا ظاهرًا واعيًا مُترفّقًا بالطّرح، ولم يذهب الروائيُّ إلى المنهج الخطابيِّ الوَعظيِّ، عندما أشّر بعين المُعلّم والتربويّ والمُربّي، وليس بغريب هذا الكلام عن الروائي "عصام أبو شندي"، خاصّة إذا عرفنا أنّ عمله في ميدان التعليم في المدارس، ومادّته هم الطُّلّاب. لذلك كان يُلامس بحذر شديد هذه القضايا الحسّاسة بمُقاربات مُلتزمة الخطّ الأخلاقيِّ، بعيدًا عن الإسفاف والهُبوط دَرَكَات من هبطُوا إلى ما دون المُستوى الأخلاقيّ من خلال السّرد الروائيّ.

جغرافيا الرّواية انطلقت من بيئة المدينة الثَّانية "الزرقاء" في الأردنّ من حيث الكثافة السّكانيّة، وتنوّعها بخلائط بشريّة مُختلفة المنابت والأصول؛ فشكّلت مُجتمعًا متعايِشًا مُتآلِفًا مُتناغمًا مُتنوِّعًا، بأبعاد ثقافيّة صبغته باحترام خصوصيّة الآخر، هذا الثراء خلق حالة اجتماعيّة فريدة.

ومن ثمّ انطلقت رواية "ملابس عسكريِّة" إلى بيئة مُختلفة تمامًا، خارج خارطة التفكير المُعتاد، انطلاق من المدينة إلى الصّحراء لفتح باب رزق جديد لأحد أبطال الرواية. من الزرقاء المدينة ذات الثِّقل السُكّانيِّ ، وكما يُقال: "الرزق عند تزاحُم الأقدام"، يبدو أنَّ التزاحُم الشّديد، وكثرة العرض وقِلّة الطَّلب، دفع به إلى منطقة "الصّفاوي" التي تقع إلى الشرق من مدينة "المفرق" مركز المحافظة، قرابة السّبعين كيلومتر، قريبًا من حدود العراق والحدود السّوريّة في هذه المنطقة، وهي جزء من صحراء بادية الحماد القاحلة، وكتجمّع سُكّاني فلا يتعدّى من يسكنونه الثلاثة آلاف شخص أو يزيدون قليلًا، وهم بغالبيّتهم من البدو الذين يمتهنون رعي الإبل والأغنام والماعز، ربّما ما نشّط الحركة التجاريّة فيها، مرور الخطّ الدوليِّ القادم من بغداد.

كلّ ذلك قريبًا من بيئة الروائيَّ "عصام أبو شندي" في مدينة "الخالديّة" التَّابعة بدورها إلى محافظة المفرق. وهو ما يأخذنا إلى عوالم الروائيِّ اللّيبيّ "إبراهيم الكوني" أديب الصحاري وعاشق الرّمال، الذي صنع منه آيات جماليّة أضاءت فيافي الصّحاري الغامضة، من خلال أعماله التي أخذت عاشقي القراءة إلى هذه العوالم في رحلة خياليّة، لكنّها إضافة معرفيّة لدواخل بواطن الصّحراء وواحاتها وشعوبها. هذه التشابكات المُتشابهة خلقت عوالم جماليّة، ودليلًا معرفيًّا جُغرافيًّا.

 

نماذج بعض السُّلوكيات:

1-تلوّن السّلوك بين الظاهر والباطن:

الشاب المتدين في الظاهر، يلك هذا الطريق بعد خروجه من السجن، وهو يعمل في مطعم في مدينة الزرقاء. لكنه فاسد ومنحرف له سلوك باطن مختلف تمامًا؛ فهل يجتمع فساد وصلاح في نفس واحدة سويّة، فإذا كان ذلك فلا بد من الحكم بأن هناك مشكلة نفسية بحاجة لمعالجة إذا أمكن ذلك، مؤكد أنه شخص غير سوي بكلّ المعايير الأخلاقية المعروفة. ولكن من خلال المتابعة، نجد أن الانحراف باتجاه التدخين والسرقة والمخدرات والخمر. مستنقع قذر يقع فيه الشباب.

-(خبرت معشر النساء في هذه البلدة جيدا؛ فإن تمنعت الفريسة التي أهم باصطيادها عن الاتصال بي بالفيديو، واكتفت بالاتصال أو الدردشة كتابة؛ فهي في الأغلب من ساكنات هذه البلدة) ص6.

-(عادت رسائل الواتس أب للظهور مرة أخرى في جوالي صوفيا وهذا الاسم هو الذي اخترته لها، لأن علاقتي بها لا تزيد عن ساعات فقط، كتبت لي في أولاها : من؟.  - أين أنت ؟) ص9.

-(السنوات توالت وبدأت الصفة الأبرز في شخصيتي تنضج وهي الفشل )"، فمنذ التحاقي بالمدرسة وأنا فاشل في دراستي وفاشل في علاقاتي مع زملائي ومع المدرسين وعلاماتي متدنية وعلاقاتي مع زملائي سيئة، اعتدت على سرقة مصروفات زملائي من المال من حقائبهم وجيوبهم، وما وجدت حلفا من أحلاف الشر إلا وانخرطت فيه، مرة أقع ضحية شقاوتي فأنال عقابي من الإدارة والمدرسين ومرة، أنجو، وما أكثر ما تعرضت للعقاب جلدا وشتما وطردا . ومع بلوغي مرحلة المراهقة انخرطت في فريق جديد من فرق السوء، ذلك أن أحد الرفاق دلنا على متعة جديدة وهي لف نوع من السجائر، في البداية ظنناها سجائر تبغ، ولكننا مع استمرار مشاعر اللذة وتماديها في المراحل القادمة اكتشفنا أن ذاك الشيء ليس تبغا بل حشيشة، هي شكلها التبغ ولكنها حشيشة، ومن الطبيعي أن يلاحظ الأهالي في البيوت اختلافا على طباع أولادهم المراهقين المنغمسين في مثل هذا النوع من الرذيلة، أولاد صغار قد يصل الأمر بالواحد منهم أن يكون مصدر أذى في بيته) ص10-11.

