الأحد، 19 يوليو 2020

الخبرة تتجلّى إبداعًا إصلاحيًا عند الدكتور سلطان الخضور في كتابه (رسالة من امرأة)

الخبرة تتجلّى إبداعًا إصلاحيًا 
عند الدكتور سلطان الخضور
في كتابه (رسالة من امرأة)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد 
 

   العنوان (رسالة من امرأة) الذي صدر حديثًا، جاذب لمعرفة فحوى رسالة، خاصة إذا كانت من امرأة، وتحت العنوان مباشرة وبين قوسين، دلالة على هويّة الكتاب الذي جاء بمواده المختلفة عبارة عن نماذج من الأدب الاجتماعي. والعنوان هو أحد نصوص الكتاب، من الباب الثالث اليُشيرُ إلى (قصص من الواقع). والرسالة جاءت غير مباشرة من زوجة صديق أحدهم، أثناء زيارته، حين قدموا له واجب الضيافة، فكان أولًا كأس العصير كان ساخنًا، فأحسن الظن، بأن ثلاجتهم عاطلة ومتوقفة عن العمل، لكن لما قدموا له فنجان قهوة بماء بارد. فهم بأن صاحبة البيت لا تحب الضيوف، وهو على الأخص ضيف غير مرحب به. فقام من فوره ولم يعد لزيارة صديقه، أيضًا لم يخبره بملاحظته، كي لا يتسبب بخلافات لعائلة صديقه. 
   والالتزام بتكاليف وأعباء مفروضة على هذا الإنسان، كونه يعي ويدرك حجم المأساة في محيطه، ويتلمس دروب تحسين الأوضاع بشكل عام، والالتزام رديف الإصلاح الأساسي، فلا فائدة من غير تبنْى المثقف قضية ويدافع عنها، وكثير منهم من كان كبش فداء لذلك. والكاتب والأديب والمفكر والعالم لا بدّ أن يحمل قضايا مجتمعه، وقضايا كبرى مرتبطة بالقضايا المصيرية للأمة. 
   
*توزّع الكتاب على خمسة أبواب:
- الباب الأول: إضاءة على الأدب الاجتماعي. 
- الباب الثاني : مقالات ومواقف. 
- الباب الثالث: همسات. 
- الباب الرابع: قصص من الواقع. 
- الباب الخامس: رثائيات. 
     ومن الإنصاف لكتاب (رسالة من امرأة) تناول الفصول فصلًا فصلا، وتبيان ما انطوت عليه من عبر وعظاتٍ وجماليّات، لأنّ كلٍّ منها أخذ منحى مختلفًا عن الآخر بموضوعاته، وكان من الممكن أن يكون بعضها كتابًا مستقلًّا، إمّا عبارة عن مجموعة قصصيّة، أو مجموعة خواطر.

*الباب الأوّل: الأدب الاجتماعي:
   بحث قيّم ومفيد للقارئ، ابتدأ بتعريف موجز للأدب الاجتماعيّ من معجم المعاني الجامع للأدب: (ما أنتجه العقل الإنسانيّ من ضروب المعرفة عامّة) ص8، وعند رائد عالم الاجتماع العربيّ(ابن خلدون): "فكر الأمّة الموروث الذي يُعبّر عنه الشّاعر أو الكاتب بلغة ذات مستوى رفيع" ص8. 
   والأدب الاجتماعيّ يبحثُ في قضايا الناس جمعها، من قضايا حياتيّة يومية ومصيريّة، ومشاكل وتعقيدات، وهو جنس أدبيّ يهتمّ  بالحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، ومختلف الشّؤون المنظورة وغير ها. 
    وأهميّة الأدب الاجتماعيّ تأتي من انتمائه للمجتمع، ويساهم في بنائه القِيَمي، ومعالجة  التحدّيات، والنّظر إلى سُبُل الحلول النّاجعة في إرساء السّلم الأهلي والمجتمعي، من خلال إدراك الأديب (سلطان الخضور) المُبكّر لهذه الأشياء، ومحاولة القيام بدور توعويّ للارتقاء بمجتمعه للحالة المُثلى المنشودة في ذهنه. وهذه العلاقة التبادليّة بين الأديب ومجتمعه، تجعل من الأديب مؤشّر إنذار مُبكّر؛ لتحسسه المشاكل ولفت الانتباه لها قبل وقوعها ربّما بزمان طويل.   

*الباب الثاني: مقالات ومواقف:
   فالعنوان الأول في هذا الباب (الكرامة والأرض)، (إربد.. الوجه الصبوح، والابتسامة الدّائمة)، (بمناسبة يوم الصّحّة العالمي)، (الوحدة الوطنيّة)، (احتفال ومزامير)، (من العدل)، (أمّ النّكبات)، (تعليقات)، (نتائج الثانويّة العامّة)، (رسائل)، (حكاية شعب)، (النّظم مُعطّل). 
   هذه الطائّفة من العنوانات جئت بها على سبيل المثال لا الحصر، والمتأمّل لها، سيستخلص منها الرّابط بينها، ومثلها بقيّة العناوين في هذا الباب، فهي جميعًا مقالات ذات نهج اجتماعيٍّ إصلاحيٍّ، جاءت من خلال سرد أدبي بأسلوب رقيق قريب إلى النّفس مفهوم للقارئ مهما كانت درجة ثقافته، ومن السّهل استخلاص رسالة الكاتب التي أرادها، ودوّنها لتكون سجّلًا شاهدًا على زمن عاشه وعاين مشكلاته، وهو يتكلّم عنها بروح المُصلح والمربّي الغيور على مجتمعه وأمّته ووطنه. 

