الخميس، 23 أبريل 2020

اليويو

(أدب العزلة في زمن الكورونا)
اليويو
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد
   يا لطفولة لم أعشها..!! خُلقت هكذا لا أدري على وجه الدّقة؛ ما هي أوّل كلمة نطقتُها؛ لكن من خلال إحساسي العميق: "ماما.. بابا"، حالة نسيان رهيب استفقتُ منها في الصفّ الأوّل على المُعلّم وكتاب القراءة، من جديد.. استعدتُ ذاكرتي لأكتب أوّل كلمة في حياتي: "ماما.. بابا". 
   لم يكن عندي كيس أو كرتونة للألعاب مليئة بالألعاب المختلفة؛ لأحتار بأيّ منها ألهو، أو أُحطّم أكثرها في حالة غضب ممزوجة بالملل السّريع منها، درّاجة ذات الثلاثة دواليب بمقعدها الخشبيً القاسي، لونها الأحمر شوّه ذاكرتي، ووَسَمها تشاؤمًا منها، وأضاع عليّ متعة مُراقبة قوس قُزح، ومحاولة قيادتي لها الفاشلة بين الأحجار الناتئة كرؤوس الشّياطين في ساحة بيتنا الترابيّة، وخارج البيت الأزقّة والطّرق لم تكن مُعبّدة بالزّفت الأسود بتوقيت بُصرى آنذاك. 
إلى الآن لم أُدرك ميلي الشديد لعود الثقّاب برأسه الأحمر المُدبّب الصّغير؛ المُغري بإشعال الحرائق للورق ومخلّفات الأشياء. تخويف شديد من النّار بألسنتها التي لا ترحم. وانتهت صلاة عيد الأضحى لأدخل في حالة بُكاء وفقدان حذائي البلاستيكيّ بلونه الأحمر.. يا لتعاستي.. البِشرُ يرسم خطوط على وجوههم، وهم خارجون من بُوابة الجامع، عبارات متبادلة بالتهاني والأمنيات، ودموعي لم تتوقّّف، تُعاند حيرتي الحزينة، وأنا أبحث مع بعض الذين يكبرونني بسنوات، كنتُ جازمًا أن لا طفل آخر في القرية كلّها يمتلكُ هذا اللّون؛ لأنّ أبي أحضره من الشّام على حدّ زعمي. وصلتُ البيت حافيًا خائبًا من يومها فقدتُ إحساس فرحة في العيد.
   نوبة شرودي بعيدة في مجاهل طفولة بعيدة من هنا بمسافة نصف قرن، ضجيج الأولاد ومناكفاتهم المُتأجّجة على مدار السّاعة، حُرموا كما حُرمت الخروج من البيت، التزامًا بالحظر المفروض علينا خوفًا من الوباء كورونا الخطير.
   أنا في وادٍ آخر أخذني طوفانه الرّبيعيّ في مثل هذه الأيّام التي أعيشها الآن داخل البيْت، اجترار القديم المُحبّب إليّ. خجلي يمنعني من الكلام مع أبنائي؛ لاستغرابهم..!! كلّما يسألونني عن صغري، وضحكاتهم الواخزة قلبي على حرمان معظم أبناء جيل ذاك الوقت، وما بعده من رفاهيّة امتلاك الألعاب الغالية.
   الوقتُ يمرّ بطيئًا.. ديمومة الموبايل بين يديّ ملّلتني. كثرة البحلقة في شاشته أتعبت عينيّ، أعود للكتاب، والتلفزيون، ومداعبة الأولاد اللّاهين في مشاريعهم اللامتناهية، وابتعادهم عن عالمنا في البيت.
   أغرتني لعبة جديدة للمرّة الأولى في حياتي تقع بين يديّ، سمعتُ كثيرًا في سنوات سابقة  كلمة (اليويو) تتردّد على ألسنة الأولاد. فُقداني رغبة السّؤال عنها ظنًّا منّي، وما هذا الشيء الذي سأضيفه لموسوعة معارفي؟. غرابة الاسم أشعرتني يومها بتفاهته.
