الاثنين، 27 أبريل 2020

وهج التاريخ والجغرافيا في مذكرات مجنون في مدن مجنونة


وهج التاريخ والجغرافيا في رواية (مذكرات مجنون في مدن مجنونة) 
للأديب محمد حسين الصوالحة

بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

الجغرافيا بوجود الإنسان فيها وعليها؛
ينتج عنهما تاريخ، فالتاريخ نتاج فعل الإنسان في الجغرافيا، فلا تاريخ بدون جغرافيا، والإنسان لايمكن أن يعيش إلّا في حيّز جغرافيّ ضئيل من هذا الكون، ولن تتجلّى ذكرياته الجميلة إلّا إذا اقترنت بالجغرافيا، ومن هنا تولدّت فكرة الأوطان، والتعلّق بهان والذّود عن حياضها، واكتسب المفهوم من الأدبيّات التي لا حصر لها، حتى استحقّ إراقة الدم من أجله، وأن الأرض تُعادل العِرْض الذي يستوجب الدفاع عنه من التدنيس.
من هنا من الممكن أن نتفهّم تبرير (محمد صوالحة) وَلَعهُ بالسّفر والتّرحال إلى أماكن مجنونة، أحبّ أن يكون فيها، ويترك هناك ذكرياته المجنونة.
ولماذا الجنون؟.
جاء الجنون بمفردتيْه وَسْمًا للعنوان، مرّة جاء بصيغة المُذكّر للبطل الرّحالة، وأخرى بصيغة المؤنث للمُدُن، ولعلّني أستشفُّ عبارة جاءت على لسان أبي يونس: (يا بنيّ الطريق طويلة، ولا يلزمنا مجانين، لأنّهم قد يُعطلوننا عن مسيرنا، ويقتلون الوقت بأشياء مجنونة).
وجاء الردّ من الأمّ: (وهل لذّة العيش إلّا للمجانين، ليتنا كلّنا نحمل ما يحمل -ابنها- من جنون، أبدًا لا يضيع منه الوقت إلّا في البحث والتأمّل، ومع ذلك فهو في مدرسته لا يُصنّف مع المُتفوّقين، لا ولا يقترب منهم، همّه الحصول على علامة النّجاح، ليُرضيني ويُرضي أباه "هيك خلقه ربّه، شو نسوّي إحنا").
في هذا المقطع أبان لنا الروائي محمد: أن الجنون ما هو إلّا البحث والتأمل في أشياء بعيدة عن منهاج المدرسة، وهو عنده أحد حالات الإبداع، فما بين العقل الإبداعي والنمطيّ إلّا خيط رهيف أقرب إلى حالة الجنون، وعلى هذا يكون الإبداع في أحد أوجهه جنون، لأنه خروج عن النمطيّ والمألوف لدى عامّة النّاس.
يجوز لنا كقرّاء أن نُصنّف كتاب (مذكرات مجنون في مدن مجنون) على أنّه جزء من أدب التّرحال، وهناك نماذج في الأدب العربي (ابن بطّوطة)، و(ابن جبير)، و(محمد أسد) في كتابه (الطّريق إلى مكة)، وفي روح الكتاب هناك تقنيّة القصّ الروائيّ من حوارات مع البطل والأشخاص الذين التقاهم (ديالوج)، والحوار الداخلي للبطل (مونولوج)، ووقفتُ على فصول الكتاب الرواية مُتنقّلًا ما بين الأردنّ (عمّان والسّلط والبتراء)، ومصر والحجاز(المدينة المنوّرة) ودمشق وبيروت وبغداد، والإمارات العربيّة (الشارقة).
ومن هنا جاء إبداع محمد صوالحة في اكتشافه لهذه المدن المجنونة بخصوصيّة تشتهر تمايزًا كلّ واحدة عن الأخرى، ومجنونة باحتلال ذاكرته على مدار سنواته المتباعدة زمانيّا عنه، ثم عودة الوعي بعد ذلك إلى ذاكرته المُتوقدّة في استحضار كلّ هذا الوصف بمشاهده ومناظره الآسرة، ببساطة مُطلَقَة كما عرفتُ بساطة محمد صوالحة في تعامله التلقائيّ بمحبّة ومودّة.
وفي هذا الصّدد، أشارت الأديبة القاصّة (عنان محروس)، كاتبة مقدّمة الكتاب فهي تميل إلى تصنيفه ضمن كتب أدب الرّحلات: (ونعود لمسمّى أدب الرّحلات، فهو مسمّى واسع، فرغم التباين بين ابن بطّوطة، ماركو بولو، تشارلز داروين، أرنست همنجواي، ونجيب محفوظ، إلّا أن الفكرة التي تجمعهم على فكرة الرحلة نفسها زمانيًّا ومكانيًّا ونفسيًّا).
***

وعلى اختلاف هذه العنوانات في الكتاب، فإنها تختلف عن بعضها في المؤدّى والمضمون، غير مرتبطة في سردها القصصيّ بل جاءت فصولًا، جمعتها عنوة دفّتيْ الكتاب الرواية، أدّى تصويرًا جميلًا وبثًّا مباشرًا، نقلنا من خلاله من مواقعنا إلى تلك الأماكن بطريقة محبّبة سلسة بسيطة في سردها الحكائيّ.
ليعود بعد سنوات لاسترجاعها على أنغام أوتار الحنين والشوق لها: (ملعون هذا القلب الذي أحبّ السّفر، وعشق التّرحال، ولم يَجْنِ من فوائده إلّا الذكريات).
استهلّ الكاتب روايته بكلمة (ملعونة)، حينما لعن الدنيا والمال والحياة والقلب، وملعونة هي المسافة أيضًا، ثم ينتقل (للآه) .. التي تكرّرت في موقف تأمليّ عجيب فلسفيٍّ:
(آه ما أضيق العمر لولا فسحة الأمل).
(آه ما أبشع الكلمات، لولا إنها تطرّزت بأسماء النساء، وتوشّحت بقصائد الحب والغزل).
(آه ما أقصر أيّام الإنسان في هذه الدنيا، وما أعسر الحال). هذا القلق البشريّ أمام جبروت الحياة القاسي.
***

