الأحد، 8 مارس 2020

إضاءة على لوحة (النجمة) للفنان التشكيلي عماد المقداد



إضاءة على لوحة (النجمة)
للفنان التشكيلي عماد المقداد

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

للألوان واستخداماتها فلسفتها الخاصّة عند معظم الفنّانين التشيكليّين، لتشكيل ثقافة بصريّة لدى المتلقّي، ولإحداث صدمتة الدّاهشة من النظرة الأولى، آخِذةً به إلى عوالم بعيدة عن الواقع ساحرة بأفكارها؛ في محاولة لجرّه إلى رحاب اللّوحة؛ ليكون جزءًا من نسيجها وبُنيتها، وهي تكتسب شرعيّتها وألقها من فرط إعجابه، فتتكرّس في ذهنه بأنّها باهرة خالدة.
وعند عماد المقداد يتخّذ اللّون البنّي وتدرّجاته الترابيّة رؤية عميقة لبدء الخلق ونهايتهم، فمن أديم هذه الأرض نبتت هذه الأجساد، وإليها تعود لتفنى ملامحها الماديّة وهي تتّحلّل وتتفسّخ لتعود ترابًا وفق ترتيباته ذرّات صغيرة لا تكاد بعضها تُرى بالعين المجرّدة.
فكانت لوحة (النّجمة) مُتدرّجة بألوانها تقاربًا ما بين البُنيّ العديدة والأسود والأبيض. يتجلى الكون هنا بليله ونهاره، وهما يتعاقبان على أرضه العامرة بالإنسان ضمن نواميس أزليّة لا تحيد عن مُهمّتها التي خُلقت من أجلها لاستدامة الحياة عليها.
وتشكيلات خطوطها الأبرز هي: دائرة تتوسّط أعلى اللّوحة وفيها يتجلّى وجه كالقمر في ليلة بدره, لون العينان الأزرق بصغر حجم العين فقد احتلّ مساحة أزرق الكون أجمع (السماء و البحر)، وكأن الفنّان يرسم تشابيه علم البديع باللّون؛ فلم يكن للسماء والبحر وجود في اللوحة، بل استعاض عنهما بلون العينيّن.. ونُقاط بلا حروف كمرتكزات بنائيّة لفكرة الهجائية باحتوائها العلوم كافّة.. يا لها من ذاكرة مُستوطنة دواخل الفنّان عماد في لا وعيه..!!
والدائرة تشي في الأذن بأنها قرص الشمس، والقمر، بل الأشمل والأوضح بأنّها الكرة الأرضيّة تسبح في مداراتها الأشكال الهندسيّة المربّعات والمستطيلات والمثلثات وخطوط مستقيمة ومتوازية، وهناك أشكال موميائيّة متحجّرة على ذاتها، كأنّها مهمومة بوجودها القسري على وجه التراب أو تحته، والحاجة الأوضح هي ما يتّضح في أماكن من اللّوحة على أنّها خلايا النحل المعروف بجديّته في الحياة ضمن تجمّعات تكوينيّة دالّة على الجد والأمل والتفاؤل. وهي صفات الروائية عنان محروس المتأرجحة بين الجد والبساطة في حياتها.
فضاءات اللوحة كثيرة ربّما وصل للمتأمّل مثلي بعض ما أرادت أن يصل لي، وخفي عن إدراكي لما استعصى فيما وراء فكرتها، أدركتُ بعضًا من فضاء، وضاعت منّي عقدت فضاءات.
ملاحظة : (لوحة النجمة قدمها الفنان عماد المقداد للروائيّة عنان محروس في حفل إشهار روايتها خُلق إنسانًا في مركز الحسن الثقافي في مدينة عمّان ــا 30/3/ 2019)

الثلاثاء، 3 مارس 2020

فيروس كورونا (قصة قصيرة)

فيروس كورونا
(قصة قصيرة)