-(تقاطر الناس متجهين إلى المسجد بعد أذان المغرب، فقمت ودخلت إلى الشق الخلفي من مطعمي الذي سميته باسمي " مطعم الشيخ زهدي " والجزء الخلفي منه مفصول عن الجزء الأمامي بحاجز خشبي وبينهما باب خشبي يشكل جزءا من الحاجز، والجزء الخلفي هو منامتي التي أنام فيها بعد الانتهاء من العمل) ص12.

-(قضيتُ حاجتي، وتوضأت وأنا أنظر في المرآة إلى وجهي ولحيتي السوداء والعلامة الداكنة في وسط جبهتي التي أكرمني بها ربي بعد توبتي) والتزامي بديني، علامة تقوى من الله بها علي ولا ريب، ومن ثم مددت سجادتي على البرندة أمام المطعم وطفقت أصلي المغرب وأنا أستمع إلى صوت الإمام وهو يصلي في المسجد المجاور، ثم انقضت الصلاة، وعاد الناس إلى أعمالهم) ص12-13.

 

-(صديقي أمين لا يبعد عني في الشكل، وأقصد بالشكل المظهر الخارجي، فقد تعرفت عليه في المطعم الذي كنت أعمل فيه داخل موقف الباصات الرئيس في مدينة الزرقاء، فكانت صحبتنا صحبة مشايخ نعتمر الثياب القصيرة ونطيل لحانا ونضع الطواقي البيضاء على رؤوسنا، ونحضر دروس تحفيظ القرآن والأحاديث وعلوم اللغة العربية في مجالس العلم في مدينة الزرقاء، كان ذلك في الفترة قضيتها هناك في الزرقاء قبل قدومي إلى الصفاوي وافتتاحي لهذا المطعم) ص 13.

-(فما إلا ساعة حتى ملأنا الأقداح لتتحول إلى كؤوس ممتلئة خمرا، فشربنا منها وشربنا حتى تضاعف الضغط على الأمعاء، عندها راح شاكر) هذا يفرغ لنا ما في جوفه من شكوى من زوجته وتسلطها عليه الذي يصل إلى حد الضرب أحيانا، ونحن نضحك، وأنا على ثقة أنني وأمين وفهاد وسلمان لم نضيع تركيزنا ولا عقولنا بسبب الخمر، أما شاكر هذا فيبدو أنه جديد في هذا الكار، حتى إنه أظهر خوفه من أن ينال جزاء قاسيا من زوجته بسبب سهرته هذه معنا، الأمر الذي أدخلنا في موجة جديدة من الضحك والسعال)ص15.

 

2-العسكري على حدود الوطن:

أ-فعلة اللّواط: المشينة المُنافية للأخلاق والأديان والعادات والتقاليد، بفعلها المشين، وخاصّة من رجل حارس لحدود الوطن، مرة بصفة فاعل، وأخرى بصفة المفعول به. الضحايا لا ينسون آلامهم أبدًا، تبقى تحفر دواخلهم بامتعاض وندم وأسف وخيبة أمل مدى حياتهم.

-(اسمع يا هذا، أريد أن أفتح لك الباب لتخرج وتأخذ حماما تنشط به جسمك وتنظف به جثتك العفنة، لكن إن أتيت بأية حركة غدر فسألحقك بالجيفة التي تركناها هناك.. وأشار بيده، ففهمت من كلامه أنه يقصد بلفظة " الجيفة " صديقي أمينا، فشعرت بوخزة ألم في صدري، ولم ينتظر الرد مني حتى استدار وفتح الباب وتنحى جانبا مفسحا الطريق لي للخروج من االغرف) ص48- 49

-(وصل الأمر إلى مرحلة امتهان ذكورتي ورجولتي بكلام داعر، أحسست بوهن كبير ينتاب جسمي، وقدماي لا تقدران على حملي، وبت أشعر برغبة كبيرة في البكاء) ص51.

-(نزعوا الجزء السفلي من ملابسي وبدأ الضابط في نزع إنسانيتي وكرامتي ورجولتي مني، وعندما بدأت بالفطرة والغريزة أقاوم هذا الفعل، راح يهمزني في جنبي وطرف فخذي خاصة بأداة حادة مؤلمة جدا، فصرت في صراع بين تحمل ألم الأداة الحادة أو القبول بامتهان الكرامة.. نعم إنه صراع الكرامة مع اللاكرامة، صراع الإنسانية مع اللاإنسانية، صراع الإنسان مع الحيوان، صراع النظام والاعتدال والاستقامة مع اللانظام واللااعتدال واللااستقامة .. امتهنت الكرامة وأمسيت في بضع دقائق فاقدا لرجولتي) ص51.

-(ليس لدي من مال لأقدمه رشوة للعسكر، وحتى لو كان لدي مال فهل يصدق عاقل أنهم سيأخذونه مني ومن غيري من السجناء رشوة ) لا أظن إلا أنهم سيأخذونه منه عنوة، ولدى خروجي من دورات المياه مرة شكوت إلى العسكري الذي أوصلني إلى هناك، فقال لي : " عليك بالوبش فقلت له : " ومن الوبش ؟ "، ففهمت من حواري معه أن الوبش هذا أحد العرفاء من السجانين، وما المقابل الذي يمكن أن أقدمه له هو!. نعم فهمت أنها القذارة مرة أخرى .. يا إلهي فإذا كنت قد خسرت كرامتي هناك، فهل علي أن ألوث نفسي في هذا المستنقع مرة أخرى! إن هذا الوبش مستعد أن يفعل لك كل ما تريده مقابل أن تعبث بمؤخرته) ص72.

