الخميس، 7 يناير 2021

الواقع خارج الكواليس

 الواقع خارج الكواليس

قراءة على قصيدة (كواليس) للشاعر راكان المساعد


بقلم/الروائي محمد فتحي المقداد


   الأقنعة تخرج من خلف الكواليس على وجوه الممثلين محاولة تجميل الواقع بخداع المتفرجين. قصيدة كواليس على بساطة كلماتها؛ فإنّها تُلامس الوجدان والضمير الإنسانيّ بشكل عامّ؛ فهي حكايته التي لا تتوقّف ولا تنتهي مع تجدّد الأيّام.

   الأقنعة لا تُقنع أبدًا، شعور دائم بخوف ما يختفي تحتها، وهو نقيض الوضوح الجلِيّ، وكأن مهمة الأقنعة الخداع المباشر للآخرين، ومحاولة تحسين القبيح وتسويقه. 


*العنوان:

   دلالة كلمة كواليس جمع لكلمة كالوس. المُتعارف عليه حيث أصبح مصطلحًا مُستخدَمًا على نطاق واسع، فيما يخصّ المؤامرات التي تُحاك وتُدبّر في الخفاء، في ظلام الأنفس المتآمرة التي تساوت في قذارتها مع ظلام الكواليس. 

   بالعودة إلى المُعجم اللّغوي لمعرفة المزيد عن هذه المُفردة: (كَواليس: (اسم)  وفي الثقافة والفنون: أماكن على المسرح لا يراها المشاهدون، وإنّما يكون فيها الممثِّلون قبل ظهورهم على خشبة المسرح، عمِل وراء الكَواليس: عَمِل في الخفاء). هذا المفهوم اللغويّ الذي فهنا منه، أن الكواليس هي الممرّات خلف المنصّة، لتجهيز العرض، والمخرج يوزع تعليماته في تقاسم الأدوار؛ للتأكيد على الممثّلين بالانتباه لدقّة أدائهم لأدوارهم لإقناع المُشاهد وإغراقه في متعة عرض المشهد. 

   وأعتقد أنّ رؤية الشّاعر (راكان المساعيد) للواقع الاجتماعيّ، وتسليط الضوء على الخلل الحاصل في الحياة العامّة، عندما أشار إلى نقاط سوداء في النّفوس، انعكست سُلوكًا ظالمًا من الأقوى للمُسالم والأضعف. 


*رؤية للقصيدة: 

   بالتوقّف إزاء العنوان للقصيدة بتكرار كلمة (كواليس) ثلاث مرّات، مقصود لترسيخ فكرة القصيدة الفريدة، والتنبيه لهذه الكلمة ذات الدلالة التي يُشار بها إلى نظريّة المُؤامرة الآخذة حيّزًا واسعًا في حياتنا الاجتماعيّة. 


-المقطع الأول:

(كواليس كواليس كواليس// كذب وغش وتهليس// رخّصتي يا دنيا ناس// وغلّيتي إلّلي كان رخيص// كواليس كواليس كواليس). بساطة الألفاظ والكلمات جعلت من القصيدة قابلة للتلحين، بما تبثّ من موسيقاها الدّاخليّة لحنًا يُدغدغ نفوس المُستمعين، عندما انطلقت به حنجرة الفنّان (نجيب حداد)، وروعة أدائه حقيقة. هذا المقطع واضح أنّه لفت انتباه شديد (كواليس/كذب/غش/تهليس: من الهلوسة). 


-المقطع الثاني:

   هذا المقطع انتفل إلى حيّز الحارة الفضاء المكانيّ، بعد المقطع الأول الذي شّكل تساؤلات إشكاليّة في ذهن المستمع، وهنا ينتقل النص تفسيره المُبرّر: (نص الحاره شيوخ وروس// جيبتهم مليانه فلوس// بيستنونا  نوطّي نبوس// شو بدنا نلحق تبويس// كواليس كواليس كواليس). انقلاب الأيّام.. تبدّل الأحوال، وهو مصداق قول الله تعالي في القرآن الكريم: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (140) آل عمران. 

   رغم أنّ القصيدة تراوحت كلماتها بين اللّغة الفصيحة والعاميّة، وجب توضيح بعض الكلمات منعًا لالتباس الفهم الدّقيق والمراد: (نص الحارة: النصف/ روس: رؤوس/بيستنونا: ينتظرونا/ نُوطّي: ننحني لتقبيل اليد أو الحذاء/ شو بدنا نُلحّق تبويس: ماذا عسانا نستطيع تقبيل). 


-المقطع الثالث:

   حكاية الألم لا تنتهي ولا تتوقّف، ظلم بلا حدود، وهو معاناة البشريّة منذ بدء الخليقة من الظلم والظالمين، رغم تعاليم الأديان السماويّة في تعزيز الحالة المُثلى من الصدق.. الأمانة.. الحب.. السّلم الاجتماعيّ.. بث الأمان بكافّة مُستوياته؛ لتنمو فضاءات الحياة تنعم بالحرية بنبذ كلّ أشكال الاستعباد: (كل يوم القصه بتنعاد// زرع وفلاح وحصاد// سرقوا البيدر ياعوّاد// الحراميه عبوا  الكيس// كواليس كواليس كواليس). حالة الوصف فاضحة بقوّة أفعال الأقوياء المشينة في سرقة جهد ولقمة العيش لإخوتهم من أبناء مجتمعاتهم والإنسانيّة عمومًا.

