الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

طقس الكتابة

طقس الكتابة

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


كأنّي بكلمة (طقس وطقوس) المصطلح الذي يطلق عادة على أشياء وأفعال عديدة، طقوس العبادة، الكتابة، الطعام، أصبوحات الأيّام وأمسياتها، التدخين، شرب القهوة والشاي، الأفراح والأحزان، وإلى ما هنالك من دوائر حياتيّة من الممكن إطلاق المصطلح عليها. 

وبتتبّع أصل كلمة طقس: فهي النظام والترتيب. والطّقْسُ: حَالَةُ الْجَوِّ مِنْ بَرْدٍ وَحَرَارَةٍ وَاعْتِدَالٍ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنَيْنِ، والطَّقْسُ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ: نِظَامُ العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَأَشْكالِها، شَعاَئِرُهَا وَاحْتِفَالاَتُهَا. 

من هنا ننطلق لهذه القضيّة المتلازمة مع كثير من الحالات ومنها الكتابة والكاتب. باعتقادي أن الكتابة لا تتأتّى ضمن طقس اعتياديّ يوميّ. مثلًا في زمن مُعيّن متى ما أراد الكاتب أو الأديب. 

إنّما ميلاد الكتابة يكون بعد مخاض عسير من تفاغلات هائجة مائجة في صدر الكاتب، جرّاء فكرة استوظنت عقله؛ فاستحوذت على جُلّ تفكيره؛ تؤرّقه.. تُخرّقه، ولذلك فالكتابة نتيحة للاحتراق الدّاخليّ؛ عندما تنضجُ استواءً بعد أن أخذت  مداياتها بلا رأفة بحال الكاتب. 

لحظة الولادة كما هو معلوم، وقتها محتوم لزوم التنفيذ لحظيًّا، بلا انتظار لطقوس مُعتادة، ورغبة في تناول القلم والورقة، وبحضور فنجان القهوة، وانطلاق الموسيقى، على وقع دخان سيجارة الكاتب. 

لحظة الكتابة غير مُرتبطة بكلّ هذه الأشياء، بينما تصعق كالبرق غير آبهة بكلّ الترتيبات هذه، وكما قيل لكلّ قاعدة شوْاذ، هناك بعض الكُتّاب من يُحيط نفسه بهالة قُدسيّة، وإعطاء الموضوع بُعدًا طُقوسيًا؛ كأنّه عبادة راتبة يستدعيها مجيء وقتها. وبهذا المفهوم تتنافى فكرة الإبداع مع الرّتابة الرّوتينيّة. كما حين تصبح العبادة عند البعض عادة، لا تنعكس بآثارها إيجابًا على صاحبها، مما يُشكّل مُفارقة مُتباعدة بين الفعل والعمل. 

اعتياد الأشياء يذهب بألقها، والألفة تذهب بالكلفة، وهذا الأمر ينسحب على الكتابة كفعل إنسانيّ بحاجة لصفاء الذهن أولًا، مع لزوم إيجاد الأدوات للتنفيذ في أيّ وقت كان، ربّما على قارعة الطريق، أو في الباص، أو أثناء الطعام، أو تأريق الكاتب ومنعه من النوم في مواعيده المعتادة. 

والإبداع مرتبط بقدرات الشّخص الذهنيّة، وحالته النفسيّة من الارتياح بقابليّات الفرح والسرور أو الأحزان والاكتئباب واليأس والقنوط. هذه الأحوال من المؤثرات تصبغ الكتابة بألوانها. 

كون الكتابة كائن متأثّر بالظروف المحيطة بالكاتب من حروب وأزمات فقر وبطالة، خاصّة في شرقنا العربيّ على خلاف الكاتب الغربيّ، مع توفّر الإمكانات والظروف المواتية لتفرّغه التامّ للتفكير، مع وجود فريق عمل مُتكامل يُساعده من خلال مكتبه، وما يجنيه من عائدات ربحيّة لنتاجاته الفكريّة. كلّ هذه المُحفّزات تجعل الكتابة المُجدولة ضمن مساق زمنيّ مُحدّد أو مفتوح أمرًا سهل التنفيذ، مع الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع بكامل طاقته ولياقته.

وتبقى لحظة الكتابة رغبة وإلحاح داخلي بعد بزوغ ميلاد الفكرة، هنا تُفرد مساحة الوقت والزمان للتقييد، ومثل الكلمات والأفكار كالطيور تتفلّت تطايرًا. وتقييدها كتابتها لتُحفَظ مخافة النسيان. 


عمّان - الأردنّ

4/11/2020

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2020

وللحرية الحمراء (مقالات ملفقة)

 وللحرية الحمراء..


مقالات ملفقة ( 30\2 )

بقلم ( محمد فتحي المقداد )*


كثيراً ما  أحاولُ  زَجْر َ ابني الصغير، عندما قيامه بفعلٍ تخريبيٍّ، أو كلمةٍ نابيةٍ  كان قد سمعها من أحدهم، فيقول لي : " أنا حُر " ، أتأمله متعجِّباً لفهمه، وعلى طريقته..!! ، رافضاً لكلامي وتوجيهاتي، ويريد فِعْلَ ما يروق  له .. تمرُّدٌ ورفضٌ منذ نعومة أظفاره  للوصاية عليه، فأردُ عليه :" أنت حُر .. وأنا أقبلُ بذلك بكل رضا ". 

فالحرُّ يكون ضدّ العبد، وقد خلق الله البشر أحراراً، ولا تزال كلمة سيّدنا عمر بن الخطّاب : ( متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أماتهم أحراراُ) لعامله على مصر – عمرو  ابن العاص – ، فالناس جميعاً متساوون أمام القانون، إذ أن تحقيق العدل هو هدف الأديان جميعاً، حتى أن المبادئ الوضعية و القوانين حاولت جهدها تقديم العدالة للجميع، بعيداً عن احتيال القضاة و المحامين. 