وجاء الفصل الأول تحت عنوان (في الفِسْطاط)، وهو بيتٌ يُتّخذ من الشَّعْر والوَبَر (خيمة)، وهو مدينة مصر العتيقة، ليعود بذاكرتنا إلى عصر فتح مصر عام 641م، وحصرًا إلى الصحابيّ الجليل (عمربن العاص) قائد الفتح الذي بنى مدينة الفسطاط على مقربة من حصن بابليون على ساحل النيل من طرفه الشرقيّ، وكان الموقع شماليّ القاهرة.
والعنوان بداية تكريس لاستعادة التاريخ.
ولماذا مصر أوّلًا؟.
فقد جاءت الإجابة واضحة من الكاتب، بتساؤلاته القلقة: (لماذا مصر دون غيرها تراودني عن نفسها، فأجدني أهمّ بها، كما همّت بي؟، لماذا هذا العشق لسيّدة التاريخ، وأمّ الحضارات؟).
وجاء لقاء الطريق مع فاطمة المُسافرة على متن الحافلة التي سافر عليها بطل الرواية، تجلس على الكرسيّ المُحاذي له، وجرى بينهما من المجاملات والتودّد، والتلصّص في استراق نظرات مُتعطّشة اشتهاء متعة الجسد، لحظات تجسّس على بعض مفاتن فاطمة، خاصّة وهي ترضع وليدها، ولم نعرف ما إذا تبادلا هما حالة التلصّص بينهما، وشيطانه الداخليّ هو المحرّك الأساسيّ لاعتداء الحوّاس على الحوّاس.
موضوع مهمّ قطع استغراقه في أوهام أحلامه، عندما وصل إلى مدينة السّويْس، وتذكّره العدوان الثلاثيّ، وبطولة وصمود أهلها في التصدّي:
(في هذه المعركة تجلّت النخوة العربيّة، والبطل العربيّ السوريّ جول جمال، الذي قاوم بطائرته إحدى حاملات الطائرات، ليُخبر العالم بأسره: بأنّ الأرض والانتماء لقدسيّتها هي من تجعمنا، وإن اختلفت طوائفنا وانتماءاتنا).
هذا الشعور القوميّ الطّاغي، والذي ما زال وَهَجَهُ في قلوب هذه الأجيال، ويأبى الكاتب على قارئه إلّا أن يُذكّره بهذا العُدوان، وأن إرادة الشّعوب لا تقهر، هكذا هو منطق التّاريخ الذي توشّح به هذا الكتاب.
***

وكان الوصول للقاهرة والالتقاء بعائلة صديقه، الذي كان عمل في الأردن فيما سبق، ٍولعلّ من الصعب الإفصاح عمّا بداخل النّفوس، لكن الكاتب خالف القاعدة: (أيّ شيطان يسكنُني ويثيرني ويجعلني أُعرّي كلّ ما تسقط عليه عيني، التي لم تترك شيئًا إلّا واقتنصته).
وهذا ما جعله يتلصّص على فاطمة أثناء طريق السّفر، وفيما بعد يتكرّر هذا الأمر مع بنات عائلة صديقه، اللّواتي تعاملن معه بتلقائيّة بسيطه مُفرطة في الثّقة، على أنّه أحد أفراد العائلة، أثناء الجلوس على مائدة الطعام، أو احتساء القهوة والشّاي على الشُّرفة المُطلّة على الشارع، وفي جولاتهم في أماكن عامّة من القاهرة؛ بقصد الزيارة أو التسوّق.
وبين الفيّنة والأخرى يعودُ لمنبته الأصيل: (هل لبدويّتي وتربية أمّي أن تنتصر على شيطاني، أم ستكون لشيطاني كلمة الفصل؟، هل سأتّبع وسوسة هذا الملعون الذي يحتلّني، أم سأكون على قدر الكرم الذي عوملتُ به وأكثر وفاء)، صراع الفضيلة والرذيلة صراع الخير والشرّ، مُحتدم في نفس البطل(أبو صخر)، وما ينتابه لا يعدو أن يبقى في مرحلة الوَسوَسة، والعودة به إلى أصوله البدويّة الشمّاء بشموخها وترفّعها عن الكثير من الدنايا:
(أبحث عن نفسي، فأجدها مكبّلة بقيود شيطاني، ودومًا ما تنقذني بدويّتي).
***

