الجمعة، 4 ديسمبر 2020

تجليات المكان في رواية هاوية الجنون

 

تجليّات المكان  

في رواية (هاوية الجنون) للمسرحي والروائي (يحيى الحباشنة)

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

 

   في أوّل جلسة أدبيّة 2013 حينما عرضتُ عليه مخطوط روايتي(الطريق إلى الزعتري), ما إن قرأ خمسة أسطر حتّى توقّف، وقال: كلّ عمل قصصيّ وروائيّ لا بدّ له من توافر عناصره الأساسيّة التي قوم عليها، وهي: (مكان زمان حدث)، وانخرط في شرح مُعمّق خبير بعراقة كاتب مُخضرم (يحيى الحباشنة).

   بعد قراءتي الأولى إلى روايته (هاوية الجنون) في نفس الفترة، عدتُ لقراءتها في نهاية 2020هذه الفترة أفسحت لي المجال لرؤى لم تتحقّق لي في المرّة الأولى؛ فتوقّفتُ عند ظاهرة بدَت لي واضحةً منذ الصّفحات الأولى من هاوية الجنون.

   (تبدأ روح المكان بفرض هيبتها وحضورها على العقل؛ لتُشكّل وحدة مُتكاملة مع كلّ أشكال الحياة، تتلك الوحدة العُضويّة بينها وبين البيوت المُنتصبة على الجانبيْن، والأشجار تقفُ شاهدةً على استمرار الحياة) ص58.

   تتجلّى رؤية الكاتب في روايته المُنطلقة من المكان إلى رحاب العقل والفكر، والحوار الواعي المُثقّف بين شخصيّتيْن أساسيتيْن في الرواية هما (زياد ونبيه)، فهذه الحوارات حول القضايا الوجوديّة القلقة ساعية لقناعات الإيمان، أضافت بُعدًا زاهيًا للمكان برُقيّها، رغم توهّج ذلك المكان أصلًا بالحياة النّابعة منه؛ فالتداخلات النّاشئة تلوّنت بواقعيّتها الفكريّة السّائدة آنذاك في الأوساط الثقافيّة، فالمكان احتوى الحدث الروائيّ وما ضاق به، من تحرّكات شُخوصه من شوارع وأزّقة مدينة عمّان وأحيائها، وصعودها وهبوطها، ووسط البلد وجبالها السّبعة آنذاك.

   وهذا يستلزم منّا الإشارة في هذا المنحى لزمن الرّواية في أوّل صفحة منها، بعد المُقدّمتيْن التعريفتيّتيْن بها من الدكتور (محمد الحباشنة)، والدكتور (حامد يوسف قنبيبي): (كان ذلك في صيف 1981م. درجة الحرارة تصل إلى أعلى مستوى لها) ص19.

   وعلى اعتبار أنّ الوعاء الروائيّ عمومًا يستوعبُ كافّة أشكال الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والدينيّة والمعتقدات، ونشاطات المجموعات البشريّة على اختلاف انتماءاتها، فلا أدلّ على رواية (هاوية الجنون) إلّا أنّها وثيقة تاريخيّة شاهدة على مرحلة زمنيّة من حياة الأردنيّين، رصدت جوانب كثيرة مهمّة عن السّاحة الثقافيّة برموزها المعروفة وغير المعروفة، منطلقة من رابطة الكُتّاب الأردنيّين في (جبل اللويبدة) في عمّان: (ارتفعت أصوات الكُتّاب بجدل مُستمرّ حول هموم ومشاغل الحركة الأدبيّة المختلفة، فهناك في مكتب الإدارة الكاتب الصحفي ناهض حتّر، ومحمّد المشايخ، وإبراهيم نصرالله، أمّا محمّد طُمليّة، وإبراهيم العبسي، وأحمد المصلح، و خليل السّواحري، وجمال ناجي؛ فقد كانوا في الرّدهة الجانبيّة يتحدّثون ويشربون الشّاي، انشغل سالم نحّاس في حديث جانبيّ مع الدكتور حسين جمعة) ص20.

-(ظهر الكاتب محمد داووديّة مُمسكًا بذراع سمير الحباشنة يُقهقهان، ثمّ دخل الدكتور خالد الكركي بهدوئه وابتسامته المعهودة) ص 27-28.

-(أقبل في هذه اللحظة أبو حسين يحمل صينيّة الشّاي إلى جانب كأس ماء.. كذلك دخلت الكاتبة والأديبة زهرة عمر، تتبعها القاصّة والفنّانة التشكيليّة رجاء أبو غزالة، أمّا الشّاعرة أمينة العدوان؛ فقد توقّفت قليلًا مُنتظرة النّاقد إبراهيم خليل، ودخلا) ص28.

-(اختار زياد أن ينضمّ إلى إحدى الفرق المسرحيّة النّاشئة (فرقة جدايل) التي أسّسها جبريل الشّيخ، مع المُخرج هاني صنوبر) ص54.

-(شاهد صديقه صلاح الحوراني أحد أعضاء الفرقة المسرحيّة) ص55

-(لم يكُن دور زياد رئيسًا أو مُهمًّا، إنّه لم يتجاوز  عن كونه أحد عناصر الكومبارس، كما أحبّ أن يصفه غنّام غنّام في إحدى الجلسات) ص58

   هذه الفقرة تثبت بلا شكّ فكرة التوثيق في هاوية الجنون، وما زالت نديّة بنكهة يوم كتابة هذه الفقرة عن الأدباء والفعاليّات التي كانت، لكن عندما تباعد الزّمن بيننا فقد أصبحت وثيقة تأريخيّة، خاصّة وأنّها ما زالت تعرض هذه الأسماء الحقيقيّة لأصحابها وبصفتهم الشخصيّة، وكثير منها إلى رحاب ربّه، وجعل ذكراهم حيّة تتردّد على ألسنة القرّاء على الدّوام، ولن يُطوى عليها سجّل النّسيان أبدًا ما دامت الرّواية حيّة بين أيدي القرّاء في مختلف بقاع الكون، خاصّة في عصر (العالم قرية كونيّة صغيرة).

...