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد

وصلت الأمور إلى النهاية، ولا مجال للتراجع عمّا كنتُ أفكّر به.
اتّخذ الطبيب قراره الأخير، بعد احتجازي في الحجر الصّحّي بالمستشفى المركزي الحكومي. لعدّة أيام كنتُ معزولًا فيها عن البشر جميعًا، نعمتُ فيها بالخلوة، فسحة أتاحتني لنفسي. جاءت في لحظة كنت فيها بأمسّ الحاجة للابتعاد عن البشر جميعًا، فقد تمنّيتُ الحصول على مثل هذه الفرصة الثمينة، والقيّمة فلم تُتَح لي أبدًا، والظروف المحيطة غالبًا ما تتكاتف مُعلنة تآمرها عليّ.
على غير العادة، وبشكل مفاجئ داهمتني نوبة عُطاس أتعبت أعصابي، ترافقت مع سيلان أنفي. اضطررتُ لتناول حبّات (البندول) من العيار الثقيل، خفّفت حدّة الحرارة التي تناوبتني على دفعات، على مدار يومين، وأنا في معاناة لا يعلم مداها إلّا الله.
***
نصائح مُتعاقبة بالذّهاب إلى طبيب عام عيادته في طرف الحارة المقابل لنا. رغم الاحتياطات المُعتادة من شرب اللّيمون، والثّوم مع اللّبن. في هذه الوقعة كلّ ذلك لم يكن له نتائج ملموسة إلّا آنيّة، وما هي نصف ساعة إلا واشتدّت وطأة الحُمّى أكثر من سابقتها.
***
افتقدني جارنا، وما فطنتُ إلّا بالباب يُقرع، فتحوا له، ورأى ما رأى من حالي، جاءته النّخوة، فقال:
- "جهّز نفسك حتى أحضر السيّارة، سآخذك إلى الطبيب القريب منّا".
- "لا أحبّ الذّهاب أبدًا، أنا بخير..!!".
- "حالتك غير مطمئنة، أفزعني شُحوب وجهك مثل حبّة اللّيمون الذّابلة".
رجَحَت كفّه اقتراحه تضامنًا مع أمنيات زوجتي وأولادي، فتعاضدوا ضدّ عزيمتي الخائرة، وهمّتي الواهنة. لم يكن بُدًا من الاستجابة لهم.
الطبيب منتصب أمامي سرير الفحص بحذر، لبس قفّازات مطاطيّة في يديْه، وكمّامة على أنفه، أعادني منظره، إلى بكيّن وشوارعها المزدحمة بالنّاس، ونصف وجوههم مغطّاة ككائنات فضائيّة غزت كوكبنا مؤخّرًا. سمّاعتة تتحرّك على صدري، وميزان الحرارة في فمي، وجهاز قياس الضّغط على ساعدي. جبينه مُقطّب، وخطوط جبهته كأنّما هي أقنية حفرتها مياه السّيول. حاجباه معقودان متلاصقان، هزّ رأسه، وقال:
- "إلى المشفى فورًا".
صرخت زوجتي:
- "لشو المشفى؟".
- الطبيب: "اشتباه بأعراض الفيروس كورونا".
***
الأوامر صارمة في قسم الحجر، الأطباء والممرّضون يتعاملون معي بحذر شديد. تعقيم، لباس خاصّ يغطّيهم بشكل كامل.
حمدتُ الله على الفرصة المُتاحة، جاءتني على طبق من ذهب. فأكملتُ مما كان مكسورًا عليّ من قراءات في رواية (طواحين بيروت)، ومسرحيّة (مغامرة المملوك جابر)، ومسرحيّة (ليل العبيد).
صباح اليوم الثاني كنتُ على أحرّ من الجمر؛ بانتظار جولة الأطبّاء الاستشاريٍّين.
قرؤوا ملفّي المُحتوي على تحاليل الدمّ والبول، وصور الأشّعة، وقياس معدّلات السّكر والضغط. قلّبوا أوراقه مرّتيْن، تشاورا فيما باللّغة الإنكليزيّة، واتّخذوا قرارهم. فهمتُ القليل مما قالوا.
أشاروا للطبيب المقيم بعزلي في الدرجة الثانية. لخطورة حالتي، وخوفًا من انتشار العدوى.
أيقنتُ أنّني على وشك الهلاك؛ استدعيتُ فكرة خطيرة من مجاهل النسيان كنت مُعرضًا عنها، لخوفي الشديد من أحد علم أنّني أفكّر بها، وهي مشروع كتاب لم أكتب فيه سطرًا واحدًا، رغم أن جميع فصوله، وحيثيّاته ماثلة في ذهني؛ فقلت لنفسي:
- "مادامت حالتي ميؤوس منها، ونهايتي قريبة في أية ساعة يأخذونني إلى قبري، سأكتبها في الحال، ونشرتها على الفيسبوك: قريبًا في المكتبات طالعوا كتابي الجديد بعنوان (الإنسان في فكر السلطان الذي لايعترف بحقوق الإنسان)".
استفقتُ بعد منتصف اللّيل مرعوبًا، طلبتُ من زوجتي كأس ماء بلّلتُ به جفاف حلقي.