وحديث أحد الضحايا لصديق له:

-(ما رويته له هو جو التراجيديا، لسوء ما مر بي من مواقف لا سيما بعدما وقعت في أسر سجانينا هؤلاء، حاولت ألا أكذب عليه بقدر المستطاع، وكنت صريحا معه في معظم ما قلته باستثناء ذلك الموقف الذي فقدت فيه رجولتي) ص97.

 

پ-الرشوة: فما الذي يُرتجى ممن هو مؤتمن على حدود الوطن بحراستها، ويتعامل بالرشوة والسرقة.. (دفع رشوة عددا من آلاف الليرات السورية لضابط مخابرات ليتهم محمودا بأنه متعاون مع الجماعات المسلحة، وإذن فقد أفلح ذلك الجار في حرمان العائلة من ابنها الثاني بعد أن  القدر من ابنها الأصغر) ص100.

 

ج-امتهان كرامة الإنسان: عندما وضعوا السجين في حظيرة الحيوانات بلا طعام ولا شراب، وقد اضطرّه للبحث عن بقايا حبوب الشعر في بقايا روث الحيوانات وجمعه، ثم يتناوله، وتنقذ عطشه ماعز رضع حليبها جيء بها من المُصادرات المُهرّبة عبر الحدود، فكان حليبها بديلًا للماء.

-(طفقت أجمع حبات الشع الشعير حبة حبة أو أحشدها بباطن يدي استغرق الأمر وقتا طويلا حتى صنعت كومة استسغتها وأقنعت نفسي أنها خالية من الشوائب ورحت ألتهمها وأطحنها بأضراسي، وما أشد فرحي بها وأنا أجبرها على أن تكون حشوة لمعدتي، حتى وصلت إلى حالة من الاكتفاء وراح ينتابني شيء من .. القرف والتقزز منها) ص53.

-(ثمة فرق بين هذا السجن وذاك السجن عند البئر، ليس فرقا واحدا بل قل فروقا عدة، فهنا يقدمون الطعام لنا نحن السجناء في مواعيد يمكن القول إنها ثابتة إفطارا وغداء، أما العشاء فيمكن أن يجودوا به علينا ويمكن ألا يفعلوا ذلك، فهي مزاجية إذن مزاجية الظالم تجاه المظلوم مزاجية) ص69.

 

 

3- تحويل مدرسة إلى سجن:

في ظروف الحرب تنعكس الرُّؤى وطريقة التعامل مع البشر والأئياء، وتفقد الحياة كثيرًا من معانيها النبيلة، وقِيمَها الأخلاقيّة والروحيّة، وتنعدم الحالة الإنسانيّة عند الكثيرين، وبذلك فلا غرابة ممّا يحصل على كافّة المُستويات الحياتيّة للأفراد والجماعات والمؤسّسات الحكوميّة والمجتمع المدنيّ. وفي مثل هكذا ظرف، أن تتحوّل دور العلم والمدارس والمنابر إلى ثكنات ومتاريس تُداس ببساطير الجنود والعسكر، الذين يدوسون غير آبهين بالحياة أبدًا، وبتحويل المدرسة إلى سجن تتجلّى الحرب والوضع عمومًا، بأسوأ المعاني والصُّور، وكلّ قول بعد ذلك هو عبيثيّ:

-(دخلت بنا السيارة في فناء المدرسة، مؤكد أنها مدرسة، فاسمها المكتوب على بوابتها واصطفاف عدد من الغرف بجانب بعضها والرسوم التي تمجد الزعيم على الجدران، كل ما حولي يقول إنها مدرسة، وكثرة عدد العساكر ملحوظة هنا، إذ بمجرد وقوف السيارة تلقفتني أيديهم واقتادوني إلى إحدى هذه الغرف .. يا رب يا إلهي ما الذي يحدث معي وما الذي يجري في هذا الكون ؟! سأفهم شيئا فشيئا، وبالرغم من أنني لست راغبا في الفهم لكن مؤكد أنني سأفهم، لا غرو أن هذه مدرسة تم تحويلها إلى سجن في هذه الظروف التي تعيشها هذه البلاد، وهذه البلدة بالرغم من أن نبض الحياة ملموس فيها إلا أن إحدى مدارسها حولت إلى سجن) ص63.

 

وصف الرواية والخاتمة:

يمكن وصف رواية "ملابس عسكريَّة" عمومًا بأنّها من المدرسة الواقعيّة، وتُصنّف في خانة أدب الثورة السوريّة، علمًا أنّ الكاتب "عصام أبو شندي" هو أردنيّ الجنسيّة. هنا يجب التوقّف حتمًا عند مفصليّة ذات أهميّة كبرى، وهو ما أستطيع تسميته ب"دكتاتوريّة الجغرافيا"، فالجغرافيا تُرفَضُ شروطها مؤقّتًا من خطوط الحدود بين الدُّوَل، وما الحدود السياسيّة إلّا حالة هشّة، تحاول جاهدة وبمشقّة عظيمة الاحتيال على دكتاتوريّة الجغرافيا، ولكن بلا فائدة. والزمن وحده هو الكفيل لتجاوزها، والعودة للأصل بوحدة الشعوب المُقسّمة لتستطيع النهوض من جديدة في مواجهة التحديات والمخاطر القديمة والجديدة، فلا يمكن فصل الشعوب عن بعضها، فهي المتأثر الأهم على كافة الأصعدة.