فضاءات الأمكنة في رواية هاوية الجنون انطلقت بداية من وصف لمبنى (رابطة الكُتّاب الأردنيّين)، وحسب منصّة (ويكبيديا): (تنظيم نقابيّ يَضُم الأُدباء الأردنيين في مُختلف مَجالات الأدب من رواية، وشعر، وقصة، وأبحاث ونقد أدبي وغيرها. تأسّست رابطة الكُتّاب الأردنيين سنة 1974، بدعوة وتنسيق وقيادة الكاتب والروائي والأديب سالم النحاس؛ لتكون البيت الذي يجمع الكُتّاب الأردنيّين، ويُوحّد جهودهم في إبراز الأدب الأردنيّ، وإيلائه الاهتمام اللّازم. وكان أوّل رئيس لرابطة الكُتّاب الأردنيّين هو الأديب عبد الرحيم عمر).

   وفي هاوية الجنون: (صُنّاع الثّقافة باختلاف إبداعاتهم، نراهم دائمًا يتفيّؤون في ظلال مبنى صغير مؤلّف من طابقيْن، الطّابق الأرضيّ منه هو سكنٌ لإحدى العائلات مُنخفِضٌ عن مستوى الشّارع، بينما الطّابق الأوّل تشغله رابطة الكُتّاب الأردنيّين، أربع غرف، صالتان صغيرتان مُتّصلتان، أُعدّتا لتكونا قاعة تُناسب النّدوات الأدبيّة، أمّا باقي الغرف فتستخدم للإدارة، والمكتبة، وغرفة الاجتماعات، والسكرتاريا). هذا الوصف الدّقيق للمبنى كأنّه عدسة كاميرا؛ انتقلت بالقارئ ببثّ حيّ ومباشر من داخل المبنى، وعرض واضح تمام لتخيّل المكان العتيد، الذي شهد أحداثًا وأشخاصًا تباعدت بينا وبينهم شقّة الزمن، ومع انتقال الرابطة إلى مبنى جديد خلال العام الماضي 2109تكون أهميّة التوثيق الذي أتَتْ عليه الرواية.

   وبالخروج من مبنى الرّابطة تتبدّى المشاهد الخّلابة لمدينة عمّان من إطلالة اللّويبدة، ليحدث في ذهني ذاك التناصّ في أسماء الأماكن التي وصفتها رواية (سيرة مدينة عمّان وهي عمل توثيقيّ ما بين التاريخ ومحمل السّرد الروائيّ؛ رصد فيها الروائيّ (عبد الرحمن منيف) كلّ جوانب المكان الذي عاش فيه طفولته من علاقات النّاس واهتماماتهم وطقوسهم في الأحزان والأفراح. خلال حقبة تاريخيّة خصبة للحالة الثقافيّة والسياسيّة لعمان في الأربعينيّات، حافلة بأسماء الأماكن والشخصيّات؛ رغم حرصه على أن تكون المقاربة غير تاريخيّة وغير روائية كذلك بقالب خاصّ مُفرّد بتآلفه مع نسيج الذكريات.

    وهذا شأن رواية  (هاوية الجُنون) بتعالقات في الطّرح مع (سيرة مدينة عمّان)، وكأنّها عدسة مُصوّرٍ هاوٍ مُتذوّق لجماليّات المكان في لحظة انتشاء روحيّ ونفسيّ في رحاب المكان. 

...

 

   (زياد مُطيع) بطل رواية (هاوية الجنون) القادم، وهو الرّاوي المُوازي للكاتب، (فما هو إلّا شابٌّ قرويٌّ قدم من بيئة أشدّ قساوة من صخور قرية راكين إلى المدينة قبل عاميْن) ص34. وقرية راكين من محافظة الكرك جنوب الأردنّ، تقع على بُعد خمسة عشر كيلو متر إلى الشّمال من قصبة الكرك.

 فالأماكن لها لغتها بما تركت في وجدان وضمير من مرّ بها، بما احتملت من ألوان ضُروب حياته بين الفرح والحزن، والغنى والفقر، والشّباب والهَرَم، والقُوّة والضّعف، سيرة الأمكنة تُعشعش في دواخل الإنسان، وهو ما عبر عنه شاعر الحماس (أبو تمّام):

نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحبُّ إلا للحبيـــــــب الأوّلِ

كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى *** وحنينُــه أبــداً لأوّلِ منــــزلِ

ولنترك المكان العمّانيّ ينثر فوحه العاطر في سطور هذه القراءة، ليخرج من صفحات هاوية مُتباهيًا بجماله. المكان جبل اللويبدة: مكتب تكسي العربي، رابطة الفنانين، وفي وسط البلد (المدينة): شارع السّلط، مطاعم القدس، مقر الإخوان المسلمين، مقهى السنترال، بار السّلمون،  شارع بسمان. جبل عمّان. حيّ المصاروة. شارع صقرة شارع الدوّار الثالث،  دوّار الدّاخليّة، المسرح الثقاف الملكي ، نفق الدّاخليّة، فندق الرّيجنسي. وخارج عمّان منطقة البقعة، وعين الباشا.

    هذا بعض الأماكن التي وردت في الرواية على سبيل الاستدلال بها على عنوان القراءة، ففي ظلّ التقدّم التقني لن يعجر عن معرفتها بدقّة مُتناهية ايّ باحثّ عنها في آخر نقطة في الكرة الأرضيّة من خلال برنامج خرائط (جوجل إيرث).

وبالنزول إلى قاع المدينة أو وسط البلد البوتقة الحاملة لكلّ شيء، فلو تدرّجنا رواية (قاع المدينة) للروائي (صُبحي فحماوي) فلا نرى إلّا القاع الأسود النّاضح بالفقر والمخدّرات والسّرقة والانحرافات بجميع أشكالها؛ فالجمال والقُبح مُتفاوت حسب رؤية الكاتب، وما يريد لفت الانتباه له؛ لإيصال رسالته أيًّا كانت خلفيّته الفكريّة المرجعيّة من خلال عمله السّرديّ.   

...

   وقبل مغادرة المكان بدلالاته البعيدة والقريبة، لا بدّ من التعريج على القضيّة الكُبرى التي احتوتها رواية (هاوية الجنون). قال أحد الفلاسفة: (على الفيلسوف إيجاد الأسئلة، لا الإجابة عليها)ص38.

-(لكنّ الاشتعال لا زال في الخيال؛ مُردّدًا ذات السّؤال: ماذا عن الزّوال؟. ماذا عن المال؟. وهل يظلّ العقل في ظِلال، يهُدّه الكلال، والقهر والملال، ويترك اللاشيء للأجيال؟. الاشتعال.. الاشتعال لازال في الخيال، مُكرّرًا ذات السّؤال) ص38.