الأردنّ - عمّان
٣ / ٣ / ٢٠٢٠

السبت، 29 فبراير 2020

خطاب (قصة قصيرة)

خطاب
قصة قصيرة

بقلم الروائي/محمد فتحي المقداد

ضجيج حركات الممثّلين تملأ الصّالة. الجميع مُنهمكٌ بترتيب أدواته.. ممثلة هناك خرجت من خلف الكواليس تعتني بنفسها، تراجع صورة مِكياجها، وتسريحة شعرها الأنيقة أمام مرآة مركونة في الزّاوية لهذا القصد.
ممثّل شابّ.. يروح جيئة وذهابًا، صوته يخالط الأصوات بعناد؛ لتثبيت حفظ دوره المُكلّف به. حركة دؤوبة مشغولة بنشاطها في مختلف أقسام دار الأوبرا.
المُخرج مُنهمك بتقليب أوراقه، وإعادة ترتيبها حسب الأدوار المرسومة في ذهنه.
عامل الإكسسوارات، ثبّت ميكروفونًا من أجل الافتتاح، ابتداءً بكلمة المسؤول الكبير راعي الاحتفال.
***
وقف الجميع مُتخشّبين كالأصنام، أجسامهم مشدودة، رؤوسهم ثابتة بلا أدني حركة، عيونهم جامدة.  أيديهم مُسبلة بهيئة الاستعداد. كاميرا النقل التلفزيونيّ غير معنيّة بالالتزام بمهابة الموقف. عدستها تُسجّل جمود الوجوه بصرامة اللّحظة التاريخيّة الفارقة.
الأكُفّ تلتهب احمرارًا من تصفيقها الحادّ مع انتهاء موسيقى النشيد الوطنيّ. المقاعدُ من جديد مُثقلة بالأجسام بعد جلوسها.
عريف الحفل أرغى، وأزبد إيغالًا وترحيبًا بالضيف. ثمّ دعاه لاعتلاء المنصّة.
المسؤول ارتجل خطابًا طويلًا استعرض مسيرته وانجازاته.. والتصفيق لم يترك له مجالًا لمتابعة كلامه متواصلًا يهزّ جنبات الصّالة.
ودّع المستمعين بحركة من يده، خرج من المدخل الخلفيّ، ليفاجأ بالمتفرجّين ينتظرون طلعته البهيٍّة في السْاحة. أصواتهم المبحوحة لا تفتأ تِردادًا للشّعارات الرّائجة.
على مدار ساعة كاملة استغرق في الحالة انسجامًا بخيلائه وصولجانه. راقه منظر أعضاء الفرقة المسرحيّة يهتفون مع الجماهير، ويُصفّقون.
***
راقبتُ الاحتفاليّة من زاويتي عن بُعد، وتبدّل الموقف؛ لأنّني وللمرّة الأولى في حياتي أستعدّ بمثل هذه الجاهزيّة؛ كنتُ مأخوذًا بانتظار العرض المسرحيّ بشغف غير معهود، للتأثير الشديد للإعلانات اليوميّة عليّ.. وعلى مدار شهر كامل:
- (انتظروا العرض الكبير على مسرح القبّاني، لمسرحيّة تاجر البندقيّة) ، التي ما زالت ماثلة أحداثها في مخيّلتي منذ أيّام الصفّ العاشر. لأنّها كانت مُقرّرًا دراسيًّا.
مساء أضفتُ ملاحظة في دفتري:
- (الخطابات متاهات الجماهير، وألعوبة الزّعماء، لإقناعهم).
فراغ الصّالة أغرى صدى التصفيق والخطاب والهتافات، بالتغلغل حدّ المدى تزاحمًا على احتلال زواياها.