واتخذ التحرر ، أشكالاً عديدة، فقد كان لدعوة تحرير المرأة في بداية القرن العشرين، على يد داعيته رفاعة الطهطاوي،  الأثر البالغ   لدفع  الجمعيات النسائية العربية ، و على غرار نظيرتها الغربية، بالمناداة بتحرير المرأة، وقد كان الهدف لتحرير المرأة في المقام الأول هو الحجاب، وأول من خلعت حجابها في مصر هدى شعراوي، فكانت قدوة للأخريات

مجيء الإسلام كان ثورة حقيقة في مجال تحرير العبيد، واستنكر الزعماء ذلك، وهم يأنفون مساواتهم بالعبيد، ويوم الفتح أمر  الرسول  الكريم " بلال الحبشي " بالصعود على سطح الكعبة للأذان، وكثير من الأحكام التي وردت في موسوعات الفقه الإسلامي، فيها التفصيلات الكثيرة حول الرق وأحكامَ العِتق، وطرق تحريرهم من خلال المكاتبة بين العبد وسيده، كما أن الكفّارات  اتخذت أشكالاً عديدة في تحرير الرقاب، و اعتُبِرَتْ تقرُّباً إلى الله، كان  و تلك الأشكال من الكفّارات  التي بثّها الإسلام كانت في سبيل إنهاء  و تحريير  الرقيق  تماماً، ومحو آثارها  من المجتمعات الإنسانية. 

كما أن  أسطورة سبارتكوس ذلك العبد، الذي جمع العبيد حوله وتزعمهم، وعمل على إحداث ثورة على الأسياد والنبلاء في روما. واستولى العبيد على ايطاليا، وعلى طوال أربع سنوات حطم العبيد خلالها جيوش ،وعندما تعاظم خطر سبارتكوس على روما جهزت جيشاً قوامه تسعون ألف جنديٍ، واستدعت لقيادته قائد حامية سوريا المعروف بحنكته ودهائه القائد ( كراسوس  )و عمل على قمع التمرّد، ففي خلال  يوم وليلة،  قُتِلَ فيها قرابة مئة ألف شخص،  وكان من بينهم ) سبارتكوس  ) الذي مات وهو يقاتل يداً بيد مع رفاقه العبيد،  وصنع من جثث القتلى والأسرى السجق،همجية الحروب تفعل أفاعيلها بوحشية مخيفة. وفي العام 1865-1861  كان (  ابراهام لنكولن ) الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية، وفي عهده حدثت الحرب الأهلية، وحاول كثيراً العمل على تحرير العبيد، الأمر الذي لقي معارضة شديدة، وخضع لحل توفيقي مع معارضيه ( تحرير للعبيد دون مساواة مع البيض) .   وتوّج  جهوده بقرار إلغاء الرق في أمريكا عام 1863م ، وفي نهاية المطاف قتل الرئيس  في عام 1865 م انتقاماً منه.

ومن الأحداث المهمة في تاريخ الإسلام، كان فتح مكّة،  و حدثت ( بيعة النساء )،  و قد ذكر المفسرون عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ...} سورة الممتحنة(12).ووردفي صفة مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال: (على ألا يشركن بالله شيئاً) قالت هند بنت عتبة -وهي منتقبة خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، لمَِا صنعتْهُ بحمزة يوم أحد-: " والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال " – وقد كان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (ولا يسرقن) . فقالت هند:" إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا، فقال أبو سفيان: " هو لك حلال "، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- و عَرَفَها، وقال: (أنت هند؟). فقالت: " عفا الله عما سلف "، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني الحرة؟! ثم قال: (ولا يقتلن أولادهن، ولا يسقطن الأجنة)، فقالت هند: ربيناهم صغاراً وقتلتَهُم كباراً يوم بدر، فأنتم وهم أبصر. فالغرابة كل الغرابة   أن الحرة تزني ، وقد قالت العرب : ( تجوع  الحُرَّةُ و لا تأكل بثدييها ) 

وجاء إعلان  ثورة التحرير  الشعبية  الجزائرية في 1 نوفمبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830، ودامت طيلة 7 سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، وانتهت بإعلان استقلال الجزائر يوم 5 جويلية 1962 بعد أن سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد جزائري، وذلك ما أعطى الجزائر لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي. و انتهت الحرب بإعلان استقلال الجزائر في 5 جويلية 1962، وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه احتلال الجزائر في سنة 1830، وكان إعلان الاستقلال على لسان الرئيس الفرنسي ( شارل ديغول ).  كذلك  فإن البلاد التي تعرضت للاستعمار الخارجي، فقد اتخذت المقاومة في كثير منها على شكل  حرب تحرير شعبية، كما في الصين  وفيتنام وفي المغرب العربي بقيادة الأمير  عبدالكريم  الخطابي.

وفي عهد  الرئيس جمال عبد الناصر  في مصر، صدر قانون الإصلاح الزراعي ،  وهو محاكاة  للتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، قاموا بتحديد ملكية الأراضي وتوزيعها على الفلاحين، وقد طبق المشروع على مناطق في محافظة البحيرة و أطلقوا عليه اسم ( مديرية التحرير ). و تهدف فكرة  المشروع إلى جذب القوى العاملة و الطبقات  الفقيرة،  وتسليم الفلاحين الأراضي الزراعية وتوفير  مياه الري، من خلال  شق الأقنية  في جميع أنحاء المديرية ،لريِّ  الأراضي، وتوالت النجاحات حيث ولدت القرى الجديدة التي شكلت منظومة زراعية من أكبر المنظومات الزراعية. التي كانت تدر دخلا كبيرا للدولة و المساهمة في زيادة الدخل القومي.أما مديرية التحرير في اليمن، فهي عبارة عن حي يقع وسط العاصمة  صنعاء.   و كوني من محبي القراءة و المطالعة، وفي زمان مضى قرأتُ كتاب ( تحرير الوسيلة ) للإمام الخميني، و أذكرُ  أنه  خلاصة اجتهاداته الفقهية ، وفي كثير منها ماأثار الجدل كونها غير مسبوقة اجتهادياً، في محاولة تسويقها اجتماعياً ضمن الفئات التي تؤمن بمثل تلك الاجتهادات. ومهما تقادمت الأيام فلن يُنسى أمير الشعراء، وفي أجمل ما قال :   ( و للحرية الحمراء بابٌ بكلِّ يدٍ مُضرجَّةٍ  يُدَقُّ ). فالحرية تؤخذُ ولا تعطي، وهي قضية الشعوب الكبرى منذ فجر التاريخ، و ( الكلمة الحرّة هي أفضل السبل  لتدوين التاريخ وإعادة تأهيله ) . 