   ارتباط الرواية بموضوع العقل المُفكّر الباحث عن الإجابات بعدما أدرك التساؤلات، وأذكر مقولة شائعة على ألسنة النّاس: (خُذ الحكمة من ألسنة المجانين)، فكما ورد على لسان نبيه عقل محور الرواية الذي دارت حوله جُلّ أحداثها: (أنا لم أُعانِ من مرض نفسيٍّ.. أنا مريض عقلي، وهناك فرق رغم أنّ بعض الأطبّاء شخّصوا مرضي على أنّه مرض نفسيّ، لكنّي أعي مرضي جيّدًا) ص45.

-(لا بدّ أن يُعالج عقلي بواسطة عقلي، إذ لا زال الطبّ النفسيّ كطفل يحبو) ص45.

-(أنا لستُ واعظًا.. لكن البحث عن الخلاص يجعلني في قلق، واشتعال يُمزّق خلايا الدّماغ بحثًا عن حقيقة الوجود) ص43-44.

   بهذه الاقتباسات من رواية هاوية الجنون تبرزّ هويّتها الفكرية، وبما داورت هذه المحاور، التي شغلت قديمًا وحديثًا عقول المُفكّرين والباحثين، منذ الحّلّاج، والنفّري، ابن عربيّ، وغيرهم، ومن المؤسف ممن لم يفهم مقاصدهم الكلاميّة ذات المرامي الفلسفيّة، أو ممّن تأوّل كلامهم على غير مراميه؛ فرماهم بالكفر والضّلال، ولم يتوقّف الجدل الفلسفيّ منذ القِدَم حتّى يومنا هذا، مُقابل فريق عموم النّاس الذي يُمثّل الأكثريّة التي لا تُدرك كثيرًا مما يقول الفلاسفة؛ لصعوبته.

عمّان الأردنّ

ـــــــــا 4\ 12\ 2020

 