الأردن - عمّان
29 / 2 / 202‪0

الأربعاء، 26 فبراير 2020

أميرة بُصرى

أميرة بُصرى
قصة قصيرة


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

تلجلج السؤال على شفتيْه مع إطلالة الأميرة من شرفتها، عيون الانتظار تنشدّ بلهفة الشوق لرؤية وجه محبوبة الجماهير.
انشداده مع الجموع أنساه ما كان يُفكّر فيه، دموع الفرحة تغالبه لوقوفه أمام أمنية حياته هذه اللّحظة.
الأميرة نؤوم الضّحى تتثاءب كسلًا، تتمطّى رافعة ذراعيْها للأعلى، وصيفتها تقف خلفها تُلملمُ أكمام قميصها الزّهريّ.
أصوات رعاياها تُطاول الشّرفة مُحيّية محبوبتهم ابنة سيّدهم سيّدتهم، ظنّّا منهم أنّها تُحييّهم. لم تتمالك إلّا أن تُبادلهم مشاعرهم.. يُمناها تُشوّح للجميع.. وترمي لهم القبلات عبر الأثير.
تفاعل غير معهود من قبل، جاء رئيس الحرس، ليكون سدًّا منيعًا لتبادليّة الحبّ، ويُطلق حرسه بفظاظة لتفريغ السّاحة.. وتفريق المُحبّين، دموع الأميرة تنزلق على صدرها المرمريّ لترسم عِقدًا لؤلؤيّا ينثّ حُزنًا وكآبة.
ما أوجع عشقهما مع صرامة ملامح العساكر الجامدة كالبازلت الأسود.. شعاع القمر مات في أحضان الـمساء.. الفراشات نسيتهم.. ضوء الفجر تجاهلهم..  المطر رتّلهم صلوات هَجْرٍ على ربيع لا يعترف بالألوان.
***
لعلّ دموع الأميرة هيّجتني؛ لأذرف دموعي حُزًنا على سريرها الحجريّ المُبهر بكثرة زخارفه الفريدة، الذي أُسقط أرضًا، وتناثرت قطعه في كلّ اتّجاه. جنون المدفع المقهور حقدًا، لم يترك أثر الأميرة الذي رفعها والدها إليه، خوفًا على وحيدته من كلام العرّافين. وكم تفطّر قلبه ألمًا وحُزنًا على ابنته، عندما حمل إليها الموت الزؤام، مع بواكير عنب بُصرى؛ ليُفرح قلبها.. فلا نامت أعيُن الجُبناء.
فقدتُ قلبي بفقدان ذكرى أميرتي.. لطالما فاخرتُ أصدقائي ممن يزورنني في مدينتي. عقدٌ مضى.. ألمًا وحسرة.. هجرة ولجوءًا.. وحنينًا وشوقًا..  أضاعت.
يا للمدفع المجنون وأنت تقتل أحلامي..!!. وتترك العمود الحامل للسرير وحيدًا يشكوك إلى الله.
***
اسماعيل صديقي، وزائري جثا على رُكبتيْة على بلاطات الشّارع، وظلّ حوريّات الماء يُلقى وشاحه بُعيْد العصر على المكان، ويتلّمس بنعومة وحنان على فُوّهة مجرى قناة فُخاريّة، وهو يقول بلهجته العراقيّة المُحبّبة إلى قلبي:
- "عيني.. هذا لازم يضعوا عليه صندوقًا زجاجيًّا لحمايته".
- "صدقتَ بقولك.. لازم..!!".
وقف.. وعيناه ساهمتان تسمّرًا على سرير ابنة الملك، وشرد بعيدًا، ولا أظنّه سمع شيئًا مما شرحتُ له من خبر الأميرة.. انتبه إليّ فجأة، وقال:
- "وددتُ لو أنّي صعدتُ إلى السّرير؛ لأوقظ تلك الأميرة النّائمة هناك، وألقي عليها تحيّة المساء، وأنتشي ببريق عينيْها النّاعستيْن".
كلماته مازالت ماثلة في ذهني، تتقلّب على جمر أحزاني كالسّفود، ولو استطعتُ، لنَحَتُّها على أحد الأعمدة المجاورة؛ لتحكي قصّة آلامي المُتجدّدة. يا لتعاسة حظّك أميرتي.. وهم يمحون ذكرك من مدينتك.. مدينتي!!.