و  التحرير  قد اتخذ أشكالاً أخرى  في استخدامات الحياة اليومية، فمن  حرّر ( شيكاُ ) أو سنداً فقد كتب على نفسه إقراراً،  وإذا حرّر شرطي المرور مخالفة لسائقٍ مخالفٍ ، فقد كتبها ودوّنها، و أما من  حرّر قطعة أرض غشيمة، فقد قام بحراثتها  و زراعتها، و في مجال التقنيات الحاسوبية ظهر مصطلح ( التحرير ) و ما من مستخدم إلا   أصلح أخطاء كتابته ،  أو أضاف  أو حذف . و الحُرّة الكريمة، ويقال من  ناقةٌ حُرّة، والحُرّة ضد الآمة، وطينٌ حُرٌّ لا رمل فيه، و رملةٌ  حُرةٌ  لا طين  فيها، وأحرارُ البَقول بالفتح، ما يؤكل غير مطبوخ.

في جولة سريعة حررتُ إرادتي من الكسل فاستجمعتُ ذاكرتي  لحصر  النقاط الرئيسية التي  حرَّرتُها في مقالتي تلك، فكانت تحت عنوان ( وللحرية الحمراء ) وحاولت جُهدي الاختصار  تجنًّباُ للإطالة، وكي لا يُصاب  القارىء بالملل.


عمّان \ الأردن 

27\ 10 \ 2014

الجمعة، 23 أكتوبر 2020

الخطاب التنويري (مقالات ملفقة 28\2)

 الخطاب التنويري

مقالات ملفّقة (٢٨/ج٢)