*الباب الثالث: همسات: 
   جاء على شكل خواطر تميل إلى القِصَر، وأجمل القول ما كان مُختصرًا مفيدًا، بعيدًا عن تكلّف العبارة، والتزويق الأدبي الذي ما يجنح كثير به من الكُتّاب إلى الرّمزيّة الغارقة تيهًا في سردٍ أدبيٍّ متعشّب في دلالاته، ومن الصعب الإمساك بمفاتيح أيّ نصّ منه، ليكون من المستطاع فهم مراده. 
   وللتدليل على ما ذهبت إليه، سأنقل عبارات للتأمّل في إعادة تدويرها بطريقة الكاتب سلطان الخضور: (كن حييًا وقورًا؛ لتكسب رضا الله ورضا الناس) ص108، (على من يقرأ أن لا يسأل الكاتب: لمَ كتب، أو لمن كتب) ص109، (لم يكن الانتماء يومًا شعارًا يُعبَّر عنه بالكلمات) ص109، (أدخلوني في نفق مظلم، و لمّا وصلتُ نقطة الوسط، أطفؤوا بصيص النّور الذي كان في نهايته) ص109، (حبّ الحياة سنّة الله في خلقه) ص110، (الحروف كما اللّسان.. ليس بالضرورة أن تقود إلى الخير) ص110، (النقد البنّاء: هو النقد الموضوعيّ المُجرّد الخالي من الهوى، والذي يستدف الفعل لا فاعله) ص111، (مجالسة السّفهاء، كمجادلة الحمقى) ص111، (علينا أن نُعلم أولادنا أن يُعبّروا عن دواخلهم بصدق) ص112. 
  لعلّ الاكتفاء بهذه الطّائفة من العبارات رائعة المغازي برسائلها، ذات النّزعة الإصلاحيّة، ومن خلالها تتبدّى شخصيّة الكاتب الذي عمل في سلك التربية والتعليم، من الجيل العصاميّ الذي تعلّم وأثبت وجوده رغم المصاعب والفقر. فهو يتكلّم بروح أبويّة بتوجيه النّقد غير الجارح لمشاعر الآخرين، بتقدير قيمة الآخرين واحترام خصوصيّاتهم.   

*الفصل الرابع: قصص من الواقع:
   -فيقول الكاتب: " كان محور الشّكوى من الأوضاع العامّة، واليأس وتغيّر الأحوال، والقلق والتأفّف من مصاعب الحياة، وعدم الثّقة بالمستقبل" ص155.  
-"لم يعد الأمل من مفردات لغتي. بات اليأس يقتلني؛ فأنا إن بقي الوضع كما هو سأموتُ ألف مرّة قبل أن أغادر مسرح الحياة" ص158.
-"ما هكذا قلوب المؤمنين" ص159.
- "عمرك شُفت حدا بالعالم العربيّ يلتزم بموعد؟" ص160.
   (سلطان الخضور) إنسان موجوع بهموم مجتمعه وأمّته، وهو قد عاصر النكبة والنكسة والتهجير، ومكابدة مشاقّ الحياة، فقد خبر دقائق مفاصلها ومخارجها ومداخلها؛ فكان (الرّائد الذي لا يكذب أهله). 

*الفصل الخامس: رثائيّات: 
   فتخصص بمن رحلوا عن الدّنيا إلى رحاب الله، فكان أول مرثيّة لوالده، وللشاعر يوسف أبو حميد، وللشاعر أمجد ناصر، وللدكتور محمود الحمّوري، وجاره أبو محمد الحمّوري. 
   وفي المراثي عامّة يظهر صدق العاطفة فمن رثاء لأبيه، والذي هو جزء منه، لا يمكن بتاتًا إلّا أن يكون كلام القلب للقلب، بما يحمل من دموع وآهات وغصّة في الحلق والقلب، وكذلك الأمر انسحب على أصدقائه في مجال الثّقافة، وجاره أبو محمد.   والرّثاء في الأدبيّات القديمة منذ البدايات الأدبيّة في  الشّعر الجاهليّ ممتدّا إلى الحاضر ليكون للنثر دورًا بارزًا في هذا المجال، ليتساوق مع الشعر في تخليد المناسبة، وتمجيد صاحب المرثيّة، وإبراز محاسنه وفضائله.
ختامًا: 
الكتاب (رسالة من امرأة) يعتبر سجّلًا جامعًا لزمان ومكان، وأحداث كثيرة، وانتقاد لأساليب التعامل اليوميّ على جميع الأصعدة الحياتيّة، في البيت والسّوق والمدرسة والدّائرة الرّسميّة وفي الحارة والمدينة والوطن العربيّ أجمع، ميدان هذه القصص والمقالات الهادفة النّابضة بالحياة من أجل حياة أفضل. 
عمّان – الأردن
30\ 6\ 2020

