الأحد، 17 مايو 2020

حوار الروائي محمد فتحي المقداد - حاور صابر حجازي

 

 

 

حوار مع الروائي والقاص السوري(محمد فتحي المقداد(

حاوره: صابر حجازي

 

 س 1:-  ماذا تقول للقارئ عن تجربتك الشعرية والإنسانية الحافلة بكل هذا الزخم الابداعي ؟

 

ج1- لا توجد هناك شخصية متكاملة تستطيع فعل كل شيء، ولكل منا توهجه بألق في فترات، وفي أخرى ذبول وانكسار. وأنا ككاتب ابن مجتمعي، ولا شك أن التأثير والتأثر المتبادل سائر على كل المستويات الاجتماعية، فالحروب والموت والدمار والفقر والتهجير، عوامل عاكسة لسلبياتها على الجميع، والكانب أو الشاعر جزء من هذه المنظومة.. فتدمر رغبته الإبداعية، التي من الممكن توالدها في ظروف الاسترخاء ورغد العيش وقليل من يستطيع تجاوز هذه العقبات بنجاح، وبأقل الخسائر.

 

 

س2:- حدثنا عن نشأتك وطفولتك الباكرة ؟

 

ج2- في الأرياف نشأة أبناء الفلاحين متواضعة بكلّ المقاييس، الهمّ الأوّل السعي لتأمين لقمة العيش، ولدتُ نهاية سنوات العطش 1964في مدينة بصرى الشّام أقصى جنوب سوريّة من محافظة درعا، وكانت الماء تأتينا في صهاريج بواسطة عربات القطار. ودرست في مدارسها إلى نهاية المرحلة الثانويّة. وانطلقت بعدها إلى ميدان الحياة والعمل والخدمة الإلزامية في الجيش، ولم أكمل تعليمي الجامعيّ، للأسباب التي ذكرت.

 

 

س3 :- إرهاصات الكتابة الأولية - هل تذكر منها شيئًا، وكيف كانت رحلة إصداركم؟.

 

ج3- منذ أيام الدراسة كانت محاولاتي الأولى، وهي أعز ما كتبت في حياتي؛ يبدو لأنها البداية. والأمر الأهم هو القراءة المستمرة تقريبًا بشكل يوميّ، كالطعام والشراب والحاجات الأساسيّة من أجل بقائي على قيد الحياة.

بعد الألفية بسنوات قليلة وانتشار الأنترنت، كان اللقاء الأهم في حياتي بشرائي جاهز حاسوب مستعمل، ومنه الانطلاقة الحقيقية في العام 2008. وكتبت ثاني أعمال رواية (بين بوابتين) وهي ما تزال مخطوطًا، وقبلها كتبتُ خواطري (أقوال غير مأثورة) العام 2001.

 

 

 س 4:-  يلمس القارئ أنّ لأعمالك جزالة وفصاحة، وتمكن من اللغة العربية - فما الخلفية الثقافية التي منحتك هذا التميز؟.

 

ج4- أوّلًا وأخيرًا هي القراءة المستمرّة والتعليم الذّاتي، بالنسبة لي كانت بشكل منفتح، قرأت في جميع الاتّجاهات الفكرية وتيّاراتها. والتمكّن في اللّغة العربيّة عودتي لتعلّم مبادئها النحويّة، وعلامات التّرقيم، والأشياء البسيطة التي نسيتها من تباعدي عن أيام الدراسة بفترة زمنية طويلة، استغرقتني فيها متاعب العيش.

 

س5 :- ‏ كيف تحدث من واقع تجربتكم حالة المخاض الأدبي- وكيفية ميلادها علي الورق ؟.

 

ج5- الكتابة مخاض عسير.. أتمنّى لو أنّني لم أتورّط  فيها،  فكم حرمتني النّوم فكرة راودتني أقضّت فترة راحتي. وإدمان الكتابة جعلني أخر كثيرًا من الحياة الاجتماعية التي ينعم بها أصدقائي، الميل إلى الوحدة وتقليل الاختلاط بالآخرين إلى الحدّ الأدنى، حتى لا أفقد علاقاتي جميعها مع أصدقائي وأقاربي ومحيطي الحاضن لأفكاري.

 

 

س 6 :- يظل الوطن هو الشق الأهم والأكبر- فما الذي يمثله الوطن بالنسبة لك؟ وما هو موقع الهم العربي بشكل عام في فكرك وإبداعك؟.

 

الوطن هو الحلم الأعظم، وهو حامل ذواتنا مرتحل فيها معنا أينما حللنا، بما تركنا فيه من ذكريات وأحلام وآمال وطموحات. فالوطن إذا كان يعني ذرات التراب مؤكّد أنّ هذا موجود في مكان آخر تقيم أنت فيه. بل الوطن المعنى هوما استدعى التضحية من أجله، لكن في مشرقنا العربيّ، أهمّ قضيتين: (مصلحة الوطن.. ومصلحة المواطن). كل ما حصل ويحصل مبرّره هذا، وتحتهما  أدرج أعداء الوطن والمتآمرين حسب الإعلام الحكومي الموجّه، في أحاديّة تتجاذب وعي الجماهير لتضليله وتشتيته.

وفيض كتاباتي تتمحور حول الإنسان المُنتهك الذي جُرّد من ذاته، وهو يعيش تحت خيمة الفقر والبؤس، مُكمّلًا للتعداد كرقم، مطلوب منه السّمع والطّاعة، مطلوب منه التأييد لحاكمه والتصفيق له على جميع الأحوال، وفي جميع الأوقات. 

