الاثنين، 3 أغسطس 2020

قراءة نقدية على رواية (فوق الأرض) للروائي السوري (محمد فتحي المقداد) بقلم المحامية - عفاف الرشيد

 

قراءة نقدية على رواية (فوق الأرض)

للروائي السوري (محمد فتحي المقداد)

 

بقلم المحامية - عفاف الرشيد

(رئيس اتحاد كتاب سورية الأحرار)

       

 

   (صمتٌ رهيب خيّم على محيط المقبرة فوق الأرض، لم يكسر جبروته إلّا مُواء قطّة تقفز عبر الممرّات الفاصلة بين القبور، أو تتجاوزها فوق أسْيِجَتِها، يبدو أنّ طريدتها أفلتَت منها، وكُتبَ لها النّجاة سعيًا للحياة فوق الأرض من جديد).

 

   فوق الأرض برؤية فنية نفسية إنسانية، عوالمها شاسعة، لما يختلج في نفس الكاتب، من عواطف وأفكار، و وما يعكسه الأدب عن  الحياة الاجتماعية، بمعطياتها المتفاعلة والمتأثرة  بالسياسة والمجتمع، وبالرواسب المتراكمة في النفس البشرية المتأثرة بسلطة الاستبداد، تسلط الضوء على الصراعات النفسية التي تطمح  نحو الخلاص من دائرة التضييق الأمنية إلى أفق يتسع  الكثير من الحقوق الإنسانية.

 

   ولما كان الواقع محلياً، والأدب شمولياً، فمن تلك الرؤية وبعناية النقد الأدبي،  مع الأخذ بأهمية العلاقة  بين النص والكاتب من جهة، والقارئ من جهة أخرى،  نقرأ النص الروائي مع الاهتمام بإمكانيّات القارئ، وثقافته، ومساهمته  بخلق الأثر الأدبي  للنصّ.

 

جولةٌ مع رواية (فوق الأرض)؛ نستطلع مكامن الفنّ بأدوات، ووسائل الكاتب الروائي (محمد فتحي  المقداد) في  عمله الروائي الذي  صدر حديثًا عن مكتبة الطلبة الجامعيّة في إربد. جاءت من القطع المتوسّط في (٢٥٦) صفحة.

 

   عنوانٌ يفتح الأبواب أمام  الكثير من الاحتمالات، التي تتبادر إلى ذهن المتلقي، فما هو  فوق الأرض لا يُعدّ ولا يُحصى لا لغةً ولا مجازاً، كيف  نستطلع مقاصد النصّ إن لم نخُضْه؟.

بوحٌ وجدانيٌ، ومونولوج صاخب ينثر الكثير من القلق، بدخولٍ غير مباشر إلى  عالم الحكاية، من بوابة الراوي (فطين)  وهو  بطل السرد الموازي للكاتب، وهو الرّاوي الذي يعرف كلّ شيء، ضخّ معلومات  غزيرة متتالية، بسرد منسجم، مع توتّره الداخليّ، من خلال بوح وجدانيٍّ مؤثّر في العاطفة، وجاذب للقارئ، استعرض (فطين) مؤهّلاته الثقافيّة، وقراءاته التاريخيّة، وأسقطها على الواقع، تناول الحدث الأساسيّ في الرواية في مرحلة نضوجه،  أدخلَ  القارئ إلى  أزمة الحدث فوراً، ولعلّه اختار تناول الحدث في مرحلة الأزمة؛ يقيناً منه أنّ البداية يعرفها الجميع، مشاعرٌ متناقضةٌ، بعض المزاح، وبعض القلق، والكثير  من الانكسار،  تواترت  في سرده ،  مروراً بأبسط تفاصيل الحياة اليوميّة، التي كان المرور عليها مُجدياً رغم بساطتها ، فكلّ النّاس اختلّت معايير حياتهم اليوميّة أمام المشهد الذي جرى ويجري في سورية .

 

   أجواء مضطربةٌ،  تُهَمٌ، ملاحقاتٌ، يتذكر النكبات الماضية،استعداداً إلى عظمة الحدث الذي  ينتظره المتلقي. 

 

   (حملة نابّليون على مصرَ وبلاد الشّام، التي حفظتُها عن ظهر قلب من كثرة تِردادها وإعادتها؛ لتصطدم بأسوار (أحمد باشا الجزّار) الحصينة حول مدينة عكّا التي أفشلت الحملة، وغيّرت مسار التّاريخ).  

  

بداية سرديّة، زجت بالمتلقّي في أعماق الزّوبعة النفسيّة التي سيطرت  على مشاعر الرّاوي، الذي اتّخذ قراره  باعتزال المحيط الاجتماعيّ، والدّخول في عُزلةٍ اختياريّةٍ، خوف يقبع في دواخله، كالخوف الذي يسكن أعماق كلّ إنسان في الوطن العربي، في ظلّ حكومات الاستبداد، نجح في  تحريض فضول، ومشاعر   القارئ، رغم أنّ أحداث الرواية هي المادة الإخباريّة اليوميّة على جميع الفضائيّات العالميّة والمحلية، إنّه يتحدّث عن الثورة السوريّة، ثورة انتفضت من أجل الكرامة، وتحوّلت إلى حرب شرسة؛ فمن لم يسمع عنها؟.

 

 ثم  يرجع بسرده نحو الحدث الأول، عندما قال الشعب السوري: (لا) لتصرف الأمن تجاه أطفال درعا، الذين كتبوا على الجدران كتاباتٍ مُحرّمةٍ في دُستور النّظام الأسْوَد، حينها (قامت القيامة على الشعب السوري ولم تقعد).

 

   من يجرؤ أن ينتقد النظام أو يقول  لأي مسؤول أمني في سوريا  أنت مخطئ؟.

مصيره المؤكد الاعتقال أو القتل، لن يعيش بأمان فوق الأرض ، وغالباً مصيره تحت الأرض . 

ضاق أولياء أمور الأولاد المعتقلين ذرعًا باحتجاز أطفالهم، وبعد مشاورات ومداولات  يومية ،اتفقوا على التجمّع كوفدٍ يذهبون إلى مدير فرع الأمن السياسيّ بدرعا، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم،  لكن مدير الأمن لم يكترث بمطالبهم، بل نال من شرفهم بما لا يمكن التلفّظ به، فارتفعت الأصوات تطالب   بمعاقبة رجال الأمن الذين نكّلوا بالأطفال، وأهانوا أهلهم نيلاً من شرفهم وكرامتهم، لكن قانون الاستبداد في سوريّة؛ لا يسمح لأحد أن ينتقد السلطة،  ولا أن يتحدّث بالشأن السياسيّ، وكانت مناشدة الشّعب بمطالب شرعية تُهمة تستوجب القتل، وأصبح الشعب ملاحقاً،  واكتظّت القبور والمقابر تستقبل كلّ يوم عشرات الضيوف، دفع الشباب الثائر ضدّ هذا العنف ثمناً باهظاً؛  فمنهم صار تحت الأرض، ومنهم في المعتقلات والسجون، ومنهم غادر وصار لاجئاً.

 

   -الشخصيّات تحكي عن نفسها، عن ما عاشته من قهر وخوف وملاحقة، هم أفراد حقيقيون، يخبروننا عن الوقائع، مرتبطون بالحدث ارتباطاً وثيقاً،  لهم مسارهم المنجز في النصّ، المنسجم من البداية  إلى الذروة  ثم النهاية، عاملهم  الكاتب  بأسلوب ٍ مختلفٍ، لا يوجد شخصيّة أساسيّة ولا شخصية ثانوية، اختارهم بحفاوة، ليتعاونوا بأسلوب أفقيٍ في تجسيد الحكاية، وجعلهم شركاءً  في دور البطولة، وفي وقائع الأحداث، كما أنهم بشكل مباشرٍ أو غير مباشر،  شركاءٌ  بتوتر الحبكة وحتميّة النهاية.