أعطونا ساعاتٍ ذهبيّة

أعطونا ساعاتٍ ذهبيّة
مقالات ملفقة (26\2)
بقلم – محمد فتحي المقداد

بالفعل نحن أمام ظاهرة الانشغال الدائم لدى كثير من النّاس الذين نصادفهم، أو لنا علاقات معهم بحكم القرابة أو العمل أو المصادفة، يبدأ بالتأفّف ومن ثمّ يقول بلسان عريض: "والله مُستعجل". وهذا الأمر يربكني، خاصّة أنّ عملي المهني "حلاق" يستدعي الانتظار، وطول البال.  الحقيقة أقولها بملء فمي، بعد استقصاء صادقٍ ومتأنٍّ منّي، تبيّن: "أن كلمة مستعجل صارت لهجة دارجة، أيضًا بعضهم لإظهار أهميّته لدى المستمع والمتلقّي"، والأقسى إيلامًا على نفسي، بعدما تأكّدتُ أنّ غالبيّتهم، لا شيء ولا عمل مهمٍّ يستدعي تعجّلهم، إمّا للّحاق بالشّلة ولعب الورق واللّهو ساعات طويلة في الغيبة والنميمة، فإذا كان هذا هو الذي يشغل بالهم. 
   الموضوع فتح عينيّ على فيض تساؤلات: "ما هو الشيء الذي لا يُشغلهم؟". وهل استخدامي للساعة صواب..!!، مؤكّد.. ما هو إلّا محاولتي الفاشلة للقبض على الزّمن الفارط من بين أصابع كفيّ.
   ولن يتغيّر الأمر، وإن كانت السّاعات سويسريّة أو تايوانيّة الصّناعة، رغم البَوْن الشّاسع في الجودة والقيمة ما بين الصّناعتيْن، رغم أنّ جميعها تُحاول جاهدة ضبط التوقيت بدقّة، لمساعدتي في استدراك ذاتي المُسافرة المنتظرة في محطّة الزّمن المُتسارع. 
   فهل باستطاعتها استعادة شيء مما مضى..؟. 
  فماذا لو تعطّلت السّاعة؛ فهل ستوقّف الزّمان إكرامًا لها.. لأنّها دليلُهُ إليّ؟.
  أعتقدُ جازمًا: أنّني رأيتُ عجزي الفاضح في القبض على الزّمن، المُتسرّب من صفحات حياتي الذّابلة بمغادرته لها، محاولاتي الفاشلة لا تفتأ تتكرّرُ المرّة تِلوَ المرّة.. دون تحقيق أدنى فائدة تُذكَر.. فما هي إلّا لوثة عنادٍ في رأسي المُثقَل إصرارًا كما "سيريف" سيّد المعاندين. 
  دأبي يُماثل دأب الثَريّ وساعته الذهبيّة، التي ما إن لو وُزّع ثمنها لأطعم حيًّا من أحياء المدينة، أ, قرية صغيرة لمدّة أسبوع على الأقل، إن لم يكن شهرًا بلا أدنى مُبالغة. 
   جدّي الأوّل فكّرَ في ملاحظة ومُتابعة الظلِّ كلّ يوم؛ لأنّه لم يكن مشغولًا كما نحن الآن، وعلى مدار زمان طويل، حتّى حفظ مؤشّراته على وقت ابتكره؛ تبعًا لحركة الشّمس أمُّ الظِّلِّ، وضِيَاها أباه.
   مُغامرة جدّي الإنسان الأوّل انطوت على إصراره كما إصراري؛ للّحاق بالزّمن، ثمّ بعد أن أنهكه التعب وهو يرعى أغنامه منذ الباكر من صباح كلّ يوم؛ فغرز عصاه (المزولة) التي يهشّ بها قطيعه في الرّمل، واتّكأ على جنبه، وعى لحركة ظلّ العصا عندما صار بطولها، إلى أكثر فأكثر؛ ولكي يلهو بتمرير الوقت، أعجبته اللّعبة، تابعها كلّ يوم، مقارنة النّتائج على مدار سنة وثانية وثالثة، كانت فتحًا جديدًا في عدّ الوقت، وتقسيمه إلى فئات ووحدات استغرقت اليوم والليلة. وهكذا ظهر التقويم.  
   ثمّ ابتكر بعد المزولة السّاعة الرمليّة، والحاجة أمّ الاختراع، وإعادة تدوير المواد الطبيعيّة في البيئة، وهي أوّل فائدة مُكتشفة للرّمال سِمَة الصّحاري القاحلة والجافّة والحارّة، ومن ثمّ تدرّج في ارتقاء اختراعاته إلى السّاعة البندول الرّقّاص، إلى ساعة الجيب ذات السّلسلة المعدنيّة، إلى ساعة اليدّ ذات العقارب، إلى الرقميّة منها ذات الأرقام الإلكترونيّة.
   كنتّ أعجب لصديقي (علي الشّاهين) رحمه الله: "فقد كان لا يضع السّاعة على معصمه، ولا يحمل قدّاحة لإشعال سجائره، ولا يلبس حزامًا جلديًّا على خصره". لكن عجبي زال، عندما قرأتُ جُملة للشاعر (محمد الماغوط) في احد حواراته: "أعطونا ساعات ذهبيّة.. وسرقوا منّا الوقت..!!".
عمّان – الأردن
2\ 7\ 2020