في موقف فريد أثناء زيارتهم لمسجد السيّدة زينب في القاهرة، وتساؤلاته عن سبب تسمية المكان باسمها، ويبيّن السبب، والقارئ لا مفرّ له من مجاراة الكاتب والدّخول معه للمسجد المذكور، من خلال متابعته للوصف الجماليّ للمكان، وأبهائه الروحيّة التي تغرّد بها الأرواح.
وينقل الكاتب لنا صورة واضحة لا لبس فيها، بعين الواقع الذي رآه وعاينه: (في إحدى الزوايا للمسجد هناك شبكٌ حديديٌّ فيه ضريح مغطًى بالقماش الأخضر، وشيء يثير الدّهشة والاستغراب، نسوة ورجال يلتّفون حول الشّبك، يتعلّقون به، ينادون أمّ الأيتام ويدعونها. هذه تطلب منه إزالة الغمّة عنها، وهذه تدعوها لتساعدها على الإنجاب، وآخر إليها، وهو يبكي أن تشفي صغيره).
وهنا يحدث نقاشٌ حادٌّ مع المُشرف على هذا المكان، وهو نقاش قديم متجدّد بين مدرستيْن فكريّتيْن إسلاميّتيْن (السلفيّة والصوفيّة)، وكلٌّ له حجّته في هذا الموضوع، ما بين تقديس وتعظيم، وأخرى مناقضة بتحريم وتكفير، ذلك لأنّه شرك ظاهر في الأفعال والأقوال.
وفي فكرة أخرى: (أنا في القاهرة، قاهرة المعزّ لدين الله الفاطميّ، أنا في فسطاط عمرو بن العاص، أنا في أرض الفراعنة، أنا في البلاد التي هاجر منها نبيّ بني إسرائيل - قاتلًا لبلادي-، ليعود إليها نبيًّا ورسولا، على هذه الأرض تلقّفت عا موسى أفاعي السّحرة، وأبطلت كيدهم، هنا ولد موسى عليه السّلام، وهنا تبنّته حتشبسوت، من هنا طرد بني إسرائيل. وهنا تحالفت مصر الفرعونيّة مع مملكة الأنباط العربيّة، هنا لَثَغَ التّاريخ حروفه الأولى وانطلق إلى الدنيا... إلخ).
هذه مصر أمّ الدّنيا، يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها، منها انطلقت الفتوحات والانتصارات، وفي جولاته اللّاحقة في مدينة تجلّت الدنيا بها. وتعود بي الذّاكرة إلى خماسيّة الكاتب (أسامة أنور عكاشة) إلى (ليالي الحلميّة)، المسلسل الرائع الذي تابعه مئات الملايين من العرب، وهم يتشمّمون فيه رائحة أسواق القاهرة، مسجد الحسين، والموسكي، وسور الأزبكيّة، وباب زويلة، وقلعة صلاح الدين، وميدان التحرير، والفراعنة، والعرب، والمماليك، وألبان محمد علي باشا وعهود ذريّته من بعده الملكيّة الخديويّة، والثورة وما استتبعها، القاهرة حكاية الكون أجمع.
وهذا ما أفصحت عنه روايات (نجيب محفوظ)، (بين القصرين، قصر الشوق، والموسكي)، وغيرها التي شرحت الكثير عن دقائق الحياة في شوارع وأزقّة وحواري المدينة النّابضة.
وكما قيل: (مصر هبة النّيل)، فهو الرّوح التي أقامت الحياة على أرض مباركة ذكرها القرآن الكريم: (اهبطوا مصر إن شاء الله آمنين)، وهو متنفّس لأهلها، ومصدر رزق، ومقام يسكنونه على متن طوّافات راسية على شواطئه.
وهنا أتوقّف أمام هذا النّهر العظيم، وأنا أردّد مع (محمد عبد الوهّاب)، قصيدة (النهر الخالد) للشاعر (أحمد حسن إسماعيل)، وتتجلّى القصيدة ببهائها في الخاتمة: ( آه على سرّك الرّهيب، وموجك التّائه الغريب، يا نيل يا ساحر الغيوب).
وللإسكندريّة وبهائها نصيب من مذكّرات الكتاب، وهو يغوص في خصوصيّتها التاريخيّة والحاليّة.
وللمجنون مُبرّر أن يبقى مجنونًا مدى حياته، وهو غارق بجنون هذه المدن النابضة بالحياة، رغم نوائب الدّهر والحروب والنّكبات والنّكسات، ذهب الغزاة والطغاة والخونة والمارقون إلى مزبلة التّاريخ، وبقيت ذكرى همجيّتهم بصورتهم القاتمة السوداء.
وستبقى مصر أصالة العرب بأزهرها، وقبطيّتها الأرثوكسيّة الحريصة على الوحدة الوطنية، كما (الأب شنودة)، و(ميلاد حنّا).

عمّان \ الأردن
21-6-2018

قصة مثا من بصرى الشام


قصة مثل من بصرى الشام

 بقلم/ محمد فتحي المقداد

أمّ حمّود امرأة من مدينتي بصرى الشام في جنوب سورية من محافظة درعا، لا أدري على وجه الدقة منذ متى فارقت الدنيا إلى جوار ربّها - رحمها الله -.
أثناء تجوالي في مدينة الكرك جنوب المملكة، بعد اجتياز الطلوع الحادّ من مجمع السيّارات قاصدًا وسط المدينة، مررت بشارع الخضر  المنسوب لمقام الخضر -عليه السلام-، ببنائه الأثري القديم، فيه مساحة مستخدمة كمسجد صغير للصلاة، وفي الجانب الآخر قبر، مُجلّل بأقمشة  بيضاء وخضراء.
على أجنحة الذاكرة رجعتُ إلى بصرى ومراتع الصبا، مستعيدًا شقاوة اللعب والعبث بما كانت تطاله أيدينا، لكن ما الذي كان يمنعنا حقيقة عن الولوج لمقام الخضر، لا أدري أبدًا.
هناك مثل شائع على ألسنة أهل بصرى: "مثل إللي بدّو يَدِلّ أم حمّود على الخضر". ويُضرَب هذا المثل البصريّ، لمن  أراد الإخبار عن أمر معلوم ومعروف لدى الآخرين.
منذ بداية وعيي، كنتُ أعرف هذه المرأة القيّمة على شؤون (مقام الخضر)، وتتعاهده بالنظافة والترتيب لاستقبال الزوّار، وذوي الحاجات لزيارة مثل هذه الأماكن، وأغلبهم من النساء والبنات، وبعض السائحين الأوربيين زائري بصرى.
المكان صِنْو المكان بجاذبيّته الروحيّة، مُرتَحلٌ فينا، يربطنا بعقاله الممتد معنا مهما ابتعدنا عنه.


