الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال - د. ميسون حنا) القصصية

الفكرة المكثّفة

في مجموعة (دموع من رمال - د. ميسون حنا) القصصية


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد 


   التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ واعية دقيقة للقارئ، وإدراك رسالة ما قرأ بدقّة تنعكس آثاره عليه إيجابًا، هذا الاتّجاه في تخصيص فكرة بالبحث استئثارًا بها، ومن جميع جوانبها تفتيقًا وتأصيلًا أعتقدُ جازمًا بجدواها على المدى البعيد، في سهولة استعادة استذكارها إذا ما تباعد الزمان بها. 

   وقد استهوتني هذه الجزئيّة الأساسيّة في أيّ عمل كتابيّ، وأميلُ إلى تطبيقه على كتاباتي جميعها، ووجدتُ ذلك عند (د. ميسون حنّا) واضحًا جليًّا ممّا شجّعني على متابعة القراءة بنهَمٍ وتأمّل لمجموعتها القصصيّة (دموع من رمال). 

   افتتحت مجموعتها بعنوان للنصّ الأوّل (المُهمّش الأوّل) ووصلت متلازمة العنوان إلى (المُهمّش السّابع) لتفرش أجنحتها على مساحة سبعة نصوص أخذت ثلث صفحات المجموعة القصصية، وبذلك تكون فكرة المُهمّشين ظاهرة مُركّزة تسترعي الانتباه، وملاحقتها على الصفحات وبين السطور، لاستطلاع الحالة ومحاولة قراءتها أدبيًا بما تستحقّ. 

   وللوقوف على دقّة كلمة (المُهمّش) ودلالاتها لا بدّ من مُتابعتها عن الطريق اللغويّ، ليكون المعنى الذي ذهبت إليه الكاتبة واضحًا في أذهاننا: (هامِش: اسم، الجمع: هوامشُ والْهَامِشُ: حاشيةُ الكتاب، جزء خالٍ من الكتابة حول النص في الكتاب المطبوع أو المخطوط، وفلانٌ يعيش على الهامش: مُنفردٌ غير مُندمجٍ في المجتمع.. مُهْمَل.. مُنعزِل).

   وبتتبّع نشوء حالة التهميش إذا طالت مجموعات بشريّة وعرقيّة وإثنيّة، نتيجة الاضطهاد من فئات استقوَت على الأقليّات، أو في حالة الدكتاتوريّة ذات النهج العدوانيّ، خاصّة إذا كانت قائمة على أصول فكريّة ذات أبعاد قوميّة مُتعالية بِشُوفينيّها الإقصائيّة الاستئصلاليّة التي لا تقبل بوجود الآخر أيًا كان. نشأت فئات اجتماعية واسعة منزوعة الحقوق والحريّات الشخصيّة والعامّة، بهذا المفهوم هم مُهمّشون، بينما الفئة الأوسع تهميشًا النّاتجة بحيثيّاتها من ظروف اقتصاديّة سيّئة عمّمت حالات الفقر الذي صار سِمَة وأساسًا لكلّ خلل اجتماعيّ، وهو ما عالجته الكاتبة ميسون في مجموعتها (دموع من رمال) على محمل دوائر ومفاهيم التهميش الاجتماعيّ.


العنوان:

   بالتوقّف أمام عنوان المجموعة (دموعٌ من رمال)، المؤلَّف من ثلاث كلمات، شكّلت جملة يتوسّطها حرف الجر (من) الذي كان معنيًا بتفسير ماهيّة كلمة (دموع)، وهي جمع دمعة، مصدرها العين، غالبًا ما تصدر عن حالة حزن وألم، وفي حالات نادرة عن الفرح الشديد، ولما أخبرنا حرف الجرّ أنّ هذه الدّموع هي من رمال؛ يجدر التوقّف لاستيعاب الصّدمة الدّاهشة بمفارقتها الماديّة والمعنويّة. لاختلاف طبيعة الدّموع السّائلة الشّفافة، وهي تتماهى تعبيرًا أدبيًّا افتراضيًّا في الجمع بين مُتناقضيْن طبيعة وتكوينًا، وإسقاط الحالة الفيزيائيّة فيما بينهما خلافًا لكلّ الاعتبارات العلميّة، والضرورات الأدبيّة تستبيح الممنوع بجواز الإبداع.

   كما أنّ عنوان المجموعة جاء من عنوان نصٍّ في داخلها، وفجيعة الموت خلطت أوراق الأُمّ كليمة القلب على وحيدها، وتقول الكاتبة: (اخرج عن صمتك يا أنا؛ فالحزن يتضاعف مع الصمت؛ فالدموع تقول أحيانًا ما يُعجز اللّسان عن النّطق؛ فالمساحة في صدري أوسع لتحتضن حزني، وتتفهّم فجيعتي، ولكن أكادُ أنفجر..) ص74. وإذا عُرف السبب بطُل العجب.


المهمشون:

منذ بدء الخليقة وعلى مدار تاريخ البشريّة عانت مجموعات واسعة منها الفقر، والحديث عن مُخرجاته كبيرة جدّا، دارت حوله أفكار المُصلحين والمفكّرين والكُتاب والمخلصين، وللأدب إسهاماته المؤثّرة في هذا المجال، ولم تكن الأعمال القصصيّة والروائيّة وبعض الشّعر، إلّا مرآة عكستها عين الكاتب الرّاصدة بوعي مُتقدّم على محيطه. 

   وجاءت الريادة الأدبيّة بتصوير دقيق وأمين للحالة، وفي هذا المقام أتذكّر رواية (نقمة المهمشين – ويكي فورسكول) ولا يمكن الحديث عن المهمشين في الرواية عمومًا من دون ذكر ثلاثيّة الكاتب المغربي (محمد شكري) (الخبز الحافي – وجوه- الشّطّار)؛ فقد أبدع في رصد العالم السّفلي للمهمّشين في طنجة، حيث اختلطت حياة أبطاله مع حياته، ووصف بدقّة وصدق بعيدًا عن التكلّف ما كان يراه، ومثله فعل الروائي السوداني (عبدالعزيز بركة ساكن) في رائعته (مُخيّلة الخندريس) تمامًا وإبراز المعاناة والألم والبحث الدائم عن لقمة تُسكت جوع البطون. 