الأردن - عمّان
25 / 2 / 202‪0

الاثنين، 24 فبراير 2020



تقديم
(وقالت الصفحات) للمفكر والباحث (محمد زعل السلوم

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

العالم يحتاج لإيقاظه من غفوته، وإنارة دربه بعض الرّجال المُميّزين الثّوريّين، وهم يحملون أقلامهم، ويثبّتون أفكارهم ورؤاهم على صفحة الكون، كأمثال  الكاتب والمحلّل السياسيّ (محمد زعل السّلّوم)، وفي كتابه الذي بين يديّ (وقالت الصّفحات)، وقفتُ على رؤى، وأبعاد فكريّة مستندة إلى وقائع تاريخيّة، وجغرافيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، جاءت ضمن سياق مقالات تحمل عناوين بدلالات عميقة السّبر  في أغوار الواقع المؤلم في سوريّة، وتداعيات مرعبة بمخرجات الحرب القذرة الأخيرة، التي قادها نظام أسد على الشّعب منذ مجيئه مع الفريق الطائفيّ المُتستّر تحت ستار القوميّة في عام 1963.
وحسب عالم الاجتماع الفرنسيّ (غوستاف لوبون): (فإنّ عقليّة الجماهير تتميّز بالسطحيّة، والضّعف في المُحاجّة العقليّة، وضعف قدرة الحوار المنطقي. وأمّا عواطف الجماهير وأخلاقيّاتها، تتميّز بسرعة الانفعال، وسرعة التأثّر والسّذاجة العقليّة، وإمّا تكون مُعقّدة أو بسيطة، وأيضًا تكون مُتعصّبة مُستبدّة).
من هذا المُنطلق رأى (محمد السّلّوم) الكاتب والمُترجم، أن يُثبت في مقالاته أن الحقائق بإسقاطاتها التاريخيّة، وتطبيقها من خلال نظريّته على نهج دكتاتوريّ، حين اختلفت جماهير الشّعب السّوريّ ما بين مُؤيّد، ومعارض، وحائر في المنطقة الرماديّة. فإذا فقد الأمل من حالة التذبذب، فقد كتب وأرّخ، وأظهر، وأبان، ونفض غبار الأيّام عن كثير من المجهول والمخفي، والمسكوت عنه من الأكثريّة الصّامتة، مقابل أن تكون على قيد حياة فقط. وعلى رأي من يقول: (كُنّا عايشين).
محمد السّلّوم بجرأته أراد أن يكون منبرًا، يعلو صوته ليُخاطب العالم في الحاضر والمستقبل. ومرآة نظيفة صافية تعكس دواخله بشفافيّة الباحث عن الحقيقة، من خلال معطيات، ووثائق، وإحصاءات، وحوادث، ووقائع، بنظرة خبيرة صنعت مما تقدّم تقاطعات، ربّما فسّرت أشياء غامضة بلا أثر دالّ على شيء من دروبها.         
كلّ ما كُتب هو جزء بسيط جدًا من الحقيقة، وما قالته الصّفحات وأثبتته إنّما هو خط بسيط في سبيل الباحثين عن الحق.
وعلى رأي الشاعر (محمود درويش): (ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشّهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل. لا أعلم من باع الوطن، ولكنّي رأيتُ من دفع الثّمن). ستبقى سوريّة هي هي..!! وإن جار الزّمان عليها، ولكنّها كبوة.. وستنهض من جديد، ولا شيء يدوم.  وختامًا فإنّ في التّاريخ عبرة. ومنهاج. على اعتبار أن كتاب (وقالت الصّفحات) سيكون هو التاريخ مٌستقبلًا.