 

 

س 7 :- هل تجد أن الادب- بوصفه حافزا  - يمتلك القدرة علي الحض والتحريك؟

 

ج7- لا يزال للكلمة سحرها الخاصّ والمؤثّر في النّفوس، ولولا الكلمة لما كانت التحرّكات الجماهيرية الواسعة باتجاه الميادين للاعتصامات فيها، وإسقاط نهجًا دكتاتوريّا، حالمين بمستقبل مُشرق ينعمون فيه بالحريّة والحياة الكريمة، كمواطن له كامل الحقوق التي تكفلها الدساتير التي علاها الغبار على الأرفف في المتاحف.

 

 

س8 :- انتاجك الأدبي: نبذة عنه؟.

 

8- الأعمال المطبوعة:

 

- كتاب ( شاهد على العتمة) طبع في بغداد 2014.

-         رواية ( دوامة الأوغاد) طبعت في عمّان 2016.

-         كتاب (مقالات ملفقةج1) طبع في عمّان 2017.

-         رواية (الطريق إلى الزعتري) طبعت في عمّان 2018.

-         رواية (فوق الأرض) طبع في عمان 2019

-         مجموعة أقاصيص (بتوقيت بُصرى) 2020

 

ملاحظة:

 

هناك قسم من الأعمال الروائي (محمد فتحي المقداد) متاحة على مواقع تحميل الكتب المجانية من خلال بحث محرك البحث "جوجل".

 

الأعمال المخطوطة:

 

-         رواية ( بين بوابتين).

-         رواية ( تراجانا ).

-         رواية (دع الأزهار تتفتح).

-         رواية (خيمة في قصر بعبدا) – قيد الإنجاز في مرحلتها النهائية.

 

-         مجموعة قصص قصيرة - بعنوان ( زوايا دائرية).

-         مجموعة قصص قصيرة – بعنوان (رؤوس مدبّبة).

-         مجموعة قصة قصيرة – بعنوان (قربان الكورونا).

 

-         مجموعة ق ق ج - بعنوان - ( سراب الشاخصات).

-         مجموعة ق.ق.ج – بعنوان – (قيل وقال).

 

-         كتاب مقالات ملفقة ج2 – مقالات أدبية.

 

-         كتاب \إضاءات على إبداعات\ قراءات أدبية.

 

 

-         كتاب \أقوال غير مأثورة \ خواطر و تأملات.

-         كتاب \ بلا مقدّمات\ خواطر وتأملات.

-         كتاب \مياسم\ خواطر شعرية.

 

-         كتاب \رقص السنابل \ أبحاث في التراث الحوراني.

-         كتاب \الكلمات المنقرضة من التداول\ تراث.

 

-         كتاب \ جدّي المقداد\ سيرة الصحابي المقداد بن عمرو0

 

 

س 9: ما هي مشاكل الكاتب العربي؟ وما هي العراقيل التي تواجهه في نشر كتاباته والتواصل مع القارئ؟.

 

ج9- أهمّ مشكلة في وضعنا العربيّ عمومًا "الحريّة" على الصّعيد العام، وقوانين الطّوارئ، والأحكام العرفيّة، والآن استحداث قوانين المراقبة الإلكترونية. والرّقابة على المُصنّفات الفكرية والأدب، عقبات كثيرة في طريق الإبداع المسهم في مسيرة الارتقاء للمستقبل المنشود.

أمّا على صعدي الشّخصيّ فمثلي مثل عشرات الآلاف مثلي، لا أعرف أيّ من التحدّيات التي أستطيع تجاوزها بسلام.

 

 

س 10:- ماذا كتبت أخيرا والوطن يمر بتلك الاحداث الحالية؟.

 

ج10- وثّقت الكثير والكثير مما تيّقنت من صوابه المنحاز لحقوق الإنسان عمومًا، وتعرية الممارسات الشّنيعة من الأنظمة والمعارضات التي جاءت فاسدة على شكل الأنظمة التي تُعارضها. حتى في طريقة التفكير في نهجها الفكريّ الرّافض للآخر.  من المهمّ جدًّا لنا التّركيز أيضّا على السّلم الأهلي والمجتمعي، لننعم بالهدوء، ولتستبين الطريق واضحة بمعالمها من أجل أبنائنا. وارثو الوطن وحيثيّاته من بعدنا.

 

 

س 11:- ما الذي تمثله حالة الكتابة ؟ هل هي لحظة اشتعال أم انكسار؟.

 

ج11- في الحقيقة إنّ تحريق الفكرة في داخلي يتعبني، وتشتعل اللّحظة بحطيم انكسار الماضي. فلا تهدأ دواخل وتستريح إلّا ببشائر ميلاد الفكرة حيّة مقروءة على الورق أو وسائل التواصل.

 

 

 س 12:- هل غياب فن الدراسات النقدية ، والناقد الادبي ذو الرؤية، في تناول الابداع الادبي بشتي مجالاته، عامل بالسلب علي الحركة الأدبية بالوطن العربي؟.

 

ج12- يا سيّدي حركة المجتمعات الإنسانيّة متشابهة بتحرّكاتها في جميع الاتّجاهات، وإفرازاتها تكاد تون متطابقة بين الشّرق والغرب إلى حدّ ما، فالنّاقد مثل الأديب والشّاعر ابن لمجتمعه، إذا ارتقى مجتمعه فقد ارتقى هو، وإذا كانت مناخات الحرّة سائدة فهذا يفتح آفاق التفكير بلا حدود، وتأتي الإبداعات، وتقدّم النّقد وطرائقه، رهن تقدّم كافة العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

 

 

  س 13:- يختبئ داخل كل مبدع طفلا ، يمثل له مصدر الدهشة التي لا تنتهي‏,‏ ما الذي تبقي من ذلك الطفل في نفسك ؟

 

ج13- الطفل نائم في داخلي يستيقظ حنينًا للعب وشقاوة الطفل، وما زلتُ طفلًا مٌشاغبًا، لكنّي لا احطّم ألعاب أولادي، التي من الممكن أن ألعب بها إذا أتيحت لي الفرصة، بعيدًا عن أعينهم. لكي لا أقابل بسخريتهم.