عمّان / الأردن
26-4-2020

الخميس، 23 أبريل 2020

اليويو

(أدب العزلة في زمن الكورونا)
اليويو
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد
   يا لطفولة لم أعشها..!! خُلقت هكذا لا أدري على وجه الدّقة؛ ما هي أوّل كلمة نطقتُها؛ لكن من خلال إحساسي العميق: "ماما.. بابا"، حالة نسيان رهيب استفقتُ منها في الصفّ الأوّل على المُعلّم وكتاب القراءة، من جديد.. استعدتُ ذاكرتي لأكتب أوّل كلمة في حياتي: "ماما.. بابا". 
   لم يكن عندي كيس أو كرتونة للألعاب مليئة بالألعاب المختلفة؛ لأحتار بأيّ منها ألهو، أو أُحطّم أكثرها في حالة غضب ممزوجة بالملل السّريع منها، درّاجة ذات الثلاثة دواليب بمقعدها الخشبيً القاسي، لونها الأحمر شوّه ذاكرتي، ووَسَمها تشاؤمًا منها، وأضاع عليّ متعة مُراقبة قوس قُزح، ومحاولة قيادتي لها الفاشلة بين الأحجار الناتئة كرؤوس الشّياطين في ساحة بيتنا الترابيّة، وخارج البيت الأزقّة والطّرق لم تكن مُعبّدة بالزّفت الأسود بتوقيت بُصرى آنذاك. 
إلى الآن لم أُدرك ميلي الشديد لعود الثقّاب برأسه الأحمر المُدبّب الصّغير؛ المُغري بإشعال الحرائق للورق ومخلّفات الأشياء. تخويف شديد من النّار بألسنتها التي لا ترحم. وانتهت صلاة عيد الأضحى لأدخل في حالة بُكاء وفقدان حذائي البلاستيكيّ بلونه الأحمر.. يا لتعاستي.. البِشرُ يرسم خطوط على وجوههم، وهم خارجون من بُوابة الجامع، عبارات متبادلة بالتهاني والأمنيات، ودموعي لم تتوقّّف، تُعاند حيرتي الحزينة، وأنا أبحث مع بعض الذين يكبرونني بسنوات، كنتُ جازمًا أن لا طفل آخر في القرية كلّها يمتلكُ هذا اللّون؛ لأنّ أبي أحضره من الشّام على حدّ زعمي. وصلتُ البيت حافيًا خائبًا من يومها فقدتُ إحساس فرحة في العيد.
   نوبة شرودي بعيدة في مجاهل طفولة بعيدة من هنا بمسافة نصف قرن، ضجيج الأولاد ومناكفاتهم المُتأجّجة على مدار السّاعة، حُرموا كما حُرمت الخروج من البيت، التزامًا بالحظر المفروض علينا خوفًا من الوباء كورونا الخطير.
   أنا في وادٍ آخر أخذني طوفانه الرّبيعيّ في مثل هذه الأيّام التي أعيشها الآن داخل البيْت، اجترار القديم المُحبّب إليّ. خجلي يمنعني من الكلام مع أبنائي؛ لاستغرابهم..!! كلّما يسألونني عن صغري، وضحكاتهم الواخزة قلبي على حرمان معظم أبناء جيل ذاك الوقت، وما بعده من رفاهيّة امتلاك الألعاب الغالية.
   الوقتُ يمرّ بطيئًا.. ديمومة الموبايل بين يديّ ملّلتني. كثرة البحلقة في شاشته أتعبت عينيّ، أعود للكتاب، والتلفزيون، ومداعبة الأولاد اللّاهين في مشاريعهم اللامتناهية، وابتعادهم عن عالمنا في البيت.
   أغرتني لعبة جديدة للمرّة الأولى في حياتي تقع بين يديّ، سمعتُ كثيرًا في سنوات سابقة  كلمة (اليويو) تتردّد على ألسنة الأولاد. فُقداني رغبة السّؤال عنها ظنًّا منّي، وما هذا الشيء الذي سأضيفه لموسوعة معارفي؟. غرابة الاسم أشعرتني يومها بتفاهته.
   اليوم غيّرتُ رأيي عندما عثرت قدمي بخيط غليظ، مربوط ببكرة كادت إسقاطي أرضًا، والنتيجة معلومة سلفًا على الأقلّ رضّ السّاق، أو الكتف، وملازمة الفراش، والمُداومة على المُسكّنات ؛لإسكات الآلام المُبرحة المانعة من النّوم ليلًا، والرّاحة وحريّة الحركة نهارًا.
   صراخي ملأ البيت، مما أخرَجَ الأولاد من عوالم انسجامهم مع ألعابهم المُحبّبة إليهم، عدا لعبة (ببجي)، التي أجبرت ابني على حذفها قسرًا، ومنعته من تنزيلها ثانية، إلى أن أخبرني بأنّه سيبيعها بمبلغ معقول سيساعدني به؛ لتجاوز عقبة مصروف العائلة المُثقل لي فترة توقّفي عن العمل، دهشتي مما أخبرني به أزالت غضبي من (اليويو).
   بدأت أولى تجاربي عليه، إغراء غير طبيعيّ، ساعات أمضيتُها بعدما أتقنتُ فنّها؛ بتوازن ارتفاع اليد مع اهتزازاتها؛ كموج البحر الخفيف المتوّتر، مما يُسرّع حركة دوران دولاب اليويو الجميل. ضاعت سُخرية زوجتي إهمالًا مع انسجامي التامّ، مثل ذاك اليوم  قبل نهاية الألفيّة الثانية بشرائي لعبة (الأتاري)؛ عند عودتي من (أبو ظبي) بإجازة الصّيف.
   ساعات طويلة أجلسُ اللّعب ببرنامج الطّائرات بمراحله العديدة بمستوياتها، مرّات قليلة وصلت فيه للنهائي. انسجامي لفت انتباهها، جلَستْ للمرّة الأولى تُراقبني، رغبة التّجريب بإلحاح قادتها لمُجالستي ساعات، نسيت تساؤلاتها قبل ذلك:
-"لماذا اشتريتها..!! لسنا بحاجة لها.. عندنا أوليّات غيرها؟".
-"من أجل الصبيّ..!! ابننا الوحيد آنذاك".
-"مازال صغيرًا لا يُدرك معنى اللّعبة، ولا يستطيع التعامل معها، لو أجّلتها حتّى يكبُر قليلًا..!!".
-"ها نحن نلعبُ بها.. وعندما يكبُر نعطيها له".
   مهارة اللّعب بالأصابع، بداية كانت على تمرين الوُسطى؛ لتجاوز ألم خفيف في مفصلها يمنعني من طيّها للآخر. منذ ذاك اليوم عندما أشرتُ بحركتها المفهومة تلك لأمر ما..!!، جلستُ مُستندًا للجدار، تداخلت أصابع الكّفيْن بتشابك، وتدوير الإبهاميْن بحركة لولبيّة للأمام تارة، وتبديلها معاكسة للخلف، جعلتني أتذكّر زميلي الطّالب في الصفّ التّاسع، وهو يقف أمام الطلّاب بانتظار فراغ الأستاذ من الاستماع لإجابات من حفظوا الدّرس.
    انبته الأستاذ لحركة أصابعه المماثلة لي الآن، وسأله:
-"ألا تعرف غير هذه..!!؟".
السّؤال خفّف من توتّره؛ ظنًّا منه بنجاته من العقاب الجسديّ؛ لتقصيره في واجبه، فأجاب بجديّة:
-"نعم أستاذ، أعرفُ أيضًا بهذا الشّكل".
   وبدأ بلفّ إبهاميْه عكس الحركة الأولى. كتمنا ضحكنا، ومازال مكتومًا في صدري إلى الآن؛ فالعصا بيد الأستاذ لا ترحم، لمن يخرج عن مسار الدّرس، أو يُحاول.
  إزهاق الوقت مُهمّة عملٌ شاقّ؛ صعّبت عليّ تعبئة وقتي بأشياء جديدة، جرّبتُ وجرّبتُ، راودتني لعبة (البَبْجي)، وما سمعتُ عنها، موقفي الجازم من ابني حازم، ومنعه منها؛ أخذني للتفكير بتجريب اللّعب فيها بعد نومهم، لكنّني أستسلم للنّوم بلا مُقاومة، وهم مازالوا يقظين. وفي النّهار لا يذهبون إلى المدارس، وصاروا مثل بلاد الأجانب يتعلّمون عن بُعد.

