الجمعة، 11 ديسمبر 2020

أزمة ثقة

 ‏أزمة ثقة

خاطرة

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


افتقاد الثقة بكلّ الذين نتعامل معهم مصيبة عظمى، أبْردَتْ جميع أشكال التواصل الإيجابيّ؛ فكان التوجّس والخيفة والحذر، وتبطيئ الخطوات المُندفعة للأمام باتّجاههم، وحلّ الشكّ والرّيبة من كلّ شيء فعلًا.

تولدّت لديّ متلازمة الشكّ حسب تشخيص أحد الأصدقاء، فإذا أردتُ الذهاب إلى أيّ دائرة حكوميّة، حتّى لو كانت مكتب دفن الموتى، بلا وعي منّي أبحثُ عمّن يعرفُ أحدًا هناك؛ لتسهيل مهمّتي دون أيّة عقبات، أو أضطرّ لدفع رشوة. 

وإذا أردتُ شراء غرضٍ ما للبيت، سأبحثُ عن صديق يعرفُ تاجرًا مُحترمًا، كي لا أقعَ فريسة الغشّ السّائد على نطاق واسع. 

بجردة حساب بسيطة لقائمة أرقام الهواتف التي أحتفظُ بها في هاتفي (الموبايل)، خانتني الذّاكرة في التعرّف على الأسماء، أحاول تذكّر السبب الحقيقيّ وراء الاحتفاظ بهذا العدد الهائل، وتكبُر دهشتي مُتسائلًا كيف لي لا أتذكر من هو (أبو محمد) المتشابه مع أكثر من خمسين اسم، مؤكّد أن كل اسم يحمل رقمًا مختلفًا عن الآخر. 

الهلع والخوف يجعلني أتشبّثُ بأي سبب خلفه نجاتي من الغشّ، وخشية الإرباكات في الدّوائر؛ فالحذف لها كان سيّد الموقف الذي أملاه عليّ. 

أطمئن لحديث التاجر المعسول؛ وثقتي الزائدة به، وحسن ظنّي به؛ تأتي النتيجة مخيّبة بأنّني اشتريت بزيادة عن السعر المُتاح في المحلّات، هل هي غفلة منّي، أمام شطارة البائع؟. 

 أصبح الحذر والترقب في معظم تعاملاتنا.. أين الخطأ؟


من كتابي (من أول السطر)

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

عيد ميلاد سعيد

 عيد ميلاد سعيد(خاطرة)


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


ابني الصغير دائم المحاولة الوقوف على رؤوس أصابعه، مُتطاولًا للأعلى؛ ليثبت لي ولأمّه أنّه ازداد كِبَرًا بطوله، ونظراته الجذلى بفرحه الغامر، في كلّ محاولة له أصابُ بنوبة حزن عميقة تجتاح دواخلي، وتساؤلات كسيل جارف لا تتوقّف.

ما بال هذا الولد يستعجل استجلاب الهموم والأحزان.. وتحمّل المسؤوليّات الجِسام؟، لا يدري أنّه في واقع لا يُشجّع على الحياة، بكلّ معطياته المُحرّضة على الاكتئاب والانفصام والانتحار.

تتأجّج أحزاني عند سماعي بإقامة حفلات أعياد الميلاد في العائلات المنكوبة على جميع الأصعدة، اعتبارًا من تأمين الرّغيف دائمًا، أخيرًا أستكين لفكرة طرد الأحزان، واختلاق مساحات الحياة والفرح.

كلّ سنة تجيء تزيد في أعمارنا؛ لكنّها تُنقص رصيدنا من الحياة مُقتربة بنا خطوة أو خُطوات باتّجاه نهايات آجالنا المحتومة. كيف لي أن أفرح مع بداية العام القادم، وكثيرًا ما أتلقّى التهاني، وأردّ عليها مُجبرًا تأدّبًا متماشيًا مع مشاعر الآخرين. الحروب والدمار والقتل و الأعداء والأوبئة والحظر والموت الجماعيّ وضيق العيش، لم تسمح لنا برؤية مواسم الأفراح الماضية، بكلّ تأكيد القادم ليس الأجمل والأفضل، كما نرتجي ونأمل، ولم يبق من الشّموع في جعبتنا لنوقدها. مزيدٌ من اللامبالاة والتطنيش.. مزيد من الأفراح والاحتفالات. 

من كتابي (من أول السطر)

............. 