تؤلمني دمعة طفل، ويحرقني موتًا من ماتوا تحت القصف ووجوههم ممرغة بالتراب، والبراءة تفرّ من وجوههم توهّجًا، وابتسامة بعد مفارقتهم الحياة.

 

 

س 14: كتبتَ الرواية والقصة القصيرة والقصيرة جدًا، والبحث والنقد الأدبي، أيا من هذه الفنون أكثر قربا منك؟ وأقرب إلى تمثيلك؟ ولماذا؟

 

ج14- الأقرب هو الأعمال الروائية رغم أنّها متعبة ومرهقة، وتستزف وقتي الطويل، لكنّها قادرة على استيعاب كلّ ما أفكّر به، ولو أنّني أستطيع لما بارحتها إلى ساحات القصة القصيرة، والقصيرة جدًا والتي كانت نقطة انطلاقي بداية قبل سنوات، وجاءت الرّواية تكليلًا لفن السّرد والقصّ الأدبيّ. رغم أنّي كتبت النّقد رغمًا عنّي، لسبب بسيط أنّني لابدّ من كتابة شيء ما عمّا قرأتُ وفهمتُ، وتسجيل ملاحظاتي عليه على الورق في دفاتري للتوثيق.

 

 

س 15 أنت عضو في عدد من الجمعيات الثقافية والأدبية؟ هل استطاعت تلك الجمعيات ان تقوم بما تأسست من أجله أولا، وفي الدفاع عن حقوق أعضائها ثانيا؟

 

ج15- لا شكّ بالدّور الإيجابي لهذه التجمّعات الثقافيّة والأدبية، عندما فتحت منصّاتها لي للقاء الجماهير، وكانت نافذة انتشار على نطاق واسع، من خلال بناء علاقات قائمة على الفعل الأدبي والإبداعي.  والحقوق في شرقنا سوق ضياع.

 

 

 س 16 : - لقد حصلت على عدد من الجوائز؟ حدثنا عنها - وما مدى تأثير ذلك في الكاتب ؟

 

ج16- الجوائز لم تقترب منّي إلى الآن، مازال الوقت مُبكّرًا للفوز بإحداها؛ لكنّني حصلت على الكثير من التكريمات والشهادات التقديرية، نظرًا لمشاركاتي الكثيرة مع التجمعات والملتقيات والمنتديات الأدبية والفكرية.

 

 

س 17:- مشروعك المستقبلي - كيف تحلم به - وما هو الحلم الأدبي الذى تصبو إلى تحقيقه؟.

 

ج17- أعتقد جازمًا أن الأحلام لم تُخلق حتّى تتحقّق، واللّهاث خلفها كأنّي أرض خلف السّراب ولن أبلغه، لكنّي سأشتغل على كتاباتي الروائيّة، التي تخدم مجتمعي وأراه يرفل بالأمان والحريّة، وأنا أواصل فرحتي بذلك.

 

 

س 18:- هل تستقي مواضيع كتاباتك من رصد الآخرين - أم أنك لجأت بالأحرى إلى تجاربك الخاصة كي تنسجي عالم قصصك؟.

 

ج18- ما زالت جعبتي نابضة بمخزوناتها التي لم تُكتب إلى الآن، بانتظار دورها إذا كتب الله لي العمر لإنجازها، ضمن مشروع فكري وأدبي متكامل. بالطبع أيضًا لا أستطيع إنكار دور القراءات المختلفة في توليد بعض الأفكار، ومن ثمّ إعادة تدويرها لصنع منتج فكريّ جديد في ذاته.

 

س 19:- المشهد الثقافي الادبي الحالي في سوريا - كيف هو ؟

 

ج19- حاليّا المشهد غائم تظلله مشهدية الحرب والتهجير وقساوة العيش، التي خلقت إبداعات أدبية جديدة خاًصّة على الصّعيد الروائي، وهذا بحاجة لفترة هدوء ما بعد الحرب حتى ينتبه لهذه الأعمال، فأدب الأزمة والحرب واللجوء صار ظاهرة سريّة بامتياز.

 

س20:- في نهاية هذا الحوار مع سيادتكم، ماهي كلمتكم الأخيرة في ختامه - ولمن تواجهها؟.

 

ج20- أمنياتي أن تنتهي الحروب إلى الأبد، وننتقل إلى مرحلة ترميم جراحاتنا، وتجاوز الآثار المدمرة، وعودة الحياة إلى شكلها الطبيعي، ننعم بأوطاننا في ظلّ قانون نحترمه ونحميه، ودستور يكفل حريّاتنا، وصولًا إلى نوع من الديمقراطيّة لمجتمعاتنا، والمشاركة السياسيّة، والتمحور حول مخرجات الصناديق الشّفافة، بأن يكون الوطن هو السقف، والجميع يستظلون بظله. 