عمّان – الأردنّ
23 \4 \ 2020

هلوسات الحظر

(أدب العزلة زمن الكورونا)

هلوسات الحظر
قصة قصيرة
بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   بيادر الحرمان تمتلئ ساحاتها بأكداس الهموم..، ولا تنقضي..!!. تتقلّص الحياة شيئًا فشيئًا، وتنحسر الفضاءات الرّحبة إلى الغرفة والبيت فقط، تضيق الرُّؤية خلف الجدران، وحمايات النوافذ الحديديّة والبلّلور.
  تتماهي صور الورود المتمايلة مع نسائم المساء العليل، وروائحها في ذهني مع رائحة رشّة العطر من القارورة. حرمان لم أكن لأحلم به في حياتي أبدًا.
   النّور الوهّاج ليلًا يبدو مُعتمًا، لا أمل أين يكون القمر  مَغزًى لنظراتي وتأمّلاتي، كانت تتجسّد الحبيبة سُكناها في القمر، يتطابق وجهها مع قرصه المُستدير  يبثّ سحره الأخّاذ في روحي، فيستديم تعلّق نظراتي. السّكون البهيّ الذي أنتظره على الدّوام؛ انقلب ليلًا طويلًا؛ كأنّما توقّفت فيه عقارب السّاعة عنادًا، بطيئة تسير الهُويْنى غير آبهة بحالي أبدًا، تروقني فكرة تحطيم السّاعة والاستراحة من عناء مُراقبتها، وهي لا تستجيب لمطلبي الوحيد منها زيادة سُرعتها..!!.
عدلتُ عن الفكرة لضبط مواعيدي مُستقبلًا. تُداهمني جيوش التساؤلات:
"منذ وعيتُ أخبروني عن المُستقبل، في المدرسة قرأت عنه، خدمتُ واجبي للوطن سنتين ونصف، ضاعوا من المستقبل، وإن كنتُ أظنّ أنّني قدّمتُ قُربانًا، بعد خمسة عقود أسعى بحثًا جاهدًا عن معالم المستقبل.. يا لهفتي.. كم كنتُ مغفّلًا.. حين بلعتُ الطُّعْم مقتنعًا.. اقرأ واجتهد؛ لتكون شيئًا في المستقبل. سافرتُ اغترابًا لسنوات ما بين شرق وغرب.. وما زال حلم الغفلة يستحوذني.. تزوّجت وأنجبت وربّيْتُ وصاروا رجالًا.. تركوني وراحوا منطلقين من النقطة التي ابتدأت منها في رحلة تُشابه رحلة بحثي.. نفسي لم تُطاوعني إخبارهم بالنّتيجة السّراب الذي ركضتُ إليه، ولم أصِلهُ..!!".
لا أدري على وجه الدّقّة..!! هل سيصلون هم..!! هل المُشكلة تكمن عندي..!! أين العُطل..!!؟.
   إذا استطعتُ مُجدّدا حلّ هذه الألغاز أتوقّع أنّني استطعت وضع إجابة واحدة منها أمام جيوش الأسئلة المنهمرة مدرارة كالمطر، لأقهر ظنوني، ولو لمرّة  واحدة في الحياة؛ فتموت آخر الشّكوك في قلبي.
فكّروني.. وأمّ كلثوم تُحاول  إخراجي بعيدًا إلى آفاق خارج الغرفة. أستفيقُ على حالي، وما زلتُ مُرابطًا أمام جهاز حاسوبي أستجدي الكلمات؛ استجابة لتدوين صفحة واحدة، فقط كجزء من سجلٍّ طويل مليء بالخيبات التي حطّمت كلّ تفاؤل، واستمطرت سوداويّة متآلفة مع كآبة الحظر والوحدة، أظنّ أنّني بعد انتهاء الحظر بحاجة لمراجعة طبيب نفسي من داء التوحّد.
كلمة سمعتها من جارتنا أثناء حديثها عن ابنها الصّغير مع زوجتي في جلسة تزاور ،خرقتا فيه الحظر، خروجًا من السّأم والملل.. لا.. لا أظنّ أنّهما خرقتا الحظر.. تذكّرتُ أنّه كان خلال فترة السّماح من العاشرة صباحًا إلى السادسة مساء، أنّه يُعاني من التوحّد، لم يمرّ الموضوع بذهني مرور السّلام، فكان (العمّ جوجل) ينتظرني بلا ملل ولا كلل بالإجابة عن جميع ما دار بذهني، تشابه عُزلتي مع حالة ابن جارتنا، أخافتني أن أكون مُصابًا بمتلازمة (داون) وأنا لا أدري.