  

لـ(نصار حكايته،  ولـ(فاضل) حكاية  تُكمل الحدثْ، ولـ(أمّ فطين) أحزانها، وللراوي (فطين) حكايته، ولـ(هالة) حكايتها،  جعلهم الكاتب  روّاداً في الحدث ،  برؤيةٍ عادلة ٍ، لما قدّمه كلّ منهم من تضحيات، بما يخدم الفكرة والرسالة المبتغاة، إنّه احترام الكاتب لأوجاعهم النفسيّة والواقعية، دفعوا ثمن اعتراضهم وتعبيرهم عن آرائهم بصدق.

   الانسجام بين الشخصيات صناعة جيدة خدمت الأحداث بتنوع نهاياتها، وساهمت في بناء هيكل الرواية، وشكل الأزمة وأسلوب النهاية، وكأنّنا نتحدّث عن عدّة حكايات داخل الرواية، وهذا ينسجم مع الحالة الواقعيّة للشّعب السّوري المقهور، أحداث من الواقع بعيدة عن الخيال الجامح،  باستثناء الخيال الذي ابتكره الكاتب لخدمة  الفكرة ،  ورفع  أداء الانفعال العاطفيّ الجاذب للمتلقّي، شخصيّات فوق الأرض معبرة عن صورة من صور الحياة البشريّة، مقنعة ذات  هيبة، ودورٍ متقدّمٍ، تستوجب احترام المتلقي.

  

   - أما الحوار فهو حديث الشخصيات،  يقرّب الأحداث نحو الواقع، يتوافق مع ظروف كلّ شخصيّة، ساهم بتخفيف رتابة السّرد الطويل، تألّق في بعض المواقف،  التي كانت تستوجبه، مساحته كانت أضيق مقارنة مع السّرد والمنولوج الداخليّ، السبب يكمن بانتماء الشخصيّات جميعها إلى بيئة ثقافيّة  فكريّة متشابهة، تقتدي بذات الأهداف، وذات المواقف تجاه الصراع، لا حاجة لهم بحوارات طويلة، توقع النص بالترهّل، اختاروا اللّون الأبيض، كلّ شخصيّة تسرد عن نفسها، وتسرد بصيغة الغائب عن غيرها،  تميّز الحوار برشاقته واختصاره، مع بعض الجًمَل باللّهجة العاميّة؛ فزادته انسجاماً مع بيئة الحدث.

 

   - ولما كان الرّاوي هو صاحب الطّابع الشّخصيّ للقصّة، أو صوت الشّخصيّة التي من خلالها يسعى  الكاتب إلى توصيل المعلومات إلى الجمهور؛ نلاحظ أنّ  (فطين) هو الراوي الذي يعرف كلّ شيء، وهو الثّقل الفكريّ الذي يضخ بين فصول الرّواية كَمًّا كبيراً من الشّواهد التي تنمّ عن ثقافة الكاتب أصلاً؛ فمهما كان الكاتب بعيداً عن خصوصية الشخصيّات، لكنه مرتبطٌ بنصّه، يعبّر بالوصف والسّرد والحوار عن مواقفه، وثقافته ووجهة نظره بالصراع، إذاً (فطين) الراوي الأول غطّى مساحة متّسعة في الفصل الأول والثاني من الرواية، وعاد في الفصل السادس لإدارة السّرد، وإنهاء الرواية بمهارة تنسجم مع بداياتها، وكأنّه على موعد بالصّحو على  جرس الهاتف؛ لاستقبال المفاجأة في البداية وفي النهاية.

 

   منح الكاتب مساحة سرديّة تُريح الشخصيّات؛ لطرح قصصهم دونما تدخل واضح،  بأسلوب ديمقراطيّ وزّع المدّة الزمنيّة السّرديّة بما يكفي لدور الشخصية، لكنّه يتابع الحوار والسرد بوصاية خفيّة تكاد تبدو أحياناً للمتلقي، وغالباً ما يتدخّل لرفع التوتّر في الأحداث؛ ليجعل المتلقّي مُندهشاً مُترقّباً لما سيحدث.

 

   فنيّة السّرد ممتعة، اشتغل عليها الكاتب بمهارة، ومنح شخصيّاته حريّة نقل قصصها، وسخّرها لتخدم التوتر، وترفع من توهّج الصراع النفسيّ، تلازماً مع التوتر الحقيقيّ على الأرض، الصراع بين الحياة والموت من أجل مبدأ إنسانيّ قوامه لا للظلم، وهو أديم الصراع ، وهو محور التحوّل الكبير  فوق الأرض.

  

السرد طاغياً في النصّ، رافقه البوْح الوجدانيّ،  كأداة تعبيريّة من خلاله يضخّ كَمًّا كبيراً من أحداث النصّ التي وقعت بالماضي، واستثمر المونولوج الداخليّ في جميع الفصول، ومع جميع الشخصيّات؛ لتوضيح ما تعرّض له الشّخوص، وما نتج عن الصّراع، ورغم قلّة الحوار ظلّ النصّ مُتماسكاً، والقارئ مُنسجماً مشدوداً لما سوف يحدث، رغم التنقّل المفاجئ أحياناً،  بين الحاضر والماضي.

 

*ثمة إضاءات سردية أخرى منها:

1. (المونولوج) الداخليّ، أوْقَدَ الحالات الانفعاليّة التي شحنت مشاعر المتلقّي بالتوتر والانتباه والمتابعة.

2. للسخرية والمزاح طيفٌ جميلٌ مع التركيز على المفارقات؛ كأسلوب  يتناول الصراع باحتراف،  بدا  أسلوباً حداثياً،  فيه إضاءات فنية، غطّت معظم أركان وعناصر النص.

3.الدراما السردية تضخّ المؤثّرات النفسيّة، مثيرةً للتوتر، منسجمة مع وجع الحدث،  هي قلب الرواية، تدفع بالتدرّج  نحو الخاتمة. تألق السرد الدّراميّ في محطّات عديدة، أكثرها تأثيراً أمّ الشهيد والدة فطين، والمقبرة التي  تناولها الكاتب بأسلوب فلسفيّ متطابق مع الواقع،  ومواكب الجنازات المتتالية، التي هي نتاج للمواجهة مع النّظام، الذي يصرّ على تكميم أفواه المحتّجين، وكم رسم الراوي لوحات تشكيلية  في السجن؟، مشتغلاً على وتريْن، أوّلهما الوصف الخارجيّ للمكان والسجين والسجان، وثانيهما وصف ما يدور بخلده من بوح وجداني، تجلت مهارة الكاتب اللغويّة  بفنية رفيعة المستوى.

 

   يمكننا القول  أنّ الحالة النفسيّة للسارد،  هي من صناعة الكاتب، متأثرة بمواقفه الحقيقية تجاه الصّراع الذي عاشته سورية من قمع للمطالبين بالعدالة، والقبضة الأمنيّة التي أرهبت الشعب، أراد أن يوصل إلى المتلقي  توتراته النفسية، بلغة سرديّة بسيطة مُشبعة بالعاطفة.

 

   أما الصراع في (فوق الأرض ) فهو هدير عاصفة التوتر، عنصر أساسي متوهج ، بدونه  لا يمكن أن نتصوّر حبكة ونهاية،  وهو نوعان، صراع داخلي  في  أفكار ومشاعر الشخصيّة، وصراع  خارجيّ  مع قوى ضدّها، أحداث تهدّد  أهداف الشخصيات، وخطر الموت يبشر بحتميّة الانتقال إلى تحت الأرض، فلسفة تُغني قيمة النصّ فكرياً وفنياً، وأضاف إلى النصّ حقيقة مُستوحاة من الواقع، احتضان  الموت بثقافة الثّبات على المواقف، (الموت ولا المذلة)، حتى لو كان الطريق يتجه نحو المقبرة، نجحت الشخصيّات متعاونة بتجسيد الصراع في النص بجميع ألوانه؛ فوصلت  مراغمة  الصراع إلى القارئ على أكمل وجه.