كما أنّ الرواية كانت مرآة حقيقيّة، عكست واقع الحرب والموت والدمار؛ لتنضمّ إلى قافلة روايات كُتبت عن الثورة السّوريّة، التي ناهزت الخمسمئة عمل روائيّ ويزيد، من كُتّاب وأدباء سوريين وعرب وغيرهم. جميعها عالجت القضايا الإنسانيّة، ومخالفات ومُخلّفات الحرب ومُخرجاتها، ونتائجها برؤى تقاربت في كثير، لكنّها تباعدت أيضًا في القليل الخاصّ بالكاتب الأيديولوجي وغيره، كلّ ذلك له بعد وطني أصيل، ولا بدّ من الإشارة للبعض ممّن عزف على أوتار الطائفية المقيتة.

 

عمان – الأردن

10/ 12/ ٢٠٢١

 

 


الثلاثاء، 7 ديسمبر 2021

الزواج الأبدي

 الزواج الأبديّ (خاطرة) 


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 


‏الورقة هي ميدان القلم الأوّل.. وما قيمة الورقة بلا قلم؟، ستبقى بيضاء فارغة من أيّ حرف أو كلمة دلاليّة، أي وجودها سيكون عبثيّا بلا معنى

وماذا سيفعل القلم بنفسه لو تكن الورقة.

مؤكّد أنّهما زوجان لا يمكن أن يفترقا. وإذا حصل؛ فهما بحاجة لتزاوج جديد. لا أستطيع تأكيد افتراقهما، حقيقة هما في زواج لزوميّ أبديّ غير قابل للطلاق في جميع الشرائع السماويّة أو البشريّة. هما في حالة عشق دائم.

...... 

من كتابي (من أول السطر)

آخر الشام

 ﺍﺧﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎء ﺍﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﻣﺴﺎﺀ ﺍﻟﺸﺎﻡ ..

و ﺍﺧﺮ ﺍﻟﺼﺒﺎﺣﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﺸﺎﻡ . .

ﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ ﺻﻔﺤﺔ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻣﻦ ﻧﻭﺭ ﺍﻟﺄﻣﻮﻱ ﻭﺷﺎﻫﺎ ﺍﻟﻴﺎﺳﻤﻴﻦ ﺧﻴﻮﻁ ﻧﻮﺭ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻲ.

و ﺍﺧﺮ ﺍﻟﺄﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻱ ﻳﻮﻡ ﺧﺸﻮﻋﻲ ﻣﺘﺒﺘﻠﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺮﺍﺏ ﺍﻟﻂﻬﺮ ﻳﺎ ﺷﺎﻡ. 

ﻭﺃﺧﺮ ﺳﻮﺍﺩ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ. ﻳﻮﻡ ﻛﺤﻠﺖ ﻋﻴﻨﻲ ﺑﻤﺮﺍﻙ ..

و ﻣﺨﺎﺯﻥ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﺮﻱ , أﻭﺻﻴﺖ أن ﻳﻨﻘﻠﻮﻫﺎ لقبري

ﺍﻧﺎ ﺍﻟﺸﺎﻣﻲ ﻫﺬي ﻫﻮﻳﺘﻲ, ﻃﻲ ﻗﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻤﻴﻢ ﺗﻌﺘﻠﺞ . 

ﺍﻟﻜﺮﻙ/ الأردن

الاثنين، 6 ديسمبر 2021

كتاب ملامح الشعر الأردني

 وقفة مع .. كتاب ملامح الشعر الأردني


للشاعر و الناقد ( عبدالرحيم جداية)


 


بقلم/ محمد فتحي المقداد


 


يُعتبر هذا الكتاب وثيقة أدبية تاريخية، أضاءت جانبًا مُهِمًّا من الحركة الشعريّة في الآونة الأخيرة في الأردنّ، و أفسح المجال لتوثيق النتاج الأدبيّ في الشعر، هذا العمل الجليل بداية، فقد وجد الصدى الكبير في نفسي و قلبي، وأنا أشتغل عليه مراجعة و تدقيقا، مساعدة لصديقي المؤلف.


حقيقة لا تستهويني قراءة ومطالعة كتب الدّراسات النقديّة كثيرا، ولكن أثناء العمل وجدتُ نفسي مُنجذبًا إلى مراجعتها التي استطابت مذاق هذا الفنّ القديم المُتجدّد، عبدالرحيم جداية استقطبني إلى ساحته النقديّة، ووجدتني مُنقادًا باستسلام عجيب لقراءة عميقة لدراساته النقديّة التي جاءت كنسائم الرّبيع الجَذلى، وهي تُداعب القلب و تتجلّى الرّوح منّي، وهي تُحلّق في دوّامة من المفاهيم الجديدة في طريقة الأداء السَلِس المُحبّب.


عبدالرحيم جداية مثله كمثل غيره من الأدباء و أساتذة النّقد، لكنّه شذّ عن طريقتهم، حينما نَحا طرْقَ النّصوص من أبواب جديدة، تتميّز بسهولة الفهم دون اللجوء للمفاهيم و المصطلحات المُعقّدة المُستعصية على فهم القارئ العاديّ، دون الحاجة لاستنطاق تلك المفاهيم عن مجاهلها، و التي ربّما يقف أمام بعضها أساطين الفكر.


لا مراء و لا تزلّف، جاء هذا السّفرُ ليكون شاهدًا وثّق شهادته في سجلّ خلّد أسماء الشعراء، وأضاء دروب حروفهم، وفتح المجال لقراءتهم بعمق، و أعطى أبعادًا فكريًة ذات صبغة فلسفيّة للمجموعات الشعريّة التي حظيت بالقبول لدى عبدالرحيم جداية، وأتاح إيصال رسالتها إلى المتلقي العادي.