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

كلّ خطاب لا بدّ له من آذان صاغية، ولعلّ في قصيدة (الخطاب) للشاعر نزار قباني: (أوقفوني.. وأنا أضحك كالمجنون وحدي، من خطاب كان يلقيه أمير المؤمنين؛ كلّفتني ضحكتي عشرَ سنينْ). ما يُعتبَر توصيفًا دقيقًا لحال الشّعوب الرّازحة تحت سياط الدكتاتوريّات التي لا ترحم؛ فصنعت من المآسي على مدار زمان استطالت ندوبه وجراحاته.
ففي مرحلة الخمسينيّات والستّينيّات من القرن الماضي كان الرّئيس جمال عبدالناصر خطيبًا ماهرًا، يُحاكي الجماهير من خلال موجات راديو (صوت العرب) المحطّة التي احتّلت اهتمام الشّعوب العربيّة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.
استفاق النّاس بعد سنوات على الحقيقة القاسية صبيحة الخامس من حزيران ١٩٦٧على هول الصدمة؛ سلاحُ الجوّ المصريّ تحطّم على مدارج المطارات العسكريّة، وللمحلل السياسيّ (أحمد سعيد) حكاية أخرى، فقط حفظ الناس جميعًا أقواله، خاصّة: "سنرمي إسرائيل في البحر، ولتأكلهم الأسماك". تساؤلات الجماهير عن القاهر والظافر، الصواريخ التي تردّد صداها في خطابات الريّس المُتكرّرة، وهي فخر الصناعات العسكريّة المصرية.
بقدرة قادر تحوّل الخطاب المهزوم، إلى خطاب مأزوم بنكسة، دهاقنة السّياسة وترويض الجماهير، استبدلوا كلمة الهزيمة بالنّكسة، ومن انتكس عن مواصلة المسير، سينهض من جديد.
كلّ خطيب له أدواته التي يستخدمها، مظهره، إيماءات يديه وعينيه، ومنهم من كان يضع النظّارات الشمسيّة، تقاطيع وجهه، لباسه الرسميّ أو العسكريّ، المايكروفانات الحاملة إشارات وكالات الأنباء العالميّة، كلّ ذلك يُشكّل شيئًا لدى المتابع، لخلق صدمة داهشة تستغرق عقله بهدف الاستحواذ على دواخله.
والخطابة عند العرب لها شأنها الهامّ، وفي الجاهليّة عُرِف عدد من الخطباء، ومنهم (قسُّ بن ساعدة الإياديّ) في سوق عكاظ؛ كان خطيب العرب قاطبة، ومَضرِبَ المثل في البلاغة، إذا ما عبّروا عن خطيب أو شاعر بليغ، فيقولون: "أبلغ من قسّ"، أمّا خطبته الأشهر على الإطلاق، ذات المطلع: "يا أيُّها الناس اسمعوا وَعُوُا وإذا وَعيتم فانتفعوا، إنّه من عاش مات، ومن مات فات وكلّ ما هو آت آت.. مطرٌ ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمّهات، وأحياء وأموات، جمعٌ وأشتات، وآيات وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أَرَضُوا بالمُقام فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا؟". يُقال أنّ هذه الخطبة منسوبة إلى (قس بن ساعدة) لأنّ مُعطياتها فيما بعد لا تتناسب مع اعتقادات العرب الجاهليّة.
الخطبة هي قطعة من الكلام المنثور، تُوجّه إلى المُخاطبين من النّاس مُباشرة أو عبر وسائل الإعلام؛ لوعظهم.. لإعلامهم.. ولإقناعهم؛ فإذا كانت خطبة ليوم الجمعة يجب افتتاحها بالثّناء على الله، والصلاة على النبيّ، والأمر بالتّقوى. بينما الخُطَب العامّة تُفتتح: (سيّداتي سادتي)، (أيّها الشّعب العظيم). وجمعُ خطبة خُطُبات، وخُطْبات، وخُطَب.
الخُطَب أشهرها على الإطلاق: خُطبتا الجمعة يجلس الإمام بينهما لوقت قصير، خُطبتا العيد وهما بعد تأدية صلاة العيد، خُطبتا الاستسقاء طلبًا للمطر (الاستغاثة)، خُطبتا الكسوف والخسوف بعد حدوث أيّ منهما، خطبتا عرفات في الحجّ في مسجد إبراهيم عليه السّلام، خطبة النّكاح في الدّيانات، وعند اليهود تكون بكلام الحبْر الذي يتكلّم به عند عقد الزّواج ومُباركته.
وخطبة أيّ كتاب مُقدّمته، أحيانًا توصف الخطبة بأنها بتراء، عندما لا تبدأ بحمد الله والثناء عليه، ومن أساسيّات الخطيب أن يكون واقفًا قائمًا على قدميْه مُعتَلٍ لمنبر، ذو لسان فصيح بليغ بصوته الجهوريّ المُتفاعل مع مُعطيات كلامه، للتأثير في نفوس مُستمعيه دافعًا بهم إلى هدفه الذي خطب من أجله.
كثيرٌ من العائلات اكتسبت لقب الخطيب، نسبة إلى رجل منهم عُرف في المجتمع، وتُطلق كذلك الخطيب على مُعلّم الأولاد قديمًا في الكتاتيب، وقارئ تراتيل الأدعية والأذكار، هذا في العُرف الشّعبيّ. والرّجلُ إذا خطبَ صار خطيبًا يُحسن الكلام على المنبر. عندها يُطلق عليه الخطيب.
عندما يتقدّم رجل للزواج من امرأة يكون قد خَطَبَها لنفسه أو لابنه، فُتصبح المرأة مخطوبة، ومرحلة الخطوبة من الممكن أن تطول في بعض الحالات امتدادًا لسنوات، لظروف ماديّة قاهرة، أو سفر بعيد. و من طلب يد امرأة، فهو طلبها للزواج، وإذا خطبها من أهلها، طلبها منهم للزواج. وإذا خطَب أحدٌ وُدّكَ عندها فهو يتودّد إليكَ، وإذا خَطَبَ كذا أي طلبه منه.
الخطْبُ الأمر أو الشّأن، صغُر أو عَظُمَ، وقيل: هو سبب الأمر، يُقال: ما خطْبُكَ؟. والخطْبُ هو سبب الأمر، وهناك الخطْبُ العظيم الجَلَل أو اليسير. استحضرني هنا الشّاعر العبّاسيّ (علي ابن الجهم) حينما وفد على الخليفة المُتوكّل، ولأوّل مرة بين يديه مادحًا، وهو الشاعر البدويّ الفصيح المطبوع؛ فلم تُسعفه قريحته بأجمل من هذا الكلام؛ بسبب إقامته الدّائمة في البادية، التي انعكست مُفرداتها بما قال للخليفة:
"أنت كالكلب في حفاظك للوُدّ \\و كالتّيْس في قِراع الخُطوبِ
أنتَ كالدَّلوِ، لا عدمناك دَلْوًا \\ من كِبار الدِّلَا، كبيرَ الذَّنُوبِ".
وكيف لشاعر بهذا المدح، ولمن..!!؟، للخليفة. وسط الدّهشة والاستغراب بأنّ الخليفة كالكلب في حفظه الوُدّ، وكالتيس في مواجهة المصاعب والأخطار، وكالدّلْوِ (الذّنُوب) الذي تُنتشل به الماء من قاع البئر.
لكن الخليفة المتوكل لم يغضب، ولم تُصبه الدّهشة، لعلمه الدّقيق بطباع أهل البادية النقيّة بمقصدها، وقساوة حياتهم المُنعكسة معنويًّا على طباعهم وأقوالهم وتصرّفاتهم، وماديًّا في القول والملبس والمأكل. بينما هو متأكّد من نُبل مقصده من خلال بلاغته حتى وإن جاءت بتعابير ألفاظ غير معهودة في مثل هذا الموقف، ومن يُدرك هول الموقف بين الخليفة، من الممكن أن يُكلّفه حياته في سوْرة غضبه.
كانت الرّصافة ذاك الوقت هي بغداد الحديثة بامتداداتها المُستحدثة، فأمر الخليفة للشاعر بقرّ إقامة جميلةٍ على شاطئ دجلة، ليُعاين الحياة البغداديّة الجديدة، يُـقيم الشاعر (علي ابن الجّهم) مدة من الزمن على هذه الحال، بعدها يستدعيه الخليفة. فأنشده الشاعر قصيدة أحدثت المفاجأة بما جاءت به... قصيدة من أرقّ الشعر و أعذبه: "عيون المها بين الرُّصافة و الجسر \\ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري".
عندها قال المتوكل: "انظروا كيف تغيّرت به الحال، والله خشيتُ عليه أن يذوبَ رِقّة و لَطَافة".
فالخطابة موهبة فطريّة، ومقدرة ذاتيّة من مفردات بلاغيّة طلِقة، وذاكرة وقّادة تستحضر ما تريد؛ فليس كلّ مُتعلّم وإن عَلَت شهاداته هو خطيب، ومن الخّطباء من يوصف أنّه يهزّ المنابر بجهارة صوته، وقوّة منطقه وحُجّته، وهو كناية عن تأثير بهزّ قلوب ومشاعر من يستمع إليه. على خلاف من تكون خطبته باردة تئنّ، تُنسى عند نزول الخطيب من منبره.
ولأهميّة الخطابات وما لها من التأثير المباشر وغير المُباشر على الجماهير، فهي ظاهرة عالميّة قديمًا وحديثًا. السّاسة والقادة في هذا الزّمن يلجؤون للخبراء في انتقاء الأفكار والمُفردات لعناية فائقة، لإحداث التأثير المطلوب المأمول، لتنفيذ ما تصبو إليه سياسة الدّول والمُنظّمات والتنظيمات.
ربّ احفظ بلادنا وأهلنا من خُطوب اِدْلهمّت بِفِتَنِها كقطع اللّيل المُظلم، ونحنُ في قاع القاع نرسُفُ في قيود الذلّ. الفقر. الجهل. الحروب. المجازر والتهجير الجماعي. إضافة لتسلّط الأعداء، ووباء أصاب (كورونا) الكون أجمع.
عمّان – الأردنّ
ـــــــــــا 23\ 10\ 2020

على البوسفور

على البوسفور.. (خاطرة)

 

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد

 

صديق يقف على ضفة البوسفور، أثناء زيارة استجماميّة إلى تركيا، أثارتني صورته؛ لأكتب رسالتي له:

«وأنت بين قارتين.. بين عالميْن.. بين فقر وغنى.. بين بلاد القِلّة والوفرة .. بين بلاد الضعفاء والأقوياء.. ولك أن تتخيّل من موقعك هذا.. الهُوّة السّحيقة الفاصلة بينا وبينهم.. رغم مسافة البوسفور الضيّقة.. التي تعتبر مشوارًا صغيرًا.

صديقي اسْتمتع بوقتك .. مُستلهمًا من وَهْج المكان الكثير من التاريخ وعِبَره.

الحروب والعابرين بانتصاراتهم والرّاجعين بانكساراتهم، والرابحين بتجاراتهم، والقراصنة بغنائمهم.. أنتَ في بُؤرة ارتكازيّة للصّراع المتوهّج قديمًا، المُتجدّد حديثًا بلا انتهاء.. الشّمس على مرآى من عينيّ تغيب.. وأظنّ أنّها ستتوقف عند البوسفور بإشراق دائم، في هذا المكان لن تغيب  أبدًا.