عمان- الأردن 

16\ 5\ 2020 

 

 

 

 

 


السبت، 16 مايو 2020

ليلة الطائرة الشراعية

ليلة الطائرة الشراعيّة


مقالات ملفّقة (10\3)
بقلم – محمد فتحي المقداد

يموت الأبطال وتبقى ذكراهم ماثلة شامخة لا تنحني، و لا تنمحي بتقادم الزّمان. لا أدري على وجه الدقّة ما الذي استدعى ذكرى ذلك الشّاب العربي السوريّ البطل (خالد محمد أكر) من مرتّبات صفوف الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، رغم تراكمات كثيرة كادت أن تذهب بذكرى رحلته التاريخيّة بـ (ليلة الطائرة الشراعيّة)، عندما انطلق ليلة الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1987م، مع ثًلّة من المقاتلين، اثنان منهما تعطّلت طائرتيْهما فهبطتا في المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وسقطت الأخرى.
استطاع خالد السّيطرة بإحكام على طائرته الصغيرة مُتفاديًا الرّادارات الصهيونية ونقاط مراقباتهم، بتحليقه الصّامت ببراعة وصل، منطقة الهدف (معسكر غيبور) قرب (بيت هيلال) والذي يضمّ نخبة القوّات الخاصّة الإسرائيليّة، هبط البطل في هدوء، حاملًا رشّاش كلاشنكوف، ومسدس كاتم للصوت، توجّه نحو بوابة المعسكر. فاجأ الجنود الإسرائيليين، وتمكّن من قتل عشرين جنديًّا، وجرح عشرين آخرين قبل استشهاده.
و الشّراع هو سطح مصنوع عادة من القماش أو الموّاد البلاستيكيّة المقاومة للتمزّق، و يتمّ نشره وتثبيته على صارية خشبيّة فيأسر الرياح، لغرض دفع قارب السفينة، أو أيّة مركبة أخرى في الماء، و قد تستخدم الأشرعة أيضاً في دفع المركبات البريّة، و للتحليق بالطائرات الشراعيّة.
أمّا الشّرعَة و الشريعة فهي ما شَرَع و سّنّ الله لعباده من الدّين، من خلال الأنبياء و الرّسل من أجل خير البشرية، والارتقاء بها روحيًّا و اجتماعيًّا و اقتصاديًّا وسياسيًّا، لإعمار الكون بطريقة تليق بكرامة الإنسان، بعيدًا عن سيطرة الأقلية على الأكثرية ونهب مقدّراتها، وخسفها ونفيها، ومنه قوله تعالى: (لكلٍّ جعلنا شِرْعةً ومنْهاجًا).
و سنّ القوانين تعتبر تشريعًا وضعيًّا لتنظيم التعاملات وفق رؤية ربّما تكون صائبة أو خاطبة، ولكنّها في العموم تتلّمس المصلحة العامة، وفيها الكثير من الثغرات و القصور التي ينفذ منها المحامون للدّفاع عن مُوكّليهم لتحصيل حق ضائع أو اغتصاب شيء ما. وفي الدولة البابلية قديمًا جاءت شريعة حمورابي وفق هذا المنظور، ويقال أنّها من أقدم القوانين النّاظمة للحياة آنذاك. ويتضادّ مع هذا المنحى مفهوم (شريعة الغاب) القائمة على الأقوى يأكل الأضعف، ويستخدم المصطلح على نطاق واسع على ألسنة النّاس إذا ما اغتصبت حقوقهم وضاعت، بغياب العدالة بكافة أشكالها.
كثيرّا ما تحدث المشاجرات الاجتماعية، ومن يُشهر سلاحًا حادًّا أو ناريّا، يُحكم عليه بالشُّروع بالقتل، حيث أن كافّة القوانين الجنائيّة تُجَرّم من يفعل ذلك، وينال جزاءه من السّجن وربّما تترافق مع الأعمال الشّاقة، ومن شَرعَ في الأمر أي خاض فيه.
وكذلك جاءت الشّريعة وهي الماء مورد الشّاربة، وإذا شَرَعَتِ الدّواب في الماء أي دخلت فيه، فهي شُرُوع وشًرّع، ومن هناك جاءت (نهر الشّريعة) المُتكوّن من التقاء ثلاثة روافد هي بانياس القادم من سوريا، واللَدّان القادم من شمالي فلسطين، والحاصباني القادم من لبنان مُشكّلا نهر الأردن العلوي، يبلغ طوله حوالي 251 كم، تصبّ مياهه بعد اجتماع الفروع الثلاثة في بحيرة طبرية، وما بعد بحيرة طبرية يُطلق عليه نهر الأردن وهو الحدّ بين فلسطين والأردن، ومن ثمّ يصب في البحر الميّت.