هذه الدراسات و القراءات التي تقدّم بها جداية في كتابه، جاءت إضافة مُهمّة للمكتبة الأدبيّة العربيّة عمومًا، فقد استفزّت مكنونات النّاقد، فاستخرجت أجمل ما عنده، حينما استنفذت طاقته المُتوقدّة، لتُظهر عُمق ثقافته، وسِعَة إطّلاعه، و أصالة فكره الذي لم يبرح دائرة العروبة و الإسلام، و غرّد بمفاهيمه المُسطّرة بين دفتيّ كتابه ملامح الشعر الأردني، وهو يؤسس لمدرسة ذات اتّجاه لها خصوصيّتها النابعة من إيمانه الذي لا يزايله الشك، بأنه يخدم ثقافة أمته.


ما عرفُته إلا مثابرًا دؤوبًا على عمله بجدٍّ و إخلاص، مُبتعِدًا عن التجاذبات التي تحرق الرؤية الحقيقيّة للمثقف و الأديب، عندما تَسلِقُ المراحل للسعي المجنون إلى المقدّمة بقليل من الأدوات اللازمة لذلك، ساعتها تنكشف الحقيقة عندما يذوب الثلج، وتظهر الكارثة، عبدالرحيم مُتأنٍّ برأيه الحصيف، فهو يدبّ على الدرب كالنملة، أو كالسلحفاة، لا يحبّ القفز فوق المراحل وهو يروم الوصول.


وَفِيٌّ بطبعه، لم ينس صديق مشواره الشّاعر مهدي نصير من خلال تخصيصه بالشكر في بداية صفحات الكتاب، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.


***


 


دلالات العنوانات لدراساته جاءت مثيرة محفزة للقارئ، وهي كالآتي:


1- المعاندة و المطاوعة في ديوان (موتى بلا سقوف) للشاعر د. محمد الحوراني.


2- إشكالية الفعل بين اللغة و العلم و الدين في ديوان(بيوت الطين)للشاعر د. حربي المصري.


3- ميكانيكا التصورات الجمالية. للشاعر د. محمد مقدادي.


4- الزجل و المناخات الأدبية في تجربة (حسن ناجي).


5- ملامح البعث بين النزوة و الفكر في ديوان (شراك الصقيع) للشاعر عيد النسور.


6- المشاركة التكامليّة في فعل المقاومة عند الشاعر ناصر قواسمة.


7- التقابل النفسي و الدلالي في ديوان(تلالي تضيق بعوسجها) للشاعر عمّار الجنيدي.


8- الثنائيات في ديوان (ارتعاشات على جسد الخريف) للشاعر د. سلطان الزغول.


9- الشعر و إعادة الانتاج في ديوان (الكتابة على الماء و الطين) للشاعر نضال القاسم.


10- ضاق الفضاء بدمي، وأسئلة التجريب للشاعر يونس أبو الهيجاء.


11- القصيدة المثقفة و أميّة القصيدة (رؤية جديدة)، الشاعرة إيمان العمري، أنموذجا.


12- القصيدة المفاهيمية الشاعر إسلام علقم.


13- فلسفة الكلمات المفتاحية في ديوان (الطواف حول الثبات) للشاعرة أفنان هديب الدوايمة.


هذه الطائفة من العنوانات السابقة بجديدها، تسترعي انتباه القارئ، وتحثه لمتابعة محتوياتها بتشويق طافح بالتثقيف.


الأردن -عمان 

2017/12/6

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2021

تقديم لفضيلة معيرش

 

تقديم

لديوان "قحط على شفاه الغيم"

للشاعرة "فضيلة معيرش". الجزائر.

 

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا.

 

"قحطٌ على شفاه الغيم"، عبارة طويلة نسبيًّا كعنوان لكتاب، ربّما لا ترسخ في ذهن القارئ. لكنّها بجدليّتها الدلاليّة إذا أُخِذ منها الجانب التأويليِّ؛ فصدمة البداية تجلّت في كلمة" قحط".

ولتأكيد الصدمة لا بدّ من التثبُّت مع معناها قاموسيًّا؛ فتكون في معجم المعاني:

"قحط: جَدْب، مصاب بالمجاعة، وجفاف بسبب احتباس المطر، ويبس الشيء، وقلّة خير الشيء"؛ فالقحط معلوم أنّه يُصيب البلاد والأماكن، ليُحيل حياة الناس إلى ضَنَك، وشدّة وقلّة حاجة.

أمّا أن يُصيب القحط شفاه الغيم؛ فكأنّنا أمام تشبيه بليغ؛ فحذف المُشبّه به وهو: الإنسان، وأبقى الشّفاه: وهي من لوازم الإنسان، فكان تشبيه الإنسان الخيّر بالغيْمة الماطرة حاملة أسباب الحياة للإنسان.

وإثارة جدليّة التفكير؛ لتذهب في اتّجاهات البحث والنبش خلف المعاني، والذهاب في دروب التأويل؛ لاستخلاص ما ورائيَّة الفكرة، وإنتاج قراءة جديدة خاصّة بها.