أينما تقف يا صديقي: هو حدّ الدنيا لي كمشرقيّ، ولو كنتُ في الغرب لكان لي مشرق الشّمس في كلّ يوم، فإذا ما كنتَ عابرًا له على متن قارب، أو عبر الجسر أو النفق، تأكّد بأنّك بين الشرق والغرب، وقصر المساقة بينهما هي نقيض الهوّة الحضاريّة، التي لن يُجسّرها أو نفق.

ساحة تقسيم الإسطنبوليّة خير دليل على كلامي. استطانبول تتنازعها شرقيّتها العثمانيّة مجد حضارتها، وأوربيّتها في جزئها الغربيّ المُقزّمة خلال قرن مضى بكافّة الملامح والأشكال.

تحياتي


الخميس، 22 أكتوبر 2020

اضاءة على رواية كان. زياد صلاح

 قرأت لكم

إضاءة 

على رواية (كــان) للروائي والنّاقد (زياد صلاح)

بقلم \ محمد فتحي المقداد


يتوقّف القارئ مثلي مدهوشًا أثناء مطالعته لرواية (كــان). هذا النّوع من الكتابة المُتقنة، بتركيزها الفائق على أفكارها، وأجمل وصف وجدتُه لها: "إنّها كمحطّة القطار في عمّان، ما زالت تحتفظ بمقتنياتها". روايةٌ مؤثّثة بأدواتها الفكريّة، والسرديّة القائمة على حوار الشخصيّات، وعلى نمط من حوارات الأشياء والجمادات، في محاولة من الروائي (زياد صلاح) لإعطاء بُعدٍ رابع لها، لإضفاء سمة  الأنسنة عليها بأسلوب بديع، يلفت الانتباه إليه. 


عنوان الرواية هو عتبتها، وكونُه فعلًا ماضٍيًا، تأكّد أنه انصبّ على الماضي، وله علاقة وثيقة بالذكريات، اعتمادًا على تدفّقها بذاتها عبر الذّاكرة، وهي متماسكة بقوّة، كما الشّال الأسود الذي سمّاه الرّوائي (قيد الحريّة)، حينما كانت أمّه تربطه به موصولًا بمعصمها خوفًا على ابنها، ومن ثمّ أرسله أحدهم إلى الشّاطئ؛ ليكون حبل نجاة أخير. 


ذاكرة أبطال الرواية استعادت وهج المكان في مدينة عمّان، فجاء الوصف شاملًا لأماكن عديد في وسط البلد، واستنهضت ذاكرة المكان، ومسحت غُبار الزمن عنها.


رواية (كــان) مُثقّفة لما قدّمته للقارئ وجبة دسمة، في مختلف شؤون الحياة، من خلال الاشتغال على المونولوج الداخلي لشخوص الرواية. وتفصيل الظروف المصاحبة لكل فعل، وردّة الفعل من الطرف الآخر، أو ردّة الفعل الداخليّة للشخص نفسه، بما يُشبه الانفجار الذاتي تجاه موقف مثير، (الإحساس بالزمن، ليس هو الزمن، فتلك خدعة ذاتية لا تنطلي إلّا على الذين يعبدون أنفسهم تحت الشمس). (لم أنسَ أن أُعرّف بنفسي.. ولكنني كنتُ أبحث عن باب كبير ومستدير مثلي، كي أدخل منه إلى هنا). (في حلق الباب تمامًا.. تواجهنا لأوّل مرّة، فاصطدمنا ببعضنا بقوّة، ولكن.. دون أن يمسّ أحدنا الآخر). (كان يظنّ بأنّه يُصافح شخصًا ثالثَا.. أمّا أنا، فلقد كنتُ أشعر أنني أصافح نفسي).


وكذلك أيضًا تعتبر في بعض جوانبها رواية مفاهيميّة، من خلال تركيزها الواضح على مفاهيم دقيقة في  الفلسفة وعلم النّفس، والحياة وما وراءها، في تحريض مباشر ، وإثارة الأسئلة الكثيرة، على طريقة المُتوالية الهندسيّة، فكلّما ظننت الوصول لمحطة من الممكن التوقّف فيها لالتقاط الأنفاس؛ فإنك تفاجأ بانفتاح نافذة جديدة تؤدّي إلى أسئلة جديدة. وهكذا دواليْك.

(تنقص الأعمار - تمامًا - بقدر ما تزيد). (أحبّ النوافذ.. وأكره الأبواب، فالنوافذ لا يطرقها أحد).(كم كنتُ أمنّي نفسي بالقفز عن ذلك الحائط، فلقد كان، وفي الوقت الذي يُظهرني للآخرين.. يحجبني عنّي). (الشّرفة التي تصلني بالعالم، وتفصلني عنه في آن واحد). (ياللعجب..!!، كيف يمكن لأحدنا السفر من حجرته إلى الحجرة المجاورة بالطائرة؟). (من قال بأنّ اللحظة لاتفصل بين قرنيْن من الزّمن؟). (ما أصعب أن يكون وجه الشّبه بين شيئين بلا ملامح).


 الرواية مليئة بومضات أدبيّة قصصيّة، فيها روح الـقصّة القصيرة جدًّا (ق.ق.ج)، بنصوص متكاملة،  وفيها الحدث والخاتمة المدهشة بمفارقاتها اللّافتة لنظر القارئ، والأمثلة كثيرة، أنقل بعضًا منها على سبيل الاستشهاد فيما ذهبتُ إليه: 

(عندما كنتُ طفلًا، كنتُ أحيانًا أغمضُ عينيّ؛ لكي لا يراني أحد). (أدركها النّدم الذي لم تكن يومًا تحبّ الالتفات إليه، فاستدارت إلى الخلف، وشعرت كأنّها استيقظت للتوّ من النوم، وهي واقفة على الرّصيف). (تصافحنا، وكأننا نعتذر سلفًا عن لقاء مُنتظر..، ثم افترقنا على أمل أن نلتقي مرّة أخرى..، ولو في حلق باب آخر). (رأس تلك الطفلة البريئة ثمنًا لصراع مرير بين باطل يرتدي ثوب الحق، وحقٌّ يرتدي ثوب الباطل). (اتّجه إلى باب المنزل.. أمسك بمقبضه الصدئ.. وشدّه إلى الأسفل بقوّة.. وعلى عجلٍ.. فانفتح الباب..وهمَّ بالخروج. لكنّه لم يجد الخارج).ٍ (سأوجّه ناظريّ إلى بنادق الصّيد، وأنتزعها بهما دون تردّد، وسوف أكونُ جريئًا، وأنا أصوّبها نحو البعيد، ثم أطلقُ الرّصاص على غيابك الذي طال..؛ لكي تعود). 