كلمة لا بدّ منها: للصديق (نوران الحوراني)

كلمة لا بدّ منها: 
للصديق (نوران الحوراني) 

بقلم الروائيّ-  محمد فتحي المقداد
 
من محاسن لجوئنا أنّه فتح لنا أبوابًا جديدة، ونوافذ أطلننا منها إلى الآخر، وتلاقحت المعارف والثقافات، وتحفزت الأفكار للإبداع عن الكثيرين من أبناء بلدي خاصة في الأردن، البلد الذي فتح قلبه وصدره، فكان كالأم وصدرها الحنون.
ومما يجدر قوله: "الأردن يتقدم دول الجوار بخمسين سنة على الأقلّ في مجال الحريّات الشخصيّة".
وعلى الساحة الأردنية التقيت بالعديد من الفعاليات المحلية والسورية والعربية، ومنذ سنوات مجيئي في بداية العام ٢٠١٣، وفي كلّ صيف أرى عمّان خلية نحل نشطة ثقافيا على الصعيد العربي أجمع، يؤمّها الشعراء والكتاب والأدباء على مختلف جنسياتهم وانتماءاتهم ومرجعايتهم الفكرية والسياسية، وقد واعتلوا منصاتها الثقافية، وجمهور الأردن يستمع ويصفق لهم.
في عمّان كان لقائي الأول بالأستاذ (نوران الحوراني) ابن مدينة درعا، أسرني بلباقته منذ أول دردشة بيننا على المسنجر، وكان اللقاء الأهم وجهًا لوجه في وسط البلد في عمّان، وعلمت أنه يحمل بكالوريوس لغة فرنسية من جامعة دمشق، ثقافته الواسعة لم تأت من فراغ، فعمله في مكتبة (دنديس) أتاح له التعامل مع الكتب والأدباء والباحثين والأكاديميين، وفي أوقات فراغه القليلة يقرأ فيما يروق له، لا سيما اعظم كتب الأدب والعلم والدين بين يديه وفي متناول يده.
ابتسامته كانت دليله إلى قلبي، تواضعه الجمّ أسرني، حلو منطقه في الكلام استحوذ على اهتمامي لكي أستمع إليه بكل شغف.
لا يخفى طيبه ونقاؤه على من يلتقيه ولو لمرة واحدة، روحه مرحة رغم دواخله الموجوعة.. يعمل بجد ونشاط لا يكسل ولا يتأفف، ولم يمنعه تقدم العمر من مزاولة عمله بهمة عالية، واخلاص، ونصح، ومثابرة. تحياتي لك أبا رامز الغالي

عمان - الأردنّ
٦/ ٧/ ٢٠٢٠

الثلاثاء، 7 يوليو 2020

من طهران إلى جنوب لبنان (2)

من طهران إلى جنوب لبنان (٢)

بقلم – محمد فتحي المقداد 
   الجزء الأول من المقال سلّط الضوء على مجيء الإمام (موسى الصدر) إلى لبنان في العام ١٩٥٥، ومن الوهلة أن يثير العنوان، من الغريب أحد الأدباء رغم صداقتي معه منذ سنوات، لم ألحظ ولم إعجابا لمرة واحدة على من منشوراتي الأدبية، رغم أنه ذو باع طويل في الحقل الأدبيّ، المثير أنه يرجو بكلّ إخلاصه: "بأن لا أثير الطائفية". 
   وبالعودة إلى المقال ما هو سوى إعادة قراءة تاريخيّة لحدث مجيء الإمام إلى لبنان، وتأثيراته التي امتدت خارج لبنان إلى جارتها سورية، وانسحبت تتابعات ذلك إلى أيامنا هذه، ولتكون بلدي ميدانًا للمشروع الفارسيّ الصفويّ.

الإمام موسى الصدر، وأحداث الدستور في سورية:

   مع بداية العام ١٩٧٣، وبعد اعتلاء الرئيس (حافظ الأسد) سدّة الحكم في سوريّة بسنتين، كان قد طرح الدستور الجديد للاستفتاء، وهو المعدّل عن دستور ١٩٢٥، جرى لغط وجدل كبير حول بعض مواده، وخاصّة المتعلقة دين الدولة الإسلام، قال فريق: "بأن الدولة لا دين لها"، وآخرون: "دين رئيس الدولة الإسلام"، وهناك طرح على طريقة لبنان: "يجب أن يكون الرئيس مسلم سنّي". 
*جاء الحل بإقرار المادة الثالثة من الدستور: "الإسلام أحد مصادر التشريع في الدولة". 
*إشكالية دين رئيس الجمهورية القادم من أقليّة طائفيّة في سورية، وقيل ما قيل عنها في المصادر التاريخيّة والدّينيّة، وكانت معضلة للرئيس الجديد، حاء الحلّ من لبنان، ومن عند الإمام (موسى الصّدر)؛ بفتواه الشّهيرة: "بأنّه يشهد بأن حافظ أسد هو مسلم يعتنق المذهب الجعفري الإثني عشري". ولما للمشهديّة الدينية السورية الممثلة بعلمائها من ثقل اجتماعي، وتأثير واسع. 
   وكان لفئة منهم انبرت لتكون عرّابة للموقف السياسي، وإضفاء نوع من الشرعية، بتبريك الوضع الجديد والتهليل له، ولتشكّل ظاهرة زواج عُرفيّ بين الفريقين، من خلال شبكة علاقات معقّدة من المصالح الظاهرة والخفية، تحت شعار مصلحة الوطن والمواطن. 
   وتزعم هذا الاتجاه الشيخان (أحمد كفتارو) و(عبدالستّار السيّد)، الأول صار مفتيًا للجمهورية إلى توفّاه الله، رغم أن لم ينل إجماع أعضاء  المجلس الإسلامي الأعلى في سورية بانتخابه، إلّا أنهم خالفوا النظام الداخلي للمجلس، باعتبار صوت رئيس المجلس مرجّحًا، لإنجاح الشيخ (أحمد كفتارو) لمنصب مفتي الجمهورية. والشيخ (عبدالستار السيد) جرى تعيينه وزيرا للأوقاف لسنوات طويلة، وهو من أقوى الوزراء على الإطلاق خلال توزيره في حكومات تعاقبت على الحكم، وبعد خروجه من الوزارة، سيارته الوزارية والحراسة بقيت معه إلى أن توفاه الله. في السنوات الأخيرة اختير ابنه الشيخ (محمد عبدالستار السيد) وزيرًا للأوقاف. 
   انتهت أحداث الدستور حينها، من خلال حملة اعتقالات واسعة طالت العديد من الفعاليات السياسية والثقافية والدينية، وانتهت في حينها، وطوتها صفحات النسيان، لأنه لم يمض عليها أشهر قليلة، حتى كانت حرب تشرين ١٩٧٣. الحدث الأكبر على الإطلاق، وهي التي كرّست قبضة الرئيس على مفاصل الحياة السورية، وإحكام قبضته بحركة إزاحة معارضيه الأشداء، والنصر الإعلامي الذي تكلّل باتفاقيّة فصل القوات التي تخلّت إسرائيل عن (٦٠) كم مربع وهي مدينة القنيطرة، بضغط وبرعاية زطير الخارجية الأمريكي العم (هنري كيسنجر). 

_ا ٧/ ٧/ ٢٠٢٠


الاثنين، 6 يوليو 2020

الالجنديان :السّوريّ والأردنيّ في روايةِ"الطّريق إلى الزّعتريّ". " دراسة مقارنة

الجنديان :السّوريّ والأردنيّ في روايةِ"الطّريق إلى الزّعتريّ".
     " دراسة مقارنة"

بقلم - رائد السراحين

 الجنودُ هم حماةُ الدّيارِ،وهم مَن يذودون عن حياضِه ،ويبذلون أرواحَهم فداءً له،سحنتُهم المغبرّةُ تحكي قصصَ نضالٍ وغُربةٍ، أصبحوا رفاقَ الشّمسِ من مشرقِها حتّى مغربِها،أنستهم الصّحراءُ بفصولِها الأربعةِ.
 طالعتنا روايةُ "الطّريق إلى الزعتري "لمحمد فتحي المقداد، بصورتَين متناقضتَين للجنديَين الشّاميَين :السّوريّ والأردنيّ، ورسمتْ لكلٍّ منها صورةً تشي بحقيقتِهما، وفق ما رواه الكاتبُ على ألسنةِ أبطالِه،إبّانَ الثّورةِ وبداياتِها في درعا،ومن ثمِّ التّهجيرِ القسريّ إلى الأردنِّ ،وتحديدًا "مُخيّمِ الزّعتريّ"
الصّورةُ الأولى للجندِ السّوريين، وأستثني من ذلكَ الجنودَ الأحرارَ الذين لم يُشهِروا سلاحَهم في وجوهِ أهلِهم وجيرانِهم وأبناءِ جلدتِهم ، بلْ شدّوا على أيدِيهم ووقفوا بجانبِهم ؛فهؤلاء مُرتشون، باعوا ضمائرَهم مقابلَ ثمنٍ بخسٍ،وإنْ كانَ هذا يصبُّ في مصلحةِ المواطِنين العزّلِ، كأبي رستمَ المُساعدِ في جيشِ النّظامِ ،الذي كانَ يُخبرُ أبا فندي بما ينوي القيامَ به؛ليأخذَ حذرَه مقابلَ(تنكةِ زيتٍ) ،ويستغلُّ الفُرصَ لطلبِها،"عندما وصل دوره بمصافحة أبي فندي أخذه بالأحضان ،وراح يقبّله ،وهمس في أذنه : لقد وصلتني قائمة بأسماء المطلوبين ،واسمك على رأسها، دبّر حالك".
كما كانوا هؤلاء يتلفّظون بألفاظٍ تخدشُ الحياءَ العام،يقولونها على مرأىً منِ الملأ، دونَ خوفٍ واحترامٍ؛ لأنَّهم ربّما اعتادوا على مثلِ هذا الأمرِ،وأصبحَ جزءًا من ثقافتِهم الحياتيّةِ،وطالما استفزّوا الموقوفين والمعتقلين بها، وهي كلماتٌ تمسُّ العِرضَ والشّرفَ والكرامةَ،لا يقبلُها شريفٌ،يقولُ الكاتبُ لسانِ أبي رستمَ:"هناكَ ابنُ شرموطة، اتّصلَ بأن قبلَ قليلٍ ،أخبرنا بأنَّ في حارتِكم مُظاهرَةً ،وهتافاتٍ مُناوئةً للدّولةِ".