خلال التِطواف بين قصائد ديوان "قحطٌ على شفاه الغيم"، تكشّفت إشكالية الشاعر والمُتلقّي، وإشكاليّة ذات الشّاعرة التي احتّلت معظم أبيات قصائدها، وتبدّت هذه النقطة عن اغتصاب ذات الشاعرة لمعظم أبيات قصائدها، وتبيّنت قصديّة هذا المنحى من فم الشَّاعرة، وباللُّجوء إلى مدارات التأويل؛ فيمكن استنتاج تكريس الشاعرة ذاتها من خلال الشِّعر، وهو ما ينحو وجهة السيرة الذاتيّة، وهذا ممكن وجائز في مناخات حريّة التعبير الإبداعيِّ؛ فيجوز تذويت السِّيرة شِعرًا، هذا مقبول إذا بقي ضمن حدود مُلتزمة بجوهر وروح القصيدة، ولا تطغى على شعريّتها التصويريَّة، وصيغتها البنائيّة.

فكانت "الأنا" هي الظاهرة بحكاية الذات بصيغة ضميرها المنفرد المُتكلِّم، ومرّة بطريقة استخدام الضمائر المُضمَرة في الأفعال المُضارعة الدالّة على المُستقبل قريبه وبعيده إذا اتصلت به "سين". إضافة ل"سَوْف"، وقليل منها جاءت بصيغة الماضي، كما ترافقت وُرودًا بأسماء تحمل صيغة دالّة على الأنا المُتكلِّم.

وللاستدلال على هذا المنحى، تأتي الإجابة من القصائد كما يلي:

أ‌-      الصيغة الأولى "الأنا" بضمير المُتكلم عن نفسه:

"أنا فيافي جفّت غدران حيرتها/ أنا أماسي دموع/ أنا هنا زورق الأحلام/ أنا في كتاب الضيم/إني عاشق متيم/ إني تشوّقت يا نفحة/ أني عابد متصوف/ أني إليك الآن أعترف/ إني وحدي من الوجد أرتجف"

ب‌- الصيغة الثانية "الضمير المُضمَر" الدالّ على "الأنا":

"سارت قوافلُ حلمي/ أغفو على جفن صبري/ أسكبُ النار/ تُسعدني/ أمضي مسالك نزفي/ تسير أمنيتي/ بكت مهجتي/أصافح الغيث/  النجم يرقبنا/ أستعجل البوح والأشواق تحملني/ سحابة تُمطرني/ أهيمُ في مدحك/ أعتقتُ جرح الهجر/ صمتي أنقشه/ زورق الأحلام يحملني/ جروب الحزن تعرفني/ الأوجاع تشبهني/ أكتُبُني/ نسجتُ من أمنيات الأمس/ ترتاح نفثة زفرتي". هذه طائفة من الأمثلة جاءت تدليلًا على ظاهرة الضمير الدالّ على المتكلم.

كما إنَّ إشكاليَّة ذات الإنسان تلتبِس بالذات الشَّاعرة في محاولة الهَيْمنة عليها لإثبات نفسها. بينما الشاعر يكفيه أنّه شاعر، ولا حاجة له بسلوك هذا الطريق.

لكنّ " فضيلة معيرش" الشّاعرة؛ انطلقت بأفكارها؛ سابحة عبر قصائدها الوجدانيَّة مُحمَّلة برؤًى جماليّة؛ تُحاكي النفس وخواطرها، ومخاوفها، وهواجسها، وأفراحها وأحزانها، بروحانيَّة شفيفة التعاطي مع الهمّ اليوميّ، والواقع المحيط محليًّا وعربيًّا؛ معلوم أنّ فرح وغضب الشّاعر، ما هو للتعبير علنًا بانعكاسات مرايا واقعه، وبصوت مسموع للدنيا بأجمعها، ليكون لسان مجتمعه وأمّته.

وهذا ما عبّر عنه العنوان الرّئيس للمجموعة الشعريّة "قحط على شفاه الغيم"، لتفتح آفاق الرّؤى الجماهيريّة للانتباه لتجاعيد الواقع والمحيط، في محاولة النُّهوض للخروج من عنق الزجاجة.

 

١/١٢/ ٢٠٢١

 

الأحد، 28 نوفمبر 2021

بطاقة كتاب عاقل الخوالدة


 

 

بطاقة تعريفية بديوان

"أول طقوس الرحيل" للشاعر"عاقل محمد الخوالدة". الأردن.

 

المحرر الثقافي – محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا ديوان "أوّل طقوس الرحيل"، للشاعر الأردني "عاقل الخوالدة".

الطقوسيّة مُرتبطة بالاستمرار والديمومة، وهو ما يعطي فكرة الرّحيل والارتحال، وهما على الأغلب من إرادة واختيار المُرتَحِل، وذلك على خلاف "الترحيل"، وهو قسريّ بأمر جهة ما.

 (الطّقْسُ : النظام والترتيب، والطّقْسُ : حَالَةُ الْجَوِّ مِنْ بَرْدٍ وَحَرَارَةٍ وَاعْتِدَالٍ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ، مُعَيَّنَيْنِ، منطاد الطقس: منطاد يستخدم لحمل أجهزة رصد تجمع معلومات عن الأحوال الجويّة، الطَّقْسُ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ: نِظَامُ العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَأَشْكالِها، شَعاَئِرُهَا وَاحْتِفَالاَتُهَا) قاموس المعاني.

وحسب موقع "ويكيبيديا" الإلكترونيّ: فإنّ (الطقوس هي مجموعة من الإجراءات التي يؤديها بعض الأشخاص، والتي تُقام أساسًا لقيمتها الرمزية. وقد يحدد تلك الطقوس أو المراسم تراث الجماعة المشتركة، بما في ذلك المجتمعات الدينية. ويشير المصطلح عامةً إلى مجموعة الأفعال الثابتة والمرتبة، ويُستثنى من ذلك الأفعال التي يقوم بها المؤدون للطقوس اعتباطًا) .