  

للوصف  في الرواية جماليّاته ، في خلق بيئة الأحداث وبنائها، وتصوير العالم الخارجي أو العالم الداخليّ من خلال الألفاظ، تقوم فيه التشابيه والاستعارات مقام الألوان لدى الرّسام، والنغم لدى الموسيقار.

 

   (انتظار اللّحظة قاتل بطبيعته.. اغتصب ساحات التفكير.. شلّ حركة أعضائي.. جفّت ينابيع حُليمات الرّيق؛ فصرت أستحلبه بقوّة لترطيب حلقي، تخشّب لساني، تصلّبت شراييني لبطء حركة الدورة الدمويّة المفاجئ، بُركانٌ داخليٌّ داهَمَ أعصابي، تشنّجت معدتي، اهتزار لا إراديّ في أعصابي لم أستطع السيطرة عليه، طارت عصافير النّوم من جفنيّ، ونسيتُ ما كنتُ أحلم به قبل ذلك).

 

   الخيال حرض  مشاعر القارئ، عندما كان (فاضل السّلمان) ينتظر دوره ليدخل مخيم الزعتري، وبخياله رغم تعاسة الموقف استحضر نصف ذكريات حياته، وفي محطات عديدة منها محطّة السجن، ومحطة المقبرة، مزج الحزن بالفرح الذي مضى، ودثّره بحسرات المستقبل الضائع، تمكّن الكاتب من  جعل القارئ يشاهد مرئيّات لا تُرى، ويشعر بمشاعر لا يشعر بها غيره.

 

   النهايةُ مرت مسطحةً،  تفتقد عنصر المفاجأة، مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، تماماً كما تضمّن العنوان الكثير من الاحتمالات؛ فمعظم الشعب السوري أصبح تحت الأرض، ومن هم فوقها معظمهم يتمنى الموت.

   العنوان منسجمٌ، يخدم النصّ بفكرته وحبكته المنسرحة انبساطًا مثل الأرضِ امتدادًا، كاحتمالات مصائر اللّاجئين المفتوحة بدوام حالة الانتظار من أجل العودة، في ظلّ تلك المعطيات، لبيئة الحدث وتأثيره في مصائر الشخصيّات لا ينطبق عليه منطقياً، سوى مع النهاية المفتوحة، وهذا خادم للنص والهدف والرسالة وطبيعة الصراع .

  

المكان في فوق الأرض :

   تطرق الكاتب للمكان بشكل مباشر:

(لا أكتمُكُم خبرًا أنّ ما حصل في العالم كان على سطح كوكبنا. بلا شكٍّ أنّ أحداثه وقعت فوق الأرض في الجمهوريّة العربيّة السوريّة على أيدي حُماتِها المُفترضين؛ بتحقيق موازين العدالة والرّفاه لمواطنيهم الذين أصبحوا مأساة العالم، ولم يحدث أكبر مما صنعوا من مآسي التهجير الجماعيّ بهذا الشّكل الذي سمعتم عنه، ورأيتموه على شاشات الفضائيّات؛ فكانت دموع أمّي بامتياز هي دموع كلّ الأمّهات السوريّات، و(بُصرى الشّام) الغافية على تاريخها في أقصى الجنوب، تحتسي آلامها. كابسة الملح على جُرحها الدّامي، الأنموذج لكلّ قرى ومُدُن سوريّة).

 

   عندما يكون الحدث مرتبطاً بالأرض كالثورة السورية، جدير بالكاتب الذي يعبر عن أرائه الشخصية، أن يتعامل مع المكان بهذا التشخيص، وخصّ عدّة أمكنة منسجمة تماماً بأصداء الحدث منها المقبرة، حيث العبور إلى تحت الأرض، الشباب المرابطون في المقبرة لاستقبال زائريها،  دورهم حقيقي ٌرمزيٌ وواقعي، يُصور للعالم قوة صمود الشّعب مقابل مطالبه بالحرية، واعتبار الموت فاتورة لا بدّ منها، ثبات رغم قسوة المشهد،  نقله الكاتب بسرد ووصف، وبوح وجداني تتراغم به الأمنيات بين الواقع وبين الطموح؛ فإن ما هو (فوق الأرض) في سوريا تغيير تماماً، من بنيات تحتية وعمارٍ وبشرٍ،  ونمت المقابر، وانتشرت في جميع المدن، ارتباط وثيق بين عنوان الرواية، والحدث بجميع مجرياته.

 

الرسالة الأخلاقية والإنسانية التوثيقية:

1-(هتافات المظاهرات بشعاراتها المناهضة للنّظام بسقفها العالي بمطالبها الضروريّة لاستمرار الحياة الكريمة كما البشر).

-(حقيقة أراها بأمّ عينيّ، أكادُ أشكّ أنّها فوق الأرض).

2-(الرأي والرأي الآخر ظاهرة حضاريّة لا وجود فعليّ لها في حياتنا العربيّة بشكل عامٍّ. وحقيقة ثابتة لا مراء ولا جدال فيها. ويتضّح يومًا بعد يوم أنّ في داخل كلّ منّا على اختلاف مُعتقدنا وانتمائنا دكتاتورًا نائمًا).

3-(أحاول جاهدًا الاحتفاظ بمسافة فاصلة بيني وبين المظاهرات، مُفضّلًا عدم الاقتراب منها؛ لتستمرّ بي الحياة فوق الأرض، تحت أشعّة الشّمس).

4-(فوق الأرض ممكن أن يحدث أيّ شيء.. ولا غرابة في ذلك. وكلّ ما هو مُتخيّل ممكن أن يكون..!!. مهما قيل، وما يُلاقيه الميّت تحت الأرض في قبره من عذاب وحساب، لا يقلّ عمّا يحدث فوق الأرض من ظلم وتظالم).

5-(واحد.. واحد.. واحد، الشّعب السوريّ واحد).

شعب يهتف هكذا ورصاص الموت موجّه من جيشه، وبأمر حاكمه نحو صدره، موقف  صمود وحضارة شعب، وتحولٌ تاريخيّ سوف يسود مراحل قادمة بإذن الله.

6- رغم أن الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب وحماية أهدافه وأمنه الوطني  لكن في سوريا الأمر مختلف ..؟!!

 

   فنية النصّ بنسيجه اللغوي المتجسّد بالسّرد والوصف والحوار، بناء متماسك، اللغة قريبة من لغة الشخصيّات، حقّقت مزيداً من المنطقيّة، والإقناع كما أن اختيار العنوان يزخر بالفنية، منسجماً مع الحدث والحبكة والنهاية، المقدّمة طويلة، أوشكت أن تُدخل القارئ،  بالملل لولا مهارة السرد وسرعة التنقّل من البوح الوجدانيّ إلى الحوار؛ وصولاً  إلى أحزان وانكسارات الشخصيّات التي تشبه أحزان وانكسارات كلّ إنسان يعيش في الوطن العربي،  حدّد المكان وبدقة وأفصح عن الوجع السّوريّ بامتياز،  حرض الجَدَل، وطرح  قضايا قد تساهم في بناء فكر جديد.

تناولت الرواية أحداثاً حقيقيّة عاشها الشّعب السّوري، اختار شخوصه من رحى المعاناة،  لذا فقد أضافت إلى ساحة الأدب الروائيّ العربيّ نصّاً فيه معاناة إنسانيّة حقيقية يعتريها جدلاً عنيفاً، أحدثت تغييراً فوق الأرض السورية مهد الحضارات، توزّع الموت واللجوء لرعاياها، بأحداث تكاد تبدو كالخيال، من شدّة قسوتها.

 

  في سوريّة العقوبة هي  الموت، لمن يهتف للحرية، والصوت الذي ينشد، ومؤلف الكلمات، والمصفّق، حتى الذي  يرقص الدّبكة على ألحان الحريّة، هؤلاء جميعاً بقانون الاستبداد السّوريّ يجب قتلهم.