يؤخذ التاريخ جُملة وتفصلًا، من خلال القرائن و الدلائل، وبني اسرائيل لهم شرائعهم الخاصة بهم، فيوم السّبت هو يومهم الأسبوعيّ المقدّس، يمتنعون فيه عن الإتيان بأي عمل مهما كان، فكان اعتداؤهم في السبت بعد أن حرَّم الله عليهم كَسبَ السّبت, فكانوا يصطادون فيه السمك، وورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات عن بني اسرائيل وأطباعهم ومكائدهم واحتيالهم، فجاءت الآية في خصوص السّبت: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) 163سورة الأعراف، ودلالة الآية من التفسير، واسأل: يا محمّد، هؤلاء اليهود، وهم مُجاوروك, عن أمر القرية بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه، وذلك لأخذ العبرة و العظة من الأمم الأخرى.
أمّا الشّارع، فهو الطّريق الأعظم، فالشّوارع المَمَهّدة الواسعة النظيفة المُعبّدة من أساسيّات المدن الكبيرة قديمًا و حديثًا، وجُعِلَت لها الأسماء و الأرقام من خلال الشّاخصات الدّالة؛ لتسهيل الوصول إلى الوجهة المقصودة، حيث اتّخذت أشكالًا هندسية جميلة تتوخّى سلامة سالكيها من المسافرين على مدار السّاعة، وحاليًّا أصبح برنامج الـ ( ( gpsيستخدم على نطاق واسع من خلال أجهزة الهواتف الذكيّة؛ للوصول إلى الوجهة المطلوبة بدقّة وسهولة ويُسرٍ.
كما أنّ مجلّة الشراع اللبنانيّة السياسيّة الأسبوعيّة هي أحد أعمدة الصحافة العربيّة، ففي فترة سابقة من حياتي كنتّ مُداومًا على مطالعتها، وأهمّ إنجاز لها، نشر تحقيق عن صفقة الأسلحة الأميركيّة إلى إيران عام 1986 التي عرفت باسم (ايران - غيت)، وهي الحادثة التي أدّت الى وقف الحرب العراقيّة الايرانيّة عام (1980 \ 1988)، بعد أن خسرت إيران الحرب، وقال الإمام الخميني مقولته الشهيرة: (لو أنّي تجرّعت كأسًا من السُمّ أهون عليّ من ذلك). كما أورد الكاتب البريطاني باتريك سيل في كتابه (الأسد - الصراع على سوريا)، على إثر ذلك تعرّض حسن صبرا رئيس تحرير المجلّة لمحاولة اغتيال نجا منها.
ومن أجمل ما قرأت، كتاب (النّباهة و الإستحمار) للدكتور علي شريعتي (1933 - 1977م)، وهو مفكر إيراني إسلامي مشهور يعتبر مُلهم الثورة الإسلامية الإيرانيّة بأفكاره وتنظيراته، تخرّج في كليّة الآداب من جامعة طهران، ليُرشح لبعثة لفرنسا عام 1959 لدراسة علم الأديان وعلم الاجتماع، حصل بعدها على شهادتيْ دكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع.
أمّا آية الله شريعة مداري يعتبر مرجعيّة دينيّة إيرانيّة من طراز مختلف، كان يدعو إلى إجراء تعديلات جوهريّة على النّظام الملكيّ دون اللّجوء إلى الثورة المسلّحة، فالحلّ الأفضل في نظرة قيام ملكيّة دستوريّة، لكنّه أيّد الجمهورية الإسلامية بعد قيامها، وظلّ يدعو إلى قيام نظام ديمقراطيّ، وتميّز دائما بمواقفه المعتدلة، وربّما كان هذا هو السبب في إبعاده عن دائرة الضوء رغم شعبيّته الدينيّة الواسعة، وتعمقت هُوّة الخلاف بين شريعة مداري و الخميني، فأُبعِدَ شريعة مداري عن المسرح السياسيّ الإيرانيّ.
مُحلّلون سياسيّون يعتبرون تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا هو ميليشيا إسلام سياسيّ متطرّفة، تأسّست في شهر أبريل من عام 2012 بعد نهاية الثورة الليبيّة بشهور وتدعو إلى تحكيم الشريعة الإسلاميّة في ليبيا حسب وصفها، وتنظيم أنصار الشريعة في تونس، يُعدّان تنظيمًا واحد من حيث الأفكار الجهاديّة. والتنسيق بينهما والدعم المالي واللوجيستي.
و بالانتقال إلى عالم الثقافة تأتي رواية (الشراع والعاصفة) للكاتب حنّه مينه، الصادرة 2006 في المرتبة14 ضمن أفضل 105 روايات عربيّة، وترجمت إلى اللغة الروسيّة، الشّراع والعاصفة، قصّة مدينة سوريّة ساحليّة أثناء الحرب العالميّة الثانية، صوّر فيها الكاتب ببراعة مدهشة أثر الحرب، وما تركته من عواصف في بلاد يحتّلها الفرنسيّون، وأبرَزَ التناقضات التي كانت تفترس مجتمعًا غير متجانس، لكنّها أوّلاً قصّة رجال البّحر وانتصارهم على الطبيعة القاسية، قصة الارادة البشرية والمغامرة.
وها أنا أشرعتُ أمري في مخاضات شتّى، بعد أن أشرعت نوافذ كلماتي لعموم القرّاء و النقّاد، ليشرعوا سهام أقلامهم حمدًا وتجريحًا في باخرة مُلفّقاتي؛ للوصول بأمان على متن أشرعتهم إلى برٍّ ثقافيّ واضح برؤيته.