  يطولُ ويطولُ الحديث الأدبيّ في هذا الاتّجاه، القليل منه يكفينا استشهادًا دلاليًا على موضوعنا، في مجموعة (دموع من رمال) التي رصدت سبعة نماذج اجتماعيّة مُهمّشة، جاءت تباعًا:

-المُهمّش الأوّل: ذلك الشّاب الكسول المُتواكل المُسوّف ليتحوّل إلى مُتسوّل مُحترف: (في الحقيقة طرقتُ أبوابًا كثيرة لأحصل على عمل) ص5. (لكي أفتح مصلحة يلزمني المال، والمال معدوم بدليل أنّي جائع) ص6. (وهكذا امتهنتُ مهنةً كنتُ رافضًا لها، أنا الآن في يُسْر، ولم أعُد جائعًا، لكنّي فقدتُ كرامتي) ص9. صحيح تمامًا أنّ لا كرامة لإنسان عندما يمدّ يده للتسوّل. 

-المُهمّش الثاني: شابٌّ عامل في مطعم لتحضير الفلافل والساندويتشات للزبائن، بأجر بسيط لا يتساوق مع تَواثُب أحلامه مثل أقرانه: (أفتح عينيّ.. ولا أرى إلّا الفراغ، منهمك بقلي حبّات الفلافل، أتت فتاة مليحة متورّدة، عقدتُ مقارنة بينها وبين فتاة أحلامي) ص12. (إن حذاءها مهترئٌ كحذائي؛ فليتّحد الحذاءان إذن) ص12. (خسرتُ حلمًا كان يسعدني، قتلته ببساطة عندما أردتُ أن أقحمه إلى واقعي، والواقع والحلم لا يلتقيان، أحدهما عدوّ صاحبه، بل قاتله) ص16. 

-المُهمّش الثالث: مُوظّف في شركة خاصّة: (الدنيا تتلاعب بنا نحن الغشيمين الذين لا يتقنون اللعب، نحن نتقن فنّ الدّعاء فقط) ص17. في حملة للشركة لتخفيض مصاريفها؛ أعلمت بعض مُوظّفيها بالاستغناء عن خدماتهم بتسريح تعسفيّ، من خلال إجبارهم على الاستقالة تحت التهديد بتهمة تُلصَق بالموظف الذي يرفض قرار مديره. (أكرهُ فكرة استسلامي، أكرهُ ضعفي وقلّة حيلتي) ص20. 

-المُهمّش الرابع: هذا أيضًا مُوظّف شركة، متل سابقه بفارق أنّ الأوّل عازب، والثاني مُتزوّج ذو عائلة، استغنت الشركة عن خدماته بسبب ضائقتها الماليّة؛ فالإفلاس يدفع إلى حافّة الهاوية، والطلبات بالتزاماتها المادية لا تنتظر ساعة الفرج، هي واجبة الاستحقاق، وهنا تظهر إشكاليّة احترام الذات مع وجود المال من وجهة نظر، وتنعدم الذات ذوبانًا مع افتقاده. 

-المُهمّش الخامس: مُوظّف حكوميّ بوظيفة مُستخدَم في مدرسة، يضطرّ للاستدانة من زملائه المُدرّسين، ومن ثمٍ توسّعت دائرة احتياجاته لتتماشى استداناته المستمرّة لتغطية طلبات أسرته الضروريّة والثانويّة: (الحاجة اللّعينة تجبرني أن أطأطئ رأسي وأمدّ يدي، لكنّي لا أمدّها للتسوّل لا سمح الله، وإنّما أنا أقترض) ص24. (دائرة أصدقائي تتوسّع، وتتوسّع ديوني، إلى أن يأتي الفرج الذي لا يأتي) ص27. 

-المُهمّشة السادسة: زوجة مات عنها زوجها: (كان سندي، غيّبته الأقدار عنّي ليرقد تحت الثرى مُخلّفًا ذكرى أثيرة إلى نفسي) ص28. اضطرت للعمل كخادمة في البيوت لإعالة نفسها مع طفلها الذي ينتظره مستقبلًا ابتداءً من المدرسة: (لملمتُ بقايا الأكل عن المائدة، إذ بسيّد الوليمة يهمس في أذني. قائلًا: لا تلقي البقايا في النفاية، بل اجمعيها وخذيها إلى بيتك لتأكلي مع ولدك) ص29. (أجهشتُ بالبكاء، نظر إليّ صغيري مُستغربًا، وقال: هل غضبت لأني أكلتُ كثيرًا، أنا لم أقصد.. لكن الأكل لذيذ) ص30. اللّقمة والكرامة، قضيّة دموع المرأة لا تخرج عن قضيّة اللّقمة، والصّراع النفسيّ مع الواقع المرير، والفقر لا يرحم. 

-المُهمّش السابع: عامل مُياومة توقّف عمله؛ نفذت نقوده القليلة أساسًا؛ نتيجة الحظر الوبائيّ للكورونا، الأفواه الجائعة لأطفاله دفعته لخرق الحظر، واقتحام بيت جيرانه في الحارة طلبًا للطعام. (كيف خاطرتَ بخروجك من منزلك، والحظر قائمًا) ص33. (أنا قصدتك سائلًا، أنا للأسف أقفُ ببابك شحّادًا الآن.. هذا هو الواقع، وإن كنتُ كارهًا له) ص34. تساؤلات قلقة. (ماذا سيحلّ في قادم الأيّام؟) ص37. 