 

   لكنّهم ظلّوا على احتجاجهم يدفنون الشهداء بطقوس أسطوريّة، وهم يهتفون للحريّة، والأمن يطلق النار عليهم، بينما حلقات الاحتفال لا تنتهي، وما زلنا نسمع الأشعار والأناشيد والأهازيج والأغاني التي تهتف ضدّ النظام، وتخصّ رأس النظام والأمثلة كثيرة، حتى أنّها باتت أغانٍ للأعراس يطرب لها الشباب، وتطرب أرواحهم عليها، وتتجلّي فيها  مشاعر العزة، إنهم يحقرون أيقونة الاستبداد في سورية، وهم يعبرون عن مشاعر أصيلة في حياتهم، نابعة من صميم أنفسهم، ووجدانياتهم مرتبطة بخصوصية حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

   

   منذ خمسة عقود كان الشعار الذي يردده الشعب بناء على طلب السلطة الحاكمة إلى الأبد إلى الأبد (للأسد الأب ثم للابن)، لكن اليوم ينشد الشعب الثائر (ما في للأبد عاشت سوريا، و يسقط بشار الأسد).

هل كان لا بد من المرور بفرع الأمن بدرعا  للوصول إلى تلك النتيجة؟.

هل كان لا بد من دفع فاتورة مليون شهيد ؟

هل كان لا بد من شلال الدم الهادر منذ عشر سنين ؟

 

   (إنّ المدافع التي تصطّفُ على الحدود في الصحارى لا تُطلِق النيران إلّا حين تستديرُ للوراء، إنّ الرّصاصة التي ندفع فيها ثمن الكُسوة، والدّواء، لا تقتل الأعداء، لكنّها تقتُلنا، إذا رفعنا الصوتَ جهارًا تقتُلُنا).

  أفقٌ شاسعٌ من الحقيقة، بخيالٍ فنيٍ وإبداع لغويّ يضيف إلى النصّ نكهة عالية من المؤهّلات، تنقلٌ  بين  الأحداث  بمهارةٍ مشوقةٍ، يجذب  انتباه القارئ المتذوّق، ويحرض فضوله، البناء السرديّ للنصّ مُفعمٌ   بفنون الإبداع اللغويّ، بمهارة الوصف وإتقان أدوات التعبير، بلغة تعبيريّة تشكيليّة، حتّى  بدت ملامح عدة لوحات تشكيلية، رسمها الراوي وصفاً تصويرياً متقناً، إنه  يجسد أزمة الإنسان السّوري في تلك البقعة فوق الأرض، استعراض  لتطور الأحداث برؤية فنية ساطعة.

   نزقُ كاتب ملتزمٍ برسالته الأدبية والأخلاقية، ترك بصمة دامغة، أضافت إلى الساحة الأدبية المعاصرة نصاً روائياً جديراً بالقراءة  حملهُ كثيراً من الرسائل الإنسانية، نمقه بأسلوبه الفريد الذي ينم عن ثقافته ومهارته الاحترافية بفن الكتابة.

 

السبت ـــا 1\ 8\ 2020


الخميس، 23 يوليو 2020

لحظة عامرة

لحظة عامرة
بقلم - محمد فتحي المقداد 

تطلق العنان لدخان النرجيلة (الشيشة) باحتلال مساحة من أفق تسرح فيه نظراتي المستغرفة في تأمل شيء بعيد غير واضح الملامح.. تخمينات: يا إلهي.. إنه يشبه فيلًا.. لا.. لا.. أقرب ديناصور.. عندما رفع خرطومه تأكّدت منه.
بشراهة تنفث من فمها ما تشفطه بقوّة نفسها من الخرطوم الممتدّ إلى فمها.
خُيّل لي أنها بحالة عصبية غير مكترثة للنسمات المنطلقة من مياه البحيرة عن يمينها، ولا للصوت الشجيّ القادم من آلة تسجيل أدمنت أم كلثوم في مثل هذا الوقت من كلّ يوم. على الأقلّ منذ عشر سنوات في أوّل مرّة قدمتُ إلى هذا المقهى الهادئ؛ تنفيذًا لموعد هامٍّ آنذاك حسب اعتقادي.
نسمة رطبة مُسرعة أزاحت سُحُب الدخان.
"أوه..!! أين اختفى الفيل.. إنّهما فتاتان تتهامسان. اليمنى منهما تميل برأسها قليلًا إلى اليسار.. أظنّ أنّهما التصقتا، وراحت تحكي لها عن حبيبها المشحون بطلعة بهيّة منذ أوّل لقاء، إذا اشتبكت عيونهما".
نهضتُ مُسرعًا دون استئذان من أحد، الكرسي المقابل لي ما زال شاغرًا، خمس دقائق طافت موعدي الذي أنتظره.
"مواعيدٌ كاذبةٌ.. لم تزل تَكْويني بالتأخير.. لكن لماذا أنتظر..!!؟، سَذاجتي تقودني في كلّ مرّة لموعد فاشل".
ما زالت السيّدة تشفط الدّخان بعصبيّة.
- "أوووف". 
قرعَتْ سمعي تنافُسًا مع قرقرة النارجيلة، وأنا أقتربُ منها مُغادرًا المكان، ملامحُ خيبتي انعكست على عدسة نظّارتها السوداء. 
ابتعدتُ. همْسُ الفتاتين يتناغم بصعوبة مع "أوف" السيّدة بتآلفٍ مُقلقٍ على ساحة تفكيري، وقرقرة النارجيلة طاغية، لم تترك لي مجالًا لاستعادة شكلي عن نظّارتها. 
تشويش مُربِكُ أذهلني نسيانًا لهدفي. 

عمان - الأردن
٢٠٢٠/٧/٢٣

الأحد، 19 يوليو 2020

رمزية السّماء والتناصّ القرآني في مجموعة (خطيئة الظلّ) للشاعرة أماني المبارك

 

رمزية السّماء والتناصّ القرآني

في مجموعة (خطيئة الظلّ) للشاعرة أماني المبارك

 

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   جدّي الأوّل ابن آدم فكّر كثيرًا في ملاحظة، ومتابعة ظلّه على مدار زمان طويل؛ فحفظ مؤشّراته، ودلالاته على وقت ابتكره لنفسه، تبعًا لحركة الشّمس التي هي أمُّ الظلّ، وضياؤها أبوه. أعتقدُ جازمًا أنّ مغامرة جدّي انطوت إصرارًا للّحاق بالزّمن، ومحاولة القبض عليه. لتنتهي حكايته الزمانيّة بالموت الذي لم يكن مُصادفة، لأنّ وجوده أصبح سلبيًّا بالنسبة للأحياء بتناقضه معهم، وكل اتّصال ينتظره انفصال حتمًا. بينما الطّيور التي تولد في الأقفاص تعتقد أنّ الطّيران جريمة. وربّما الجهات تبثُّ خبرًا صادمًا: "أن لا عيون للبوصلة".

   وما الفائدة من مخاطبتي لظلّي، إذا بدا لي، وساءلته عن حالي..!!. يبدو أنّ الظلّ هو النسخة المُزيّفة عن ذوات حقيقتنا، وبسواده لم يعط عنّا إلّا الجانب السّوداويّ، ولولا النّور لما خُلقّ الظلّ، وهو آية من آيات الله.

   يتّضح المعنى هذا بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) (45\سورة الفرقان). ومدّ الظلّ يبتدئ مع أوّل خيوط الفجر إلى غياب الشّمس، ولو شاء لجعله دائمًا لا يزول, ممدودًا لا تُذهِبه الشّمس, ولا تُنقصه ولا تُزيله. )ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا( أي أنّها أخرجت ذلك الظل فذهبت به، وقوله تعالى:  (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) ثم قبضنا ذلك الدّليل من الشمس على الظلّ إلينا قبضًا خفيًّا سريعًا بالفيْء الذي نأتي به بالعشيّ.

   بعد هذه المقدّمة أعود لموضوع دراستي، مجموعة (خطيئة الظلّ)، فالعنوان عتبة المجموعة بدلالاته الخفيّة، وبإشكاليّة دلالته، الخطيئة إذا كانت جريمة مُقترفة بحق كائن؛ فصاحبها مُجرم، وإذا كانت ذنبًا بطريق الخطأ بحق الله مثلًا؛ سيغفره الله لعبده إذا تاب بنيّة عدم العودة إليه، إذا كان بحق شخص لابدّ له من الاستسماح، وطلب الصّفح.