عمّان – الأردنّ
21 \ 4 \ 2020

ضيف على الهوا

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

ضيف على الهوا
قصّة قصيرة
بقلم -الروائي محمد فتحي المقداد
   جمح الخيال بي بعيدًا خارج الحدود المعقولة، تواردت أسراب من الأفكار المُتوهّمة، شعورٌ طاغٍ  سيطر عليّ ساعات بعد الاتّصال المُفاجئ من مُنسّقة البرامج في محّطة فضائيّة غير مشهورة عندي، لم أسمع بها من قبل؛ على الفور بحثت عن (الرّيموت كنترول)، خلال دقائق وجدتها.. وأثبّتُها على قائمة المفضّلات.
-"حضرتُك الأديب المعروف؟".
-"أنا بذاته. لكن كيف وصلت إلى رقم هاتفي".
-"في الحقيقة الفضل يعود (للفيسبوك)، بطريقة الصّدفة كنتُ أبحث عن مادّة من أجل التّحضير لبرنامجي، عن العُزلة في زمن الوباء، وهموم وقضايا النّاس اليوميّة خلال فترة الحظر، وبمساعدة (العم جوجل), ظهر لي اسمك، واطّلعتُ على كتاباتك في هذا المجال، فتواصلت مع صديق مُشترك بيننا، فكان حلّ مُعضلتي عنده".
-"مرحبًا بك سيّدتي.. على الرّحب والسّعة.. بكلّ سرور أعطيكِ مُوافقتي..!!".
   نبراتُ صوتها النديّ ما فارقتني أبدًا، مُخيّلتي راسمةً صورة افتراضيّة فائقة الجمال لوجهها، لتتطابق بذهني لوحةً مُشعّة نورًا، حذاقة أصحاب الإعلام باختيار نوعيّة الوجوه التي تُطلّ علينا على مدار السّاعة، تشاركنا حياتنا الدّاخليّة في البيوت، نشأت بيننا ألفة ننظر  برنامج المذيعة الصّبوحة الوجه.
أستعجلُ عقارب السّاعة أن تمضي بوتيرة سرعة مُضاعفة؛ الانتظار حرّقني لأكون أمام الملاك على الهواء مُباشرة عبر السّكايب. تزاحمتني الأفكار.. اختياري للبدلة التي سأظهر بها، طريقة تسريحة شعري (بالجلّ) أو على طبيعتها. أمام المرآة تسمّرتُ لأستبق  ملامح وجهي اطمئنانًا، اصطنعتُ أكثر من طريقة لابتسامتي تتناسب مع ظهوري الأوّل على وسيلة إعلاميّة، كنتُ أتمنّاه.. حتّى لو أظهر في (ريبورتاج) في سوق الخُضرة، أو مُمثّل (كومبارس).
-"يا إلهي.. أأنا في حلم أو علم..!! فُرصة جاءتني على طبق من ذَهَب، لن تضيع هذه المرّة كما ضاعت سابقتها قبل سنتيْن حينما انتهى شحن (الموبايل)، ما زلتُ أقضم أصابعي ندمًا كما (الكُسَعِيِّ).
   نصف ساعة تفصلنا عن بداية شارة البرنامج، تفقّدتُ لباسي وتلميع وجهي بالكريم الخاصّ استعرته من زوجتي؛ بعدما حلقتُ ذقني هذه المرّة أكثر من مرّة؛ للتأكّد من نعومتها غير العادية. ابني ساعدني في تجهيز (اللّابتوب) على الطّاولة، جاهزيّة كاملة، أعصابي مُتّوتّرة، كيف سيكون ظهوري الأوّل عبر فضائيّة..!!؟.
   ظهرت شارة البرنامج مصحوبة بموسيقا هادئة، ظهرت المذيعة الهرمة بوجهها غير المألوف عندي، ابتسامتها تخرجُ بصعوبة مُتزاحمة مع أكوام الأصباغ. قدّمتني على أنّني خبير استراتيجيّ بقضايا وباء الكورونا، لافتة إلى كتاباتي التي ناقشت العديد من قضايا الحظر، والحاثّة على الالتزام بالقرارات الصّادرة من الجهات المُختّصة، من أجل السّلامة والصّحة العامّة.
ختمت كلامها:
-"هذه الشخصيّة المُشرقة نموذج الالتزام، والتعريف بالمخاطر المُحتملة من خرق الحظر،  أشكرك ضيفنا الكريم، وسأنتقل للأستاذ المُشارك معنا في الأستوديو".
   هطول مطر بلّلني بعد اختفاء صورتي عن الشّاشة، وانصراف المُذيعة إلى ضيفها، استفقتُ على صوت صفّارة سيّارة الدّفاع المدنيّ قبل الشّروق بقليل. أسرعتُ لتبديل ملابسي قبل كلّ شيء.
-"تفاصيل فرحتي لم تكتمل حتّى في الحلم..!!".