الاثنين، 30 نوفمبر 2020

صك الانتداب

  ·

صكّ الانتداب
مقالات ملفقة (30\2)
بقلم محمد فتحي المقداد
للاستعمار ألوان أدهاها خُبثًا من يجيء مُغطًّى بعباءة النّواحي الإنسانيّة والمساعدات؛ فبعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى، أُنشئِت (عُصبة الأمم) وهي أوّل منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمية، كانت هذه المنظمة سلفًا للأمم المتحدة، تأسّست عقب مؤتمر باريس للسلام عام (1919)، الذي بموجبه انتهت الحرب العالميّة الأولى.
كما أنّ عصبة الأمم هي شِرعة دول الحلفاء المنتصرة في الحرب (أمريكا – فرنسا – بريطانيا- روسيا)، وضعت قوانينها الضّامنة لهم السّيطرة على العالم، واقتسام أراضيه وثرواته، أمّا الشقّ القانونيّ ما أرادوا لاغتنام تركات الدّول المحور المنهزمة (ألمانيا – تركيا – إيطاليا – اليابان). وقد وجدت في هذه الفكرة الدولتان الغربيتان فرنسا وإنجلترا ضالتهما المنشودة لتغليف مطامعهما بهذا القالب الجديد، الذي أتاح لهما احتلال الأقطار العربية المنفصلة عن الدولة العثمانيّة بِحجّة الوصاية على شعوبها.
وعلى إثر هذا المناخ المليء بتجاذبات الأطماع ظهر نظام الكتلتين الغربية بزعامة أمريكا، والشرقيّة بزعامة الاتّحاد السّوفياتي، بين عالميْن رأسماليّ واشتراكيّ، وظهر مصطلح الحرب الباردة التي انتهت بعد تفكّك الاتّحاد السّوفيتي، فصار العالم بقطب واحد تتزّعمه أمريكا.
لابدّ من هذا المدخل الطويل؛ لأستطيع الكلام عن الانتداب هدفي من هذه الملفّقة، وهوكما نصّ عليه ميثاق عصبة الأمم: (هو تمكين دولة تدعي مساعدة البلدان الضعيفة المتأخّرة على النهوض، وتدريبها على الحكم، حتّى تُصبح قادرة على أن تستقلَّ، وتحكم نفسها بنفسها). وفي الشرق الأوسط وتضم الدول التي "وصلت إلى درجة من التقدم تسمح بالاعتراف مُؤقّتاً بوجودها كدول مستقلة"، على أن تقدم إليها إحدى الدول المعونة الإداريّة، مندوبيّات ثلاث (سوريّة ولبنان نصيب فرنسا)، بينما (شرق الأردنّ وفلسطين والعراق من نصيب بريطانيا).
يُجمِع المُؤرّخون على أنّ الانتداب اتُّخذ ستارًا لرغبة دول الحلفاء في السيطرة على البلاد التي كانت واقعة تحت السيطرة العثمانيّة. في تموز (يوليو) 1920 احتّلت فرنسا سوريّا بالقوّة، وفرضت عليها الانتداب عمليًّا. وبعد ذلك بعاميْن، اعترفت عُصبة الأمم رسميًّا بالانتداب الفرنسيّ على سوريا ولبنان.
ولم تعترف فرنسا بالاستقلال السّوريّ إلا عام 1943 في الحرب العالمية الثانية، ولم تجلُ القوّات الفرنسيّة جُيوشها عن الأراضي السّوريّة حتّى نيسان (أبريل) 1946، حيث يوجد أيضًا الانتداب البريطانيّ لفلسطين الذي اتْبِعَ بقيام دولة "إسرائيل".
الموضوع كبير جدًّا بحيثيّاته وجُزئيّاته التي لا غنى عنها، وذِكرها يُثري الموضوع لإزالة بعضًا من اللّبس والتشويش لدى القارئ، خاصّة إذا كان بأهميّة هذه النقطة؛ لمساسها بحياتنا المتأثّرة انفعالًا بها منذ قرن مضى، ومازالت آثاره وتبعاته مُنسحبة على واقعنا إلى الآن.
بعد سفري قاصدًا العمل لفت انتباهي وظيفة مهمة منتشرة على نطاق واسع في الدوائر الرّسميّة وشركات القطّاع الخاصّ (مندوب العلاقات العامّة)، هذا المندوب مُفوّض بموجب التخويل القانونيّ بمُراجعة ومُتابعة كافّة معاملات وأشغال من كلٍّفه بذلك، ويستطيع التوقيع على المعاملات لدى دوائر الهجرة والإقامة والعمل وغيرها التي تستدعي مُتطلّبات الترخيص السنويّ وتأشيرات العمل. كما أنّ المندوب المالي وغير ذلك من مُسمّيات وظيفيّة، وانتُدِب الشَّخصَ للأمر: ندَبه، دعاهُ إليه، كلّفه إيّاه: أي انتدبه للقيام بمهمّة لفتح ملفّ الانتدابات، وعضو مجلس الإدارة المنتدب: هو المكلَّف بإدارة العمل على المستوى التنفيذيّ للشركة يُسمّى المندوب الموظّف المنتدب".
ومن ندَبَ شخصًا إلى أمرٍ: دعاه إليه، ورشّحه للقيام به، كمن ندَب شخصًا إلى الإشراف على بناء إنشائيّ، أو ندبَه لإنجاز صفقة تجارية أو تخليص معاملات التصدير والاستيراد، أو لإصلاح ذات البيْن بين خصوم، أو لتنفيذ مهمة قذرة بتفجير أو اغتيال وقتل، تتسّع فكرة المندوب لتتحوّل إلى ظاهرة مُتساوقة مع تطوّرات الحياة، لتشمل المُنظّمات الدوليّة التي تستقبل مناديب دول أعضائها، ويحصل أن يُرشّح الأمين العام للأمم المتّحدة إرسال مندب عنه لمهمّة يُكلّفه بها في منطقة مُعيّنة من العالم.
وقد ندبت الشاعرة الخنساء أخيها صخرًا بعد مقتله زمانًا طويلًا، وهي تُعدّد محاسنه وشجاعته ووسامته وكرمه ونُبل أخلاقه، وكلّ امرأة تحترفُ البُكاء على الميّت وتُعدّدُ محاسنه، وعلا صوتها أثناء تشييع الجنازة؛ فهي الندّابة وإذا كثر عددهنّ فهنّ النّدّابات، كما تندُب الأمّهات أبناءهنّ حين موتهم، والزّوجات أزواجهنّ، فبكت الخنساء على أخيها صخر حتّى عُميت ولهذا، نجد أنّ أغلب شعر الخنساء في الرّثاء، وأشهر ما يتردّد على الألسنة من قصائدها:
أعينيّ جودا ولا تجمُدا \\ ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى؟
ومن أطرف المراثي التي وصلت عبر كتب الأدب، مرثيّة الشاعر الفارس (مالك بن الرّيْب) حينما رثى نفسه، وقد تخيّل مشهد موته ومصرعه، وهو ما زال على قيْد الحياة، والقصيدة من عيون الشّعر العربي في هذا النّوع من الأدب، ومنها اخترتُ:
ألا ليتَ شِعْري هل أبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــتَنّ ليلةّ بجنب الغضا أُزجي القِلاصَ النَّواجِيا
فليت الغضا لم يقطع الركبُ عَرضَهُ وليــــــــــــــــــــــــــت الغضا ماشى الرِّكابَ لياليا
أُقلّبُ طَرْفي حـَـــــــــــــوْلَ رَحْلي فلا أرى به من عُيون المُؤنســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات مُراعِيا
وبالرّمل منّي نســــــــــــــــوةًّ لو شَـــهِدنَني بكين وفدّين الطبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب المداويا
فمنهنّ أمّي وابنتاهـــــــــــــــــــــــــــــــــا وخالتي وباكيةٌ أخـــــــــــــــــــــــرى تُهيـّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــجُ البَوَا كِيا
والموت من النّدوب التي تعلق زمانًا طويلًا في النّفس البشريّة، ومثلها نُدوب الجِراح، وندوب على الجِباه حفرة أخاديدها بعمق مآسي الحياة، ليتني أجيدُ الشّعر لأفعل كما مالك بن الرّيب وأرثي نفسي، لشعوري الدّاهم بأنّه لن يندُب عليّ أحد بعد فترة الشّتات التي أصابتنا، أفراد العائلة كلّ في بقعة من الكرة الأرضيّة ما بين الشرق والغرب، ولا أمل في لقاء قرب يجمع شمل المُشتّتين السّوريين.
عمّان – الأردن
30\ 11\ 2020