   اليوم غيّرتُ رأيي عندما عثرت قدمي بخيط غليظ، مربوط ببكرة كادت إسقاطي أرضًا، والنتيجة معلومة سلفًا على الأقلّ رضّ السّاق، أو الكتف، وملازمة الفراش، والمُداومة على المُسكّنات ؛لإسكات الآلام المُبرحة المانعة من النّوم ليلًا، والرّاحة وحريّة الحركة نهارًا.
   صراخي ملأ البيت، مما أخرَجَ الأولاد من عوالم انسجامهم مع ألعابهم المُحبّبة إليهم، عدا لعبة (ببجي)، التي أجبرت ابني على حذفها قسرًا، ومنعته من تنزيلها ثانية، إلى أن أخبرني بأنّه سيبيعها بمبلغ معقول سيساعدني به؛ لتجاوز عقبة مصروف العائلة المُثقل لي فترة توقّفي عن العمل، دهشتي مما أخبرني به أزالت غضبي من (اليويو).
   بدأت أولى تجاربي عليه، إغراء غير طبيعيّ، ساعات أمضيتُها بعدما أتقنتُ فنّها؛ بتوازن ارتفاع اليد مع اهتزازاتها؛ كموج البحر الخفيف المتوّتر، مما يُسرّع حركة دوران دولاب اليويو الجميل. ضاعت سُخرية زوجتي إهمالًا مع انسجامي التامّ، مثل ذاك اليوم  قبل نهاية الألفيّة الثانية بشرائي لعبة (الأتاري)؛ عند عودتي من (أبو ظبي) بإجازة الصّيف.
   ساعات طويلة أجلسُ اللّعب ببرنامج الطّائرات بمراحله العديدة بمستوياتها، مرّات قليلة وصلت فيه للنهائي. انسجامي لفت انتباهها، جلَستْ للمرّة الأولى تُراقبني، رغبة التّجريب بإلحاح قادتها لمُجالستي ساعات، نسيت تساؤلاتها قبل ذلك:
-"لماذا اشتريتها..!! لسنا بحاجة لها.. عندنا أوليّات غيرها؟".
-"من أجل الصبيّ..!! ابننا الوحيد آنذاك".
-"مازال صغيرًا لا يُدرك معنى اللّعبة، ولا يستطيع التعامل معها، لو أجّلتها حتّى يكبُر قليلًا..!!".
-"ها نحن نلعبُ بها.. وعندما يكبُر نعطيها له".
   مهارة اللّعب بالأصابع، بداية كانت على تمرين الوُسطى؛ لتجاوز ألم خفيف في مفصلها يمنعني من طيّها للآخر. منذ ذاك اليوم عندما أشرتُ بحركتها المفهومة تلك لأمر ما..!!، جلستُ مُستندًا للجدار، تداخلت أصابع الكّفيْن بتشابك، وتدوير الإبهاميْن بحركة لولبيّة للأمام تارة، وتبديلها معاكسة للخلف، جعلتني أتذكّر زميلي الطّالب في الصفّ التّاسع، وهو يقف أمام الطلّاب بانتظار فراغ الأستاذ من الاستماع لإجابات من حفظوا الدّرس.
    انبته الأستاذ لحركة أصابعه المماثلة لي الآن، وسأله:
-"ألا تعرف غير هذه..!!؟".
السّؤال خفّف من توتّره؛ ظنًّا منه بنجاته من العقاب الجسديّ؛ لتقصيره في واجبه، فأجاب بجديّة:
-"نعم أستاذ، أعرفُ أيضًا بهذا الشّكل".
   وبدأ بلفّ إبهاميْه عكس الحركة الأولى. كتمنا ضحكنا، ومازال مكتومًا في صدري إلى الآن؛ فالعصا بيد الأستاذ لا ترحم، لمن يخرج عن مسار الدّرس، أو يُحاول.
  إزهاق الوقت مُهمّة عملٌ شاقّ؛ صعّبت عليّ تعبئة وقتي بأشياء جديدة، جرّبتُ وجرّبتُ، راودتني لعبة (البَبْجي)، وما سمعتُ عنها، موقفي الجازم من ابني حازم، ومنعه منها؛ أخذني للتفكير بتجريب اللّعب فيها بعد نومهم، لكنّني أستسلم للنّوم بلا مُقاومة، وهم مازالوا يقظين. وفي النّهار لا يذهبون إلى المدارس، وصاروا مثل بلاد الأجانب يتعلّمون عن بُعد.