عمّان –الأردنّ
17 \ 4 \ 2020

الخميس، 16 أبريل 2020

قراءة على نص ق. ق. ج

قراءة نقدية في نص (خنوع – ق.ق.ج)
بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

*مفاتيح النص جعلت منه نصًّا مكتمل أدوات الوضوح.
العنوان: (خنوع): يُفهم منه التسلّط من شخص قوي، ربّما حاكم أو مدير أو زوج.. أو غير ذلك، وفي المقابل كان هناك طرف ضعيف وقع عليه الظلم، ولم يستطع مواجهته.
*(واربوه لها..): المواربة بدرجة انحراف عن الاستقامة بدرجات، ومن المجاز المواربة، تكون للتعمية والتمويه على أمر ما، بغرض التدليس، وحرف الرؤية باتّجاه آخر، وبما أن الضمير (لها) فالطرف هنا أنثى.
*(ما إن وصلته) الوصول إلى نقطة معينة، بفضائها المكاني، لزوم الوصول الزّمن المستغرق، وكذلك الحركة إما سريعة أو متراخية. والزمن هنا فضاء زمانيّ.
*(حتّى تراجعت إلى الخلف): مثلما الوصول احتاج الزّمن، كذلك هنا التراجع، يبدو من صيغة الجملة، أنّه جاء فوريًّا للصدمة غير المتوقّعة، والخوف من تبعات تؤدي إلى ما يحمد عقباه، أي بزمن قصير. ومثلما الوصول احتاج للحركة، كذلك التراجع بحاجة لحركة مثلما. والتراجع إلى الخلف، وهنا كذلك فضاء زمانيّ، حصل بحركة.
*(استمرّت): وماذا يعني الاستمرار غير تواصل الحركة، التي بدونها حتمًا لن تقوم قائمة للنص، فتنكسر إحدى قوائمه الحاملة لإبداعه، بمفارقة الاستمرار مع التراجع بعد الصدمة والخوف، وإعادة تقييم الحساب، ومواصلة الحدت بلا انقطاع.
*(تعدّ الدّرجات السّلم): العدّ و التعداد يحتاج حركة اللسان المرتبطة عقلًا، بتسلسل منطقي لإحصاء الدّرجات. و(السُّلّم) حجم يستلزم مكانًا يحتويه، وهو بذلك فضاء مكاني، متوافق مع لزوم العدّ لزمان يحتويه. وجاءت كلمة(تعدّ) بصيغتها المُضارعيّة لتعطي الزمن المستمرّ لفترة طويلة نسبيًّا.
*(صعودًا وهبوطًا): الصعود نقيض الهبوط، وكلاهما في مكان، لا يمكن أن يكونا في الفراغ، وبعد كل صعود حتمًا هبوط، حركة وحتميّة التّاريخ؛ تحكي هذا. وكلاهما (الصعود والهبوط) بحاجة الفضاء الزمانيّ.
*(حتّى هلكت): يبدو أنّها غير السّعيدة جاءت بالهلاك وهو الموت، الذي أنهى فترة زمنية من الحياة التي كانت مغلفة بمكان وزمان، إلى زمن برزخيّ وهو فضاء، والقبر المستقرّ الأخير لمن هلك. أعتقد أنّه فضاء مكاني.
وكانت الحركة الداخليّة للنص واضحة للعيان من خلال الكلمات الدّالة على ذلك، وهو ما أعطى النصّ قدرة كبيرة على إمتاع القارئ, رغم رشاقته بقصر ألفاظه. وجُمله القصيرة التي جاءت بأفعال ماضية ؛ إلّا كلمة (تعدّ) المضارعة كأن كلمة (استمرّت) شفعت لها لتكون وحيدة بصيغتها المختلفة، غير أنّها لم تُشكّل عبئًا تتخربط فيه تقنية النص السرديّة.
*التقابلات الثنائية الضدية: (خنوع+ هلاك) و(وصلت+ تراجعت) و (صعود+ هبوط). وجاء الاستمرار في الحركة الدّؤوبة المنبهة بأن هناك حدث ما.
وبالرجوع لدلالة العنوان (خنوع)، وخاتمته بكلمة (هلكت) تتبدّى مسيرة من المعاناة والظلم، لإنسانة لم يكن لها من القدرة على المواجهة، فبقيت تعدّ الصعود والهبوط. وأسدلت السّتارة على مشهديّة تراجيديّة ختمت النص.
عندما توقّفت أمام النصّ للمرّة الأولى، وفي الإعادة تأمّلًا في الثانية، وفي الثالثة كشف السّتار عن إبداعية النص، الممتّد على مساحة حياة لإنسانة معذّبة.
______
(خنوع): بقلم - سارة الأزوري/ السعودية
  "واربوه لها.. ما إن وصلته؛ حتّى تراجعت للخلف.. واستمرت تعدّ درجات السُّلّم صعودًا وهبوطًا؛ حتّى هلكت".