تتميّز الرواية بموضوع هام، ألا وهو أنسنة الأشياء الجامدة والمعنوية، وبثّ روح الحياة فيها، من خلال حوارات صامته فيما بين شيئين متجاورين، (أتخيّل التاريخ شيخًا طاعنًا في السنّ، يقطن  في أوّل الزّمان وحيدًا، بلا زوجة.. ولا أولاد.. ولا أحفاد، يغفو على شهيق الأرض، ويصحو على زفيرها). (كلّ مدينة أردنيّة، هي نقطة مضيئة في آخر السّطر). (كلّ عربة من عربات القطار.. تحمل تأويلًا ثقيلًا.. لحلم من أحلامنا المستحيلة). (إنّ الخيال.. غالبًا ما يحتاج إلى أن يستدرّ عطف الصّدفة، حتّى تتيح له بأن يتطابق مع الواقع). (تابع مسيرك نحو " سبيل حوريات" الذي يمسك بقبضته الحجريّة  القويّة "سقف السّيل"، كي لا يسقط حاضرنا على ماضينا؛ فيتحطّم القادم، ويستحيل إلى ركام) سقف السّيْل وحوريات الماء، مكانان في مدينة عمّان. (أظلّ أنا مثل هوائيّ قديم، ليس له من شأن، سوى التقاط أخبار الآخرين، وإعادة بثّها إليهم من جديد، وفي كلّ اتّجاه). (لا يوجد من هو مخطئ على الدّوام، فحتّى السّاعة المتوقّفة تكون على حقّ مرّتيْن في اليوم). (ثمّ انصرفوا جميعًا.. فتبعته سحابة من الدخان إلى خارج المقهى، وبينما كانت هبّاتٌ من الهوى المنعش؛ تتظافر لتبدّد تلك السّحابة من فوق رؤوسهم..؛ أجمعوا هذه المرّة على ألّا يتحدّثوا عن نهاية المطاف..، بل معها).

 

هناك ظاهرة فريدة في الرواية، وهي تتضمّن الكثير من المصطلحات المستخدمة في الحياة، وإعادة تدويرها بطريقة مبتكرة، دالّة على عمق ثقافة الروائي زياد صلاح، فعلى سبيل المثال لا الحصر.

 - ضرع الأرض الثالث (الحليب الأسود): أي النّفط.

- السّرنمة: السّير أثناء النوم.

- النّمرسة: النّوم أثناء السّير.

- قاع المدينة: للدلالة على وسط مدينة البلد.

- إنكار الذّات: من التفاني في خدمة الآخرين، وعدم حبّ الظهور للعلن للتباهي بجميل ما فعل.

- السياسة المثلثة الأضلاع: دلالة على سياسة "هنري كيسنجر" على احتواء الصّين مثلا.

- قيد الحرية: انظر حريّة مع قيد لها، كيف يتطابق ذلك.

- الأبابة: كلمة عربيّة أصيلة فصيحة، وهي دالّة على داء يصيب الغريب، وهو شدّة الحنين إلى وطنه، وهي المرادف بتطابق معناها للمصطلح المستخدم عالميّا (نوستالجيا) الذي يقصد به: ألم الحنين إلى الماضي والأهل والديار وفراقهم.


يُحسب للروائي (زياد صلاح) احترامه الشّديد للقيم الدينية، وفهمه الحقيقي البنّاء لما ذهب إليه في بعض القضايا التي ناقشتها روايتة (كــان)، مع تعدّد الأصوات داخلها، مما أثرى المشهد السردي المتوزع فيما بين المفهوم والمقالة والـ (ق.ق.ج) والمصطلح، لتقرأ خلطة عجيبة جاءت بالجديد في عالم الرواية المثقّفة، والتي أعتقد أنها أقرب إلى رواية النّخبة، بارتفاع مستواها الذي يحتاج إلى تمهّل وتأنٍّ أثناء قراءتها؛ لاستيعاب ما تذهب إليه في تجلية الأفكار.

وفي الحقيقة أنني تورّطتُ في متعة قراءتها، ودقيق تفاصيلها، وقد غُصتُ في الأعماق، حتّى كان من الصّعب عليّ الخروج من وهج دائرتها الزمكانيّة، التي اتّسعت أفقيًّا وعرضيّا، لتشمل العالم أجمع، لذلك دعوتُ نفسي للتصالح معها، وابتسمتُ للروائي زياد صلاح بهدوء، وأنا أغادر مكتبه في عمّان، بعد جولة نقاشيّة مُطوّلة، حول بعض مدارات أفكار الرواية.


عمّان – الأردن

13\ 8 \ 2018

السبت، 17 أكتوبر 2020

الجمل المفتاحيّة في رواية (مقصلة الحالم) للروائي جلال برجس

 

 

الجمل المفتاحيّة

في رواية (مقصلة الحالم) للروائي جلال برجس

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

 

توقّفت في الصّفحات الأولى استغراقًا لم أستطيع تجاوزها إلى ما بعد؛ للسحر الذي أخذني تأمّلًا إليه الروائي (جلال برجس) في روايته الأولى (مقصلة الحالم)، مجموعة من الجمل والعبارات الدلاليّة على عمق رؤية الكاتب، بفلسفة تجربة حياتيّة، وهي لا تتأتّى إلّا لمن اكتملت لديه أداوته في إعادة تشكيل خبرته في قالب إبهاريّ جديد، جدير بي أن أشاركم مُتعتي، علّ فيها فائدة لمن يقرأ.

   هذه الجمل المفتاحيّة، تُسلّم القارئ مفاتيح عديدة؛ لفتح أبواب مغلقة، أراد  الكاتب من خلالها، فتح الأعين عن جماليّات الكون المُحيط من حولنا، وربّما استوحي موقفًا بسيطًا، لصنع شيء عظيم. وسأتوقّف في مقالتي هذه عند طائفة منها، على سبيل المقال لا الحصر.

   

*سريالية الرؤية:

   فقد خلق الله الكون، وجعل الطبيعة كأنّها يدُ رسّام، تبثّ الجمال، والبهاء ببساطته السّاحرة. ونلمس ذلك بقول الكاتب:  (الطبيعة يد رسام أولى تمارس هوايتها بلا خوف أو تردد/ص11).