الأحد، 29 نوفمبر 2020

من ليما إلى ستوكهولهم

من ليما إلى ستوكهولم
بقلم - الروائي -محمد فتحي المقداد
بعدما ثبتت إصابتي بالمتلازمات على غير إرادة ولا تخطيط منّي؛ فقد تاهت أفكاري بعيدًا ما بين (ليما و ستوكهولم)، رغم أنّني لا أعرف هاتيْن المدينتيْن إلّا من خلال الأطلس الجغرافيّ الذي كنتُ أستخدمه في دروس الجغرافيا، بأمر أستاذنا أحمد اليوسف رحمه الله في المرحلة الإعداديّة والثّانويّة؛ لتثبيت ما كنّا نقرأ من أسماء لمواقع جغرافيّة مختلفة على الكرة الأرضيّة. ولسنوات طويلة ما زلتُ أحتفظ بنسخة من الأطلس، لدرجة أنّها أصبحت قديمة وعلى وشك أن تُصبح تراثًا من الماضي، لأنّ هناك خرائط دول تغيّرت، ظهرت لنا دولٌ جديدةٌ، دولة كردستان التي كانت جزءًا من العراق، ودولة جنوب السّودان، وكذلك الصّومال التي تحوّلت إلى ثلاث دول، واليمن التي توحّدت لسنوات على إثر حرب، وعادت لتنفصل بعد حرب، هذه بقيت على حالها في كتابي الأطلس القديم، الذي أحفظ عنه اليمن الشمالي، واليمن الجنوبيّ، لم يختلف الأمر شيئًا عند هذه النّقطة الأخيرة.
والأمر المُخيف في بلدي سوريّة بعد عِقد من الحروب والتدخّلات الخارجيّة، وشبح التقسيم المُريع عندها، لاشكّ أن كتابي هذا (الأطلس) سيصبح وثيقة تاريخيّة، وسأعرضه وقتها بعشرات الألاف من الدولارات، وسيعوّضني عن خساراتي الماديّة الكثيرة على الأقلّ خلال طيلة فترة الحرب. وسيصبح مرجعًا للوحدويّين الرّافضين لفكرة التّقسيم، ولن تستغني عنه لجان ترسيم الحدود فيما لو حصل ما أخشاه.. لا سمح الله.
ولم تكن (ليما)إلّا اسم عاصمة دولة (البيرو) في القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة، و(ستوكهولم) عاصمة مملكة (السّويد) الإسكندنافيّة في أوروبّا الشماليّة. والتي نصحني الكثر من الأصدقاء، لو كان باستطاعتي الهجرة عن طريق مفوضّية اللّاجئين أو بطريقة التّهريب الوصول إلى السّويد أمنية كلّ مهاجر في العالم؛ لاعتبارات كثيرة في العيش بمستوى يليق بالإنسان.
والتّساؤل المهمّ: ما الذي أخذني للتفكير في (ستوكهولم) ما هو إلّا أنّي أثناء قراءتي لرواية (إنّي أتعافى) –للكاتب الفرنسي (دافيد فوينكينوس) التي أهداني نسختها الإلكترونيّة مُترجمها الدكتور محمود المقداد. وفي أحد فصول الرواية ذكر المُترجم في الحاشية عن (متلازمة ستوكهولم)، الأمر الذي دفعني للبحث عنها، وكان: (هي ظاهرة نفسيّة تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوّه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف).
(وأُطلق على هذه الحالة اسم "متلازمة ستوكهولم" نسبة إلى حادثة حدثت في ستوكهولم في السويد حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك (كريديت بانكين) هناك في عام 1973، واتّخذوا بعضًا من مُوظّفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًّا مع الجُناة، وقاموا بالدّفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم).
قادني البحث للاستزادة إلى ظاهرة مُتلازمة (ليما) التي كانت على العكس تمامًا من المتلازمة السّابقة، حيث أنّها: (وفيها يتعاطف العدو مع المعتدى عليه بدافع الرحمة والتعاطف والشفقة، وقد جاء المصطلح بعد حادثة اختطاف الرهائن المدعوين في حفل رسمي برعاية السفير الياباني في مقر السفارة في ليما (البيرو) عام 1996 حيث أفرج أفراد من حركة المقاومة المئات من الرهائن بمن فيهم أهم الشخصيات في غضون ساعات قليلة فقط من الخطف وذلك بدافع التعاطف معهم).
خلال ما مرّ بي من الاستماع لكثير من كلام المعتقلين السّابقين لدى الأجهزة الأمنيّة العديدة في سوريّة، ممن أُفرج عنهم فإنّ عمُرًا جديدًا كُتبّ لهم، لابدّ أنّهم تعرّضوا لمثل هذه المُتلازمات التي لم أصّب بها، لكن من المُؤكّد أنّه وخلال فترة الحظر أُصبت بمتلازمة (الكوخ) الغريبة وغير المألوفة، لكن حين تبيّن لي أن تاريخ معرفة هذا المصطلح يرجع إلى أكثر من مئة عام، للإشارة إلى الأشخاص الذين اضطّروا للاعتزال في المناطق النائية، خاصة خلال فصل الشتاء حين يشتدّ البرد، ويضطرّ البعضُ للمكوث داخل البيت لأيّام، وأحيانًا لأسابيع دون هواتف أو وسائل تواصل اجتماعيّ.
على كلّ حالٍ الحمد لله، حينما تأكّدتُ أنّ متلازمة (الكوخ) لا تعتبر اضطرابًا نفسيًّا، ولكن أعراضها وتأثيرها معترف به في علم النفس على أنّها شيء حقيقي، كان فرحي عظيمًا حيث أنّني لا أحتاج للعلاج النفسيّ، والذي لا يمكنني دفع تكاليفه البّاهظة أو حتّى جزء يسر منها، تركيزي الأهمّ على أساسيّات الحياة الخبز وطبق البيض ودلو اللّبن الرّائب وصحن الفول.
كنتُ لا أودّ إخباركم أنّني أعتاش من معونات مُنظّمة الأمم المتّحدة للاجئين، وأنتظر بفارغ الصّبر نهاية كلّ شهر شحن بطاقة الأغذية الخاصّة.
عمان - الأردن
ــــا 28\ 11\ 202



التعليقات

الخميس، 26 نوفمبر 2020

إضاءة د.ميسون حنا( بتوقيت بصرى)




إضاءة على المجموعة القصصية

بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد


بقلم د ميسون حنا



بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من أنات جراء الويلات التي مرت على بصراه ، والغريب أن المجموعة القصصية التي لا تحمل أية أقصوصة منها عنوانا، فقد نسجها الغساني من واقع المعاناة والألم، وهو بذلك يلفت انتباهنا إلى بصرى بالذات ولكنه من حيث لا يحتسب قد جرنا للإلتفات حول بصرى أو خارج حدودها لنرى الواقع الأليم الذي يعانيه أبناء شعبنا في الوطن العربي كافة، بل هي معاناة الشعوب المضطهدة والمتألمة أينما وُجدت في هذا العالم، وفي عالمنا العربي خاصة حيث نعاني من ظلم الأعداء والاعتداء الغاشم علينا والذي يُقابل بالصمت وقد ورد هذا في نصين مختلفين حيث وردت عبارة: (سنحتفظ بحق الرد) صفحة ٤١ وفي صفحة ٦٣ في نص آخر، والذي يبدي رغبته في التعبير عن استيائه لهذا الظلم والصمت إزاءه يختفي ، والاختفاء مفهوم ضمنا.

وفي صفحة ٦٠ ورد: (في عام ١٩٦٣ حدث أن تفشى الطاعون في الشام، فزع الناس وخافوا فدخلوا كهفا عظيما واسعا وناموا) استفاقوا بعد أكثر من خمسة عقود وأرسلوا رائدهم لاستطلاع الأخبار فوجد الحياة انقلبت إلى جحيم من ظلم الظالمين والجوع وسوء التغذية، والسجون الغاصة بالمساجين ، والهجرة إلى بلاد الله الواسعة هي الموضة السائدة.