   ثيمة الفقر،  والحاجة المُلحّة رابط لجانب اجتماعيّ مُهمّ من قطّاعات فئويّة مختلفة، نزلت الكاتبة إلى القاع لتقديم هذه النماذج السبعة بعدد أيّام الأسبوع، ليس لي كقارئ فقط، بل للفت نظر صاحب القرار إلى هذه الفئات التي تُناضل من أجل البقاء، تنتزع لقمتها بقوّة واحتيال على غوائل الدهر. بلغة سليمة بسيطة من مدرسة السّهل الممتنع، رشيقة الألفاظ غير المعقدة، برسالة واضحة تمامًا. 


عمّان – الأردنّ

24/ 11/ 2020

السبت، 21 نوفمبر 2020

متلازماتي 1

 مُتلازماتي (1)


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


لكي لا يذهب ذهن القارئ إلى لزوميّات أبي العلاء المعريّ؛ لم يخطر ببالي يومًا إصابتي بأيّ اضطراب سلوكيّ، مردّه إلى أيّ من المتلازمات، أذكرُ عبارات كثيرًا ما كانت تتردّد في ذيل كلّ ورقة رسميّة.

عند تجديد شهادة مهنتي في الحلاقة، أو أيّة معاملة أخرى، تتربّع في أسفل نموذج كلّ طلب عبارة: (الخلود لنضالنا النقابيّ)، (الخلود لنضالنا الطلابيّ)، (الخلود لنضالنا الفلاحيّ)، (الخلود لشهدائنا)، (الخلود لرسالتنا)، ذهب كلّ شيء ولم يبق إلّا ما أصابني من مُتلازمات.. عجز الأطباء على فَهْم حالتي المُستعصية في كلّ ما تعلّموا في تخصّصاتهم. لم تبق مُتلازمة من مُتلازمات الدّنيا إلا دخلتني، اعتبارًا من متلازمة (داون) واضطراباتها عندما تغيّر شكلي الخارجيّ بعد فترة حظر (كوروني) طويلة نسبيًا، تغيرات النمو والملامح الجسدية يبدو أنّها الاستعدادت الوراثيّة الكامنة في دواخلي، ونسياني لها. 

فترة الحظر أتاحت لي الكثير من الكسل والنوم لساعات طويلة كنت أشتاقها وأتمنّاها، تتوارد الذكريات بسلالاتها الطويلة المُتواصلة بلا انقطاع. من جديد فكرة الخلود. الشّعار الذي حفظته كما حفظت اسمي والذي لا أملك تغييره أبدًا. أيقنتُ بعد فَوات الأوان أنّني بلعتُ الطُّعم الواهم بهلاميّته الكاذبة، خاصّة عندما استمعتُ على اليوتيوب (لحن الخلود – فريد الأطرش)، مازال لحن فريد حيًّا مُحرّكًا مُتحرّكًا في ذاكرة الفنون ومُستمعيها. بينما أسطوانة الخلود التي كنتُ مُجبرًا على حفظها هي ما سبّبت لي أيضًا مُتلازمة (توريت) وكانت اضطراباتي بادية من خلال حركات يمكن ملاحظتها من أيّ شخص أقابله من خلال تكراريّتها على غير إرادة منّي، مع ترميش جفنيّ واهتزاز كتفيّ، وصرير أسناني تحتكّ ببعضها. 

والله أعلم مردّ مُتلازمتي مع توريت لأيّامي في بطن أمّي أثناء حملها بي، عندما سمعتُ حديثها ما صديقاتها وجارتها في جلسة وديّة اعتياديّة، قالت إحداهنّ همسًا في أذن أمّي: (خفّضي صوتك الحيطان لها أذان).

الجمعة، 20 نوفمبر 2020

فلسفة الفقراء

 فلسفة الفقراء..


أيّام زمان مرحلة ماقبل التسعينيات من القرن الماضي، ترشّح الفنان (أبو سعود) للانتخابات النيابيّة لمجلس الشعب في سوريّة، والخطّ العربيّ إحدى مهاراته التي كان رحمه الله لا يُجارى بها؛ فكتب إعلاناته الإنتخابيّة بنفسه، تمحورت جميعها: (انتخبوا مرشّح الفقراء والأرامل والأيامي والمساكين)، ولسنوات طويلة بعد ذلك بقيت هذه اللافتات ملتصقة بجدرانها التي نقشت عليها أوّل مرّة، ومع تقادُم الزّمان عليها بهُتت ألوانها وانمحت وزالت. 

في الحقيقة كانت هذه الشعارات محطّ تندّر منّا آنذاك حدّ السّخرية، لم تكن الصّورة واضحة معالمها في ذهني على الأقلّ. دمُ الشّباب الفائر آنذاك فيّ وأبناء جيلي، لم أستطع تخيّل العمق الفكري لشعارات (أبو سعود) التي تحكي الكثير والكثير من قصصنا نحن أبناء الحرّاثين. وأنّ هذه الشعارات قضيّة عُظمى تمسّ دقائق حياتنا بدقّة. 

إدراكي المتأخر للأمر أهون ألف مرّة من جهلي به حتّى مماتي. 

ومع المعاناة الإنسانيّة العُظمى غير المسبوقة على جميع الأصعدة لأهلنا داخل سوريّة. 

*الرغيف فلسفة الفقر العظمى..

*الإبداع والرغيف دَرْبان مُتضادّان مُتوازيان لا يلتقيان.

*الرّغيف الميدان الأعظم لتفكير الأفواه الجائعة، والبطون الخاوية المعتصرة ألمًا.

*الجائع بحاجة رغيف.. ويْح من يقُل له: اصبر..!!

*لا صبر مع جوع ودموع طفل.

ومقولة أهلنا عن شخص ما: (يركض..، والرغيف يركض أمامه سفر سنة) أو (يركض ورا الرّغيف ومو لاحقه). 

هذه الحالة صارت متلازمة لنا كسوريّين عُمومًا). 

........ 

#تأملات جائع#فلسفة الفقراء..