عمّان – الأردنّ
23 \4 \ 2020

هلوسات الحظر

(أدب العزلة زمن الكورونا)

هلوسات الحظر
قصة قصيرة
بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   بيادر الحرمان تمتلئ ساحاتها بأكداس الهموم..، ولا تنقضي..!!. تتقلّص الحياة شيئًا فشيئًا، وتنحسر الفضاءات الرّحبة إلى الغرفة والبيت فقط، تضيق الرُّؤية خلف الجدران، وحمايات النوافذ الحديديّة والبلّلور.
  تتماهي صور الورود المتمايلة مع نسائم المساء العليل، وروائحها في ذهني مع رائحة رشّة العطر من القارورة. حرمان لم أكن لأحلم به في حياتي أبدًا.
   النّور الوهّاج ليلًا يبدو مُعتمًا، لا أمل أين يكون القمر  مَغزًى لنظراتي وتأمّلاتي، كانت تتجسّد الحبيبة سُكناها في القمر، يتطابق وجهها مع قرصه المُستدير  يبثّ سحره الأخّاذ في روحي، فيستديم تعلّق نظراتي. السّكون البهيّ الذي أنتظره على الدّوام؛ انقلب ليلًا طويلًا؛ كأنّما توقّفت فيه عقارب السّاعة عنادًا، بطيئة تسير الهُويْنى غير آبهة بحالي أبدًا، تروقني فكرة تحطيم السّاعة والاستراحة من عناء مُراقبتها، وهي لا تستجيب لمطلبي الوحيد منها زيادة سُرعتها..!!.
عدلتُ عن الفكرة لضبط مواعيدي مُستقبلًا. تُداهمني جيوش التساؤلات:
"منذ وعيتُ أخبروني عن المُستقبل، في المدرسة قرأت عنه، خدمتُ واجبي للوطن سنتين ونصف، ضاعوا من المستقبل، وإن كنتُ أظنّ أنّني قدّمتُ قُربانًا، بعد خمسة عقود أسعى بحثًا جاهدًا عن معالم المستقبل.. يا لهفتي.. كم كنتُ مغفّلًا.. حين بلعتُ الطُّعْم مقتنعًا.. اقرأ واجتهد؛ لتكون شيئًا في المستقبل. سافرتُ اغترابًا لسنوات ما بين شرق وغرب.. وما زال حلم الغفلة يستحوذني.. تزوّجت وأنجبت وربّيْتُ وصاروا رجالًا.. تركوني وراحوا منطلقين من النقطة التي ابتدأت منها في رحلة تُشابه رحلة بحثي.. نفسي لم تُطاوعني إخبارهم بالنّتيجة السّراب الذي ركضتُ إليه، ولم أصِلهُ..!!".
لا أدري على وجه الدّقّة..!! هل سيصلون هم..!! هل المُشكلة تكمن عندي..!! أين العُطل..!!؟.
   إذا استطعتُ مُجدّدا حلّ هذه الألغاز أتوقّع أنّني استطعت وضع إجابة واحدة منها أمام جيوش الأسئلة المنهمرة مدرارة كالمطر، لأقهر ظنوني، ولو لمرّة  واحدة في الحياة؛ فتموت آخر الشّكوك في قلبي.
فكّروني.. وأمّ كلثوم تُحاول  إخراجي بعيدًا إلى آفاق خارج الغرفة. أستفيقُ على حالي، وما زلتُ مُرابطًا أمام جهاز حاسوبي أستجدي الكلمات؛ استجابة لتدوين صفحة واحدة، فقط كجزء من سجلٍّ طويل مليء بالخيبات التي حطّمت كلّ تفاؤل، واستمطرت سوداويّة متآلفة مع كآبة الحظر والوحدة، أظنّ أنّني بعد انتهاء الحظر بحاجة لمراجعة طبيب نفسي من داء التوحّد.
كلمة سمعتها من جارتنا أثناء حديثها عن ابنها الصّغير مع زوجتي في جلسة تزاور ،خرقتا فيه الحظر، خروجًا من السّأم والملل.. لا.. لا أظنّ أنّهما خرقتا الحظر.. تذكّرتُ أنّه كان خلال فترة السّماح من العاشرة صباحًا إلى السادسة مساء، أنّه يُعاني من التوحّد، لم يمرّ الموضوع بذهني مرور السّلام، فكان (العمّ جوجل) ينتظرني بلا ملل ولا كلل بالإجابة عن جميع ما دار بذهني، تشابه عُزلتي مع حالة ابن جارتنا، أخافتني أن أكون مُصابًا بمتلازمة (داون) وأنا لا أدري.