وبالنظر إلى أنّ عنوان المجموعة الشعريّة "أول طقوس الرحيل"، فيكون هو عنوان النص الأول للمجموعة؛ فبذلك دليل على أن النص هذا الأول هو بداية الرّحيل الفكريِّ والنفسيِّ عبر النُّصوص التي تُعبِّر بشكل أو بآخر عن رحيلٍ إراديٍّ للشاعر، ولم يترك للقارئ وحيدًا رهن الانتظار والخوف والترقُّب، بل سعى لأخذه عنوة على بساط نصوص التفعيلة والعمودي، إمّا للهروب من واقع مكانيّ سيّئ، بمعطيات ظروف قاهرة، جعلت الرَّحيل من أجل البحث عن الأفضل على كافّة الصُّعُد على الإطلاق. ولكن ما القول أمام رحيل الشّاعر، لا شكّ أنّه مؤشِّر الصّعود والهبوط لمحيطه، لقياس حجم المأساة والمُعاناة.

السرديَّة الشعريَّة  أو "القصَّة الشَّاعرة"، وهو لون أدبي جديد ما زال مثار جدل، وأخذ وردٍّ بين مُنظّري هذا اللّون وُمناصريه وخصومهم المُحافظين.

وقد بدت هذه الظاهرة في قصائد الديوان واضحة جليّةً؛ مُعلنةً عن نفسها للقارئ: "ها أنا ذا". جاءت تتهادى بطريقها الشعريّ بحركتها الداخليّة للنصوص؛ فللأفعال بصيغتها المُضارعة المُتراوحة بين صيغة المُتكلم على الأغلب، امتدّت ما بين الحاضر والماضي والمُستقبل زمانيًّا؛ فكانت نابضة بالحياة، بأسلوب السهل الممتنع، تدخل القلب بلا استئذان، وتتربَّع في العقل والذاكرة مُقيمة لا تغادره. كل ذلك على محمل اللّغة السليمة المُنتقاة بعناية خبيرة بمقاصدها الرساليّة. ومن نماذج الأفعال على سبيل المثال: "أرحلُ، أموتُ، أسكنُ، أعود، تدغدع، ترتحل، تدري، تسرق، تُلهمها، تسمع، تحُطّ، أرهقها"

ولإثبات ما ذهب إليه منحى المقال تجاه السرديَّة الشعريَّة، نقرأ ممّا ورد في نصوص الكتاب؛ لإيراد ما يهمّنا:

-        "حين أرحل نحو الحياة..// كريشة طير... بكف الرياح..// كسنبلة.. نقبتها الطيور..// كنسمة صبح.. تمر بصمت..// تدغدغ عمري..// وفي الحال تمضي..// تحاول وصل الغروب الشروق"ص٧.

-        "غداً حين أرحل نحو الحياة..// أنا العربي.. أموت جزافاً..//

ويعرف قومي بأن رحيلي.." ص٧

 

-        "غداً .. حين أسكن.. قلب الثرى..// سيفرح -حتما- في قريتي..// من كان تزعجه رؤيتي... ويفرح قلبي... رغم الممات..// ورغم دموع الرفاق علي..// سيفرح قلبي.. كقطرة غيث// كحبة قمح.. لأني أعود لوجه الحياة..// لأني أعود إلى تربتي" ص8.

وهناك العديد من مثل هذه النُّصوص الفريدة، ببعدها التفاعليّ القصصيّ التي حدثت من فعل وفاعل، ومكان لحدوث الفعل وهو ما يُشكّل رؤية الشاعر للبُعد المكانيّ، فمن انطلاقه في مسقط الرأس جاء نص "رواية حب.... للبلدة الحبيبة (بلعما)"، لينظر غربًا ويُركّز نظره على ربوع الوطن: "وللعشاق في عجلون قلب"، و"كلام عن وجه المدينة" ولعلّها عمّان، ولم ينس أن يُحيي عروس الشمال: "أشواق إربدية"، وانطلق من حاضرة الوطن الأصغر الأردن إلى رحاب الوطن المُحيط فنسج رؤاه في قصائد حُبٍّ إلى دمشق وغزة وشهدائها.

وللحياة مواسمها في بيئة الشاعر، فمن مواسم الرحيل، وتجفيف التمر، ومواسم تشرين من كل عام وانتظار رفد الحياة بالمطر والغيث، ومواسم الأرواح بلقاء خالقها كلّ يوم خمس مرّات، ومرة في موسم رمضاني شامل

فمن شُرفة بيته غي قريته " بلعما" في ربوع التاريخ والحضارة، قريبًا منه في جرش، يتذكر الشهيد ابن عمه، ويحنّ إلى لوازم بيئة الأرياف والفلّاحين من رعاة الأغنام والماعز؛ فهو ابن الأرض والبيئة؛ فلا أن تنعكس على نتاجه الأدبيّ تأثُرًا وتأثيرًا. ولم يبتعد كثيرًا بمحاكاته لوباء الكورونا الذي غير كثيرًا من ملامح الحياة عمومًا. ولم يألُ جهدًا في انحيازه للحقّ.

في هذه العُجالة التي ألقت الضوء على جانب أدبيّ إبداعيّ في ديوان"أول طقوس الرّحيل"؛ فأخذتنا معها إلى عوالم مختلفة جميعها مُنبثقة مع الواقع، وهو ما أراد لنا الشاعر "عاقل خوالدة" الاطلاع عليها، بإضافة رؤيته وتجربته إلى المكتبة الثقافية العربيّة.

 

عمّان – الأردن

٢٨/ ١١/ ٢٠٢١

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأربعاء، 24 نوفمبر 2021

تقديم لخلف الحديثي. العراق

 

تقديم

لديوان "رفيف النوارس

" للشاعر "خلف دلف الحديثي". العراق.