 وكانوا أيضًا قتلةً وظَلمةً،لمْ يسلمْ من أذاهم وشرورِهم شيءٌ، لا مكانَ للشّفقةِ والرّحمةِ في صدورِهم،قتلوا الإنسانَ بدمٍ باردٍ ،وقتلوا الكلابَ والحميرَ والحمائمَ،حتّى الجرذَ أصبحَ ضحيّةً لرصاصِهم ، فهم يرون أنَّ الكائناتِ الحيّةَ مجردَ أرقامٍ لا تُقدّمُ ولا تؤخّرُ ،يقول:"انخرط العساكرُ بنوبةِ ضحكٍ هستيريّةٍ ،أذانُهم غيرُ مُصدّقةٍ مما سمعوه منِ السّيدةِ الموظّفةِ،..إلّا أنَّ أحدَهم أدخلَ الحربةَ الموصولةَ براسِ البندقيةِّ،في فتحةٍ صغيرةٍ تحتَ كُرسي السّائقِ ،فهربَ الجرذُ مذعورًا..صوّبَ أحدُهم رصاصةً لتخترقَ الجرذَ ،وتستقرُّ في دولابِ الباصِ الأماميّ".

بالإضافةِ إلى أنَّهم مُستعبدون إلى حدِّ القداسةِ ،البسطارُ والبندقيّةُ مِنبرُهم ومِحرابُهم ،يقسمون بشرفِ قائدِهم تعبيرًا عن صدقِهم ،بلْ هو مُعتقدُهم وآلهتُهم ،أعماهم الحقدُ الدّفينُ عن إبصارِ حقيقةٍ واضحةٍ كشمسٍ في رابعةِ النّهارِ ، " قسمًا بشرفِ القائد،لنلعن أبيكم وأبا أبيكم، ونحرقكم يا كلاب.. ياحقراء"ويرفعون شعارَ "الأسد أو نحرق البلد".
هم سارقون ومعفشون، انتهكوا حُرماتِ المنازلِ،يكسّرون ويحطّمون كلَّ ما يجدونه في طريقِهم أثناءَ اقتحامِ البيوتِ،يأخذون كلَّ شيءٍ،وعودُهم كاذبةٌ ،ينسون كلَّ معروفٍ أُسدي إليهم،"مجموعة من العساكر دخلوا البيت للتّفتيش، أمُّ حمدانَ تتوكأ على عكازتها،... اصطدمت بهم، رفعت رأسها ،وركّزت نظارتها حتى تستطيع مشاهدتهم بشكل جيّد:على وين يمّة الله ينصركم،ما في حدا هون غير النّسوان،برضا قلبي وربّي عليكم لا تخوفوهن.." و" تعالوا شوفوا هالخيرات.. كأنّما أعدوا هذه الطّاولات من أجلنا،وخصيصًا لنا،كلوا،واشربوا هنيئا".

أمّا الصّورةُ الثّانيةُ فكانتْ تختلفُ عنِ الأولى كليًّا،اذْ أبدى الجنودُ الأردنيون كاملَ تعاطفِهم معِ المُهجّرين ،على اختلافِ رُتبِهم؛ فرّحبوا بهم أجملَ ترحيبٍ ،وأعطوهم الأمانَ ،هدّأوا من روعِهم وطمأنوهم،وقاموا بواجبَ ضيافتِهم،كما أنَّهم نذروا أنفسَهم لخدمتِهم ،وأخذوا على عاتقِهم حمايتَهم،ونقلوهم إلى المُخيّمِ بعدَ التّحقّقِ من وثائقِهم وتسجيلِ بياناتِهم،"رحّبَ الضّابطُ به، أعطاه الأمانَ،وقال:أنتَ الآنَ في حوزتِنا في أمانٍ،لا تخشَ شيئاً،إن شاءَ اللهُ ستكونُ في غايةِ الرّاحةِ، والسّرورِ... حضر عسكري شابٌ صغيرٌ،وطلبَ إحضارَ فنجانِ قهوةٍ للأستاذِ".