(الروائي محمد فتحي المقداد)

الأربعاء، 18 نوفمبر 2020

ثقافة الاحتياج

 ‏ثقافة الاحتياج

بقلم – محمد فتحي المقداد
الرّغبة مُطلقة الاتّجاهات والاعتبارات، مُبرّرة المقصد والوسيلة عند صاحبها على الأقلّ، ويرى ضرورة تحقيقها لاستدامة حياته بالصورة المُرتسمة في ذهنه المناسبة لاعتقاده وطريقة تفكيره ومزاجه، وكثيرًا ما تتحوّل إلى هاجسٍ مُلحٍّ مُحرّقٍ مُقلقّ لدواخله، تتحوّل الرغبة هنا إلى مرحلة النّهم والشّغف.
وتتطوّر الرغبة انطلاقًا من إسار الأحلام والرّؤى لتصير قضيّة احتياج، هنا تتبدّى نقطة الانطلاق إلى ساحة ثقافة الاحتياج الدّائمة.. لأيّ شيء.. لكلّ شيء.. على مبدأ سننتفع به مستقبلًا.. أكلٌ بلا شبع، رغبة الامتلاك.. التملّك.. الاستملاك. المُتطلّعة لما في أيدي الآخرين. حتّى أخذ الموضوع عند الكثيرين منحى الطمع.. الجشع.. عدم الشبع.. النّهم.. الشّغف.
حكمة حفظناها ووعيناها منذ صغرنا: (القناعة كنزٌ لا يفنى)، بالمقابل جاء من يقول: (إللي ما يطول العنب.. حامضًا عنه يقول)، رؤيتان متعاكستان في طريقة النّظر للأشياء.
في ظلّ المُتغيّرات العالميّة على كافّة الأصعدة، جميع المجتمعات الإنسانيّة دخلت دوّامات من الأزمات خاصّة الاقتصاديّة الخانقة وليدة انتشار وباء الكورونا، يبدو أنّ البشريّة على أبواب تبدّلات جوهريّة في السلوك والتواصل والنظر إلى الحياة.
...........
عمّان - الأردنّ
١٨/ ١١/ ٢٠٢٠
محمد صوالحة، توفيق جاد و٤٤ شخصًا آخر
٣٩ تعليقًا
مشاركة واحدة
أعجبني
تعليق
مشاركة

التعليقات

السبت، 14 نوفمبر 2020

مثل ومشكلة

 

 

مَثَلٌ ومُشكلة

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

 

*(إذا أردتَ أن تُخطّط لسنة فازرع أرزًا، وإذا أردت أن تُخطّط لعشر سنوات فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تُخطّط لمئة عام فازرع رجالًا) مثل فيتنامي.

في العام ١٩٩٨ كنتُ ما أزال أعمل بمهنتي (حلاق) في مدينة أبو ظبي، من طبيعتي بشكل دائم اتخاذ دفتر أسجلُ وأدوّن فيه ما يطرأ على بالي، وما يروقني مما أطالعه، ومذكراتي وخصوصيّاتي غير السريّة، متاحة للاطلاع لمن أراد بلا تحفّظ.

عندما أوثّق شيئًا بالكتابة أحفظه تمامًا، وحفظت هذا المثل الذي وجدته على ورقة جريدة.

في إجازتي السنويّة التي كنتُ أقضيها في مدينتي بُصرى الشام جنوب سوريّة، كانت لي جلسات مع الأحبة والأصدقاء، في إحداها والحديث يجرّ آخر، قلتُ هذا المثل الفيتناميّ، بعد أيّام حدث مالم يكن بالحسبان، وإذ بعتاب صديقي يصلني، عندما حلّل المثل: (بأنّي شامتٌ به، أثناء حديثي معه لم يكن يخطر ببالي أنه وقتها لم ينجب سوى البنات)، وقتها كان في نيّتي التوقّف عن السفر، للاستقرار في البلد لرعاية ابني هاشم الذي كان وحيدًا آنذاك، عالجتُ موضوع صديق.. في الحقيقة حتّى هذه اللّحظة لا أدري، هل اقتنع بوجهة نظري، واعتذاري له، وأنّني لم أقصد إحراجه؟.

عمّان- الأردن

١٤/ ١١/. ٢٠٢٠

 

 

 

الأربعاء، 11 نوفمبر 2020

لسان عربي

 

 

لسان عربي

 

مقالات ملفّقة (29/2)

بقلم محمد فتحي المقداد


   كتب العلّامة والمُؤرّخ عبدالرحمن بن خلدون كتابه، الذي لم نعرف منه غير المقدمة (مقدمة ابن خلدون)، بينما اسم الكتاب (ديوان المبتدأ والخبر من أيّام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر)، أعتقد أنّ طول العنوان بكلماته الكثيرة ذات الدلالات التاريخيّة والجغرافيّة، منَعَ الكثيرين من حفظه، ومقدمة الكتاب (مقدمة ابن خلدون) هي التي اشتهرت فقط، رغم  أنّها مُقدّمة للكتاب.

   عرب وعجم وبربر. جرت العادة التعبيريّة منذ أيّام العرب الأوائل بإطلاق لفظ الأعجميّ.. العجم...الأعاجم على غير العرب خاصّة من الفُرس، ثمّ عُمّم أكثر ليشمل كلّ غير عربي مهما اختلفت الأصول والمنابت، والعُجمة ما أُعجِم على الفهم من كلامٍ، وهو نقيض البيان والفصاحة، ومن ثمّ أطلق عليه لسان أعجميّ، وجاء التعبير القرآني: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) سورة النحل(103).

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ۝198فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ۝199سورة الشعراء. وعَجُمَ: (فعل) عجُمَ يَعجُم ، عُجْمةً ، فهو أعْجَمُ، وهي عجماءُ والجمع : عُجْمٌ. وإذا عَجُم الشَّخصُ، كانت في لسانه لُكْنَةً، وعدم إفصاح في الكلام، ولَمْ يَكُنْ فَصِيحاً.   