بين الروائي محمد فتحي المقداد والشاعر راكان المساعيد 

بالأمس أرسلتُ خاطرتي (عيد ميلاد سعيد) للصديق الشاعر (راكان المساعيد) عبر الواتساب، بعد نصف ساعة جاءني اتصال منه هزّ دواخلي، على وقع اهتزار مشاعره؛ بعدما قرأ الخاطرة؛ فتأججت فيه قريحة الشاعر بجنون الكلمات شعرًا، وكأن أحد أفراد عبقر كان يجلس قُبالته، أيذانًا بميلاد قصيدته (مولد عام) ذات الشجن الحزين العابق ألمًا على أعتاب عام  ٢٠٢١. تحياتي لك شاعرنا الإنسان راكان

==========

عيد ميلاد سعيد(خاطرة)


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


ابني الصغير دائم المحاولة الوقوف على رؤوس أصابعه، مُتطاولًا للأعلى؛ ليثبت لي ولأمّه أنّه ازداد كِبَرًا بطوله، ونظراته الجذلى بفرحه الغامر، في كلّ محاولة له أصابُ بنوبة حزن عميقة تجتاح دواخلي، وتساؤلات كسيل جارف لا تتوقّف.

ما بال هذا الولد يستعجل استجلاب الهموم والأحزان.. وتحمّل المسؤوليّات الجِسام؟، لا يدري أنّه في واقع لا يُشجّع على الحياة، بكلّ معطياته المُحرّضة على الاكتئاب والانفصام والانتحار.

تتأجّج أحزاني عند سماعي بإقامة حفلات أعياد الميلاد في العائلات المنكوبة على جميع الأصعدة، اعتبارًا من تأمين الرّغيف دائمًا، أخيرًا أستكين لفكرة طرد الأحزان، واختلاق مساحات الحياة والفرح.

كلّ سنة تجيء تزيد في أعمارنا؛ لكنّها تُنقص رصيدنا من الحياة مُقتربة بنا خطوة أو خُطوات باتّجاه نهايات آجالنا المحتومة. كيف لي أن أفرح مع بداية العام القادم، وكثيرًا ما أتلقّى التهاني، وأردّ عليها مُجبرًا تأدّبًا متماشيًا مع مشاعر الآخرين. الحروب والدمار والقتل و الأعداء والأوبئة والحظر والموت الجماعيّ وضيق العيش، لم تسمح لنا برؤية مواسم الأفراح الماضية، بكلّ تأكيد القادم ليس الأجمل والأفضل، كما نرتجي ونأمل، ولم يبق من الشّموع في جعبتنا لنوقدها. مزيدٌ من اللامبالاة والتطنيش.. مزيد من الأفراح والاحتفالات. 

من كتابي (من أول السطر)

...........


♡♡♡مولد عام♡♡♡


و ماذا    إن    أتى    أو    مرَّ   عامُ

و ما    زلنا    كما      كنّا     نعاني


و رائحة      الدماء      بكلِّ     شبر

ليختلط    النواحُ    مع    الأماني


إذا   نزفتْ    قلوبُ   الناسِ    قهراً

فما   نفعُ    الرسائلِ    والتهاني؟


و ما   نفعُ    الدواءِ   لجرحِ    عمرٍ

تفشّى   في   الفؤادِ   مع   الزمانِ


إلينا    سارت     الأحزانُ      تترى

شربْنا     مرَّها      في     كل      آنِ


تعبْنا   يا   ليالي   العمرِ    صبراً

و ملَّ   الصبرُ    نبضاً    للثواني


فهذا     العمرُ      يسرقُنا     سويّاً

ليبقى  الشيبُ  يختصر  المعاني


و نمضي  دونما  وجَلٍ   و  نرسو

و نحلمُ     بعد    موتٍ     بالجنانِ


الشاعر راكان المساعيد

...... 


الزواج الأبديّ

 الزواج الأبديّ (خاطرة) 


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 


‏الورقة هي ميدان القلم الأوّل.. وما قيمة الورقة بلا قلم؟، ستبقى بيضاء فارغة من أيّ حرف أو كلمة دلاليّة، أي وجودها سيكون عبثيّا بلا معنى

وماذا سيفعل القلم بنفسه لو تكن الورقة.

مؤكّد أنّهما زوجان لا يمكن أن يفترقا. وإذا حصل؛ فهما بحاجة لتزاوج جديد. لا أستطيع تأكيد افتراقهما، حقيقة هما في زواج لزوميّ أبديّ غير قابل للطلاق في جميع الشرائع السماويّة أو البشريّة. هما في حالة عشق دائم.