عمّان – الأردنّ
21 \ 4 \ 2020

ضيف على الهوا

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

ضيف على الهوا
قصّة قصيرة
بقلم -الروائي محمد فتحي المقداد
   جمح الخيال بي بعيدًا خارج الحدود المعقولة، تواردت أسراب من الأفكار المُتوهّمة، شعورٌ طاغٍ  سيطر عليّ ساعات بعد الاتّصال المُفاجئ من مُنسّقة البرامج في محّطة فضائيّة غير مشهورة عندي، لم أسمع بها من قبل؛ على الفور بحثت عن (الرّيموت كنترول)، خلال دقائق وجدتها.. وأثبّتُها على قائمة المفضّلات.
-"حضرتُك الأديب المعروف؟".
-"أنا بذاته. لكن كيف وصلت إلى رقم هاتفي".
-"في الحقيقة الفضل يعود (للفيسبوك)، بطريقة الصّدفة كنتُ أبحث عن مادّة من أجل التّحضير لبرنامجي، عن العُزلة في زمن الوباء، وهموم وقضايا النّاس اليوميّة خلال فترة الحظر، وبمساعدة (العم جوجل), ظهر لي اسمك، واطّلعتُ على كتاباتك في هذا المجال، فتواصلت مع صديق مُشترك بيننا، فكان حلّ مُعضلتي عنده".
-"مرحبًا بك سيّدتي.. على الرّحب والسّعة.. بكلّ سرور أعطيكِ مُوافقتي..!!".
   نبراتُ صوتها النديّ ما فارقتني أبدًا، مُخيّلتي راسمةً صورة افتراضيّة فائقة الجمال لوجهها، لتتطابق بذهني لوحةً مُشعّة نورًا، حذاقة أصحاب الإعلام باختيار نوعيّة الوجوه التي تُطلّ علينا على مدار السّاعة، تشاركنا حياتنا الدّاخليّة في البيوت، نشأت بيننا ألفة ننظر  برنامج المذيعة الصّبوحة الوجه.
أستعجلُ عقارب السّاعة أن تمضي بوتيرة سرعة مُضاعفة؛ الانتظار حرّقني لأكون أمام الملاك على الهواء مُباشرة عبر السّكايب. تزاحمتني الأفكار.. اختياري للبدلة التي سأظهر بها، طريقة تسريحة شعري (بالجلّ) أو على طبيعتها. أمام المرآة تسمّرتُ لأستبق  ملامح وجهي اطمئنانًا، اصطنعتُ أكثر من طريقة لابتسامتي تتناسب مع ظهوري الأوّل على وسيلة إعلاميّة، كنتُ أتمنّاه.. حتّى لو أظهر في (ريبورتاج) في سوق الخُضرة، أو مُمثّل (كومبارس).
-"يا إلهي.. أأنا في حلم أو علم..!! فُرصة جاءتني على طبق من ذَهَب، لن تضيع هذه المرّة كما ضاعت سابقتها قبل سنتيْن حينما انتهى شحن (الموبايل)، ما زلتُ أقضم أصابعي ندمًا كما (الكُسَعِيِّ).
   نصف ساعة تفصلنا عن بداية شارة البرنامج، تفقّدتُ لباسي وتلميع وجهي بالكريم الخاصّ استعرته من زوجتي؛ بعدما حلقتُ ذقني هذه المرّة أكثر من مرّة؛ للتأكّد من نعومتها غير العادية. ابني ساعدني في تجهيز (اللّابتوب) على الطّاولة، جاهزيّة كاملة، أعصابي مُتّوتّرة، كيف سيكون ظهوري الأوّل عبر فضائيّة..!!؟.
   ظهرت شارة البرنامج مصحوبة بموسيقا هادئة، ظهرت المذيعة الهرمة بوجهها غير المألوف عندي، ابتسامتها تخرجُ بصعوبة مُتزاحمة مع أكوام الأصباغ. قدّمتني على أنّني خبير استراتيجيّ بقضايا وباء الكورونا، لافتة إلى كتاباتي التي ناقشت العديد من قضايا الحظر، والحاثّة على الالتزام بالقرارات الصّادرة من الجهات المُختّصة، من أجل السّلامة والصّحة العامّة.
ختمت كلامها:
-"هذه الشخصيّة المُشرقة نموذج الالتزام، والتعريف بالمخاطر المُحتملة من خرق الحظر،  أشكرك ضيفنا الكريم، وسأنتقل للأستاذ المُشارك معنا في الأستوديو".
   هطول مطر بلّلني بعد اختفاء صورتي عن الشّاشة، وانصراف المُذيعة إلى ضيفها، استفقتُ على صوت صفّارة سيّارة الدّفاع المدنيّ قبل الشّروق بقليل. أسرعتُ لتبديل ملابسي قبل كلّ شيء.
-"تفاصيل فرحتي لم تكتمل حتّى في الحلم..!!".

عمّان –الأردنّ
17 \ 4 \ 2020

الخميس، 16 أبريل 2020

قراءة على نص ق. ق. ج

قراءة نقدية في نص (خنوع – ق.ق.ج)
بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