عمّان - الأردن
1 \ 3 \ 2017
____________
هذه المقالة نشرت قبل ثلاث سنوات من تاريخ نشرها هنا. ولكن أعيد نشرها هنا للتوثيق، لأن إدارة الفيس بوك حجبتها. قالوا: لاتوافق المحتوى الاجتماعي 

الجمعة، 15 مايو 2020

الفضاءات الروائية في رواية (زيف القصاص)

 

الفضاءات الروائيّة

في رواية (زيف القصاص) للروائي (حامد الشريف)

 

بقلم الروائي – محمد فتي المقداد

    ما إن تجاوزتُ الصّفحات الأولى من رواية (زيف القصاص) حتى وجدتُ نفسي، ولا أدري الرابط أو الشيء الذي ذكّرني برواية (عمارة يعقوبيان – للروائي علاء الأسواني) رغم اختلاف الموضوع بينهما تمامًا، يبدو أن الفضاء المكاني لكلا الروايتيْن جرى في عمارة احتوت معظم الحدث الذي دارت حوله أحداثهما.

    رواية (زيف القصاص) تُصنّف في الأدب البوليسي، حدوث جريمة قتل غامضة المحاسب (جهاد) أردنيّ الجنسيّة في عمارة سكنية، اتّخذ له شقّة لممارساته الآثمة خارج إطار العائلة وزوجته دكتورة علم النّفس (ميسون).  وفي كلّ جريمة لابدّ أن يذهب ضحيّتها أبرياء لا علاقة لهم، إلّا أن سوء الحظّ هو ما قادهم إلى مكن الجريمة لسبب ما. كما حدث مع البنت المستهترة (فاتن) التي قادتها الظروف إلى استدراجها برضاها من قبل (جهاد) وفضّ عُذرتها، بعد صحوتها حدث صراع بينهما تخرج وتعود لتجد (جهاد) صريعًا مقتولا يسبح في بركة من الدم.

    لا يُذكر الأدب البوليسي وروايات الجيب التي كنّا نشتريها، وفي أغلب الأحيان نستعيرها ممن يمتلكها، لقراءتها للحصول على الإثارة المغامراتيّة لأبطالها، إلّا أن نتذكر الروائية العالمية (آجاتا كريستي)، أشهر كُتّاب الروايات البوليسيّة, وأوّل كتاب اشتريته في حياتي دليلة والزيبق، وقصص علي بابا، وفيه كثيرًا من المقالب ومقاومة الظلم نصرة للمظلومين، يقترب في كثير من جوانبه بطابعه الحكائي البسيط مع الجوانب البوليسيّة الروائيّة.

 

 

إشكاليّة العنوان:

   جاء العنوان بكلمتين فقط هما (زيف) و(قصاص).  وبالرّجوع إلى المُعجم تتضح الصّورة بجلاء: (دِرْهَمٌ زَيْفٌ : أَيْ رَدِيءٌ، مَغْشوشٌ؛ فإذا زافت النّقود، ظهر فيها غَشٌّ ورداءة). استخدم (الزيف) هنا بمعنى الوهميّ، وغير الحقيقي الذي لا يتناسب مع طبيعة الجُرم. و(قصاص)  هنا أخذت موقعها في العنوان كمصطلح فقهيّ، وهو في خاص بوليّ الدم. إمّا أن يأخذ القصاص أو العفو.

   المفارقة في هاتيْن الكلمتيْن؛ فإذا تحقّقت العدالة وكانت (السّنُّ بالسّن)، ولكن وصف القصاص الذي كان هو غاية العدالة، بقتل الجاني، عندها يوصف هذا بالزّيف، هنا تكمن المفارقة. وحتّى تتضّح الرؤية، فقد ورد في الصفحة 318 على لسان .د. ميسون في لقائها الأخير مع المحقّق راشد:

   (إيماني مطلق بأنّ القصاص من القاتل ليس عدلًا في كلّ أحواله، بل العكس تمامًا، قد يكون العدل الحقيقيّ في التّجاوز عن القاتل.. تمجيد تصرّفه.. مكافأته عليه كحالة "جهاد").

   (إن أردنا إقامة العدل التجاوز عمّن فعل ذلك). (أظنّك لو تمعّنت في هذا الأمر.. فكّرت فيه بالطّريقة التي أحدّثك عنها؛ لتوقّفت عند هذه النّقطة، لما سعيْت في فكّ غموض القضيّة، حتّى لا تُسهم في تقديم شابّ أو فتاة لعدالتنا الزّائفة).

    (فالعدل أن يُكرم القاتل في هكذا حالات، لا أن يُقتل). (لك أن تتخيّل، لو قام أحدهم بقتل ألف رجل، وقام شخص بقتل هذا السّفاح، أترى القانون الذي تسعى إلى تطبيقه سيغفرها له..!!؟).

    (صدّقني يا راشد: العدل لا يكون دائمًا في القصاص، بل في التّغاضي، عندما يكون المقتول مُستحقًّا لهذا المصير.. "جهاد" كان ذلك).

من الحكمة التأني عند إبداء الرأي.. استجلاء فلسفة الأمر ،ومَدَاراته بعد تقليبها على جميع أوجه الاحتمالات القويّة والضّعيفة. بعد ذلك يكون الحكم مُنصفًا على ضوء ما تحقّق.

 

 

 

 

شخصيّات الرواية:

-   المحقّقان:  راشد وخليل من مُرتّبات شرطة دُبي، وهما إماراتيّان.

-   المحاسب جهاد في شركة محاسبة أعمال. (جنسيته أردنية).

-   زوجته دكتورة ميسون متخصصة في علم النفس (جنسيتها أردنيّة).

-   ميشيل مدير شركة المحاسبة التي يعمل فيها جهاد، (جنسيته لبناني).

-   ثامر مبرمج في شركة المحاسبة (جنسيته مصري).

-   فتحيّة زوجة ثامر، تعمل مدرسة لغة فرنسية (جنسيتها مصرية).

-   إيمان وهي المُتّهمة الأولى في قتل جهاد (جنسيتها فلسطينية من غزة).

-   رودينا تعمل في شركة تسويق عقارية مندوبة مبيعات (جنسيتها مغربية).

-   سهام مُعدّة برامج سياسية تلفزيونيّة لإحدى المحّطات (جنسيتها سوريّة).

   تعدّد الشّخصيّات في رواية (زيف القصاص)، كانت ضرورتها لتعدّد مسارات الحدث الذي تمحورت حوله الرّواية، وهو جريمة قتل المحاسب (جهاد)، وقد توجّهت أصابع الاتّهام لهؤلاء جميعًا، حتمًا كلّهم أبرياء، وبقي القاتل طليقًا قريبًا من مسرح الجريمة، يتلاعب بإدارة الحدث بمهارة وذكاء حادّ بصمتٍ وكتمان، وهو كمن يدير لعبة أتقنها باحتراف قلّ نظيره.