...... 

من كتابي (من أول السطر)

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

تطوير النسيان

 تطوير النسيان (خاطرة) 


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد 


‏أرهقتني ذاكرتي الحديديّة الناشطة على مدار الساعة.. محاولة "خلّينا ننسى"، ما فتئت أغنية المطربة فايزة أحمد تُعزْز موقفي لاتّباع دورة لتطوير النسيان، المحيط الخارجيّ لم يتركني على ما أنا عليه مُستغرقًا، تأتي أغنية المطربة هدى سُلطان مُشفقة عليّ: "إن كنت ناسي أفكّرك".

من حقّي التصرّف في خصوصيّاتي كما أشاء، لماذا الإلحاح من الآخرين باستعادة الذكريات من ماضيها البعيد غالبًا، والقريب نادرًا، وانتهاك الخصوصيّة؟، اهتديتُ بالسّفر إلى (أنتراكتكا) ، رغم صعوبة العيش فيها. 

أعتقدُ أنّني بحاجة للفرح في حياتي، وتجديد رؤيتي للمستقبل المفقود، علّني أدركُ ملامحه، وذلك بتطوير نسياني للماضي.. حتّى ولو فترة بسيطة. وتكون مُنعرلًا واقيًا من وباء الكورونا. 


من كتابي (من أول السطر)

الأحد، 6 ديسمبر 2020

شركاؤنا معنا

 شركاؤنا معنا

بقلم/محمد فتحي المقداد 


تراكم الغبار أعلمني بحركة الكون السّاكن من حولي. تساؤلات:

-كيف وصل هذا الغبار على سطح شيء في غرفتي رغم أنّها مغلقة النوافذ؟.

عند الدّخول إلى مكان مُظلم وفيه فتحة صغيرة في السّقف أو الجدار، يعبر منها الضوء، تتضّح الرّؤية بتزاحم الذرّات البسيطة الكثيرة في الجوّ المحيط بنا من كلّ اتّجاه.

كم حاولتُ في صغري القبض على هذه الذرّات، وكم ستكون فرحتي لو ملأتُ قبضتي منها، وفي كلّ مرّة أعودُ خاليَ الوِفاض، وشعور الخيبة يحفر مجراه في أعماقي. رغم ذلك تكرّرت المُحاولات الفاشلة..!!

لم أكن أفهم الحركة الدّؤوبة الموحية بصراع الكون الصّامت من حولي، ولم أدرك أن هذه الذرّات غير المرئيّة بالعين المُجرّدة تستحوذ على محيطي، وأنّني أغوصُ في لُجّتها من حيث لا أدري، ولا أحسّ بها ضاغطة على أنفاسي تكتمها، أو تقلّل مجال رؤيتي للأشياء. فهل إدراك الأشياء متأخّرًا يُبعدُ عنّا وَصْمة الجهل والغفلة بمعرفة أنفسنا أوّلًا؟. 

سيّدات البيوت دائمات المسح والتنظيف اليوميّ للغبار من فوق الأسطح للأغراض والأشياء الصغيرة والكبيرة.

فهل إذا أغلقنا باب الغرفة ونوافذها أصبحنا وحدنا؟

الشُّركاء الخَفِيّون لا يتركوننا لحظة واحدة.

......... 

من كتابي (من أوّل السّطر)

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

تجليات المكان في رواية هاوية الجنون

 

تجليّات المكان  

في رواية (هاوية الجنون) للمسرحي والروائي (يحيى الحباشنة)

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

 

   في أوّل جلسة أدبيّة 2013 حينما عرضتُ عليه مخطوط روايتي(الطريق إلى الزعتري), ما إن قرأ خمسة أسطر حتّى توقّف، وقال: كلّ عمل قصصيّ وروائيّ لا بدّ له من توافر عناصره الأساسيّة التي قوم عليها، وهي: (مكان زمان حدث)، وانخرط في شرح مُعمّق خبير بعراقة كاتب مُخضرم (يحيى الحباشنة).

   بعد قراءتي الأولى إلى روايته (هاوية الجنون) في نفس الفترة، عدتُ لقراءتها في نهاية 2020هذه الفترة أفسحت لي المجال لرؤى لم تتحقّق لي في المرّة الأولى؛ فتوقّفتُ عند ظاهرة بدَت لي واضحةً منذ الصّفحات الأولى من هاوية الجنون.