*مفاتيح النص جعلت منه نصًّا مكتمل أدوات الوضوح.
العنوان: (خنوع): يُفهم منه التسلّط من شخص قوي، ربّما حاكم أو مدير أو زوج.. أو غير ذلك، وفي المقابل كان هناك طرف ضعيف وقع عليه الظلم، ولم يستطع مواجهته.
*(واربوه لها..): المواربة بدرجة انحراف عن الاستقامة بدرجات، ومن المجاز المواربة، تكون للتعمية والتمويه على أمر ما، بغرض التدليس، وحرف الرؤية باتّجاه آخر، وبما أن الضمير (لها) فالطرف هنا أنثى.
*(ما إن وصلته) الوصول إلى نقطة معينة، بفضائها المكاني، لزوم الوصول الزّمن المستغرق، وكذلك الحركة إما سريعة أو متراخية. والزمن هنا فضاء زمانيّ.
*(حتّى تراجعت إلى الخلف): مثلما الوصول احتاج الزّمن، كذلك هنا التراجع، يبدو من صيغة الجملة، أنّه جاء فوريًّا للصدمة غير المتوقّعة، والخوف من تبعات تؤدي إلى ما يحمد عقباه، أي بزمن قصير. ومثلما الوصول احتاج للحركة، كذلك التراجع بحاجة لحركة مثلما. والتراجع إلى الخلف، وهنا كذلك فضاء زمانيّ، حصل بحركة.
*(استمرّت): وماذا يعني الاستمرار غير تواصل الحركة، التي بدونها حتمًا لن تقوم قائمة للنص، فتنكسر إحدى قوائمه الحاملة لإبداعه، بمفارقة الاستمرار مع التراجع بعد الصدمة والخوف، وإعادة تقييم الحساب، ومواصلة الحدت بلا انقطاع.
*(تعدّ الدّرجات السّلم): العدّ و التعداد يحتاج حركة اللسان المرتبطة عقلًا، بتسلسل منطقي لإحصاء الدّرجات. و(السُّلّم) حجم يستلزم مكانًا يحتويه، وهو بذلك فضاء مكاني، متوافق مع لزوم العدّ لزمان يحتويه. وجاءت كلمة(تعدّ) بصيغتها المُضارعيّة لتعطي الزمن المستمرّ لفترة طويلة نسبيًّا.
*(صعودًا وهبوطًا): الصعود نقيض الهبوط، وكلاهما في مكان، لا يمكن أن يكونا في الفراغ، وبعد كل صعود حتمًا هبوط، حركة وحتميّة التّاريخ؛ تحكي هذا. وكلاهما (الصعود والهبوط) بحاجة الفضاء الزمانيّ.
*(حتّى هلكت): يبدو أنّها غير السّعيدة جاءت بالهلاك وهو الموت، الذي أنهى فترة زمنية من الحياة التي كانت مغلفة بمكان وزمان، إلى زمن برزخيّ وهو فضاء، والقبر المستقرّ الأخير لمن هلك. أعتقد أنّه فضاء مكاني.
وكانت الحركة الداخليّة للنص واضحة للعيان من خلال الكلمات الدّالة على ذلك، وهو ما أعطى النصّ قدرة كبيرة على إمتاع القارئ, رغم رشاقته بقصر ألفاظه. وجُمله القصيرة التي جاءت بأفعال ماضية ؛ إلّا كلمة (تعدّ) المضارعة كأن كلمة (استمرّت) شفعت لها لتكون وحيدة بصيغتها المختلفة، غير أنّها لم تُشكّل عبئًا تتخربط فيه تقنية النص السرديّة.
*التقابلات الثنائية الضدية: (خنوع+ هلاك) و(وصلت+ تراجعت) و (صعود+ هبوط). وجاء الاستمرار في الحركة الدّؤوبة المنبهة بأن هناك حدث ما.
وبالرجوع لدلالة العنوان (خنوع)، وخاتمته بكلمة (هلكت) تتبدّى مسيرة من المعاناة والظلم، لإنسانة لم يكن لها من القدرة على المواجهة، فبقيت تعدّ الصعود والهبوط. وأسدلت السّتارة على مشهديّة تراجيديّة ختمت النص.
عندما توقّفت أمام النصّ للمرّة الأولى، وفي الإعادة تأمّلًا في الثانية، وفي الثالثة كشف السّتار عن إبداعية النص، الممتّد على مساحة حياة لإنسانة معذّبة.
______
(خنوع): بقلم - سارة الأزوري/ السعودية
  "واربوه لها.. ما إن وصلته؛ حتّى تراجعت للخلف.. واستمرت تعدّ درجات السُّلّم صعودًا وهبوطًا؛ حتّى هلكت".