    بعد عصر الفتوحات الإسلاميّة بداية في عهد الخلفاء الرّاشدين وما بعد ذلك بكثير؛ استتبع ذلك إسلام شعوب وقوميّات بأكملها؛ ولكي يكتمل إيمانها وإسلامها لا بُدّ من الصلاة يوميًّا خمس مرّات، ولا صلاة بغير أمّ الكتاب (الفاتحة)، لأنّها لا يمكن أن تُقرأ إلّا بالعربيّة.

   والرّجل أعجم ، والمرأة عجماء، ويُقال للصبيّ ما دام لا يتكلّم ولا يفصح: صبيّ أعجم. كما أن ضرورات الحياة من اندماج، وتواصل، وتعاون ليتوافق ظرف سكّان البلاد المفتوحة مع العرب المسلمين؛ كان لا بُدّ لهم من تعلّم لغتهم؛ ليتعبّدوا الخالق، ويتعاملوا فيما معهم.

   بعد هذه الفترة بدأت تظهر مشاكل هؤلاء الجُدُد مع اللّغة الجديدة، وتنبّه العرب لمَ يُصيب لغتهم من اللّسان الأعجميّ، الناطق لحروفهم بطريقة غير صحيحة، نتيجة للتمازج والاندماج الضروريّ، بدأت تدخل كلمات ومصطلحات جديدة وتحريف الأصيل منها عن نُطقه ومعناه المُراد منه.

   هذا ما استدعى أمير المؤمنين (عليّ بن أبي طالب) كرّم الله وجهه، بالطلب إلى (أبي الأسود الدُّؤلي)، بتنقيط كلمات القرآن التي كانت قَبْلًا بلا نُقاط، وكان العرب يُفرّقون بين الباء والتاء، والدّال والذّال، الحاء والجيم والخاء، الرّاء والزّاي، السّين والشّين. العين والغين، وهي أربعة عشر حرفًا. وسُمّيتْ الحروف المُعجمة أيْ المشتملة على النُّقط، وعددها أربعة عشر حرفا: (ب، ت، ث، ج، خ، ذ، ز، ش، ض، ظ، غ، ف، ق، ن). وأعتقد أنّ إطلاق صفة المُعجمة التي كان سبب تنقيطها العجم، التي لم يستطيعوا فهمهما لمّا كانت على حالتها الأولى بلا نُقاط.

   وفي اللّغة ظهر مصطلح الحروف المهملة، وهي غير المنقوطة المقابل للمُعجمة. أي بهذا المعنى يكون نصفُ الأبجدية العربية حروفًا لم يستطع غير العرب نطقها بطريقة سليمة، وبهذا أية مصيبة يتحلّ ونازلة كانت ستدمّر اللّغة العربية، لولا المُبادرة من أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه.

   دكتاتوريّة الجغرافيا تفرض نفسها في أدقّ شؤون الحياة، قرية (العَجَمِيّ) الصغيرة الهادئة في الريف الغربية لمحافظة درعا على ضفاف نهر اليرموك جنوب سورية، من أغنى المناطق الزراعيّة الوفيرة بإنتاجها للخضار والفواكه؛ لكثرة مياهها المُتدفقّة من حولها عبر أقنية وجداول وعيون. وإمارة (عجمان) في دولة الإمارات العربيّة المُتّحدة، تُطلّ على مياه الخليج العربيّ.

   وبالعودة للسياق العام المُصاحب لهذين الموقعين الجُغرافيّين؛ نرى اشتراكهما بكلمة عَجَمْ، تاريخيّا يُقال أن مدينة (عجمان) كانت تسكنها قبائل العُجمان غير العربية، ومثلها قرية (العجمي) أنّها كانت مملوكة لشخص غير عربيّ معروف بالعَجَميّ، واكتسبت اسمها من اسم مالكها الإقطاعي.

  السّؤال المُلحّ: لماذا نرى هناك بعض العائلات في الشرق الأوسط والخليج تُكنّى بالعجمي؟.

   قديمًا كان (العَجَمِيّ) أحد التُجّار الدمشقيّين في مدينتي بُصرى الشام جنوب سوريّة، ومازال اسمه تتداوله الألسنة للدلالة على محلّه التجاريّ الدُكّان رغم تبدل مالكه. وفي السنوات الأخيرة ظهر اسم لقارئ القرآن العجمي ذو الصوت النديّ الرّقيق المُؤثّر بمن يسمعه، إضافة لنوّاب بهذه الكُنية في مجلس الأمّة الكُويتيّ.

   ومن عَجَّمَ نَصّاً يكون قد تَرْجَمَهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ إِلَى لُغَةٍ أعْجَمِيَّةٍ، والعَجَمُ  خلافُ العَرَبِ، الواحد عَجَمِيٌّ، نَطَقَ بالعربية أو لم ينطِق بها، العَجَمُ :عَلَمٌ على الفُرْس خاصَّة، وبلادُ العَجَمِ هي بلاد الفُرْسِ، إيران حاليًّا.  وعُجْمةُ الشّخص إذا كانت في لسانه لُكنة، وعدم إفصاح في الكلام: ''لم يستطعْ التعبيرَ عن نفسه بسبب عُجْمته، ومن أقَام مدَّة طويلة في بلاد أجنبيّة فقد عَجُمَ لسانه''.

   و(مقام عجم) من المقامات الموسيقيّة الشرقيّة الرئيسيّة، ويُعادل سُلّم (دو) الكبير في الموسيقى الغربيّة، وهو عبارة عن تتالي لعلامات موسيقيّة وفق أبعاد مُعيّنة وقواعد موضوعة لتصنيف اللّحن الموسيقيّ، يبدأ مقام عَجَم من علامة دو وينتهي عليها. مقام العجم مقام أساسي يرتكز على درجه العجم (دو)، وعند الشرقيّين يُسمّى بالعجم عشيران، لأنّه يرتكز على درجة العجم عشيران وهي درجة (سي بيمول القرار) نقلا عن ويكبيديا.