   (تبدأ روح المكان بفرض هيبتها وحضورها على العقل؛ لتُشكّل وحدة مُتكاملة مع كلّ أشكال الحياة، تتلك الوحدة العُضويّة بينها وبين البيوت المُنتصبة على الجانبيْن، والأشجار تقفُ شاهدةً على استمرار الحياة) ص58.

   تتجلّى رؤية الكاتب في روايته المُنطلقة من المكان إلى رحاب العقل والفكر، والحوار الواعي المُثقّف بين شخصيّتيْن أساسيتيْن في الرواية هما (زياد ونبيه)، فهذه الحوارات حول القضايا الوجوديّة القلقة ساعية لقناعات الإيمان، أضافت بُعدًا زاهيًا للمكان برُقيّها، رغم توهّج ذلك المكان أصلًا بالحياة النّابعة منه؛ فالتداخلات النّاشئة تلوّنت بواقعيّتها الفكريّة السّائدة آنذاك في الأوساط الثقافيّة، فالمكان احتوى الحدث الروائيّ وما ضاق به، من تحرّكات شُخوصه من شوارع وأزّقة مدينة عمّان وأحيائها، وصعودها وهبوطها، ووسط البلد وجبالها السّبعة آنذاك.

   وهذا يستلزم منّا الإشارة في هذا المنحى لزمن الرّواية في أوّل صفحة منها، بعد المُقدّمتيْن التعريفتيّتيْن بها من الدكتور (محمد الحباشنة)، والدكتور (حامد يوسف قنبيبي): (كان ذلك في صيف 1981م. درجة الحرارة تصل إلى أعلى مستوى لها) ص19.

   وعلى اعتبار أنّ الوعاء الروائيّ عمومًا يستوعبُ كافّة أشكال الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والدينيّة والمعتقدات، ونشاطات المجموعات البشريّة على اختلاف انتماءاتها، فلا أدلّ على رواية (هاوية الجنون) إلّا أنّها وثيقة تاريخيّة شاهدة على مرحلة زمنيّة من حياة الأردنيّين، رصدت جوانب كثيرة مهمّة عن السّاحة الثقافيّة برموزها المعروفة وغير المعروفة، منطلقة من رابطة الكُتّاب الأردنيّين في (جبل اللويبدة) في عمّان: (ارتفعت أصوات الكُتّاب بجدل مُستمرّ حول هموم ومشاغل الحركة الأدبيّة المختلفة، فهناك في مكتب الإدارة الكاتب الصحفي ناهض حتّر، ومحمّد المشايخ، وإبراهيم نصرالله، أمّا محمّد طُمليّة، وإبراهيم العبسي، وأحمد المصلح، و خليل السّواحري، وجمال ناجي؛ فقد كانوا في الرّدهة الجانبيّة يتحدّثون ويشربون الشّاي، انشغل سالم نحّاس في حديث جانبيّ مع الدكتور حسين جمعة) ص20.

-(ظهر الكاتب محمد داووديّة مُمسكًا بذراع سمير الحباشنة يُقهقهان، ثمّ دخل الدكتور خالد الكركي بهدوئه وابتسامته المعهودة) ص 27-28.

-(أقبل في هذه اللحظة أبو حسين يحمل صينيّة الشّاي إلى جانب كأس ماء.. كذلك دخلت الكاتبة والأديبة زهرة عمر، تتبعها القاصّة والفنّانة التشكيليّة رجاء أبو غزالة، أمّا الشّاعرة أمينة العدوان؛ فقد توقّفت قليلًا مُنتظرة النّاقد إبراهيم خليل، ودخلا) ص28.

-(اختار زياد أن ينضمّ إلى إحدى الفرق المسرحيّة النّاشئة (فرقة جدايل) التي أسّسها جبريل الشّيخ، مع المُخرج هاني صنوبر) ص54.

-(شاهد صديقه صلاح الحوراني أحد أعضاء الفرقة المسرحيّة) ص55

-(لم يكُن دور زياد رئيسًا أو مُهمًّا، إنّه لم يتجاوز  عن كونه أحد عناصر الكومبارس، كما أحبّ أن يصفه غنّام غنّام في إحدى الجلسات) ص58

   هذه الفقرة تثبت بلا شكّ فكرة التوثيق في هاوية الجنون، وما زالت نديّة بنكهة يوم كتابة هذه الفقرة عن الأدباء والفعاليّات التي كانت، لكن عندما تباعد الزّمن بيننا فقد أصبحت وثيقة تأريخيّة، خاصّة وأنّها ما زالت تعرض هذه الأسماء الحقيقيّة لأصحابها وبصفتهم الشخصيّة، وكثير منها إلى رحاب ربّه، وجعل ذكراهم حيّة تتردّد على ألسنة القرّاء على الدّوام، ولن يُطوى عليها سجّل النّسيان أبدًا ما دامت الرّواية حيّة بين أيدي القرّاء في مختلف بقاع الكون، خاصّة في عصر (العالم قرية كونيّة صغيرة).