عمّان – الأردن
14 \ 4\ 2020

كاسندرا

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

كاسندرا
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   تآكلت آثار النّاس على دروب هذه المدينة العامرة بعد إطلاق صفّارة الإنذار؛ فهل انشّقت الأرض عنهم.. وابتلعتهم في مثل ساعات الذّروة؟. على مدار أيّام أفتقدُ الضّجيج، قبل ذلك كنتُ أتمنّى توقّفه للحظات من اللّيل؛ لأنعم بنوم هادئ ترتاح فيه أعصابي المُرهقة على الدوام. هل المدينة كرهتنا..!!  عاقبتنا؛ فحرمتنا جميع مرافقها..!!؟.
   رَهَبُوتُ المقابر المُظلمة نشر أوشحته على المكان، كأنّ الأموات توازعوها آخِذًا كلّ حصّته منها وذهب. عبر النّافذة تسترسل نظراتي بعيدًا في اللّا شيء المجهول. خِلْتُ لحظتي هذه مُتدثّرة بالموت الأسود في عينيّ.  ظنونٌ تساورني بفرحة الطّريق من عابره، من أثقالهم وأحمالهم.. من صراخهم وزعيقهم.. كآبة اللّصوص بتعطّل نشاطاتهم. البيوت يحرسها أهلها. دوريّات الشّرطة لا تترك زاوية، ولا مُفترقًا إلّا آخذين موقعهم فيه. سيّاراتهم تجوب الأنحاء بحثًا عن مخالفي الأوامر. 
   بساط الذكريات يأخذني على متن أثيره، إلى ما قبل بداية الألفيّة الثانية بسنوات، أيّام موضة المسلسلات المكسيكيّة، هوَسٌ غير طبيعيّ اجتاح المُجتمع بمعظم فئاته العمريّ. خلوّ الشّوارع أمر لفتَ انتباهي آنذاك. ما الذي يحدُث يا جماعة الخير، قالوا:
-"كاسندرا".
-"ومن هذه الكاسندرا؟".
   اكتسبت شعبيّة طاغية، مُنافسة للمسلسلات البدويّة الأقدم (رأس غليص -ووضحة وابن عجلان)، هذا الأشهر التي تعلقّت بها قلوبنا، بفارغ الصّبر كنّا ننتظر  موعد البثّ، أيّامها كان التلفزيون بالأسود والأبيض، وليس من العيب أن يذهب الجيران وأهل الحارة، لمن كان عندهم هذا الجهاز السّحري بكلّ أريحيّة ببساطة وبلا تعقيد، الذي غيّر أنماط حياتنا، كان ثورة اجتماعيّة حقيقيّة. تعادل ثورة تقنيّات الموبايلات مع مطلع القرن الواحد والعشرين.
   من المُضحك المُبكي اختلاف مواعيد السّفر المقرّرة والمؤكّدة، بعد انتهاء إجازتي السنويّة أثناء عملي في (أبو ظبي)، تزامنت مع عودة المُدرّسين في آخر الشّهر الثّامن إلى وظائفهم على نفس الرّحلة، وافتتاح معرض دمشق. لأمر تقنيّ خارج عن سيطرة مكتب السّفريّات في درعا، طال انتظارنا من العاشرة صباحًا إلى الحادية عشر ليلًا حتى انطلقنا.
   كثرة التُساؤلات الضّجرة، تآكل صبر المسافرين جميعًا.. التأفّف لا ينفعنا، خيارنا الصّبر ، في لحظة أضحكتنا رغم مرارة قهرنا، وتعب أجسامنا غير الطبيعيّ. أحد المُدرّسين سائلًا موظّف المكتب قبل الرابعة عصرًا:
-"متى سيأتي الباص..!!؟".
-"أخبرونا أن الباص انطلق من دمشق إلينا".
-"يعني إذا ذهبنا وحضرنا كاسندرا، ورجعنا يكون قد وصل!!؟".
   انقلبت الحالة إلى نشوة عارمة استفقنا على كلام ولغط عمّ صالة المكتب الواسعة وخارجها، موضة التلفزيونات في المكاتب المحلّات لم تن قد انتشرت وقتها.
شاب هناك في طرف الطرف المُقابل، تنحنح بصوت عالٍ، نبّهنا إليه، قال:
-"سأخبركم أنّه في أحد  القُرى - تباعد الوقت أنساني اسمها-الجنازة تركوها في المسجد، وحدّد المؤّذن الموعد الصّلاة عليها، بعد انتهاء كاسندرا".
   تبدّد السّأم والملل، بانطلاقنا في حكايا لم تكُن لتخطر على بالنا. أحاديث جانبيّة ألهتنا ساعة من الزّمن. ونعود نجترّ إرهاقنا حتّى مجيء الحافلة.  صفّارة الإنذار في السّادسة مساء من كلّ يوم، صارت تسترعي انتباهي لمعاينة السّاعة لابتداء منع الخروج، ولزوم البيوت؛ تستعيدني إلى بداية الحرب في سوريّة 2011. الشّوارع في بصرى بعد كانت تخلو من العابرين. انتشار الخوف على نطاقات واسعة، انقطاع الكهرباء أرجعنا إلى العصور الحجريّة. فلا وسائل تسلية أبدًا، استحالت التلفزيونات والموبايلات والهواتف الأرضيّة أدوات لا حياة فيها، مثل أموات فارقت أجسادهم الأرواح. تنقلب المدينة ليلًا إلى ساحة رعب مرتعًا للأشباح.
في إربد. فارغة إلّا من أعمدة الشّوارع تنير الطّرقات، وصفير سيّارات الدّفاع المدني أو النّجدة، يُرسل لي رسالة اطمئنان أنّ شيئًا هناك في الخارج يتحرّك، أو ضجيج سيّارة يمتلك سائقها تصريح خروج.
   حصار مُرفّه بأدواته مع الأنترنت، شعوري الدّائم بضيق يكتم أنفاسي، حركاتي محدودة، خدر مفاصلي أمام الحاسوب الشّخصيّ لساعات ما بعد منتصف اللّيل، اختلال مواعيد النّوم والطعام والخروج إلى الحمّام. آخر عهدي بالموبايل قبل النّوم، وأوّل عناق لي معه بتفتّح عينيّ في الصّباح.

عمّان - الأردنّ
15 \ 4 \ 2020

الأحد، 12 أبريل 2020

التقابلات والثنائيات في رواية سماهر السيايدة

التقابلات والثنائيّات
في رواية (وقُتِلتُ مرّتين) للروائيّة (سماهر السّيايدة)

بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

(وقُتِلتُ مرّتيْن) عنوان صادم بدلالته المنطوية على الألم والخوف وضياع الأحلام وانسداد الأفق أمام انطلاقها إلى عوالم رحبة تتّسع للمزيد. 
بينما الحروب والصراعات أقوى بجبروت قوّتها من الأفراد وبعض المجموعات البشريّة، ليس لها إلا حكم واحد غالب ومغلوب، فشروط وقوانين الغالب يرفضها بلا قيود من قانون أو أخلاق أو دين. 
وعنوان الرواية جاء عتبة صالحة للعمل من الروائية (سماهر السيايدة)، تجاوزت بروايتها خارج حدود المملكة لتُسلّط الضوء على مُخرجات الحرب القذرة في إقليم مُلتهب كل ما فيه، وآثارها المُدمّرة لكلّ مُقوّمات الحياة بدقائق تفاصيلها؛ فالتهجير نتيجة طبيعيّة محتومة، والمآلات التي ستؤول حال المُهجّرين من ذُلّ التشريد والقهر وتعرّض بعض النساء للاغتصاب. 
***
شخصيات الرواية: 
- الطبيبة النفسيّة (شمس) وزوجها الأستاذ في الجامعة اللبنانيّة (جورج). 
- الخادمة السّنغاليّة (منيو سكليت). 
- ياسمين البنت اللاجئة السوريّة القادمة من مدينة حلب. 
- البنت (روز) القادمة من مدينة غزّة في فلسطين. 
- الطبيب المصري (سيف). 
- الطفلة (أمل) ابنة ياسمين، وهي نتاج حادثة اغتصاب. 
***
ابتدأت الرواية بافتتاحيّتها استهلالًا بأغنية (الأماكن) للمطرب (محمد عبده). هي الأماكن نسكنها وتسكننا، وترتحل فينا إذا ارتحلنا، فتلتهب الأشواق و تجرّنا مُرغمين بحبال الحنين، فتكون على الأقلّ أجمل بقاع الدنيا بما تحمل من ذكريات وأحلام وآمال زرعناها هناك، وربّما لا تعني للآخرين شيئًا. 
وجاء فضاء الرواية المكاني يحمل دلالات الإنسانية وهمومها والحرب والدمار والدموع والآهات والأحزان. 
***
التقابلات الثنائيّات:

جاءت واضحة المعالم في رواية (وقتلت مرتين) تمامًا بتكامليّة سردية تجلّت فيها الكاتبة ونسجت الحدث الروائي على حبالها. 
١- الوطن والمنفى، التهجير القتل، الدمار والتشريد، القوي والضعيف. 
٢- البيت في الوطن والخيمة في المخيّم في بلد اللجوء. 
٣- دفتر ياسمين الذي سلّمته لصديقتها (روز) كأمانة، وكان عبارة عن قصة الرواية بأكملها، حيث كانت الراوية الخفية (روز) عن لسان ياسمين عن لسان الكاتبة سماهر . 
ودفتر (سيف) الطبيب كتب فيه مذكّرات حكاها، واعترف بها لياسمين زوجته. 
بعدما دخلت ابنتها(أمل) وعبثت بمحتويات الدفتر.  ومنذ زواجهما كان قد حظر عليها دخول غرفته بتاتًا. 
٤- ياسمين مهجّرة قسرًا وصديقتها (روز) أيضًا مُهجّرة مثلها قسرًا، بينما الخادمة (منيو سكليت) مهاجرة بإرادتها بقصد اكتساب العيش. ثلاثتهن لهن وطن في مقيم في الذاكرة. 
٥- ياسمين تتشابه مع سيف، كلاهما حمل مأساة، وكلاهما بعيد عن وطنه، ولم الخيار خيارهما حتى في زواجهما الذي تمّ نظريّا ولم يكن عمليًًا أبدًا. 
٦- الجامعة كانت الإطار الذي لملم جزءًا من الحدث الروائي، بمقابل المشفى الذي أسجلت الستارة فيه على النهاية التراجيديّة للرواية. 
٧- أسرة ياسمين التي مات أفرادها بسبب الحرب. وأسرة الطبيب سيف التي بقي أفرادها على قيد الحياة، وممارسة الانحراف الأخلاقي بسبب الفقر. الحرب والفقر أيقونتا الدمار. 
٨- تشاركية المآسي، فلكل إنسان مأساته المفصّلة حجم صاحبها. 
٩- وقتلت مرّتين. دلالة العنوان لبطلة الرواية ياسمين. مرّة حينما اغتُصِبت. وأخرى حينما أحبّت. فكان الموت مزدوجًا. أحياء بلا قبور.
١٠- أسرة الطبية النفسية (شمس) وزوجها الأستاذ الجامعي (جورج)، هي الوعاء الذي استوعب أبطال الرواية، وكوّن لهم أسرة بديلة مليئة بالحنان والعطاء بلا مقابل. وبالتالي كانت المحور المُحرّك المُشوّق للحدث الروائي. 

عمّان- الأردن 
٣١ /٨ / 2019‪

مُرسل من هاتف Huawei الخاص بي

الجمعة، 10 أبريل 2020

دون كيشوت

(أدب العزلة ف زمن الكورونا)