   بينما في حالتنا فمن اقترف الخطيئة هو (الظلّ) الوهم الذي نتوهّمه أنّه شكل جديد لنا، رغم أنّه شيءٌ آخر تمامًا، لأنّه وهْمٌ وزيفٌ، وهو صورة مُشوّهة عن الحقيقة المُنعكِس عنها، ولا يمتً لها بصلة أبدًا.

   فلماذا لجأت الكاتبة للظلّ، وقرنته بالخطيئة؟. تساؤل جدير بالتوقّف عليه، حينما نعلم أن المجتمع المُحافظ يعتبر المرأة المُتعلّمة جريئة وخطيئة، فما بالك إذا كتبت كلمات تُعبّر فيها عن أشياء خفيّة في نفسها، وتُفصح فيها ذاتها. أعتقدُ هنا أنّها لجأت للظلّ لتقترف خطيئة الكتابة بمفهوم يضيق ذرعًا بمفهوم المرأة الشّاعرة، رغم تناسي (الخنساء، وليلى الأخيليّة، وليلى العامريّة، وعائشة التيموريّة، فدوى طوقان، نازك الملائكة) هذا على سبيل المثال لا الحصر. قلم تكنّ الأديبة (أماني المبارك) بدعًا عن هذه الطّائفة من النسويّة التي فاقت كثيرًا من الرّجال.

   

رمزيّة السّماء:

*(في فضاء الأنوثة مجهر قلبي) ص15، وبشكل عام فإن الفضاء دالٌّ على السماء لاتّساعها، الذي شبّهت به فضاء الأنوثة بالسّماء.  

*(باشتعال ارتعاشات الدخان، تلفني حلقاتها) ص15، والدّخان لخفّة وزنه يتصاعد إلى الأعلى، وسُحُبه تتبدّد في السّماء الفسيحة.

*(إلى مجرة دمعك) ص16، والمجرّة لما فيها من الكثير من الكواكب والنّجوم، كـ(درب التبّانة) هي من لزوم السّماء، التي تحتوي على مجّرات أخرى.

*(باتت طبول تقرع في المحراب) ص17+ (كصوفيّ ردّد تراتيل الهوى)+ (أغض البصر عن المناجاة) ص23. بالتوقّف أمام كلمات (المحراب، تراتيل، المناجاة) فهذه من صفات المؤمنين والعُبّاد والزّاهدين، وبأدعيتهم هذه يتوجهون فيها لربّ السماء، بنيّة يقين الاستجابة.

*(لا ظلّ يحتويه سواها) ص27. والظلّ هو انعكاس أو الوجه الآخر السفلي للسماء.

*(أغادر باب السماء، أصيّرني قطرة لعتبة غيمة لا تهطل) ص29. بالتأمل بكلمة (قطرة، غيمة، تهطل)، هذه الكلمات إعلان عن السّماء القادمة منها.

*(يأخذك أديم الأرض، كيف خفق أرواحًا بلون الحنطة) ص30، وأديم الأرض هو الوجه السّفلي للسماء، وخفق الأرواح إلى خالقها في السماء.

*(حرف سماويٌّ.. دهشته كزرقة البتول) ص32+ (هناك حلم يلوح في أفق المواني)، والأفق كذلك جزء من السماء.

*(تذكّر أوّل طفلة حَبَتْ نحو النّور، تعانقُ جرائد السّماء) ص33. الخليقة كلّها منذ البدء، ومع بداية تفتّح وعي المولود عيونه لا تترك التطلّع إلى السّماء أبدًا، وهذه من المشاهد المخفيّة خلف التعابير الشعريّة عند (أماني المبارك).

*(تذكر آخر القصيدة التي أشرقت بلون الشمس، وتجمّلت كالبدر، تحولت إلى مجرّة تناقضات) ص34. (الشمس، القمر، المجرّة)، وهي آيات عظمي من آيات السّماء.

*(أرهقها الغياب، وأسقطها في فم المطر، على رمش القمر) ص36. ومثل ذلك (المطر، القمر).

*(على طاولة أعمارنا المثقلة بالشقوق.. لحظة غروب) ص38. والغروب والشروق من لوازم تعاقب الليل والنهار، وكل فعلهما يبتدئ وينتهي بفعل دوران الأرض حول نفسها، وظهر الشمس على أجزاء من الكرة الأرضية، وغيابها عن أجزاء أخرى.  

(في توقيت ساعتها الرملية، يقلبها القدر ثانية) ص44. والساعة الرملية لزوم الزمن وحساباته، وهي نتيجة حتمية لحركة الكون وتعاقب الليل والنهار.

  هذه  طائفة م الأمثلة جئت بها تدليلا على رمزية السماء في مجموعة (خطيئة الظلّ)، وليس على سبيل الحصر.

 

التناصّ القرآني:

كثيرًا ما يلجأ الأدباء للاستعانة ببعض المعاني اتّكاء على بعض النصوص القرآنيّة أو الأحاديث النبويّة الشريفة، أو بعضًا من أقوال العظماء والقادة في العالم القديم والحديث، بإعادة تدوير المعنى؛ لإنتاج معنى آخر جديد يتناصّ مع الأساس الذي قام عليه، بما يضفى ناحية جماليّة للقصيدة. ومقابسة بين الماضي ليكون طريقًا للنهوض إلى المستقبل. وللخروج من قوالب شعرية رتيبة.

*تقول: (لقارئة الكفّ التي تخبرني: عن امرأة بلاد الحنطة). ص32+ (هكذا تكون امرأة التعاويذ) ص27= فهذه العبارة: (كذب المنجّمون ولو صدقواليست آية ولا حديثاً، وإنما هي من العبارات الصحيحة المعنى، التي اشتهرت على ألسنة الناس، وتتوافق مع مفهوم الإسلام لعمل المنجمين بمطالعة الغيوب.

*تقول: (النساء المعتكفات في عباءة الكيد) ص22= وفي قصة نبيّ الله يوسف عليه السلام، وما حدث من كيد امرأة العزيز، بمراودته عن نفسها، فاستعصم، عندما همّت به، التّناصّ مع الآية الكريمة: (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (سورة يوسف 28)

*تقول: (تكوّرت كالعرجون القديم) ص39= التّناصّ مع الآية الكريمة: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (سورة يس/39) بمعنى أن القمر إذا سار في منازله، وكان في آخرها دقّ وتقوّسَ وضاقَ، حتى صار كالعرجون القديم، وهو العرجون هو العذق اليابس المنحني من النخلة. 

*تقول: (وربّ الفجر) ص42= التّناصّ مع الآية الكريمة: (والفجر.. وليالٍ عشر) (سورة الفجر 1و2)، قسم بالفجر وعشر ليال من ذي الحجة. وإذا أقسم الله بشيء لإظهار أهميّته في الكون والحياة.

*تقول: (والقلب إذا انفطر) ص52= التّناصّ مع الآية الكريمة: (والسماء إذا انفطرت) (سورة الانفطار 1) أي انشّقت.

*تقول: (اقرأ واقترب) ص74= التّناصّ مع الآية الكريمة: (واسجد واقترب) (سورة العلق 19).

*تقول: (وأنت تقترب من صلصالي) ص80= التّناصّ مع الآية الكريمة:  (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (سورة الرحمن 14).  والصلصال هو الطين، أو الطين اليابس.

*تقول: (في ليلة مباركة ليلَكِيّة) ص91= التّناصّ مع الآية الكريمة: (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) سورة الدخان آية3، أقسم جلّ ثناؤه بهذا الكتاب, أنه أنـزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر (إنّ أنزلناه في ليلة القدر).

*تقول: (كأنها السراب) ص97= التّناصّ مع الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (سورة النور39).