...

فضاءات الأمكنة في رواية هاوية الجنون انطلقت بداية من وصف لمبنى (رابطة الكُتّاب الأردنيّين)، وحسب منصّة (ويكبيديا): (تنظيم نقابيّ يَضُم الأُدباء الأردنيين في مُختلف مَجالات الأدب من رواية، وشعر، وقصة، وأبحاث ونقد أدبي وغيرها. تأسّست رابطة الكُتّاب الأردنيين سنة 1974، بدعوة وتنسيق وقيادة الكاتب والروائي والأديب سالم النحاس؛ لتكون البيت الذي يجمع الكُتّاب الأردنيّين، ويُوحّد جهودهم في إبراز الأدب الأردنيّ، وإيلائه الاهتمام اللّازم. وكان أوّل رئيس لرابطة الكُتّاب الأردنيّين هو الأديب عبد الرحيم عمر).

   وفي هاوية الجنون: (صُنّاع الثّقافة باختلاف إبداعاتهم، نراهم دائمًا يتفيّؤون في ظلال مبنى صغير مؤلّف من طابقيْن، الطّابق الأرضيّ منه هو سكنٌ لإحدى العائلات مُنخفِضٌ عن مستوى الشّارع، بينما الطّابق الأوّل تشغله رابطة الكُتّاب الأردنيّين، أربع غرف، صالتان صغيرتان مُتّصلتان، أُعدّتا لتكونا قاعة تُناسب النّدوات الأدبيّة، أمّا باقي الغرف فتستخدم للإدارة، والمكتبة، وغرفة الاجتماعات، والسكرتاريا). هذا الوصف الدّقيق للمبنى كأنّه عدسة كاميرا؛ انتقلت بالقارئ ببثّ حيّ ومباشر من داخل المبنى، وعرض واضح تمام لتخيّل المكان العتيد، الذي شهد أحداثًا وأشخاصًا تباعدت بينا وبينهم شقّة الزمن، ومع انتقال الرابطة إلى مبنى جديد خلال العام الماضي 2109تكون أهميّة التوثيق الذي أتَتْ عليه الرواية.

   وبالخروج من مبنى الرّابطة تتبدّى المشاهد الخّلابة لمدينة عمّان من إطلالة اللّويبدة، ليحدث في ذهني ذاك التناصّ في أسماء الأماكن التي وصفتها رواية (سيرة مدينة عمّان وهي عمل توثيقيّ ما بين التاريخ ومحمل السّرد الروائيّ؛ رصد فيها الروائيّ (عبد الرحمن منيف) كلّ جوانب المكان الذي عاش فيه طفولته من علاقات النّاس واهتماماتهم وطقوسهم في الأحزان والأفراح. خلال حقبة تاريخيّة خصبة للحالة الثقافيّة والسياسيّة لعمان في الأربعينيّات، حافلة بأسماء الأماكن والشخصيّات؛ رغم حرصه على أن تكون المقاربة غير تاريخيّة وغير روائية كذلك بقالب خاصّ مُفرّد بتآلفه مع نسيج الذكريات.

    وهذا شأن رواية  (هاوية الجُنون) بتعالقات في الطّرح مع (سيرة مدينة عمّان)، وكأنّها عدسة مُصوّرٍ هاوٍ مُتذوّق لجماليّات المكان في لحظة انتشاء روحيّ ونفسيّ في رحاب المكان. 

...

 

   (زياد مُطيع) بطل رواية (هاوية الجنون) القادم، وهو الرّاوي المُوازي للكاتب، (فما هو إلّا شابٌّ قرويٌّ قدم من بيئة أشدّ قساوة من صخور قرية راكين إلى المدينة قبل عاميْن) ص34. وقرية راكين من محافظة الكرك جنوب الأردنّ، تقع على بُعد خمسة عشر كيلو متر إلى الشّمال من قصبة الكرك.