دون كيشوت
قصة قصيرة

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد
   لا أرى تشبيهًا أليَقُ بصديق لا مُبالٍ أبدًا بأخبار الكورونا إلّا بـ(دون كيشوت)، ويعتبر ذلك من الكذب الذي تريد وكالات الأنباء، متآمرة مع القنوات الفضائيّات لتسويقه، وبثّ الرّعب في نفوسنا. لا ألومه أبدًا فيما ذهب إليه؛ فيما بعد ذلك أصبح الأمر أخطر ممّا يفوق التصّور، وانتقل الموضوع من مجرّد فيروس ضرب بعض مناطق الصّين، إلى ظاهرة وبائيّة؛ ضربت العالم شرقًا وغربًا بدوله الكُبرى والصّغرى بلا تفريق، الأمر الغريب وبعد أيّام أعادني الأمر إلى نظريّة المؤامرة في ذهن صديقي، الذي لا يمرّ عليه أيّ خبر أو قصّة إلّا من غربال المؤامرة الكونيّة علينا نحن العرب بالخُصوص.
   وصلني على الواتساب العديد من مقاطع الفيديو، يشير مُصمّموها فيها إلى مؤامرة غاز السّارين الذي ضربته أميركا في أفغانستان، وللجوار الجغرافي القريب من الصين حصل الضّرر لهم، وبعض التحليلات، ذهبت إلى أنّ الاستثمار الصيني في الوباء؛ فاشترت أسهم الشركات الاستثماريّة فيها بأسعار الفُجُل.  حتّى ذهبوا أكثر من ذلك بتساؤلات، أين ذهب الإرهاب، الذي توقّفت آليّاته على وقع الكورونا.
   صديقي، زاده الله بسطة في الجسم طولًا وعرضّا، ملامح رجولة نبطيّة نابضة بالحياة، سنوات العقود الخمسة والنصف، لم تزده إلّا إشراقًا في حياته، مُنعكسًا وضاءة قمر أبدر في منتصف كلّ شهر. يحيل أيّامنا بياضًا وصفاء روح ونفس. 
   عملي اليوميّ في الصّالون؛ يُملي عليّ مُتابعة المحطّات للتسلية في أغلب الوقت، ولإزاحة القلق والزهق من ساحات سجني في المحلّ طيلة النّهار. أحسدُ المساء.. ومن يُمضونه تأمّلًا واستنشاقًا لهواء نظيف يملؤون بهم صدورهم. وإذا كانا حبيبان.. تتلّهف نفسي إلى بداية زواجي قبل أربعة وثلاثين عامًا، أيدينا مُتشابكة تأبّطًا.. نغوص في هُيامنا بانسجام عميق في بحار الرومانسيّة، تأخذنا أفكارنا بعيدًا في متاهات لا عقلانيّة عن الحياة. 
  صديقي غير متابع إلّا الأخبار السياسيّة الموجعة للقلب المُتلفة للأعصاب، سجائره على مدار السّاعة بتواتر الأخبار المُتجدّدة، كنتُ أتمنّى أن أجد عنده أذّنًا صاغية لي، ولو لمرّة واحدة في السّنَة، هو في واد وأنا في آخر، تحذيراتي الجديّة له بالالتزام في بيته، ثارت ثائرته انفجارًا في وجهي، لم أكُن أتوقّعها:
-"وماذا تريد منّي، أن أحبس نفسي؛ لأموت اختناقًا، وليتوقّف قلبي قهرًا وكَمَدًا، يا رجل اتّق الله فيّ، فهمتُ عليك من المرّة الأولى، كلامك مُكرّر حفظتُ الكليشة والديباجة عن ظهر قلب، ولو أنّك معلّم مدرسة وأنا تلميذ عندك لحفظت درسك المُعاد كلّ يوم. لا أريد أن أقدّم امتحانًا عن الكورونا".
   صمتٌ الصدمة ترافق مع حرارة جوابه غير الُتوقّع. أفقدني القُدرة على الردّ عليه فورًا، خوفي على استمرار علاقتنا الممتدّة لسنوات، من السّهل أن أخسر صديقًا، لكن ليس أن أعثر على غيره. لم أتمالك نفسي، بِتَلْويم نفسي على حرصي الشّديد من أن يُصاب بسوء.
   الموقف أعادني لذلك الرّجل البّائس الإسباني، الذي تمثّل حالة أبطال وفرسانًا مغامرين يصنعون المعجزات، بقتال التنانين والعمالقة، ويحضون بتقبيل أيادي الأميرات، فأطلق على نفسه (دون كيشوت)، وراح يجوب قُرى الأرياف على ظهر حصانه مع صديق له.
   خياله الواسع صنع له العدوّ المُتوهّم في طواحين الهواء. النّاس لم ينتظروا حتّى تنتهي المهزلة، بل أدركوا مَكْمَن مُشكلته, اصطدموا بجنون العظمة المُتولّد لديه؛ فرسموا مخطّطهم لإعادته إلى سريره.
   في ساعة من ساعات العّزلة بعدما فُرضت رسميًّا، الخبر الذي ما كنتُ أودّ سماعه: "نقل صديقي إلى المشفى".  فهل غباء (دون كيشوت) انتقلت عدواه إليه؟.  وما فائدة إدراك (دون كيشوت) المُتأخّر، فكان بلا جدوى ما قام به؟.  فات الأوان..!! موت صديقي على  سريره.. ماثَلَ بطل الطّواحين بمثل نهايته.
   لم تُجد دموعي نفعًا، حزني عليه انضاف إلى قهري بموته وحيدًا، ولم أستطع إلقاء النظرة الأخيرة عليه. ولا واجب العزاء لأهله، إلّا عبر الواتساب. 
عمّان – الأردنّ
10 \ 4 \ 2020

تأملات قرآنية