هؤلاء الجنودُ كانوا مؤدبينَ في تعاملِهم معِ اللاجئين، فلمْ يقسوا عليهم بكلماتٍ جارحةٍ عندَ مخالفتِهم للأوامرِ،فهم لا يريدون زيادةَ قلوبِهم جراحًا،ففيها ما يكفي ،اهتمّوا بالمرضى وكبارِ السّنِ ،وجهّزوا سيّاراتِ الإسعافِ ِ لنقلِ الجرحى والمُصابين،كما قاموا بإعدادِ(الكرفاناتِ) لاستقبالِ المُهاجرين رجالًا ونساءً ،وسهّلوا مهامَ عودتِهم لاستلامِ وثائقِهم، "اجتازوا السّاترَ التّرابيّ.. سيّارتا إسعافٍ عسكريّةٍ أردنيّةٍ ؛لاستقبالِ جميعِ الجرحى والمُصابين، أو تحسّبًا لأيّةِ حالةٍ طارئةٍ...، قاموا بفصلِ الرّجالِ في (كرفان) وحدَهم ،والنّساءِ في (كرفان) آخرَ.

لقدْ عكسَ هؤلاء الجندُصورةً عن فكرِهم واعتقادِهم،تخلّى فيها سوريو النّظامِ عن منظومةِ القادةِ الشّاميين القدامى،الذين كانوا يحمون البشرَ قبلَ الحجرِ،وأصبحوا أثافي القتلِ والنّهبِ ،بينَما تمسّكَ الأردنيون بخلالِ هؤلاء الأشاوسِ.

23-5-2018

من طهران إلى جنوب لبنان

‏من طهران إلى جنوب لبنان (1)

بقلم- محمد فتحي المقداد 
   هل كان مصادفة أن يأتي ضابط مخابرات ايرانية بهيئة شيخ بعمامة سوداء إلى بيروت..!!؟ 
   في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.. بعد فترة اكتسب الجنسية اللبنانية.. وترقى ليكون شخصية ذات فعاليات سياسية على الساحة اللبنانية. وكانت لقاءاته المنتظمة مع رئيس الجمهورية والرئاسات الأخرى، وقيادات الأحزاب والطوائف. 
   ومن ثم جاء التقاء مخططه مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال طروحاته بمناصرة القضية، وإيمانه بتحرير فلسطين، وصد اعتداءات العدو الصهيوني، ولم ينس تقديم بعض الدعم المادي والمعنوي، لكسب ودّ وثقة أهل القضية.
   بعد ذلك دفع بأنصاره من (حركة المستضعفين والمحرومين - أمل) إلى صفوف حركة فتح؛ ليتلقوا تدريبات عسكرية، صنعت منهم مقاتلين أشداء، وأول خنجر طُعنت به  حركة فتح في ظهرها وخاصرتها؛ كان على أيديهم، ولم يكذب الشاعر بقوله: "أعلّمهُ الرماية كل يوم.. فلما اشتد ساعده رماني".
   حلّ هذا الضيف الفارسي في لبنان على عائلات في جنوب لبنان، وبنى معهم علاقات اجتماعية بداية، متقرّبًا منهم على أساس أنه ينتمي لهمم، وأنه ينحدر في أصله من جبل عامل. في العام ١٩٥٥مستكملًا أدواته العلمية من حوزة (قم) بجيوب ملآى بالأموال، ليقيم أسس مشروع الحلم الفارسي الأول السيطرة والهيمنة والامتداد والتبشير المذهبي، من خلال الاعتماد على الطائفة الشيعية اللبنانية المهمشة منذ قرون.
   منذ اليوم الأول لمجيئه، استقطب عددا من الأتباع والمريدين، من خلال العاطفة الدينية في المخيال الشيعي، وفكرة المظلومية في الخلافة، وتجديد مراسم التجمعات الحسينية في عاشوراء من كل عام، وما يتبعها من طقوس انمحى اكثرها في بيئة فلاحية، تنتزع لقمتها بكل نفس ذائقة، لم يكن بالنسبة له مجرد حلم، بل كان على يقين من فعالية الأموال التي جلبها معهم، والدعم غير  المحدود لهذا الأمر، فأنعش الأوضاع المادية لعموم الجنوبيين وأهل بعلبك والهرمل، وجميع قرى البقاع ذات اللون الشيعي. من خلال إنشاء مؤسسة أم الشّهيد، والجمعيات ذات العون المادي والطبي لمساعدة المحتاجين، برؤية طويلة الأمد، ولم يستثنى من ذلك القروض طويلة الأجل بلا فوائد.
   هذه الأرضية التي مهّدها على مدار سنوات قليلة، أتاحت له اكتساح الساحة الشعبية الشيعية اللبنانية، أن يصبح الزعيم الشيعي الأوحد، منافسًا بذلك الزعامات الشيعية اللبنانية التقليدية، ويسحب البساط من تحتهم لاحقا، وكان بحق هو (الإمام موسى الصدر) الزعيم الشيعي الأوحد، الحائز بالدرجة الأولى على النسبة الأعلى شعبيا وجماهيريا، وجاء إعلانه عن تأسيس حركة (أمل) تتويجًا لمشروعه، ولتكون ذراعه العسكري، والتي أصبحت رقما صعبا في المنطقة، لفرض شروطه في المنطقة.
... (يتبع)... 
_ا ٥/ ٧/ ٢٠٢٠

الخميس، 2 يوليو 2020

أعطونا اعات ذهبية (مقالات ملفقة 26\2)