 فالأماكن لها لغتها بما تركت في وجدان وضمير من مرّ بها، بما احتملت من ألوان ضُروب حياته بين الفرح والحزن، والغنى والفقر، والشّباب والهَرَم، والقُوّة والضّعف، سيرة الأمكنة تُعشعش في دواخل الإنسان، وهو ما عبر عنه شاعر الحماس (أبو تمّام):

نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحبُّ إلا للحبيـــــــب الأوّلِ

كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى *** وحنينُــه أبــداً لأوّلِ منــــزلِ

ولنترك المكان العمّانيّ ينثر فوحه العاطر في سطور هذه القراءة، ليخرج من صفحات هاوية مُتباهيًا بجماله. المكان جبل اللويبدة: مكتب تكسي العربي، رابطة الفنانين، وفي وسط البلد (المدينة): شارع السّلط، مطاعم القدس، مقر الإخوان المسلمين، مقهى السنترال، بار السّلمون،  شارع بسمان. جبل عمّان. حيّ المصاروة. شارع صقرة شارع الدوّار الثالث،  دوّار الدّاخليّة، المسرح الثقاف الملكي ، نفق الدّاخليّة، فندق الرّيجنسي. وخارج عمّان منطقة البقعة، وعين الباشا.

    هذا بعض الأماكن التي وردت في الرواية على سبيل الاستدلال بها على عنوان القراءة، ففي ظلّ التقدّم التقني لن يعجر عن معرفتها بدقّة مُتناهية ايّ باحثّ عنها في آخر نقطة في الكرة الأرضيّة من خلال برنامج خرائط (جوجل إيرث).

وبالنزول إلى قاع المدينة أو وسط البلد البوتقة الحاملة لكلّ شيء، فلو تدرّجنا رواية (قاع المدينة) للروائي (صُبحي فحماوي) فلا نرى إلّا القاع الأسود النّاضح بالفقر والمخدّرات والسّرقة والانحرافات بجميع أشكالها؛ فالجمال والقُبح مُتفاوت حسب رؤية الكاتب، وما يريد لفت الانتباه له؛ لإيصال رسالته أيًّا كانت خلفيّته الفكريّة المرجعيّة من خلال عمله السّرديّ.   

...

   وقبل مغادرة المكان بدلالاته البعيدة والقريبة، لا بدّ من التعريج على القضيّة الكُبرى التي احتوتها رواية (هاوية الجنون). قال أحد الفلاسفة: (على الفيلسوف إيجاد الأسئلة، لا الإجابة عليها)ص38.

-(لكنّ الاشتعال لا زال في الخيال؛ مُردّدًا ذات السّؤال: ماذا عن الزّوال؟. ماذا عن المال؟. وهل يظلّ العقل في ظِلال، يهُدّه الكلال، والقهر والملال، ويترك اللاشيء للأجيال؟. الاشتعال.. الاشتعال لازال في الخيال، مُكرّرًا ذات السّؤال) ص38.

   ارتباط الرواية بموضوع العقل المُفكّر الباحث عن الإجابات بعدما أدرك التساؤلات، وأذكر مقولة شائعة على ألسنة النّاس: (خُذ الحكمة من ألسنة المجانين)، فكما ورد على لسان نبيه عقل محور الرواية الذي دارت حوله جُلّ أحداثها: (أنا لم أُعانِ من مرض نفسيٍّ.. أنا مريض عقلي، وهناك فرق رغم أنّ بعض الأطبّاء شخّصوا مرضي على أنّه مرض نفسيّ، لكنّي أعي مرضي جيّدًا) ص45.

-(لا بدّ أن يُعالج عقلي بواسطة عقلي، إذ لا زال الطبّ النفسيّ كطفل يحبو) ص45.

-(أنا لستُ واعظًا.. لكن البحث عن الخلاص يجعلني في قلق، واشتعال يُمزّق خلايا الدّماغ بحثًا عن حقيقة الوجود) ص43-44.

   بهذه الاقتباسات من رواية هاوية الجنون تبرزّ هويّتها الفكرية، وبما داورت هذه المحاور، التي شغلت قديمًا وحديثًا عقول المُفكّرين والباحثين، منذ الحّلّاج، والنفّري، ابن عربيّ، وغيرهم، ومن المؤسف ممن لم يفهم مقاصدهم الكلاميّة ذات المرامي الفلسفيّة، أو ممّن تأوّل كلامهم على غير مراميه؛ فرماهم بالكفر والضّلال، ولم يتوقّف الجدل الفلسفيّ منذ القِدَم حتّى يومنا هذا، مُقابل فريق عموم النّاس الذي يُمثّل الأكثريّة التي لا تُدرك كثيرًا مما يقول الفلاسفة؛ لصعوبته.