 

بقلم – محمد فتحي المقداد. سوريا.

 

درب الآلام ما زال يتمدّد من القدس إلى بغداد، والحروف تتراقص مذبوحة من الألم على جانبيه، تترسَّم خُطى المسيح عليه السلام. حيرة الإقدام على كتابة كلمات عن ديوان شعر؛ مغامرة محفوفة بمخاوف الفشل، ولا شكّ أن المُهمَّة شاقَّة، ومُرهقة بتطوافها المُقلق في رحاب ديوان "رفيف النوارس".

لحظات الوقوف تحرق دواخلي بِصمْتها المَهيب، عندما تتفرّسُني عيناي "خلف الحديثي". نخلة الأنبار الشَّامخة، تُحاكي من عليائها نخلة "مريم - عليها السَّلام" في إيلياء.

وكأنّي بأمير الشّعراء "أحمد شوقي"، ولساني يُردّد معه:

"كلَّما أنّ بالعراق جريحٌ //  لَمسَ الشَّرقُ جنبهُ في عُمانِه".

على خطِّ الأُفقُ ألمحُ نوارس "خلف الحديثي" عائدة من "سبأ"، تصدح برفيفها على تُخوم هالة الفراشات؛ تستلفتُ أنظار"عنترة" فارس بني عبس، لتقول له: يا سيدي لم يُغادر الشّعراء.. اِطْمئنْ فإنّ "خلف" ما زال قائمًا على حِمى أنباره..!!. ونوارسه تُرتّل أنغام الحبِّ والحياة:

"أدري بأنّي لا سوايَ سيبتدي // وَقتي ويعزفُ للحياةِ (الأرغنا)

خلّيكِ في ضلعي خطوطَ قصيدةٍ // سأقولُ أهواها وأهوى الميجنا".

وللشاعر أن يحاكي اللّيل، ويُهدهد أشجانه ونشواته، ومعاقرة فكرة يطلق النار على هواجسه وربّما أحلامه وطموحاته إذا غضب لغضب محبوبته وأمته ووطنه.

ولا أرى في العنوان "رفيف النوارس" إلا خديعة لمشاعر القارئ، وتوريطه في متابعة تناقُلات الوجع والألم والقلق والحزن والخوف التراكُميَّة، هذه الأحمال ناءَ بها قلب الشاعر؛ فألقاها بذرة في ذاكرة مثقوبة، كأنّه أراد لها الضياع في مجاهيل النسيان.

برفيف مُفرحٍ.. ونوارس بيضاء نقيّة في زمن السَّواد؛ لتأتي ديارنا من جديد، وتنصبُ رايات العزّ والفَخار، حاملة أكاليل النصر على أجنحتها، وتزيل آثار القدم الهمجيّة.

وتبقى جدليّة طائر النورس والبحر قائمة في نفس حائرة، قائمة في صحراء تستجدي قطرة ماء؛ لِتَبُلّ جوف الشاعر المُتحرّق؛ لإطفاء نيرانًا نهشت دواخله، وهو يتمثّل وطنًا جريحا مُستباحًا.

وفي حملة استقصائيّة لديوان "رفيف النوارس"، في محاولة لاستدراج بعضًا من دلالات الجُمَل والتعابير، لاستنطاقها، وإثبات حالتها كما هي بلا تأويل أو تفسير؛ ليتعرّف إليها القارئ بشكل مباشر بلا واسطة، وذلك على سبيل الاستشهاد لا الحصر، ومنها:

"وعلّقتني جراحي في فم الدّهر". "مِعوَل الغدر". "ثورة الفكر"."يا معول الماء". "في باب قبري.. فمي أجرى مُحاورَة" "جاسَت يدي قلقي". "حضارة الجوع في صدري تُجرّدني".

"أدري بأن الله صاغ الأسئلة // وبأنّ موتي بعض تلك الأمثلة". "فأباح ذاكرتي بسطر الحنظلة". "يزرع في عيوني قنبلة". "وتهرسني شفاه الزلزلة". "وغايات الرماد معطلة"."أنا جوع أوجاع". "جرحت أكُفُّ الليل ثغر معابدي". "أنا عائد من حرب ذاتي كلها // وبدربي حرب المآتم موغلة"."من علم الأحزان تحمل رايتي// وتدور في دروب النوي موغلة"." من قايض الأحزان في جوع الرُّؤى". "في انثيال السُّكْر أغتسل"." الريح تزرع في بستان ذاكرتي دم الفراشات"." تريقُني في مِداد الوقت وَشْوشَتي".

طائفة من الكلمات تجمهرت هنا، لتُشكّل رؤية مبدئيّة لهوية الديوان، وقصائده ذات الانتماء المكانيّ المهموم المفجوع بحلم وطن كان، وكأنّي أستمع للسيّاب في رائعته الخالدة "أنشودة المطر" التي سردت هموم العراق:"أكاد أسمع العراق يذْخُر الرعودْ// ويخزن البُروق في السّهول والجبالْ// حتى إذا ما فضَّ عنها ختمها لرّجالْ//لم تترك الرياح من ثمودْ//في الوادِ من أثرْ//أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ//وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرينْ//يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ//وفي العراق جوعْ//وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ//لتشبع الغربان والجَرادْ//وتطحن الشّوان والحجرْ//رحىً تدور في الحقول... حولها بشرْ".

قصّة العراق حزينة يرويها شعرًا "خلف الحديثي" كما رواها "بدر شاكر السيّاب"، كما روّى الفرات ودجلة حياة العراق. هنا تذوّقتُ طعم الشعر من منبعه الثالث.

 

عمّان – الأردن

٢٤/ ١١ /٢٠٢١

 

تأملات قرآنية