   وفي الجزيرة العربيّة يُطلق لفظ الأعجمي على الفرس خصوصًا، في الأندلس، يطلق اسم العُجميّة (الخميادو) على نصوص اللّغات الرومانسيّة المكتوبة بالحرف العربيّ، في غرب أفريقيا يطلق اسم العُجميّة (أجمي) على نصوص اللّغات الأفريقيّة المكتوبة بالحرف العربي، والعجم في العراق المجاورة لإيران تطلق على من يتحدّث العربيّة بطلاقة لكنّ أصوله فارسيّة.

   نهاية القول أنّ العُجمة نقيض فصاحة لسان العرب، وهذا القرآن الذي كان مُعجزة النبيّ ثبّت هذه الحقيقة، بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سورة فُصّلت 44.

   خلاصة القول فقد أعجمت ذهني اختبارًا، لتفتيق العُجمة نقيض الفصاحة ميّزة العرب، وقد جاء التحدّي الأبلغ فصاحة بأقوى منطقٍ وحُجّة من القرآن، الذي  كان تحدّيًا مُباشرًا على أن يأتوا بشيء مثله ولو آية، وأخيرًا قال تقريرًا ولن يستطيعوا، بهذا تكون مُلفّقتي أماطت اللّثام عن العّجمة، وسطرًا في سجلّ اللّغة، بينما لن يكون صُدفة أيضًا أن تكون تسمية مَعاجم اللّغة (القواميس) بهذه الكلمة، وبالتدقيق البسيط، ولماذا اصطُلِح على تسميتها معاجم؟. لأنّها كُتبت لغير العرب حتّى يستطيعوا فهم اللغة العربية، وللحفاظ على اللّغة نقيّة بأصولها، ولتوثيق الدّخيل عليها، وعليها ما أطلق عليها كلمات أعجميّة؛ لأنّ أصولها غير عربيّة. 

   ولم يخْلُ بيت من بيوت الأثرياء وقٌصورهم من السّجّاد العجميّ بألوانه الزّاهية، وصناعته المُتقنة، وقيمته الماديّة والمعنويّة لمن يمتلك شيئًا منها، خاصّة من الجيل الثّاني والثّالث لأجدادهم.

   وللدّخّان العجميّ نصيب في حياة فئة كبيرة من المُدخّنين الذين يُتقنون لفّ السجائر بأيديهم، ويمتلكون أدواته من العلبة الفضيّة والأنبوبة الخشبية المنقوشة بزخرفات على أطرافها، وتوضع السيجارة في مقدّمتها، وهي واسطة امتصاص الدخان وإيصاله لفم المُدخّن. وإطلاق اسم العجمي على التنباك والتّبغ إلّا للتفريق بينه وبين الدّخان العربيّ المعروف (الهيشي) برائحته التي لا أستسيغها أبدًا، وأهرب ممن يدخنّ هذا النّوع بعيدًا اتّقاء تلويث إيذاء حاسة الشمّ عندي.

*** 

 

   عمّان الأردن

11\ 11\ 2020

الأحد، 8 نوفمبر 2020

مشهدية تعددية الأصوات في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين

 

مشهدية تعددية الأصوات

في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين بزال

 

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

 

  المقدمة:

 تقنيّة الأصوات المُتعدّدة ظاهرة في الكثير من الأعمال السرديّة الروائيّة، وهي مجال رحب واسع للكاتب أن يتولّى طريقة إدارتها بشكل يضمن له خدمة مشروعه اشتغالًا واعيًا مُدركًا لطبيعة لتوظيف حواسّ أبطاله تفاعليًّا عميقًا، من خلال رسم مشاهد توريطيّة للقارئ المُستهدَف بالقراءة، وبالتالي جرّه بقوّة ليجعله جزءًا من العمل مُدافعا مُنافحًا عنه، مُتبنّيًا لفكرة العمل الروائي بحماس.

   الروائيّة (ريم بدر الدين) أوقفتني بقوّة مُتأمّلًا لافتة العنوان (ذاكرة ميّت)، المثيرة بإشكاليّة التساؤلات المُتولّدة في ذهني كقارئ، تسمّرت أمام مفارقة غير عاديّة أبدًا. أمر كلمة (ذاكرة) عادي جدًّا؛ كونها مُتاحة للبشر جميعًا على حدّ سواء بدرجات مُتفاوتة، وهي ميّزة إنسانيّة تتعالق مع طبيعة الإنسان النّاسية، لاستعادة ما حدث معه سابقًا، وما أصبح بعيدًا عن لحظته، هنا تتجلّى الذاكرة بدورها لجلب الأمنيات والأفراح والأحزان والتفاؤل واليأس.

 

العنوان:

   ومؤخّرًا مع شُيوع التقنيّات المُتقدّمة ذات الذكاء الصناعيّ، فقد تشاركت مع بني البشر موضوع الذاكرة المُستدعاة بطلب من المُستخدم، و(ذاكرة ميت) تتماثل تشابُهًا مع وظيفة الذاكرة المُناطة بها مع رواية (ذاكرة الجسد) للروائية الجزائريّة (أحلام مُستغانمي)، ورواية (ذاكرة العشق) للروائيّة (بشرى الصّافي)، ورواية (ذاكرة القلب) للروائية (نيسان الفرات) وهي مكتوبة باللهجة العامية، ومع كتاب (ذاكرة للنسيان) ل (محمود درويش). هذه الوقفة مع عنوانات ابتدأت جميعها بكلمة (ذاكرة)، مُبرّر منطقيّا أن تأتي للتعبير عن الجسد وصاحب العشق في عشقه لمحبوبته، ومع القلب بكافّة أحواله وتقلّباته فرحًا وحُزنًا.. لوعة واشتياقًا. وأن تكون ذاكرة للنسيان فهذه تكون قد انمحن لطبيعة موقعها مع النسيان.