 

-المقطع الرابع:

   وكأنّ الاستضعاف تحوّل إلى حالة استسلام، وشبه تسليم مُقيم أوّلًا في النفوس كالقدر الإلهيّ، وعدم مقاومة الظلم بالطرق القانونية والسلمية، لاستخلاص الحقوق المنهوبة، واسترجاع الكرامة للإنسان عمومًا: (شو نحكي وشو بدنا نقول// اللي صاير مش معقول// مين اللي فينا مسؤول؟// غلطتنا ما عرفنا نقيس// كواليس كواليس كواليس). كما أن التخلّي الطوعي والخُلود للأمر الواقع والرّضا به، أغرى الانتهازيين في الذّهاب بغيّهم ورغباتهم في النهب والسيطرة. 


-المقطع الخامس:

   الخاتمة لم تتوقّف عن الهدف الأساسي للقصيدة عمومًا، بل ما زالت تُوضّح بالتفسير، وباللّسان العريض استكمالًا للمشهديّة السّوداء التي رصدتها المقاطع الخمسة بتفاصيل مثيرة لا يُمكن أن يصمت أمامها الشاعر (راكان المساعيد): 

(الحاره خيار وفقوس// دولاب الدنيا معكوس// نتسابق مين اللي يدوس// عالثاني ويكون إبليس// كواليس كواليس كواليس). 


   القصيدة ضمن الدّراما الاجتماعية السوداء، ولا أراها بأبعادها جلدًا للذّات، بقدر ما هي رصد حقيقيّ لواقع يعاني من الخلل الوظيفي للأخلاق والقناعات الشخصيّة، والوسائل المُبرّرة للغايات المتستّرة خلف أقنعة الفضيلة، وقد حيكت خيوطها خلف الكواليس، هذه الكلمة المُتلازمة اعتبارًا من العنوان، لتنسحب على جميع مقاطع القصيدة، مما سيُرسّخها في عقل القارئ لها، وللمستمع للفنّان الأردنيّ (نجيب حداد).


عمان – الأردن

٧/١/٢٠٢١

الثلاثاء، 5 يناير 2021

الطرطور

 الطُرطور


مقالات ملفّقة 

( بقلم- محمد فتحي المقداد)*


الطُرطور: بضم الطاء, قلنسوة للأعراب طويلة دقيقة الرأس, هذا المعنى القاموسي لها, أما استخدام الناس لها في الحياة اليومية, يستدلون بها على الشخص التافه, وكما يبدو أن هذه القلنسوة في أساسها وافدة على العرب من الأمم المجاورة كالفرس. فقد كان يلبسها المغفلون والحمقى وأصبحت صفة لازمة لهم مقابل العمائم العربية وهكذا خلدت في ذهن الناس أنها من الأشياء التافهة وبالتالي صفة القلنسوة أصبحت بداية صفة لمن يلبسها ومن ثم ذهبت القلنسوة وبقيت الصفة ملازمة للشخص الذي يراد وصفه بالطرطور أي التافه الذي يعني شيئاً لواصفه, ومن هنا فقد درج في فترة حرب الخليج الثانية هذا المصطلح على لسان الوزير العراقي محمد سعيد الصحاف في تصريحاته عن الجنود الأمريكيين بوصفهم بالطراطير. والحاجة المخلعة يقال لها مطرطرة, والسيارة التعبانة من القدم وكثرة الخدمة ويصدر من حركتها أصوات غير عادية, يقال لها سيارة مطرطرة أي أنها لا تصلح للخدمة, حتى اللبن الحامض من الحرارة تظهر فقاعات على وجهه يقولون عنه مطرطر.


بصرى الشام 

2011

الاثنين، 4 يناير 2021

يا كذابي العالم اتّحدوا

 يا كذابي العالم اتّحدوا 


خاطرة الروائي محمد فتحي المقداد 


كبيرُ الكذّابين.. شيخ الكذّابين.. ابنه اكتسب لقب أبيه: ابن شيخ الكذابين، عندما ورث مهنته، طبّقت شُهرته الآفاق. 

في مناسبة تنصيبه عمدة الكذب في العالم، بعدما اكتسح بقوّة كل موسوعات الكذب.. وفاز بإجماعٍ زعماء الكذب العالميّ للمرّة الأولى في تاريخ الكذب.

أطلق شعاره الأشهر: "يا كذّابي العالم اتّحدوا".