*تقول: (لا أنتَ تُزَمّلَني) ص106= التّناصّ مع الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (سورة المزمل 1+2) وهو المتزمّل في ثيابه، ومثله في ذلك المعنى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (سورة المدّثر 1) يا أيها المتدثر بثيابه عند نومه. وتذكيرنا بقصة النبي مع زوجته السيدة خديجة عند عودته من الغار خائفًا، عند مجيء الوحي جبريل له بالرسالة، وأمره بالقراءة، بقوله: (اقرأ)، فردّ النبيّ: "ما أنا بقارئ".  

  وفي النهاية فإن مجموعة (خطيئة الظل) للأديبة (أماني المبارك)، مليئة بالجماليّات اللغويّة بتراكيبها، والصّور الشعريّة والتشابيه، وهناك من النصوص القويّة التي بحاجة لدراسات نقدية مستفيضة؛ للإحاطة بالجوانب المشرقة، والمضيئة؛ للتوقّف على أعتباها واستخلاص جماليّاتها، وتقديمها للقارئ. وهي مجموعة مثقفة عميقة الغور في أعماق التاريخ ودروسه، والواقع ومآسيه بعين حاذقة واعية.

عمان – الأردنّ

ــا19\ 7\ 2020

 

 

   


الخبرة تتجلّى إبداعًا إصلاحيًا عند الدكتور سلطان الخضور في كتابه (رسالة من امرأة)

الخبرة تتجلّى إبداعًا إصلاحيًا 
عند الدكتور سلطان الخضور
في كتابه (رسالة من امرأة)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد 
 

   العنوان (رسالة من امرأة) الذي صدر حديثًا، جاذب لمعرفة فحوى رسالة، خاصة إذا كانت من امرأة، وتحت العنوان مباشرة وبين قوسين، دلالة على هويّة الكتاب الذي جاء بمواده المختلفة عبارة عن نماذج من الأدب الاجتماعي. والعنوان هو أحد نصوص الكتاب، من الباب الثالث اليُشيرُ إلى (قصص من الواقع). والرسالة جاءت غير مباشرة من زوجة صديق أحدهم، أثناء زيارته، حين قدموا له واجب الضيافة، فكان أولًا كأس العصير كان ساخنًا، فأحسن الظن، بأن ثلاجتهم عاطلة ومتوقفة عن العمل، لكن لما قدموا له فنجان قهوة بماء بارد. فهم بأن صاحبة البيت لا تحب الضيوف، وهو على الأخص ضيف غير مرحب به. فقام من فوره ولم يعد لزيارة صديقه، أيضًا لم يخبره بملاحظته، كي لا يتسبب بخلافات لعائلة صديقه. 
   والالتزام بتكاليف وأعباء مفروضة على هذا الإنسان، كونه يعي ويدرك حجم المأساة في محيطه، ويتلمس دروب تحسين الأوضاع بشكل عام، والالتزام رديف الإصلاح الأساسي، فلا فائدة من غير تبنْى المثقف قضية ويدافع عنها، وكثير منهم من كان كبش فداء لذلك. والكاتب والأديب والمفكر والعالم لا بدّ أن يحمل قضايا مجتمعه، وقضايا كبرى مرتبطة بالقضايا المصيرية للأمة. 
   
*توزّع الكتاب على خمسة أبواب:
- الباب الأول: إضاءة على الأدب الاجتماعي. 
- الباب الثاني : مقالات ومواقف. 
- الباب الثالث: همسات. 
- الباب الرابع: قصص من الواقع. 
- الباب الخامس: رثائيات. 
     ومن الإنصاف لكتاب (رسالة من امرأة) تناول الفصول فصلًا فصلا، وتبيان ما انطوت عليه من عبر وعظاتٍ وجماليّات، لأنّ كلٍّ منها أخذ منحى مختلفًا عن الآخر بموضوعاته، وكان من الممكن أن يكون بعضها كتابًا مستقلًّا، إمّا عبارة عن مجموعة قصصيّة، أو مجموعة خواطر.

*الباب الأوّل: الأدب الاجتماعي:
   بحث قيّم ومفيد للقارئ، ابتدأ بتعريف موجز للأدب الاجتماعيّ من معجم المعاني الجامع للأدب: (ما أنتجه العقل الإنسانيّ من ضروب المعرفة عامّة) ص8، وعند رائد عالم الاجتماع العربيّ(ابن خلدون): "فكر الأمّة الموروث الذي يُعبّر عنه الشّاعر أو الكاتب بلغة ذات مستوى رفيع" ص8. 
   والأدب الاجتماعيّ يبحثُ في قضايا الناس جمعها، من قضايا حياتيّة يومية ومصيريّة، ومشاكل وتعقيدات، وهو جنس أدبيّ يهتمّ  بالحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، ومختلف الشّؤون المنظورة وغير ها. 
    وأهميّة الأدب الاجتماعيّ تأتي من انتمائه للمجتمع، ويساهم في بنائه القِيَمي، ومعالجة  التحدّيات، والنّظر إلى سُبُل الحلول النّاجعة في إرساء السّلم الأهلي والمجتمعي، من خلال إدراك الأديب (سلطان الخضور) المُبكّر لهذه الأشياء، ومحاولة القيام بدور توعويّ للارتقاء بمجتمعه للحالة المُثلى المنشودة في ذهنه. وهذه العلاقة التبادليّة بين الأديب ومجتمعه، تجعل من الأديب مؤشّر إنذار مُبكّر؛ لتحسسه المشاكل ولفت الانتباه لها قبل وقوعها ربّما بزمان طويل.   

*الباب الثاني: مقالات ومواقف:
   فالعنوان الأول في هذا الباب (الكرامة والأرض)، (إربد.. الوجه الصبوح، والابتسامة الدّائمة)، (بمناسبة يوم الصّحّة العالمي)، (الوحدة الوطنيّة)، (احتفال ومزامير)، (من العدل)، (أمّ النّكبات)، (تعليقات)، (نتائج الثانويّة العامّة)، (رسائل)، (حكاية شعب)، (النّظم مُعطّل). 
   هذه الطائّفة من العنوانات جئت بها على سبيل المثال لا الحصر، والمتأمّل لها، سيستخلص منها الرّابط بينها، ومثلها بقيّة العناوين في هذا الباب، فهي جميعًا مقالات ذات نهج اجتماعيٍّ إصلاحيٍّ، جاءت من خلال سرد أدبي بأسلوب رقيق قريب إلى النّفس مفهوم للقارئ مهما كانت درجة ثقافته، ومن السّهل استخلاص رسالة الكاتب التي أرادها، ودوّنها لتكون سجّلًا شاهدًا على زمن عاشه وعاين مشكلاته، وهو يتكلّم عنها بروح المُصلح والمربّي الغيور على مجتمعه وأمّته ووطنه. 

*الباب الثالث: همسات: 
   جاء على شكل خواطر تميل إلى القِصَر، وأجمل القول ما كان مُختصرًا مفيدًا، بعيدًا عن تكلّف العبارة، والتزويق الأدبي الذي ما يجنح كثير به من الكُتّاب إلى الرّمزيّة الغارقة تيهًا في سردٍ أدبيٍّ متعشّب في دلالاته، ومن الصعب الإمساك بمفاتيح أيّ نصّ منه، ليكون من المستطاع فهم مراده. 
   وللتدليل على ما ذهبت إليه، سأنقل عبارات للتأمّل في إعادة تدويرها بطريقة الكاتب سلطان الخضور: (كن حييًا وقورًا؛ لتكسب رضا الله ورضا الناس) ص108، (على من يقرأ أن لا يسأل الكاتب: لمَ كتب، أو لمن كتب) ص109، (لم يكن الانتماء يومًا شعارًا يُعبَّر عنه بالكلمات) ص109، (أدخلوني في نفق مظلم، و لمّا وصلتُ نقطة الوسط، أطفؤوا بصيص النّور الذي كان في نهايته) ص109، (حبّ الحياة سنّة الله في خلقه) ص110، (الحروف كما اللّسان.. ليس بالضرورة أن تقود إلى الخير) ص110، (النقد البنّاء: هو النقد الموضوعيّ المُجرّد الخالي من الهوى، والذي يستدف الفعل لا فاعله) ص111، (مجالسة السّفهاء، كمجادلة الحمقى) ص111، (علينا أن نُعلم أولادنا أن يُعبّروا عن دواخلهم بصدق) ص112. 
  لعلّ الاكتفاء بهذه الطّائفة من العبارات رائعة المغازي برسائلها، ذات النّزعة الإصلاحيّة، ومن خلالها تتبدّى شخصيّة الكاتب الذي عمل في سلك التربية والتعليم، من الجيل العصاميّ الذي تعلّم وأثبت وجوده رغم المصاعب والفقر. فهو يتكلّم بروح أبويّة بتوجيه النّقد غير الجارح لمشاعر الآخرين، بتقدير قيمة الآخرين واحترام خصوصيّاتهم.   