   أمّا أن تكون ذاكرة ميت، هنا الإشكالية؛ مجرد الموت السريري والأنفاس مازالت تصعد وتهبط بذبول، فإن الشخص يكون مشلول الحركة تمامًا حتّى حركة جفنيْه بصعوبة بالغة، فما بالك بالأعصاب، ونشاط الدماغ ذهنيًّا جاعلًا في ساحات التفكير والذكريات. هذا هو غير الممكن أبدًا، ولكن الرّاوي العليم (ريم بدر الدين) فرضت دكتاتوريّتها على بطلها المُوازي، للهروب من استحقاقات الاصطدام بالجدار الصلب، واجتناب أوحال ومستنقعات الواقع بطريقة التفافيّة ذكيّة، ولا يظهر ذلك المنحى إلّا من خلال قراءة ما وراء الحروف والكلمات، ووعي الأهداف البعيدة والقريبة لرسالة الكاتبة التي تُريد إيصالها.

 

 

البطل:

   على الرغم من أنّ بطل رواية (ذاكرة ميّت) هو لسان البطل العليم أي (الكاتبة ريم بدر الدين)، ومن خلاله اشتغلت على بثّ أفكار برسالة أدبية واضحة المعالم برسالتها السردية ذات الصبغة الاجتماعيّة المُوشّاة بخيوط النقد، والإشارة إلى مواطن الخلل من وجهة نظر الكاتبة، بعين ثاقبة للفت الانتباه الزوايا السوداء المُعتمة، لتسليط الضوء عليها لمعالجتها، والخروج من حالة المُراوحة العاجزة عن بلوغ  مستوى السموّ الأخلاقي للارتقاء، ومغادرة المنطقة الرماديّة إلى المنطقة الواضحة، والتي لا تحتمل التأويل فيما البين.. بيْن.

   كما أنّها ككاتبة لم تحتلّ دورة بطل روايتها، بل استطاعت تحريكه بانتقالات رشيقة أشعرتنا أنّه لم يكن ميّتًا، أخذني معه.. جعلني أنبطح إلى جانبه مُتمثّلًا حالته بتطابق تامّ؛ للنظر من فُتحة منظاره الخاصّ، لأرى ما أراد هو لي بمشاهدته طوعًا قَسريًّا.

   حركة البطل داخل النصّ إيجابيّة، استنطق الصّامتين المتجمهرين حول مكان الحادث، ونقل لي مشاعرهم بصدق دون مُواربة، وأرادني التصديق بكلّ ما نقله من كلام وأفعال المُتكلّمين؛ ليُنفّرني من مفارقات السُّلوكيّات المُتذبذبة المتستّرة تحت رداء الصدق والفضيلة.

 

الحدث السردي:

   اللّعبة السّرديّة التي اتبّعتها الكاتبة ريم بدر الدين ذكيّة من خلال تكرار فصول الرواية تحت عنوان (ورقة) متلازمًا مع عنوان يتبعه وكأنه فرع له (الخروج من الذّاكرة)، لا أدري أنّ هذه اللّافتات السّرديّة التي فصّلتها بيدٍ خبيرة عالمة بما هي ذاهبة إليه، أذتني إلى  عوالم لافتات أحمد مطر الشّعريّة.

   أشعرتني كلّ ورقة بأنّها أثبتت حالة مأزق، ولا ينفكّ المأزق إلّا بالخروج من الذّاكرة لإتمام المشهد،  باستقصاء مُبسّط للأوراق الإثني عشر، وكأنّه استشراف دلاليّ على فضاء الرواية الممتدّ على سنة كاملة.    بعد هذه السياحة التي لابد منها للولوج منها، إلى موضوع عنوان هذه القراءة, مشهديّة تعدّد الأصوات في رواية (ذاكرة ميّت).

   بداية الرّواية صادمة بعنف مشهديّة سقوط رجل خمسينيّ على أرضيّة حديقة الطابق الأرضي للعمارة، وبقوله يتّضح الموقف: (لفظتُ أنفاسًا كأنّها الأخيرة في رحلة السّقوط.. كنتُ مُتيقّنًا أنّه السّقوط الأخير الذي أتعرّض له) ص15. ويتابع وصف حالته: (الناس حولي متسائلون مضطربون عمّن أكون؟ لم يلحظوا بركة الدمّ التي بدأت بالتجمّع تحتي، ولم يسمعوا صوت عظامي التي طقطقت بعنف) ص15. انتقل بنا من وصف حالته وما آلت إليه إلى وصف محيطه، وهو يُراقب الجموع ن النساء والرّجال والأولاد، وينقل لنا ما يدور على ألسنتهم بما مسموع، ومما زاد المشهد في اتّساع مساحته الأبعد، هو كشف المونولوجات الداخليّة المخفيّة في صدورهم، وهي الأشدّ إيلامًا بتفاعلاتها في نفس القارئ.  

   الرواية اتّخذت افتتاحيّتها من العُقدة، وبدأت بتفكيك الحدث على مساحة صفحات الرواية تتابعًا بإدهاش جميل مٌقنع بترابطه وتسلسله الآخر مع المُتقدّم.

   *مشهديّة تعدّد الأصوات، بوصف الرّجل الضّخم بكرسه الكبير، وقامته القصيرة؛ باستقراء نظراته: (لِمَ اخترتُ أن أسقط في هذا المكان بالذّات؟. ولِمَ تكون ملابسي بهذه الهيئة من الاتّساخ، وقلّة الترتيب؟.)ص16.

*جمع من النسوة بملابسهنّ البيتيّة: (إحداهنّ قرأت لي الفاتحة في سِرّها)، (بينما ظنّت جاراتها أنّني لا أستحقّ هذا ، فربّما كنتُ سكرانًا أو لصًّا). أكّدت أخرى في سرّها: (لا بُدّ أنّه كان في شُقّة الفنّانة التي تسكن في الطابق الأخير؛ فهي كثيرًا ما تستضيف رجالًا من كلّ المستويات..!!).  ص16وفيما يليه من أحاديث النساء الفضائحيّة  تلك هي حياة العمارات والبيوت المُتقاربة، حتّى الهمس مسموع لدى الجيران.