وهنا يبكي الغساني على الواقع المتدهور ويبكي على الأمة العربية، يبكي أهلنا في فلسطين حيث أن خمسة عقود هي تقريبا نفس الفترة التي مرت على نكسة ١٩٦٧ وما زال شعبنا الفلسطيني يعاني، فنحن نخرج من نكسة مهزومين إلى واقع مرير منكوس يقودنا إلى نكسات جديدة.

الكتاب كُتب بلغة رشيقة وعبر عن رفضه للواقع واحتجاجه على ولاة الأمر المستبدين الذين يقودون الأمة للهاوية، وتجدر الإشارة إلى صورة العقيد أبو شهاب الذي رسمته حلقات مسلسل باب الحارة ووصفته بالشهامة والرجولة إلا أن صورة العقيد في واقعنا الحالي ظالم مستبد متسلط على قومه وخانع أمام مضطهديه فهو من سلم البستان للعدو الصهيوني صفحة ٧٦

هذا الواقع المرفوض من قبل الكاتب  ومرفوض كذلك من كل فرد 

ينبض قلبه بحب بلاده، والرفض وإن كان معنويا إلا أنه سيقودنا إلى بر الأمان يوما ما، قد يكون هذا حلم وللأحلام سطوتها فهي تقودنا للأمل ولولا فسحة الأمل لمات العالم.



٢٦/١١/٢٠٢٠

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال - د. ميسون حنا) القصصية

الفكرة المكثّفة

في مجموعة (دموع من رمال - د. ميسون حنا) القصصية


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد 


   التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ واعية دقيقة للقارئ، وإدراك رسالة ما قرأ بدقّة تنعكس آثاره عليه إيجابًا، هذا الاتّجاه في تخصيص فكرة بالبحث استئثارًا بها، ومن جميع جوانبها تفتيقًا وتأصيلًا أعتقدُ جازمًا بجدواها على المدى البعيد، في سهولة استعادة استذكارها إذا ما تباعد الزمان بها. 

   وقد استهوتني هذه الجزئيّة الأساسيّة في أيّ عمل كتابيّ، وأميلُ إلى تطبيقه على كتاباتي جميعها، ووجدتُ ذلك عند (د. ميسون حنّا) واضحًا جليًّا ممّا شجّعني على متابعة القراءة بنهَمٍ وتأمّل لمجموعتها القصصيّة (دموع من رمال). 

   افتتحت مجموعتها بعنوان للنصّ الأوّل (المُهمّش الأوّل) ووصلت متلازمة العنوان إلى (المُهمّش السّابع) لتفرش أجنحتها على مساحة سبعة نصوص أخذت ثلث صفحات المجموعة القصصية، وبذلك تكون فكرة المُهمّشين ظاهرة مُركّزة تسترعي الانتباه، وملاحقتها على الصفحات وبين السطور، لاستطلاع الحالة ومحاولة قراءتها أدبيًا بما تستحقّ. 

   وللوقوف على دقّة كلمة (المُهمّش) ودلالاتها لا بدّ من مُتابعتها عن الطريق اللغويّ، ليكون المعنى الذي ذهبت إليه الكاتبة واضحًا في أذهاننا: (هامِش: اسم، الجمع: هوامشُ والْهَامِشُ: حاشيةُ الكتاب، جزء خالٍ من الكتابة حول النص في الكتاب المطبوع أو المخطوط، وفلانٌ يعيش على الهامش: مُنفردٌ غير مُندمجٍ في المجتمع.. مُهْمَل.. مُنعزِل).

   وبتتبّع نشوء حالة التهميش إذا طالت مجموعات بشريّة وعرقيّة وإثنيّة، نتيجة الاضطهاد من فئات استقوَت على الأقليّات، أو في حالة الدكتاتوريّة ذات النهج العدوانيّ، خاصّة إذا كانت قائمة على أصول فكريّة ذات أبعاد قوميّة مُتعالية بِشُوفينيّها الإقصائيّة الاستئصلاليّة التي لا تقبل بوجود الآخر أيًا كان. نشأت فئات اجتماعية واسعة منزوعة الحقوق والحريّات الشخصيّة والعامّة، بهذا المفهوم هم مُهمّشون، بينما الفئة الأوسع تهميشًا النّاتجة بحيثيّاتها من ظروف اقتصاديّة سيّئة عمّمت حالات الفقر الذي صار سِمَة وأساسًا لكلّ خلل اجتماعيّ، وهو ما عالجته الكاتبة ميسون في مجموعتها (دموع من رمال) على محمل دوائر ومفاهيم التهميش الاجتماعيّ.


العنوان:

   بالتوقّف أمام عنوان المجموعة (دموعٌ من رمال)، المؤلَّف من ثلاث كلمات، شكّلت جملة يتوسّطها حرف الجر (من) الذي كان معنيًا بتفسير ماهيّة كلمة (دموع)، وهي جمع دمعة، مصدرها العين، غالبًا ما تصدر عن حالة حزن وألم، وفي حالات نادرة عن الفرح الشديد، ولما أخبرنا حرف الجرّ أنّ هذه الدّموع هي من رمال؛ يجدر التوقّف لاستيعاب الصّدمة الدّاهشة بمفارقتها الماديّة والمعنويّة. لاختلاف طبيعة الدّموع السّائلة الشّفافة، وهي تتماهى تعبيرًا أدبيًّا افتراضيًّا في الجمع بين مُتناقضيْن طبيعة وتكوينًا، وإسقاط الحالة الفيزيائيّة فيما بينهما خلافًا لكلّ الاعتبارات العلميّة، والضرورات الأدبيّة تستبيح الممنوع بجواز الإبداع.

   كما أنّ عنوان المجموعة جاء من عنوان نصٍّ في داخلها، وفجيعة الموت خلطت أوراق الأُمّ كليمة القلب على وحيدها، وتقول الكاتبة: (اخرج عن صمتك يا أنا؛ فالحزن يتضاعف مع الصمت؛ فالدموع تقول أحيانًا ما يُعجز اللّسان عن النّطق؛ فالمساحة في صدري أوسع لتحتضن حزني، وتتفهّم فجيعتي، ولكن أكادُ أنفجر..) ص74. وإذا عُرف السبب بطُل العجب.