*الفصل الرابع: قصص من الواقع:
   -فيقول الكاتب: " كان محور الشّكوى من الأوضاع العامّة، واليأس وتغيّر الأحوال، والقلق والتأفّف من مصاعب الحياة، وعدم الثّقة بالمستقبل" ص155.  
-"لم يعد الأمل من مفردات لغتي. بات اليأس يقتلني؛ فأنا إن بقي الوضع كما هو سأموتُ ألف مرّة قبل أن أغادر مسرح الحياة" ص158.
-"ما هكذا قلوب المؤمنين" ص159.
- "عمرك شُفت حدا بالعالم العربيّ يلتزم بموعد؟" ص160.
   (سلطان الخضور) إنسان موجوع بهموم مجتمعه وأمّته، وهو قد عاصر النكبة والنكسة والتهجير، ومكابدة مشاقّ الحياة، فقد خبر دقائق مفاصلها ومخارجها ومداخلها؛ فكان (الرّائد الذي لا يكذب أهله). 

*الفصل الخامس: رثائيّات: 
   فتخصص بمن رحلوا عن الدّنيا إلى رحاب الله، فكان أول مرثيّة لوالده، وللشاعر يوسف أبو حميد، وللشاعر أمجد ناصر، وللدكتور محمود الحمّوري، وجاره أبو محمد الحمّوري. 
   وفي المراثي عامّة يظهر صدق العاطفة فمن رثاء لأبيه، والذي هو جزء منه، لا يمكن بتاتًا إلّا أن يكون كلام القلب للقلب، بما يحمل من دموع وآهات وغصّة في الحلق والقلب، وكذلك الأمر انسحب على أصدقائه في مجال الثّقافة، وجاره أبو محمد.   والرّثاء في الأدبيّات القديمة منذ البدايات الأدبيّة في  الشّعر الجاهليّ ممتدّا إلى الحاضر ليكون للنثر دورًا بارزًا في هذا المجال، ليتساوق مع الشعر في تخليد المناسبة، وتمجيد صاحب المرثيّة، وإبراز محاسنه وفضائله.
ختامًا: 
الكتاب (رسالة من امرأة) يعتبر سجّلًا جامعًا لزمان ومكان، وأحداث كثيرة، وانتقاد لأساليب التعامل اليوميّ على جميع الأصعدة الحياتيّة، في البيت والسّوق والمدرسة والدّائرة الرّسميّة وفي الحارة والمدينة والوطن العربيّ أجمع، ميدان هذه القصص والمقالات الهادفة النّابضة بالحياة من أجل حياة أفضل. 
عمّان – الأردن
30\ 6\ 2020

أعطونا ساعاتٍ ذهبيّة

أعطونا ساعاتٍ ذهبيّة
مقالات ملفقة (26\2)
بقلم – محمد فتحي المقداد

بالفعل نحن أمام ظاهرة الانشغال الدائم لدى كثير من النّاس الذين نصادفهم، أو لنا علاقات معهم بحكم القرابة أو العمل أو المصادفة، يبدأ بالتأفّف ومن ثمّ يقول بلسان عريض: "والله مُستعجل". وهذا الأمر يربكني، خاصّة أنّ عملي المهني "حلاق" يستدعي الانتظار، وطول البال.  الحقيقة أقولها بملء فمي، بعد استقصاء صادقٍ ومتأنٍّ منّي، تبيّن: "أن كلمة مستعجل صارت لهجة دارجة، أيضًا بعضهم لإظهار أهميّته لدى المستمع والمتلقّي"، والأقسى إيلامًا على نفسي، بعدما تأكّدتُ أنّ غالبيّتهم، لا شيء ولا عمل مهمٍّ يستدعي تعجّلهم، إمّا للّحاق بالشّلة ولعب الورق واللّهو ساعات طويلة في الغيبة والنميمة، فإذا كان هذا هو الذي يشغل بالهم. 
   الموضوع فتح عينيّ على فيض تساؤلات: "ما هو الشيء الذي لا يُشغلهم؟". وهل استخدامي للساعة صواب..!!، مؤكّد.. ما هو إلّا محاولتي الفاشلة للقبض على الزّمن الفارط من بين أصابع كفيّ.
   ولن يتغيّر الأمر، وإن كانت السّاعات سويسريّة أو تايوانيّة الصّناعة، رغم البَوْن الشّاسع في الجودة والقيمة ما بين الصّناعتيْن، رغم أنّ جميعها تُحاول جاهدة ضبط التوقيت بدقّة، لمساعدتي في استدراك ذاتي المُسافرة المنتظرة في محطّة الزّمن المُتسارع. 
   فهل باستطاعتها استعادة شيء مما مضى..؟. 
  فماذا لو تعطّلت السّاعة؛ فهل ستوقّف الزّمان إكرامًا لها.. لأنّها دليلُهُ إليّ؟.
  أعتقدُ جازمًا: أنّني رأيتُ عجزي الفاضح في القبض على الزّمن، المُتسرّب من صفحات حياتي الذّابلة بمغادرته لها، محاولاتي الفاشلة لا تفتأ تتكرّرُ المرّة تِلوَ المرّة.. دون تحقيق أدنى فائدة تُذكَر.. فما هي إلّا لوثة عنادٍ في رأسي المُثقَل إصرارًا كما "سيريف" سيّد المعاندين. 
  دأبي يُماثل دأب الثَريّ وساعته الذهبيّة، التي ما إن لو وُزّع ثمنها لأطعم حيًّا من أحياء المدينة، أ, قرية صغيرة لمدّة أسبوع على الأقل، إن لم يكن شهرًا بلا أدنى مُبالغة. 
   جدّي الأوّل فكّرَ في ملاحظة ومُتابعة الظلِّ كلّ يوم؛ لأنّه لم يكن مشغولًا كما نحن الآن، وعلى مدار زمان طويل، حتّى حفظ مؤشّراته على وقت ابتكره؛ تبعًا لحركة الشّمس أمُّ الظِّلِّ، وضِيَاها أباه.
   مُغامرة جدّي الإنسان الأوّل انطوت على إصراره كما إصراري؛ للّحاق بالزّمن، ثمّ بعد أن أنهكه التعب وهو يرعى أغنامه منذ الباكر من صباح كلّ يوم؛ فغرز عصاه (المزولة) التي يهشّ بها قطيعه في الرّمل، واتّكأ على جنبه، وعى لحركة ظلّ العصا عندما صار بطولها، إلى أكثر فأكثر؛ ولكي يلهو بتمرير الوقت، أعجبته اللّعبة، تابعها كلّ يوم، مقارنة النّتائج على مدار سنة وثانية وثالثة، كانت فتحًا جديدًا في عدّ الوقت، وتقسيمه إلى فئات ووحدات استغرقت اليوم والليلة. وهكذا ظهر التقويم.  
   ثمّ ابتكر بعد المزولة السّاعة الرمليّة، والحاجة أمّ الاختراع، وإعادة تدوير المواد الطبيعيّة في البيئة، وهي أوّل فائدة مُكتشفة للرّمال سِمَة الصّحاري القاحلة والجافّة والحارّة، ومن ثمّ تدرّج في ارتقاء اختراعاته إلى السّاعة البندول الرّقّاص، إلى ساعة الجيب ذات السّلسلة المعدنيّة، إلى ساعة اليدّ ذات العقارب، إلى الرقميّة منها ذات الأرقام الإلكترونيّة.
   كنتّ أعجب لصديقي (علي الشّاهين) رحمه الله: "فقد كان لا يضع السّاعة على معصمه، ولا يحمل قدّاحة لإشعال سجائره، ولا يلبس حزامًا جلديًّا على خصره". لكن عجبي زال، عندما قرأتُ جُملة للشاعر (محمد الماغوط) في احد حواراته: "أعطونا ساعات ذهبيّة.. وسرقوا منّا الوقت..!!".
عمّان – الأردن
2\ 7\ 2020