   جاءت البطولة موزعة بين البطل الرئيس المحقّق (راشد) الذي قاد مُجريات التّحقيق بصبر وأناة، بالتشاور مع صديقه المحقّق (خليل)، وعرض النتائج التي حصل عليها، ومن خلال ذلك كانا ينسجان قراءاتهما وتحليلاتهما على النتائج والتوقّعات، كون الجريمة غامضة لكثرة تداخلاتها وتشابكاتها، وهو يتحرّى العدالة للقبض على المُجرم الحقيقيّ، وتبرئة المُتّهمين وعلى رأسهم (إيمان) المتّهمة الأولى التي سُجنت، لأن كلّ الأدلّة الواضحة تشير لها.

   (رودينا) كذلك تقاسمت البطولة مع المُحّقق (راشد)، وكانت المُحرّك الأساسيّ للرواية، ناصرت قضيّة صديقتها التي تعرّفت عليها مؤخّرًا بعد جريمة اغتصابها من المحاسب (جهاد)، وكانت واثقة من براءتها، ولفتت نظر (راشد) إلى براءتها، ودفعت بالأمور قبل تحويل أوراقها نهائيًا إلى المحكمة، وإعادة البحث مُجدّدًا وفتح ملف التّحقيق بمغامرة استوعبت الحدث السّرديّ الروائيّ بأكمله، وتعاونت (رودينا) مع المُحقّق في كشف علاقة (سهام بجهاد) رغم صداقتهما الحميمة, وتعاونت كذلك معه في محاولة فتح الجدار الصلب مع (د. ميسون).

   أمّا باقي الأبطال جاءت أدوارهم متوسّطة الفعل مثل (سهام) التي اتّهمت بجريمة قتل (جهاد)، بينما الباقين كانوا أبطالًا ثانويين، لاستكمال الحدث من خلال مسارات التحقيق المتعدّة المراحل التي استلزمت حضورهم. مثل (ثامر وزوجته فتحيّة)، وهما ممن وُجّهت إليهما أصابع الاتّهام  بقتل جهاد، (د. ميسون) كذلك كانت محط اهتمام المُحقّق لمصلحتها في قتل زوجها الذي خانها، وسبّب لها العار، وللكراهة والجفاء عن استهتاره بكلّ القيم الأسريّة، وكونه موظّفًا في الشركة، ولعلاقته مع مديره (ميشيل) اذي كان دورًا في تخفيف حدّة التوتّر بين (جهاد وميسون)، وعلاقة صداقة ميسون مع جهاد بعلاقة ظاهرة استجرّت كلام المحيطون بهم من معارفهم، ووصل الأمر حدّ اتهامهم بعلاقة حميمة سرًّا، مما وجّه أنظار التّحقيق عليهم، لمصلحتهم في قتل جهاد، كي يتزوّجا، وهذه العلاقة حكاها ثامر أوّل للمحقّق (راشد)، كما حكى (ميشيل) عن علاقة (فتحيّة) زوجة (ثامر) مع جهاد بعلاقة جنسيّة بمعرفة زوجها.      

   هؤلاء  جميعًا كان لهم مصلحة في قتل (جهاد)، لأنّهم أكرههم واستعبدهم لنزواته المُتكرّرة على الدوام بلا انقطاع، وقد استأجر شقّة في عمارة استخدمها لعملياته ومغامراته الجنسيّة بِنَهم غير معقول فاق الوصف، وقد جهّزها بتقنيّات التصوير المخفيّ، وبعد ذلك يبتزّ ضحيّته ليستعبدها  بشكل دائم، ومن غريب الصّدف أنّهم  كانوا يسكنون بها، حتّى زوجته ميسون كان لها شقّة تستخدمها كمكتب لمزاولة مهنتها في الطبّ النفسيّ، وتستقبل فيها مرضاها.

  تبيّن أنّ هناك نموذجان للشخصيّات، الأوّل هو الشخصيّة ذات المُركّب البسيط التلقائيّة، من السّهل بناء علاقة ما ربّما تتطوّر إلى صداقة حقيقيّة بعد مدّة قصيرة من الزّمن، وغالبًا ما تكون مُنفتحة، مثالها من الرواية (إيمان، وسهام، وفتحيّه).

   الظواهر الاجتماعيّة الصّارمة غالبًا ما تُوَلّد شخصيّة إشكاليّة في حياتها ومماتها. هذا موضوع أساسيّ أخذ بُعدًا واضحًا في تسيير الحركة داخل العمل الروائي (زيف القصاص). فلا بدّ من التوقّف أمام الشخصيّة المحوريّة التي انبنى عليها الحدث الروائيّ، ألا وهو (جهاد) من خلال الوصف الدّقيق لحياته فهو شّخصيّة (سيكوباتيّة) تابعاً لشهواته ونزواته وأطماعه الشّاذّة، وقد يكون سَمْحَ الوجه من الخارج؛ لكنّه يفتقر إلى المشاعر والأحاسيس داخليّاً؛ فهو قد استغّل العديد من ضحاياه جنسيًّا بطريقة بشعة مُقزّزة. ويقول علماء النّفس: (إنّ هذا الشّخص شيطانٌ في صورة إنسان، وهو التّجسيد الحيّ لكلّ المعاني الرّذيلة والسّيّئة). وهو شخصّ أنانيّ لأبعد الحدود، يُحبّ الاستيلاء على كلّ شيء بشغف، فكان  شهوانيًّا مهووسًا، وهو شخصيّة مُركّبة بأقنعته التي يختفي خلفها.  