من كتابي (من أول السطر) 

الأحد، 3 يناير 2021

وان من الثرثرة لحكمة

 وإنّ من الثرثرة لحكمة


(خاطرة) الروائي محمد فتحي المقداد 


كثيرة هي الثرثرة على كرسي الحلاقة، تبتدئ بالتحيّة والسّلام، وتذهب بعيدًا في مواضيع متباعدة.. متقاربة.. متوافقة.. متنافرة.. معقولة وغير معقولة.. ثرثرة الحلّاق لا تترك مجالًا لراحة عقل الزّبون.. ولا لأعصابه هدوءًا. أليس من الغريب أن يكون العكس، كما حدث معي لمرّاتٍ عديدة من زبون مُتفوّق بدرجات الثرثرة بمقدرة ثلاثة حلّاقين.

فإنّما الأيّام مثلُ السْحّاب.. انتفض الزّبون المُنسجمُ مع أمّ كُلثوم. 

بانفعال ظاهرٍ لتقويمي فيما أخطأتُ به؛ فقال: إنّها تقول: إنّما الأيّام مثلُ السّحَاب.

مماحكة

 مماحكة (خاطرة)


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد 


ذات جلسة في صالوني للحلاقة في بُصرى الشام العام ٢٠١٠، بحضور بعض الخواصّ من الأصدقاء.

بينما قصيدة (رُباعيّات الخيّام) صادحة بها أمّ كلثوم، وصولًا إلى بيت الشعر: (أطفِئ لظى القلب بِشَهد الرّضاب). 

لا أدري كيف جرى في ذهني معاكسة الصديق اللغويّ الضّليع.. الذي يُجارى في تخصّصه، بخطابي المُثير المُتسائل له بمُقاطعة الأغنية:

وهل البُصاق وانْسيالهُ من فمٍ لآخر، يستحقّ كلّ هذا الهُيام حدّ التعظيم والتبجيل، والتغنّي به تشبيهًا بالعسل؟.

رغم أنّ البُصاق عادة قبيحة في تحقير شخص ما، أو التفّ في وجهه مع الشّتيمة..!!.

أثارتْهُ ذكريات موغلة في القِدَم؛ باستفاضة شارحةٍ بحرارة وشّحت نبرته: "البُصاق كما ذكرتَ مُجرّدًا من معانيه.. لكنّ المماحكة والمصمصة حوّلته إلى رُضاب". 

(أكتفي بمختصر إجابته لعدم الإطالة).


من كتابي (من أول السطر)

الجمعة، 1 يناير 2021

البندقيّة فلسفة حياة

 البندقيّة فلسفة حياة (خاطرة)


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


ما أروعها..!! وأجملها إذا كانت للدفاع عن النفس، واستخلاص المغتصبات من الحقوق والأوطان.

وما أشرفها إذا حُملت باليمين.. وبالأخرى غصن الزيتون.

إنّها البندقيّة.. رؤيتها تصيبني بالاشمئزاز.. الخوف.. رعب الدماء.. سيل الدّموع.

أمّا أسوأها إطلاقًا: المأجورة.. اليد الحاملة لها تضغط على الزناد من أجل المُموّل، وتحقيق أهدافه ومآربه. 

تعدّد البنادق في قضيّة واحدة؛ هي المقتل الحقيقيّ للقضيّة التي رُفعت من أجلها. (الثورة الفلسطينيّة) وعلى نهجها تاليًا (الثورة السوريّة).. إلخ. 

ولقصّة الصّراع على الكراسيّ ذات المآسي بتعميق الجِراحٍ بين الأخوة احترابًا على كسب الأنصار، واصطفافات المواقف؛ فأرثت العداوات والضّغائن، وضياع الأوطان. 


من كتابي (من أول السطر) 

التطبيع

 التطبيع.. (خاطرة) 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 

- الطبعُ غلبَ التطبّع. لكلّ إنسان طبعه الخاصّ به.

- الكاتب والمُفكّر والأديب يتوق إلى طباعة كتاب له؛ يحتوي بين دفّتيه أفكاره وأشعاره وتأمّلاته؛ لتصدر الطّبعة الأولى. 

- الآلات الطابعة انتشرت على نطاق واسع، وصارت مستلزمات شخصيّة لمستخدمي أجهزة الحاسوب في البيوت والمكاتب، ولصغر حجمها توضع على طاولات المكاتب. 

- يقوم أهل حوران عادة بتطبيع دوّابهم على أعمال الزراعة، وعلى الخصوص تكديش الخيول الأصيلة الشموس بتهيئتها لأعمال الفلاحة، حتّى الحمير والخيول عند الحمل الزّائد عليها تطبعُ على الأرض(تَبرُك)؛ لعدم استطاعتها. 

- الأهمّ من ذلك كلّه على الإطلاق هو تطبيع البشر على طبائع جديدة، وإجبارهم على التعامل مع أعدائهم بوُدٍّ ومحبّة، العدوّ اغتصب الأرض والعرض. 

ولماذا المحاولات بإنسائنا فلسطين، نحن العرب؟، وليس المقصود الإنسان الفلسطينيّ بالذّات هذه المرّة. 

يا تُرى مَن المستفيد من محو ذاكرتي المُعادية لليهود الصهاينة؟.

إنّ التطبيع هو إعادة تشكيل الوعي الجديد للعرب المضروبين على رؤوسهم. 


من كتابي (من أول السطر)

تأملات قرآنية