عمّان الأردنّ

ـــــــــا 4\ 12\ 2020

 

الاثنين، 30 نوفمبر 2020

صك الانتداب

  ·

صكّ الانتداب
مقالات ملفقة (30\2)
بقلم محمد فتحي المقداد
للاستعمار ألوان أدهاها خُبثًا من يجيء مُغطًّى بعباءة النّواحي الإنسانيّة والمساعدات؛ فبعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى، أُنشئِت (عُصبة الأمم) وهي أوّل منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمية، كانت هذه المنظمة سلفًا للأمم المتحدة، تأسّست عقب مؤتمر باريس للسلام عام (1919)، الذي بموجبه انتهت الحرب العالميّة الأولى.
كما أنّ عصبة الأمم هي شِرعة دول الحلفاء المنتصرة في الحرب (أمريكا – فرنسا – بريطانيا- روسيا)، وضعت قوانينها الضّامنة لهم السّيطرة على العالم، واقتسام أراضيه وثرواته، أمّا الشقّ القانونيّ ما أرادوا لاغتنام تركات الدّول المحور المنهزمة (ألمانيا – تركيا – إيطاليا – اليابان). وقد وجدت في هذه الفكرة الدولتان الغربيتان فرنسا وإنجلترا ضالتهما المنشودة لتغليف مطامعهما بهذا القالب الجديد، الذي أتاح لهما احتلال الأقطار العربية المنفصلة عن الدولة العثمانيّة بِحجّة الوصاية على شعوبها.
وعلى إثر هذا المناخ المليء بتجاذبات الأطماع ظهر نظام الكتلتين الغربية بزعامة أمريكا، والشرقيّة بزعامة الاتّحاد السّوفياتي، بين عالميْن رأسماليّ واشتراكيّ، وظهر مصطلح الحرب الباردة التي انتهت بعد تفكّك الاتّحاد السّوفيتي، فصار العالم بقطب واحد تتزّعمه أمريكا.
لابدّ من هذا المدخل الطويل؛ لأستطيع الكلام عن الانتداب هدفي من هذه الملفّقة، وهوكما نصّ عليه ميثاق عصبة الأمم: (هو تمكين دولة تدعي مساعدة البلدان الضعيفة المتأخّرة على النهوض، وتدريبها على الحكم، حتّى تُصبح قادرة على أن تستقلَّ، وتحكم نفسها بنفسها). وفي الشرق الأوسط وتضم الدول التي "وصلت إلى درجة من التقدم تسمح بالاعتراف مُؤقّتاً بوجودها كدول مستقلة"، على أن تقدم إليها إحدى الدول المعونة الإداريّة، مندوبيّات ثلاث (سوريّة ولبنان نصيب فرنسا)، بينما (شرق الأردنّ وفلسطين والعراق من نصيب بريطانيا).
يُجمِع المُؤرّخون على أنّ الانتداب اتُّخذ ستارًا لرغبة دول الحلفاء في السيطرة على البلاد التي كانت واقعة تحت السيطرة العثمانيّة. في تموز (يوليو) 1920 احتّلت فرنسا سوريّا بالقوّة، وفرضت عليها الانتداب عمليًّا. وبعد ذلك بعاميْن، اعترفت عُصبة الأمم رسميًّا بالانتداب الفرنسيّ على سوريا ولبنان.
ولم تعترف فرنسا بالاستقلال السّوريّ إلا عام 1943 في الحرب العالمية الثانية، ولم تجلُ القوّات الفرنسيّة جُيوشها عن الأراضي السّوريّة حتّى نيسان (أبريل) 1946، حيث يوجد أيضًا الانتداب البريطانيّ لفلسطين الذي اتْبِعَ بقيام دولة "إسرائيل".
الموضوع كبير جدًّا بحيثيّاته وجُزئيّاته التي لا غنى عنها، وذِكرها يُثري الموضوع لإزالة بعضًا من اللّبس والتشويش لدى القارئ، خاصّة إذا كان بأهميّة هذه النقطة؛ لمساسها بحياتنا المتأثّرة انفعالًا بها منذ قرن مضى، ومازالت آثاره وتبعاته مُنسحبة على واقعنا إلى الآن.