   ومشهد آخر مستعار من فصل الشّتاء، والإيحاء بالبرد الشديد سِمةُ الفصل عمومًا، ووسائل التدفئة، ومنها المواقد والمدافئ الصاعدة لأعلى البيوت وسُقُفها، ترتفع كأنّها أيادٍ ضارعة إلى الله، تشبيه تصويري يأخذ القارئ في رحلة تخييليّة داخل صفحات الرواية، رحلة الحياة بدورتها ما بين الفصول: (أدخنة المدافئ كأنها أياد تضرع إلى الله/ص12).

   حركة الكون لن تتوقّف أبدًا، مهمّة الكاتب (جلال برجس) لفت الانتباه لآية عظمى هي الرّياح، أمّا صوتها هو المقصود بتعبيره، وزمهريرها حينما تهيج في مواسم خلال العام؛ فمن ريح الخريف السّموم، إلى الرّياح الماطرة الحاملة للخير على متنها، واستمرارها، يشبّهها بالنّادبات اللّاتي لا يهدأ حُزنهنّ على عزيز على قلوبهن، وأنهنّ اسمترأن النّواح رغم النهي عنه: (الرياح تحوم حوله كنادبات اسمترأن النواح/ص12)..

   مشهد آخر مُستعار من الطبيعة المُحيطة بنا، الذئب المعروف ببحثه الدّائم عن فرائسه، وتشبيه عُوائه بنواحٍ آخر، ومشهد الموت والنائحات السّابق، ورسم مشهديّة الطفولة ودفء الحكايات، خاصّة حكايات قبل النّوم لإغراق ذهن الطّفل في متاهاتها على ووقع اهتزاز السّرير، ويد الأمّ الحانية تُطبطبُ على صدر ابنها، لخلق حالة من الهدوء والاطمئنان، ليخلد إلى النّوم العميق: (نواح ذئب كحكايات الأمهات قبيل النوم/ص13). والذّئب رغم أنّه حيوان شرس، لكنّ الأدب العربيّ مليء بالأشعار منذ عهد امرئ القيس مرورًا بالفرزدق، إلى شعراء النبطيّ، وإلى قصص مُتداولة كثيرة لا تُعدّ ولا تًحصى، وما انتشار حكاية ليلى والذئب، وانتقالها إلى أدبنا العربيّ، إلّا للتمازج الثقافيّ مع آداب الأمم الأخرى.

   فنيّة الكاتب الفارهة تُصوّر لنا منظر السّراب، رغم أنّه لم يذكره بالاسم، ولكنّه بمهارة استخدام المشاهد الخفيّة، من خلال دلالة كلمات (المسافات، تركض، تلتحم بالأفق)، صوّر لنا حركة السّراب بفنيّة عالية،  أخذني بعيدًا في حُلُم تعالى وتباعد حدّ الصّحراء، في يوم قائظ، وأعادني إلى الآية الكريمة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (، وهنا تحدّ بأن بطل حكايته استغرق في منظر لم يكد يصل فيه إلى نتيجة، وهراءٍ بِهُراء: (اغرورق البصر ببدن المسافات، وهي تركض للبعيد ثم تلتحم بالأفق/ص13).

   الصفاء والهدوء في الصحراء رغم أنّ السّجن في الرواية كان صحراويًّا، وما فيه من ذكريات الألم والحرمان وحجز الحريّة، مع ذلك هناك جماليّة ربّما تمتّع بها السّجين السّابق، خاصّة إذا كان مُتصالح مع نفسه، والاستمتاع ببساطة العيش هناك رغم الضّنك، محاولة من الكاتب (جلال برجس) للفت الانتباه لجماليّات الطبيعة، مقابل الضجيج واضطراب الحياة والعواطف في المدن مزدحمة، بقوله: (الصحراء تمنحك المساحة الهادئة في صباحاتها ولياليها الصيفية، تمنحك غضبًا دونما مُقدّمات/ص13). ازدواجيّة طبيعة الصّحراء، الهدوء والصّفاء والأفق الواسع المريح للنظر، مقابل الغضب المفاجئ من مخاطر غير منظورة ومفاجئة، ربّا تستدعي الحذر؛ فالحياة والموت يتواجهان في الصّحراء على حدٍّ سواء على مدار السّاعة.

 

*انسجام الرؤية السرديّة:

   المُعتَقَل المكان وذكرياته تُلحّ على السّجين سابقًا، لا تدعه وهي تستحوذ على تفكيره على مدار أيّامه الأولى بعد خروجه، رتابة الحياة هناك، وتوقّف الزمان، والرّطوبة والحرّ، والظلام والجدران الصلبة الوسخة، وتسلّط السّجان، والعقاب والحساب والإذلال على مدار السّاعة، بعكس الحياة خارج السّجن بثلاثمئة وستّين درجة  تمامًا، وكأنّها ذئب جائع في ليلة شتائيّة باردة لا ينقطع عن العواء: (ذئب المعتقل يجيء متقاطعًا في مقطوعة صارت خلفية لمشاهد تطلّ من عتمة الذاكرة/ص13).

   وفي سؤال للخفير الحارس على المعتقَل السّابق، أخبره: بأن السّجن تحوّل إلى مخفر، وتتبدّى في دلالة العبارة على طبيعة الصّحراء التي تخلو من المتخاصمين، ليس دائمًا لا خصوم فيها؛ فالتاريخ يحكي غير ذلك من سيرة القبائل العربيّة وغيرها من  المجتمعات الصّحراويّة، وهذا ما تجلّى، وما نراه حديثًا من الصحراء الغربيّة المُتنازع عليها بين المغرب والجزائر، ورحى القتال الدّائر على مدار سنوات طويلة، أزهقت الأرواح، وأهلكت الحرث والنّسل، بينما خصوصيّة وجود مخفر للشرطة في الصّحراء يحتمل ما ذهبت إليه هذه العبارة: (تحوّل هذا المُعتقل إلى مخفر في هذه الصحراء التي تخلو حتّى من المتخاصمين/ص13).