*رجلٌ عليه سمة الهدوء والوقار بقامة مُنتصبة رغم تقدّم العمر:  (قلّبتُ صفحة من دماغه قرأتُ فيها: لا بدّ أنّ وراء هذا السّقوط سرقة ما؛ فجارنا ف الطّابق الرّابع قد ربح منذ أيّام ورقة يانصيب بمبلغ كبير جدًّا، إذا حانت لي فرصة أن أختلي بالجثّة وأُفتّش جيوبه) ص17. ويتابع الرجل العجوز ينظر إلى الطابق الرابع ليرى أنّه لا نافذة مفتوحة، وليس ثمّة بللور مكسور، فتح قوسين في رأسه، وقال: (رغم ذلك لن يخيب ظنّي في تفتيش جيوبه).  ص17.

* وأنت أيّها المتثاقف  الواقف بين المتجمهرين تتخيّلُ أنّها فُرصة مناسبة لتستعرض نفسك أمام الحاضرين، أسمعكَ تقول: (إيّاكم ولمس هذه الجُثّة، ستجري الشّرطة رفع البصمات. ألم يقُم أحدكم بطلب الإسعاف؟ ربّما هاذ الرّجل لم يمُت تمامًا). ص18.

* على لسان البطل الجريح: (ذات التّنورة القصيرة والنّظّارات الرقيقة تقفين هنا حيرى متسائلة، تُحاولين البحث عن سبب منطقيٍّ لوجودي هنا، سأدخلُ من أذُنك، مخطئة أنتِ، عندما فكّرتِ أنّني ربّما أكونُ ناشطًا سياسيًّا هاربًا، ومُتواريًا في إحدى الشّقق العُلويّة، لا تُحاولي  أن تُؤكّدي نظريّتك التي عزّزتها مُلاحظتكِ البارحة لعدد غير طبيعيّ ممن يظنّون أنفسهم أتقنوا  التّواري في ثياب المُخبرين السريّين، كونك تسكنين في الشّقّة المُقابلة للمدخل) ص18+19.     

*الطبيب الأخرق كعادة أطبّاء الإسعاف مُبلّدي الحسّ: (أيّا الأبله، لا تقبض على معصمي بهذه القوّة تعُدّ النّبضات.. تتأسّف .. تلعن.. تهزّ رأسك فيَّ لتُعلنَ أنّني فارقتُ الحياة، دون أن تُكلّف نفسك عناء فحص بؤبؤي أو نبضات القلب أو معاينة الكسور. تقولُ في سرّكَ مُقتنعًا بأنّ تشخيصكَ صحيح تمامًا) ص19. أسمعُكَ بوضوح: (أشكرُ الله أنّه أراحنا من عبء إجراء الإسعافات، وما يستدعيه من عمليّات، هذه الجُثّة فعلت خيرًا بمُفارقتها الحياة، لت الجميع هكذا)، ويتردّد الصوت ثانيّة ليجب على مونولوج الطبيب: (أعرفُ أنّ صديقتكَ تنتظرك في مكتبكَ على أحرّ من الجمر) ص20.

* ضابط شرطة يتبختر كطاووس، نافخًا صدره، ورافعًا رأسه نحو الأعلى، بصوته الأجشّ المُدوّي في المكان:  (تراجعوا.. لا تدع أحدًا يُغادرُ المكان ريثما ننتهي) ص20. قامَ بتقليبي، كما يُقلّبُ كيسًا من البطاطا، ثمّ جعل رأسي باتّجاه الأرض، حدّث نفسه قائلًا: (لا بدّ أن أجد دليلًا على شُبهة جُرميّة، وإلّا فقدتُ احترامي في هذا الحيّ الملعون، أعرف ألسنتهم طويلة حادّة) ص20. ثمّ أعلن بصوتٍ عالٍ: (أحضروا خبير البصمات؛ ليقوم برفعها، واختموا المكان بالشّمع الأحمر، وسيجري استجواب كلّ من كان هنا) ص21.

*دلف إلى المكان رجلان يحملان النّقالة، لم يكترثا بحملي بعناية. سيّارة الإسعاف التي وُضعت فيها الحمّالة؛ أعرفها عندما رافقتُ زوجتي لتضع مولودنا؛ ثمّ لتموت هي وهو في ذات المستشفى الذي يأخذونني إليه. ص21.

* السّائقان  يُثرثران، ويتبادلان النّكات كما لو أنّ الذي يُقلّانه في سيّارتهما ليس جُثّة, أدارا المذياع؛ لتنطلق أغنية صاخبة مثيرة تُناسبُ النُّكات التي تبادلاها.

تتراءى لي الأشياء والأشخاص، وكأنّني أقفُ خلف زجاج مُتّسخ، أو في البرزخ الفاصل بين فضاءيْن مملوءيْن  بسائل هُلاميّ لزج. ص22.

   في الحقيقة بين هذا التّجوال في هذه المشهديّة المحكيّة على لسان البطل الميّت، وما خلفها من المشاهد المخفيّة لم تظهر، إلّا بدلالة كلمات وجُمل لم تُشر إليه صراحة، وإنّما السّياق العام للحدث يُفصح عنها بجلاء، وهو ما المجال الخصب لتأويل القارئ بما يروق له، وتفسيرها بما يراه يصلح لهذه المشهديّة.

   مهما قيل، فإن رواية ذاكرة ميّت عمل أدبيّ ناضج بإتقانه المُترابط، ودليل على ذهنيّة الكاتبة المُتوقّدة بذكاء عندما ابتكرت هذه اللّعبة السّرديّة، ورسمت لوحاتها التي تقدّم ذكرها بكلمات وجُمل قليلة كلمات محدودة، لا يمكن الاستغناء عن أيّ منها؛ للفت انتباه القارئ لما يعتملُ في نفوس النّاس، أمام مشهد الموت الرّهيب، ولا يتّعظون..!!، بل أضاءت الزوايا المُظلمة في دواخلهم.

 

عمّان الأردن

ــــــــــا 8\ 11\ 2020

  

 

 

 

 

 

تأملات قرآنية