أعطونا ساعاتٍ ذهبيّة

مقالات ملفقة (26\2)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

بالفعل نحن أمام ظاهرة الانشغال الدائم لدى كثير من النّاس الذين نصادفهم، أو لنا علاقات معهم بحكم القرابة أو العمل أو المصادفة، يبدأ بالتأفّف ومن ثمّ يقول بلسان عريض: "والله مُستعجل". وهذا الأمر يربكني، خاصّة أنّ عملي المهني "حلاق" يستدعي الانتظار، وطول البال.  الحقيقة أقولها بملء فمي، بعد استقصاء صادقٍ ومتأنٍّ منّي، تبيّن: "أن كلمة مستعجل صارت لهجة دارجة، أيضًا بعضهم لإظهار أهميّته لدى المستمع والمتلقّي"، والأقسى إيلامًا على نفسي، بعدما تأكّدتُ أنّ غالبيّتهم، لا شيء ولا عمل مهمٍّ يستدعي تعجّلهم، إمّا للّحاق بالشّلة ولعب الورق واللّهو ساعات طويلة في الغيبة والنميمة، فإذا كان هذا هو الذي يشغل بالهم.

   الموضوع فتح عينيّ على فيض تساؤلات: "ما هو الشيء الذي لا يُشغلهم؟". وهل استخدامي للساعة صواب..!!، مؤكّد.. ما هو إلّا محاولتي الفاشلة للقبض على الزّمن الفارط من بين أصابع كفيّ.

   ولن يتغيّر الأمر، وإن كانت السّاعات سويسريّة أو تايوانيّة الصّناعة، رغم البَوْن الشّاسع في الجودة والقيمة ما بين الصّناعتيْن، رغم أنّ جميعها تُحاول جاهدة ضبط التوقيت بدقّة، لمساعدتي في استدراك ذاتي المُسافرة المنتظرة في محطّة الزّمن المُتسارع.

   فهل باستطاعتها استعادة شيء مما مضى..؟.

  فماذا لو تعطّلت السّاعة؛ فهل ستوقّف الزّمان إكرامًا لها.. لأنّها دليلُهُ إليّ؟.

  أعتقدُ جازمًا: أنّني رأيتُ عجزي الفاضح في القبض على الزّمن، المُتسرّب من صفحات حياتي الذّابلة بمغادرته لها، محاولاتي الفاشلة لا تفتأ تتكرّرُ المرّة تِلوَ المرّة.. دون تحقيق أدنى فائدة تُذكَر.. فما هي إلّا لوثة عنادٍ في رأسي المُثقَل إصرارًا كما "سيريف" سيّد المعاندين.

  دأبي يُماثل دأب الثَريّأسي أأأ وساعته الذهبيّة، التي ما إن لو وُزّع ثمنها لأطعم حيًّا من أحياء المدينة، أ, قرية صغيرة لمدّة أسبوع على الأقل، إن لم يكن شهرًا بلا أدنى مُبالغة.

   جدّي الأوّل فكّرَ في ملاحظة ومُتابعة الظلِّ كلّ يوم؛ لأنّه لم يكن مشغولًا كما نحن الآن، وعلى مدار زمان طويل، حتّى حفظ مؤشّراته على وقت ابتكره؛ تبعًا لحركة الشّمس أمُّ الظِّلِّ، وضِيَاها أباه.

   مُغامرة جدّي الإنسان الأوّل انطوت على إصراره كما إصراري؛ للّحاق بالزّمن، ثمّ بعد أن أنهكه التعب وهو يرعى أغنامه منذ الباكر من صباح كلّ يوم؛ فغرز عصاه (المزولة) التي يهشّ بها قطيعه في الرّمل، واتّكأ على جنبه، وعى لحركة ظلّ العصا عندما صار بطولها، إلى أكثر فأكثر؛ ولكي يلهو بتمرير الوقت، أعجبته اللّعبة، تابعها كلّ يوم، مقارنة النّتائج على مدار سنة وثانية وثالثة، كانت فتحًا جديدًا في عدّ الوقت، وتقسيمه إلى فئات ووحدات استغرقت اليوم والليلة. وهكذا ظهر التقويم.  

   ثمّ ابتكر بعد المزولة السّاعة الرمليّة، والحاجة أمّ الاختراع، وإعادة تدوير المواد الطبيعيّة في البيئة، وهي أوّل فائدة مُكتشفة للرّمال سِمَة الصّحاري القاحلة والجافّة والحارّة، ومن ثمّ تدرّج في ارتقاء اختراعاته إلى السّاعة البندول الرّقّاص، إلى ساعة الجيب ذات السّلسلة المعدنيّة، إلى ساعة اليدّ ذات العقارب، إلى الرقميّة منها ذات الأرقام الإلكترونيّة.

   كنتّ أعجب لصديقي (علي الشّاهين) رحمه الله: "فقد كان لا يضع السّاعة على معصمه، ولا يحمل قدّاحة لإشعال سجائره، ولا يلبس حزامًا جلديًّا على خصره". لكن عجبي زال، عندما قرأتُ جُملة للشاعر (محمد الماغوط) في احد حواراته: "أعطونا ساعات ذهبيّة.. ورقوا منّا الوقت..!!".

عمّان – الأردن

2\ 7\ 2020

  


تأملات قرآنية