   عاد الزّائر للمكان، وهو المُعتقَلُ السّابق يقود سيّارته، وعينه لم تتحوّل عن المرآة، يبتعد ويبتعد وتتلاشى صورة المُعتقَل في جنون عاصفة الصّحراء القاحلة: (من مرآة السيّارة كان المعتقل يتلاشى في جنون العاصفة/ص15). يتقدّم بسيّارته، والرّمال تصفع جسم سيّارته من كلّ جوانبها؛ فتتولّد الوحشة لديه لأنّه ما زال يعيش فيه ذلك المكان الموحش: (الرّمال تصفع كلّ شيء؛ فتخلق شعورًا مليئًا بالوحشة/ص15).

   كثيرًا ما يُعشعش الألم في حنايا النّفس لا يظهر إلّا مع الذكريات الأليمة، ومهما تباعد الزّمان عنها، لا يمكن أن تخبو نارها المتجدّدة كلّما عَنّ لصاحبها خاطر؛ ليتجدّد كأنّه حصل للتوّ، ويزداد أُوارها إيقادّا كلّما حاول التفكّر فيما حدث له، وهو الإنسان البريء الذي لم يدر لماذا دخل السّنوات في سجن لا ذنب له أبدًا: (أغتسل لأتخلص من ذلك الألم الخاطف، الذي كان يزداد صحوًا بي كلّما توغّلت فيما حدث/ص16).

   كلّ وجه يحمل مفاتيحه الموحية للنّاظر إليه، ولما جلس قُبالة جدّته، راحت تتفرّسه باحثة عن شيء خفِيَ عنها في مُحاولة استخلاص إجابة من خلال استنطاق ملامحه: (كانت تسهو بي، وكأنّها تُفتّش في وجهي عن إجابة ما/ص16). بينما هو يتلمّظُ على قطعة حلوى، وما أروعه من فمٍ يتتبّع إيقاع السّكّر بحلاوته المُحبّبة إلى النّفوس: (تتلاشى قطعة الشّوكلاته في فم يتتّبع إيقاع السّكّر/ص18).

   الدفء والبرودة قطبان متنافران كالسالب والموجب لا يمكن أن يلتقيان، إذا حلّ أحدهما رحل الآخر؛ فطبيعة الكهوف الرطوبة والبرودة، فإذا طرأ الدّف على كهف، كأنّما هو احتفاء بحالة نادرة الحدوث فيها: (حتّى الدفء يمكن للكهوف الباردة أيضًا أن تحفل به/19).

وفي النّهاية تتأكّد رؤية الكاتب العميقة في قضية إنسانيّة كبيرة، فلا حياة بلا حبّ، والحبّ بمعانيه الأشمل والأعمّ بعيدًا عن المشاعر والأحاسيس الخاصّة بكلّ إنسان منّا؛ فالخيبة في قضيّة عاطفيّة خاصة ، كأنّما هي خيبة وطن. فالحبيبة بهذا المعنى وطن وسَكَنٌ لحبيبها تضمّه في قلبها، كما يضمّه الوطن ويضمّ الوطن في قلبه: (لا تختلف الخيبة في الحبّ عن الخيبة في الوطن؛ فكلاهما وطن وطن/ص19).

   بالتوقّف امام هذه الطّائفة من العبارات، تتجلّى موهبة الكاتب جلال برجس العميقة برؤاه الفلسفيّة المُتمادية  ما بين السرياليّة والواقع، بمُزاوجة لا تترك القارئ مثلي نهبًا للتأويلات والظّنون، العشرون صفحة الأولى جاءت من الخاتمة على محمل الذّاكرة لذلك البطل الذي كان سجينًا سابقًا.

 

عمّان – الأردن

ــــــــــــا 17\ 10\ 2020

السبت، 10 أكتوبر 2020

سلطان النوم (قصة قصيرة)

 سلطان النّوم

قصة قصيرة
بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد
رنينٌ مُتواصلٌ على مدار دقيقة كاملة، يُصارع ظلام الغُرفة بإصرار عنيد على أداء مُهمّته المُؤتَمَن عليها. لا يهدأ إلّا غفوة قليلة لمناوشة فرصة جديدة قاطعًا سلسلة سيرة شخير ونخير بموسيقاها الصّاخبة كاسرة صمت اللّيل الموحش بهدوئه المُريب، وظلامه المُخيف بتخيّلاته الدّائمة.
يدُ فطين تتحرّك على غير هُدًى بحثًا عن مصدر الصّوت، المُنبّه غير مُراوغ في تعبيره بإعلانه الصّريح حتّى وإن كان مُزعجًا، استمرّت وتيرة الحُلُم المناوئة لعناد الرّنين إلى مَدَايات تقطر تفاؤلًا:
"المدينة عادت إلى سابق عهد شبابها الأوّل، قبل أن تشيخ في ربيعها القرمزيّ اللّون على مدار سنواتها العشر. في عيد شمّ النّسيم خرج العمّال للاحتفال بمنجزاتهم التي يفخرون بها مُباهاة.
هُتافاتهم للوطن ألهبت أصواتهم.. ميدان السّاعة في حمص شاهدٌ على تشكيل الصّورة، والطّائر اللّيليّ في تلك لم ينم عندما جفاه النّوم، فَجَعه هَوْلُ ما رأى من اقتحام الجنود للاعتصام السّلميّ المُرابط، قبل مُغادرتهم.
ظنّ أحدهم أنّ طائر اللّقلق رأى ما فعلوا؛ فصوّب إليه رشقة رصاص من بندقيّته الآلية قبل أن يهرب من عُشّه.
في الصّباح عادت السّاحة نظيفة تمامًا، غسلها عمّال البلديّة استعدادًا لاستقبال وفد دوليّ، نبضُ الحياة تجدّد بشكل طبيعيّ، كأنّ اللّيلة الدّامية تباعدت زمانًا لم تكن قبل ساعات.
استقبال باهرٌ هُتافاتُ المؤيّدين الغاضبة على الإرهابيّين، وأعضاء الوفد كأنّهم لا يسمعون وليروْن شيئًا، أقلامهم تُسجّل ملاحظات لا أحد يعرف ماهيّتها، عدسات كاميراتهم تُوثّق ما ترى أمامها مُكذّبة روايات اليوتيوب المُفبركة، برج السّاعة طالته يدُ النّظافة.
لا أحد يلاحظ أحزانه المكتومة، وما زال مُنتصبًا بشموخ، مُعاندًا رنين المُنبّه". انقلبتُ إلى الجانب الأيسر مع مهلة غفوة التنبيه بعد دقيقة من الأولى.
عمّان –الأردن
ـــــا 9\ 10\ 2020

تأملات قرآنية