المهمشون:

منذ بدء الخليقة وعلى مدار تاريخ البشريّة عانت مجموعات واسعة منها الفقر، والحديث عن مُخرجاته كبيرة جدّا، دارت حوله أفكار المُصلحين والمفكّرين والكُتاب والمخلصين، وللأدب إسهاماته المؤثّرة في هذا المجال، ولم تكن الأعمال القصصيّة والروائيّة وبعض الشّعر، إلّا مرآة عكستها عين الكاتب الرّاصدة بوعي مُتقدّم على محيطه. 

   وجاءت الريادة الأدبيّة بتصوير دقيق وأمين للحالة، وفي هذا المقام أتذكّر رواية (نقمة المهمشين – ويكي فورسكول) ولا يمكن الحديث عن المهمشين في الرواية عمومًا من دون ذكر ثلاثيّة الكاتب المغربي (محمد شكري) (الخبز الحافي – وجوه- الشّطّار)؛ فقد أبدع في رصد العالم السّفلي للمهمّشين في طنجة، حيث اختلطت حياة أبطاله مع حياته، ووصف بدقّة وصدق بعيدًا عن التكلّف ما كان يراه، ومثله فعل الروائي السوداني (عبدالعزيز بركة ساكن) في رائعته (مُخيّلة الخندريس) تمامًا وإبراز المعاناة والألم والبحث الدائم عن لقمة تُسكت جوع البطون. 

  يطولُ ويطولُ الحديث الأدبيّ في هذا الاتّجاه، القليل منه يكفينا استشهادًا دلاليًا على موضوعنا، في مجموعة (دموع من رمال) التي رصدت سبعة نماذج اجتماعيّة مُهمّشة، جاءت تباعًا:

-المُهمّش الأوّل: ذلك الشّاب الكسول المُتواكل المُسوّف ليتحوّل إلى مُتسوّل مُحترف: (في الحقيقة طرقتُ أبوابًا كثيرة لأحصل على عمل) ص5. (لكي أفتح مصلحة يلزمني المال، والمال معدوم بدليل أنّي جائع) ص6. (وهكذا امتهنتُ مهنةً كنتُ رافضًا لها، أنا الآن في يُسْر، ولم أعُد جائعًا، لكنّي فقدتُ كرامتي) ص9. صحيح تمامًا أنّ لا كرامة لإنسان عندما يمدّ يده للتسوّل. 

-المُهمّش الثاني: شابٌّ عامل في مطعم لتحضير الفلافل والساندويتشات للزبائن، بأجر بسيط لا يتساوق مع تَواثُب أحلامه مثل أقرانه: (أفتح عينيّ.. ولا أرى إلّا الفراغ، منهمك بقلي حبّات الفلافل، أتت فتاة مليحة متورّدة، عقدتُ مقارنة بينها وبين فتاة أحلامي) ص12. (إن حذاءها مهترئٌ كحذائي؛ فليتّحد الحذاءان إذن) ص12. (خسرتُ حلمًا كان يسعدني، قتلته ببساطة عندما أردتُ أن أقحمه إلى واقعي، والواقع والحلم لا يلتقيان، أحدهما عدوّ صاحبه، بل قاتله) ص16. 

-المُهمّش الثالث: مُوظّف في شركة خاصّة: (الدنيا تتلاعب بنا نحن الغشيمين الذين لا يتقنون اللعب، نحن نتقن فنّ الدّعاء فقط) ص17. في حملة للشركة لتخفيض مصاريفها؛ أعلمت بعض مُوظّفيها بالاستغناء عن خدماتهم بتسريح تعسفيّ، من خلال إجبارهم على الاستقالة تحت التهديد بتهمة تُلصَق بالموظف الذي يرفض قرار مديره. (أكرهُ فكرة استسلامي، أكرهُ ضعفي وقلّة حيلتي) ص20. 

-المُهمّش الرابع: هذا أيضًا مُوظّف شركة، متل سابقه بفارق أنّ الأوّل عازب، والثاني مُتزوّج ذو عائلة، استغنت الشركة عن خدماته بسبب ضائقتها الماليّة؛ فالإفلاس يدفع إلى حافّة الهاوية، والطلبات بالتزاماتها المادية لا تنتظر ساعة الفرج، هي واجبة الاستحقاق، وهنا تظهر إشكاليّة احترام الذات مع وجود المال من وجهة نظر، وتنعدم الذات ذوبانًا مع افتقاده. 

-المُهمّش الخامس: مُوظّف حكوميّ بوظيفة مُستخدَم في مدرسة، يضطرّ للاستدانة من زملائه المُدرّسين، ومن ثمٍ توسّعت دائرة احتياجاته لتتماشى استداناته المستمرّة لتغطية طلبات أسرته الضروريّة والثانويّة: (الحاجة اللّعينة تجبرني أن أطأطئ رأسي وأمدّ يدي، لكنّي لا أمدّها للتسوّل لا سمح الله، وإنّما أنا أقترض) ص24. (دائرة أصدقائي تتوسّع، وتتوسّع ديوني، إلى أن يأتي الفرج الذي لا يأتي) ص27. 

-المُهمّشة السادسة: زوجة مات عنها زوجها: (كان سندي، غيّبته الأقدار عنّي ليرقد تحت الثرى مُخلّفًا ذكرى أثيرة إلى نفسي) ص28. اضطرت للعمل كخادمة في البيوت لإعالة نفسها مع طفلها الذي ينتظره مستقبلًا ابتداءً من المدرسة: (لملمتُ بقايا الأكل عن المائدة، إذ بسيّد الوليمة يهمس في أذني. قائلًا: لا تلقي البقايا في النفاية، بل اجمعيها وخذيها إلى بيتك لتأكلي مع ولدك) ص29. (أجهشتُ بالبكاء، نظر إليّ صغيري مُستغربًا، وقال: هل غضبت لأني أكلتُ كثيرًا، أنا لم أقصد.. لكن الأكل لذيذ) ص30. اللّقمة والكرامة، قضيّة دموع المرأة لا تخرج عن قضيّة اللّقمة، والصّراع النفسيّ مع الواقع المرير، والفقر لا يرحم. 

-المُهمّش السابع: عامل مُياومة توقّف عمله؛ نفذت نقوده القليلة أساسًا؛ نتيجة الحظر الوبائيّ للكورونا، الأفواه الجائعة لأطفاله دفعته لخرق الحظر، واقتحام بيت جيرانه في الحارة طلبًا للطعام. (كيف خاطرتَ بخروجك من منزلك، والحظر قائمًا) ص33. (أنا قصدتك سائلًا، أنا للأسف أقفُ ببابك شحّادًا الآن.. هذا هو الواقع، وإن كنتُ كارهًا له) ص34. تساؤلات قلقة. (ماذا سيحلّ في قادم الأيّام؟) ص37. 