بعد سفري قاصدًا العمل لفت انتباهي وظيفة مهمة منتشرة على نطاق واسع في الدوائر الرّسميّة وشركات القطّاع الخاصّ (مندوب العلاقات العامّة)، هذا المندوب مُفوّض بموجب التخويل القانونيّ بمُراجعة ومُتابعة كافّة معاملات وأشغال من كلٍّفه بذلك، ويستطيع التوقيع على المعاملات لدى دوائر الهجرة والإقامة والعمل وغيرها التي تستدعي مُتطلّبات الترخيص السنويّ وتأشيرات العمل. كما أنّ المندوب المالي وغير ذلك من مُسمّيات وظيفيّة، وانتُدِب الشَّخصَ للأمر: ندَبه، دعاهُ إليه، كلّفه إيّاه: أي انتدبه للقيام بمهمّة لفتح ملفّ الانتدابات، وعضو مجلس الإدارة المنتدب: هو المكلَّف بإدارة العمل على المستوى التنفيذيّ للشركة يُسمّى المندوب الموظّف المنتدب".
ومن ندَبَ شخصًا إلى أمرٍ: دعاه إليه، ورشّحه للقيام به، كمن ندَب شخصًا إلى الإشراف على بناء إنشائيّ، أو ندبَه لإنجاز صفقة تجارية أو تخليص معاملات التصدير والاستيراد، أو لإصلاح ذات البيْن بين خصوم، أو لتنفيذ مهمة قذرة بتفجير أو اغتيال وقتل، تتسّع فكرة المندوب لتتحوّل إلى ظاهرة مُتساوقة مع تطوّرات الحياة، لتشمل المُنظّمات الدوليّة التي تستقبل مناديب دول أعضائها، ويحصل أن يُرشّح الأمين العام للأمم المتّحدة إرسال مندب عنه لمهمّة يُكلّفه بها في منطقة مُعيّنة من العالم.
وقد ندبت الشاعرة الخنساء أخيها صخرًا بعد مقتله زمانًا طويلًا، وهي تُعدّد محاسنه وشجاعته ووسامته وكرمه ونُبل أخلاقه، وكلّ امرأة تحترفُ البُكاء على الميّت وتُعدّدُ محاسنه، وعلا صوتها أثناء تشييع الجنازة؛ فهي الندّابة وإذا كثر عددهنّ فهنّ النّدّابات، كما تندُب الأمّهات أبناءهنّ حين موتهم، والزّوجات أزواجهنّ، فبكت الخنساء على أخيها صخر حتّى عُميت ولهذا، نجد أنّ أغلب شعر الخنساء في الرّثاء، وأشهر ما يتردّد على الألسنة من قصائدها:
أعينيّ جودا ولا تجمُدا \\ ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى؟
ومن أطرف المراثي التي وصلت عبر كتب الأدب، مرثيّة الشاعر الفارس (مالك بن الرّيْب) حينما رثى نفسه، وقد تخيّل مشهد موته ومصرعه، وهو ما زال على قيْد الحياة، والقصيدة من عيون الشّعر العربي في هذا النّوع من الأدب، ومنها اخترتُ:
ألا ليتَ شِعْري هل أبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــتَنّ ليلةّ بجنب الغضا أُزجي القِلاصَ النَّواجِيا
فليت الغضا لم يقطع الركبُ عَرضَهُ وليــــــــــــــــــــــــــت الغضا ماشى الرِّكابَ لياليا
أُقلّبُ طَرْفي حـَـــــــــــــوْلَ رَحْلي فلا أرى به من عُيون المُؤنســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات مُراعِيا
وبالرّمل منّي نســــــــــــــــوةًّ لو شَـــهِدنَني بكين وفدّين الطبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب المداويا
فمنهنّ أمّي وابنتاهـــــــــــــــــــــــــــــــــا وخالتي وباكيةٌ أخـــــــــــــــــــــــرى تُهيـّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــجُ البَوَا كِيا
والموت من النّدوب التي تعلق زمانًا طويلًا في النّفس البشريّة، ومثلها نُدوب الجِراح، وندوب على الجِباه حفرة أخاديدها بعمق مآسي الحياة، ليتني أجيدُ الشّعر لأفعل كما مالك بن الرّيب وأرثي نفسي، لشعوري الدّاهم بأنّه لن يندُب عليّ أحد بعد فترة الشّتات التي أصابتنا، أفراد العائلة كلّ في بقعة من الكرة الأرضيّة ما بين الشرق والغرب، ولا أمل في لقاء قرب يجمع شمل المُشتّتين السّوريين.
عمّان – الأردن
30\ 11\ 2020

تأملات قرآنية