كلمة لا بدّ منها: للصديق (نوران الحوراني)

كلمة لا بدّ منها: 
للصديق (نوران الحوراني) 

بقلم الروائيّ-  محمد فتحي المقداد
 
من محاسن لجوئنا أنّه فتح لنا أبوابًا جديدة، ونوافذ أطلننا منها إلى الآخر، وتلاقحت المعارف والثقافات، وتحفزت الأفكار للإبداع عن الكثيرين من أبناء بلدي خاصة في الأردن، البلد الذي فتح قلبه وصدره، فكان كالأم وصدرها الحنون.
ومما يجدر قوله: "الأردن يتقدم دول الجوار بخمسين سنة على الأقلّ في مجال الحريّات الشخصيّة".
وعلى الساحة الأردنية التقيت بالعديد من الفعاليات المحلية والسورية والعربية، ومنذ سنوات مجيئي في بداية العام ٢٠١٣، وفي كلّ صيف أرى عمّان خلية نحل نشطة ثقافيا على الصعيد العربي أجمع، يؤمّها الشعراء والكتاب والأدباء على مختلف جنسياتهم وانتماءاتهم ومرجعايتهم الفكرية والسياسية، وقد واعتلوا منصاتها الثقافية، وجمهور الأردن يستمع ويصفق لهم.
في عمّان كان لقائي الأول بالأستاذ (نوران الحوراني) ابن مدينة درعا، أسرني بلباقته منذ أول دردشة بيننا على المسنجر، وكان اللقاء الأهم وجهًا لوجه في وسط البلد في عمّان، وعلمت أنه يحمل بكالوريوس لغة فرنسية من جامعة دمشق، ثقافته الواسعة لم تأت من فراغ، فعمله في مكتبة (دنديس) أتاح له التعامل مع الكتب والأدباء والباحثين والأكاديميين، وفي أوقات فراغه القليلة يقرأ فيما يروق له، لا سيما اعظم كتب الأدب والعلم والدين بين يديه وفي متناول يده.
ابتسامته كانت دليله إلى قلبي، تواضعه الجمّ أسرني، حلو منطقه في الكلام استحوذ على اهتمامي لكي أستمع إليه بكل شغف.
لا يخفى طيبه ونقاؤه على من يلتقيه ولو لمرة واحدة، روحه مرحة رغم دواخله الموجوعة.. يعمل بجد ونشاط لا يكسل ولا يتأفف، ولم يمنعه تقدم العمر من مزاولة عمله بهمة عالية، واخلاص، ونصح، ومثابرة. تحياتي لك أبا رامز الغالي

عمان - الأردنّ
٦/ ٧/ ٢٠٢٠

الثلاثاء، 7 يوليو 2020

من طهران إلى جنوب لبنان (2)

من طهران إلى جنوب لبنان (٢)

بقلم – محمد فتحي المقداد 
   الجزء الأول من المقال سلّط الضوء على مجيء الإمام (موسى الصدر) إلى لبنان في العام ١٩٥٥، ومن الوهلة أن يثير العنوان، من الغريب أحد الأدباء رغم صداقتي معه منذ سنوات، لم ألحظ ولم إعجابا لمرة واحدة على من منشوراتي الأدبية، رغم أنه ذو باع طويل في الحقل الأدبيّ، المثير أنه يرجو بكلّ إخلاصه: "بأن لا أثير الطائفية". 
   وبالعودة إلى المقال ما هو سوى إعادة قراءة تاريخيّة لحدث مجيء الإمام إلى لبنان، وتأثيراته التي امتدت خارج لبنان إلى جارتها سورية، وانسحبت تتابعات ذلك إلى أيامنا هذه، ولتكون بلدي ميدانًا للمشروع الفارسيّ الصفويّ.

الإمام موسى الصدر، وأحداث الدستور في سورية:

   مع بداية العام ١٩٧٣، وبعد اعتلاء الرئيس (حافظ الأسد) سدّة الحكم في سوريّة بسنتين، كان قد طرح الدستور الجديد للاستفتاء، وهو المعدّل عن دستور ١٩٢٥، جرى لغط وجدل كبير حول بعض مواده، وخاصّة المتعلقة دين الدولة الإسلام، قال فريق: "بأن الدولة لا دين لها"، وآخرون: "دين رئيس الدولة الإسلام"، وهناك طرح على طريقة لبنان: "يجب أن يكون الرئيس مسلم سنّي". 
*جاء الحل بإقرار المادة الثالثة من الدستور: "الإسلام أحد مصادر التشريع في الدولة". 
*إشكالية دين رئيس الجمهورية القادم من أقليّة طائفيّة في سورية، وقيل ما قيل عنها في المصادر التاريخيّة والدّينيّة، وكانت معضلة للرئيس الجديد، حاء الحلّ من لبنان، ومن عند الإمام (موسى الصّدر)؛ بفتواه الشّهيرة: "بأنّه يشهد بأن حافظ أسد هو مسلم يعتنق المذهب الجعفري الإثني عشري". ولما للمشهديّة الدينية السورية الممثلة بعلمائها من ثقل اجتماعي، وتأثير واسع. 
   وكان لفئة منهم انبرت لتكون عرّابة للموقف السياسي، وإضفاء نوع من الشرعية، بتبريك الوضع الجديد والتهليل له، ولتشكّل ظاهرة زواج عُرفيّ بين الفريقين، من خلال شبكة علاقات معقّدة من المصالح الظاهرة والخفية، تحت شعار مصلحة الوطن والمواطن. 
   وتزعم هذا الاتجاه الشيخان (أحمد كفتارو) و(عبدالستّار السيّد)، الأول صار مفتيًا للجمهورية إلى توفّاه الله، رغم أن لم ينل إجماع أعضاء  المجلس الإسلامي الأعلى في سورية بانتخابه، إلّا أنهم خالفوا النظام الداخلي للمجلس، باعتبار صوت رئيس المجلس مرجّحًا، لإنجاح الشيخ (أحمد كفتارو) لمنصب مفتي الجمهورية. والشيخ (عبدالستار السيد) جرى تعيينه وزيرا للأوقاف لسنوات طويلة، وهو من أقوى الوزراء على الإطلاق خلال توزيره في حكومات تعاقبت على الحكم، وبعد خروجه من الوزارة، سيارته الوزارية والحراسة بقيت معه إلى أن توفاه الله. في السنوات الأخيرة اختير ابنه الشيخ (محمد عبدالستار السيد) وزيرًا للأوقاف. 
   انتهت أحداث الدستور حينها، من خلال حملة اعتقالات واسعة طالت العديد من الفعاليات السياسية والثقافية والدينية، وانتهت في حينها، وطوتها صفحات النسيان، لأنه لم يمض عليها أشهر قليلة، حتى كانت حرب تشرين ١٩٧٣. الحدث الأكبر على الإطلاق، وهي التي كرّست قبضة الرئيس على مفاصل الحياة السورية، وإحكام قبضته بحركة إزاحة معارضيه الأشداء، والنصر الإعلامي الذي تكلّل باتفاقيّة فصل القوات التي تخلّت إسرائيل عن (٦٠) كم مربع وهي مدينة القنيطرة، بضغط وبرعاية زطير الخارجية الأمريكي العم (هنري كيسنجر). 

_ا ٧/ ٧/ ٢٠٢٠


تأملات قرآنية