   ثيمة الفقر،  والحاجة المُلحّة رابط لجانب اجتماعيّ مُهمّ من قطّاعات فئويّة مختلفة، نزلت الكاتبة إلى القاع لتقديم هذه النماذج السبعة بعدد أيّام الأسبوع، ليس لي كقارئ فقط، بل للفت نظر صاحب القرار إلى هذه الفئات التي تُناضل من أجل البقاء، تنتزع لقمتها بقوّة واحتيال على غوائل الدهر. بلغة سليمة بسيطة من مدرسة السّهل الممتنع، رشيقة الألفاظ غير المعقدة، برسالة واضحة تمامًا. 


عمّان – الأردنّ

24/ 11/ 2020

السبت، 21 نوفمبر 2020

متلازماتي 1

 مُتلازماتي (1)


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


لكي لا يذهب ذهن القارئ إلى لزوميّات أبي العلاء المعريّ؛ لم يخطر ببالي يومًا إصابتي بأيّ اضطراب سلوكيّ، مردّه إلى أيّ من المتلازمات، أذكرُ عبارات كثيرًا ما كانت تتردّد في ذيل كلّ ورقة رسميّة.

عند تجديد شهادة مهنتي في الحلاقة، أو أيّة معاملة أخرى، تتربّع في أسفل نموذج كلّ طلب عبارة: (الخلود لنضالنا النقابيّ)، (الخلود لنضالنا الطلابيّ)، (الخلود لنضالنا الفلاحيّ)، (الخلود لشهدائنا)، (الخلود لرسالتنا)، ذهب كلّ شيء ولم يبق إلّا ما أصابني من مُتلازمات.. عجز الأطباء على فَهْم حالتي المُستعصية في كلّ ما تعلّموا في تخصّصاتهم. لم تبق مُتلازمة من مُتلازمات الدّنيا إلا دخلتني، اعتبارًا من متلازمة (داون) واضطراباتها عندما تغيّر شكلي الخارجيّ بعد فترة حظر (كوروني) طويلة نسبيًا، تغيرات النمو والملامح الجسدية يبدو أنّها الاستعدادت الوراثيّة الكامنة في دواخلي، ونسياني لها. 

فترة الحظر أتاحت لي الكثير من الكسل والنوم لساعات طويلة كنت أشتاقها وأتمنّاها، تتوارد الذكريات بسلالاتها الطويلة المُتواصلة بلا انقطاع. من جديد فكرة الخلود. الشّعار الذي حفظته كما حفظت اسمي والذي لا أملك تغييره أبدًا. أيقنتُ بعد فَوات الأوان أنّني بلعتُ الطُّعم الواهم بهلاميّته الكاذبة، خاصّة عندما استمعتُ على اليوتيوب (لحن الخلود – فريد الأطرش)، مازال لحن فريد حيًّا مُحرّكًا مُتحرّكًا في ذاكرة الفنون ومُستمعيها. بينما أسطوانة الخلود التي كنتُ مُجبرًا على حفظها هي ما سبّبت لي أيضًا مُتلازمة (توريت) وكانت اضطراباتي بادية من خلال حركات يمكن ملاحظتها من أيّ شخص أقابله من خلال تكراريّتها على غير إرادة منّي، مع ترميش جفنيّ واهتزاز كتفيّ، وصرير أسناني تحتكّ ببعضها. 

والله أعلم مردّ مُتلازمتي مع توريت لأيّامي في بطن أمّي أثناء حملها بي، عندما سمعتُ حديثها ما صديقاتها وجارتها في جلسة وديّة اعتياديّة، قالت إحداهنّ همسًا في أذن أمّي: (خفّضي صوتك الحيطان لها أذان).

الجمعة، 20 نوفمبر 2020

فلسفة الفقراء

 فلسفة الفقراء..


أيّام زمان مرحلة ماقبل التسعينيات من القرن الماضي، ترشّح الفنان (أبو سعود) للانتخابات النيابيّة لمجلس الشعب في سوريّة، والخطّ العربيّ إحدى مهاراته التي كان رحمه الله لا يُجارى بها؛ فكتب إعلاناته الإنتخابيّة بنفسه، تمحورت جميعها: (انتخبوا مرشّح الفقراء والأرامل والأيامي والمساكين)، ولسنوات طويلة بعد ذلك بقيت هذه اللافتات ملتصقة بجدرانها التي نقشت عليها أوّل مرّة، ومع تقادُم الزّمان عليها بهُتت ألوانها وانمحت وزالت. 

في الحقيقة كانت هذه الشعارات محطّ تندّر منّا آنذاك حدّ السّخرية، لم تكن الصّورة واضحة معالمها في ذهني على الأقلّ. دمُ الشّباب الفائر آنذاك فيّ وأبناء جيلي، لم أستطع تخيّل العمق الفكري لشعارات (أبو سعود) التي تحكي الكثير والكثير من قصصنا نحن أبناء الحرّاثين. وأنّ هذه الشعارات قضيّة عُظمى تمسّ دقائق حياتنا بدقّة. 

إدراكي المتأخر للأمر أهون ألف مرّة من جهلي به حتّى مماتي. 

ومع المعاناة الإنسانيّة العُظمى غير المسبوقة على جميع الأصعدة لأهلنا داخل سوريّة. 

*الرغيف فلسفة الفقر العظمى..

*الإبداع والرغيف دَرْبان مُتضادّان مُتوازيان لا يلتقيان.

*الرّغيف الميدان الأعظم لتفكير الأفواه الجائعة، والبطون الخاوية المعتصرة ألمًا.

*الجائع بحاجة رغيف.. ويْح من يقُل له: اصبر..!!

*لا صبر مع جوع ودموع طفل.

ومقولة أهلنا عن شخص ما: (يركض..، والرغيف يركض أمامه سفر سنة) أو (يركض ورا الرّغيف ومو لاحقه). 

هذه الحالة صارت متلازمة لنا كسوريّين عُمومًا). 

........ 

#تأملات جائع#فلسفة الفقراء..

(الروائي محمد فتحي المقداد)

تأملات قرآنية