عمّان – الأردن
14 \ 4\ 2020

كاسندرا

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

كاسندرا
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   تآكلت آثار النّاس على دروب هذه المدينة العامرة بعد إطلاق صفّارة الإنذار؛ فهل انشّقت الأرض عنهم.. وابتلعتهم في مثل ساعات الذّروة؟. على مدار أيّام أفتقدُ الضّجيج، قبل ذلك كنتُ أتمنّى توقّفه للحظات من اللّيل؛ لأنعم بنوم هادئ ترتاح فيه أعصابي المُرهقة على الدوام. هل المدينة كرهتنا..!!  عاقبتنا؛ فحرمتنا جميع مرافقها..!!؟.
   رَهَبُوتُ المقابر المُظلمة نشر أوشحته على المكان، كأنّ الأموات توازعوها آخِذًا كلّ حصّته منها وذهب. عبر النّافذة تسترسل نظراتي بعيدًا في اللّا شيء المجهول. خِلْتُ لحظتي هذه مُتدثّرة بالموت الأسود في عينيّ.  ظنونٌ تساورني بفرحة الطّريق من عابره، من أثقالهم وأحمالهم.. من صراخهم وزعيقهم.. كآبة اللّصوص بتعطّل نشاطاتهم. البيوت يحرسها أهلها. دوريّات الشّرطة لا تترك زاوية، ولا مُفترقًا إلّا آخذين موقعهم فيه. سيّاراتهم تجوب الأنحاء بحثًا عن مخالفي الأوامر. 
   بساط الذكريات يأخذني على متن أثيره، إلى ما قبل بداية الألفيّة الثانية بسنوات، أيّام موضة المسلسلات المكسيكيّة، هوَسٌ غير طبيعيّ اجتاح المُجتمع بمعظم فئاته العمريّ. خلوّ الشّوارع أمر لفتَ انتباهي آنذاك. ما الذي يحدُث يا جماعة الخير، قالوا:
-"كاسندرا".
-"ومن هذه الكاسندرا؟".
   اكتسبت شعبيّة طاغية، مُنافسة للمسلسلات البدويّة الأقدم (رأس غليص -ووضحة وابن عجلان)، هذا الأشهر التي تعلقّت بها قلوبنا، بفارغ الصّبر كنّا ننتظر  موعد البثّ، أيّامها كان التلفزيون بالأسود والأبيض، وليس من العيب أن يذهب الجيران وأهل الحارة، لمن كان عندهم هذا الجهاز السّحري بكلّ أريحيّة ببساطة وبلا تعقيد، الذي غيّر أنماط حياتنا، كان ثورة اجتماعيّة حقيقيّة. تعادل ثورة تقنيّات الموبايلات مع مطلع القرن الواحد والعشرين.
   من المُضحك المُبكي اختلاف مواعيد السّفر المقرّرة والمؤكّدة، بعد انتهاء إجازتي السنويّة أثناء عملي في (أبو ظبي)، تزامنت مع عودة المُدرّسين في آخر الشّهر الثّامن إلى وظائفهم على نفس الرّحلة، وافتتاح معرض دمشق. لأمر تقنيّ خارج عن سيطرة مكتب السّفريّات في درعا، طال انتظارنا من العاشرة صباحًا إلى الحادية عشر ليلًا حتى انطلقنا.
   كثرة التُساؤلات الضّجرة، تآكل صبر المسافرين جميعًا.. التأفّف لا ينفعنا، خيارنا الصّبر ، في لحظة أضحكتنا رغم مرارة قهرنا، وتعب أجسامنا غير الطبيعيّ. أحد المُدرّسين سائلًا موظّف المكتب قبل الرابعة عصرًا:
-"متى سيأتي الباص..!!؟".
-"أخبرونا أن الباص انطلق من دمشق إلينا".
-"يعني إذا ذهبنا وحضرنا كاسندرا، ورجعنا يكون قد وصل!!؟".
   انقلبت الحالة إلى نشوة عارمة استفقنا على كلام ولغط عمّ صالة المكتب الواسعة وخارجها، موضة التلفزيونات في المكاتب المحلّات لم تن قد انتشرت وقتها.
شاب هناك في طرف الطرف المُقابل، تنحنح بصوت عالٍ، نبّهنا إليه، قال:
-"سأخبركم أنّه في أحد  القُرى - تباعد الوقت أنساني اسمها-الجنازة تركوها في المسجد، وحدّد المؤّذن الموعد الصّلاة عليها، بعد انتهاء كاسندرا".
   تبدّد السّأم والملل، بانطلاقنا في حكايا لم تكُن لتخطر على بالنا. أحاديث جانبيّة ألهتنا ساعة من الزّمن. ونعود نجترّ إرهاقنا حتّى مجيء الحافلة.  صفّارة الإنذار في السّادسة مساء من كلّ يوم، صارت تسترعي انتباهي لمعاينة السّاعة لابتداء منع الخروج، ولزوم البيوت؛ تستعيدني إلى بداية الحرب في سوريّة 2011. الشّوارع في بصرى بعد كانت تخلو من العابرين. انتشار الخوف على نطاقات واسعة، انقطاع الكهرباء أرجعنا إلى العصور الحجريّة. فلا وسائل تسلية أبدًا، استحالت التلفزيونات والموبايلات والهواتف الأرضيّة أدوات لا حياة فيها، مثل أموات فارقت أجسادهم الأرواح. تنقلب المدينة ليلًا إلى ساحة رعب مرتعًا للأشباح.
في إربد. فارغة إلّا من أعمدة الشّوارع تنير الطّرقات، وصفير سيّارات الدّفاع المدني أو النّجدة، يُرسل لي رسالة اطمئنان أنّ شيئًا هناك في الخارج يتحرّك، أو ضجيج سيّارة يمتلك سائقها تصريح خروج.
   حصار مُرفّه بأدواته مع الأنترنت، شعوري الدّائم بضيق يكتم أنفاسي، حركاتي محدودة، خدر مفاصلي أمام الحاسوب الشّخصيّ لساعات ما بعد منتصف اللّيل، اختلال مواعيد النّوم والطعام والخروج إلى الحمّام. آخر عهدي بالموبايل قبل النّوم، وأوّل عناق لي معه بتفتّح عينيّ في الصّباح.

عمّان - الأردنّ
15 \ 4 \ 2020

تأملات قرآنية