    شخصيّة المُحقّق (راشد) جادّة واعية لطبيعة عملها وموقعها، عقلانيّة إلى أبعد الحدود باحتراف مهنيّ عالٍ، العقل يتقدّم في كلّ شؤونه، وهذا نتيجة التدريبات المكثّفة التي حصل عليها حتى أصبح ضابط تحقيق في الجرائم، ومثله كذلك صديقه الضّابط (خليل).

   أمّا الدكتورة (ميسون) فهو خبيرة علم نفس، وتقوم على ممارسة الطبّ النفسيّ بمعالجة ممن يلجأ لها، وذلك ضمن ظروف اجتماعيّة خاصّة جدًّا، حدّ الالتباس، مما أشيع عنها بعلاقة غراميّة مع (ميشيل) مدير الشّركة التي يعمل بها زوجها المقتول (جهاد). وكذلك يُدرج (ميشيل) في خانتها، كمدير تنفيذي لشركة محاسبة، لما يحمل من شهادات وخبرات، بتسيير عمل تجاريّ ضخم بملايين الدّراهم.

   أمّا الشخصيّة الأهمّ (رودينا) البنت المغربيّة ذات الـ (27) عامًا، عاشت حياة بؤس وفقر واضطراب، بسبب والدها المُدمن على الخمر والمُخدّرات، والخوف المُستكنّ الذي صنع منها شخصيّة مُتوجّسة شكّاشة في كلّ شيء.  توافقت فيها مِسحة الجمال الآسر، مع ذكاء حادّ، تمتعت بشخصيتها الجذّابة، وتصنّف على أنّها شخصيّة (سيكوباتيّة) ذات شهوة خفيّة انتقاميّة من الآخرين، تحاول أن تتمتع بالأحاسيس والمشاعر، لكنّها في الحقيقة (نرجسيّة) بطاووسيّتها، وهي لا ترى محيطيها إلّا من خلالها، أيضًا إنّها شّخصيّة (اضطهاديّة) لشعورها الدائمٌ بالاضطهاد والضَّيم؛ لذلك فهي تشكّ في الجميع، وتتوقّع الأذى منهم، وتُضمِر لهم الكراهية وعدم الارتياح، رغم أنّ عملها كمندوبة لشركة عقاريّة ُكُبرى، كانت تتخفّى خلف قناعة الأتيكيت التي تدّربت عليه، والابتسامة السّاحرة والدّبلوماسية، وخبرتها في اقتناص الزبائن، وإقناعهم بشراء ما تعرضه عليه، ولغة الجسد إحدى أدواتها حتّى تُحقق مُستوى مبيعات للشركة.

 

مسار التّحقيق:

   مدينة "دبيّ" هي مسرح الرّواية عمومًا، كمدينة مال وأعمال جاذبة للطامحين من كافّة أنحاء العالم، والخليط غير الذي اعتمدته الرّواية، تجمّع من العديد من الدّول العربيّة، وفي إحدى ضواحيها في أحد العمارات، حدث جريمة قتل للمدعو "جهاد"، كلّ الأدّلة الواضحة أدانت البنت "إيمان"، ومع كلّ يوم تظهر أدلّة جديدة، لا تقود إلّا إلى مزيد من الغموض أكثر، "رودينا" حرّكت الحدث بإقناع المحقق "راشد" براءة صديقتها "إيمان"، يوم الدّفن ظهرت صديقتها "سهام" في المقبرة بشكل خاطف متخفية بنظّارتها، من خلال رسم تقريبي أكّدت أنّها "سهام"، ودافعت عنها باستماتة أن تكون هي القاتلة. اعتقلت "سهام"، وجاء اعتراف "فتحيّة" بأنها على علاقة كانت مع القتيل، واتّهام زوجها بقتله، ثم اتّسعت دائرة الاتهام لتطال "ثامر" زوج فتحية الموظّف في نفس الشركة التي يعمل فيها "جهاد"، ولكنّه وجّه الاتّهام إلى مديره "ميشيل" و "د. ميسون" زوجة جهاد.

   بعودة "راشد" إلى إطلاع صديق المحقق "خليل" على نتائج تحقيقاته، لفت نظره إلى جهاز هاتف جهاد، وعن شريحة الخطّ المفقودة، عند هذه النقطة أخذ البحث مسارًا آخر، إلى أن جاءت فتحية من تلقاء نفسها باعترافاتها، وسلّمت الشريحة إلى راشد، وبالتدقيق بالأسئلة الحرجة لسهام وفتحيّة أكّدتا أن جهاد كان يُصوّر كلّ جلساته معهن وفي لقاء آخر يأتي به ويشاهده معهن بعد عمل المونتاج له. بالتّفتيش للمّرة الثانية للشقّة، جدوا الكاميرات فقط بدون جهاز التحكم التسجيل، تأكّدوا أنّها كانت تعمل بالتحكم عن بُعد، وفي تفتيش سيّارة جهاد آخر معاقله المتوقّعة، وضع راشد يده على جهاز "اللّابتوب"، وكانت الصّدمة..!!.. تعب وجهد أنهكه واستنفذ كامل قواه، أخيرًا للخروج من حالته، كان لا بدّ من لقاء محبوبته (رودينا)، وفاجأها بإلباسها خاتمًا لؤلؤيًّا نفيسَا، وأعلن لها أمنيته التي طوى قلبه عليها زمانًا: "سأخطبك..". اصطدمت رغبته برفضها، ليعلن لها أنّه يعلم أنّها هي من غرست السّكين في قلب جهاد، رغم ذلك تجاوز عنها، إرضاء لقلبه، وتوصية .د. ميسون بأن لا يدعها تفلت من يده، بالمحافظة عليها، وتكون له زوجة.    


عمان - الأردن

15\ 5\ 2020

تأملات قرآنية