الأردن  - عمّان
ـــــا 22 \ 2 \ 2020

مسرحية (قصة قصيرة)

مسرحيّة
قصة قصيرة

بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

- أعرَبَ لي: "سروري عظيم بانتهائي من مطالعة مسرحيّة(مغامرة المملوك جابر).
-" بخبرتكَ العريقة، هل تستطيع إعطائي فكرة واضحة عن رسالة كاتبها سعدالله ونّوس..!!؟".
أخذ نفسًا عميقًا.. اعتدل في جلسته.. سحَبَ سيجارة من علبتي، فقال:
- "الممثلون يتحرّكون بإشارة من المُخرج القابع في زاوية لا يُرى منها، أوامره صارمة، وبعصبيّة".
- "هل عسكريٌّ سابق؟".
- "ومن أخبركَ بذلك؟".
- "من وصفكَ له، تراءت لي الأيادي الخفيّة التي دائمًا ما تُحرّك المشهد وفق أجندتها".
- "أثرتَ مواجعي من جديد، وإنّ ليل العبيد.. وليل الظّالمين قاسمهما المشترك الظّلام. كعربات نقل الموتى.. مملوءة بالملح والصديد. كلاهما مؤرّقان.
النصّ موجوع ينثر الآهات. الأبطال فاقدو النّطق.. الإيماءات والإشارات ملأت صفحات رسالتهم الطويلة كالإلياذة.
العناكب تتدلّى فوق السّتارة الباهتة غير آبهة ببؤسها. لهاث الأنفاس يتشارك العرض مع الممثّلين، شبيهًا بقصص احتضار الموتى التي لا تُنسى.
ختامًا.. أُسدِلت السّتارة، من سّادن مبتور الكفّ اليمنى، واليسرى بلا أصابع.
حرارة التصفيق مُتوهّجة تهزّ الأركان على وقع صدى:
- (موطني..!!)
.
بُحّ صوتي، نمتُ واستفقتُ، وأنا ما زلتُ أردّد معهم:
- (موطني.. البهاء والجمال.. !!".

الأردنّ - عمّان
24 / 2 / 202‪0

الجمعة، 14 فبراير 2020

بعد منتصف الليل قراءة على \ شهادات من أذرح

بعد منتصف الليل
قراءة على \ شهادات من أذرح \ من مجموعة - من دفاترالمساء- للأستاذ نايف النوايسة


مقالات ملفقة ( 26 \ 2 )
بقلم ( محمد فتحي المقداد )*


بطريقة غير مباشرة وصلتني من صديق مجموعة كتب لمطالعتها، وعلى غير موعد كنت على لقاء مع مجموعة( من دفاتر المساء- للأستاذ نايف النوايسة )، غاصت أصابعي في تقليب صفحاته للنظرة المبدئية على العناوين، وكانت لحظةٌ قاسيةٌ، وأنا أتوقف أمام العنوان الأول في المجموعة( شهادات من أذرح ) تجمدتُ ولم أستطع أن أبارحه إلى عنوان آخر، على مضض أكرهتُ نفسي على قراءة عابرة للمواضيع، رغم قوتها وعميق فكرتها المطروقة. 
ووجدتُ نفسي رهن الاعتقال للحظة قادمة من رحم التاريخ، و أنا أقفُ في قفص شهادات من أذرح، كي أكون شاهداُ جديداً على إبداع جديد، استخرج الحادثة التاريخية، وقام بنفض غبار السنين عنها، بإعادة تدويرها أدبياً، بلسان شاعر، مرهف الأحاسيس، متوتر المشاعر، فانبجست لحظة الوقوف على الحقيقة، بفيض من موهبته الثرّة، الآسرة للقارئ.. 
و هاهي حثحثة الشهادات تأتي على ذكر أبطال معركة صفيّن ( عمرو بن العاص ، ومُدرك بن حصين الأسدي، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو موسى الأشعري )،[ وتباتُ الليالي السود كُحْلاً في الجفون، ولا يكفُّ السُّمّار عن مضغ الكلام، ونفيه على حافّة المرحلة ..]*، [ الليل والريح، ورماح الخديعة، ورؤوس العفن، عاصفة تنفجر فوق بئر الروح، وتلفّ الزمان بعصابة من شوك، وتدفن الوليد في المزبلة ]*. 
وذاكرة المكان تغزو قلب الكاتب، وتستولي على ذهنه، ليذهب عدّة مرّات إلى جبل التحكيم، ليمارس اليوغا الفكرية متأملاً مسترجعاً متذكّراً بوعي عميق لما حصل هناك في موقعة ( صفّين) هناك على أطراف الفرات، في شطره الشّامي قرب مدينة الرقة في الجزيرة السورية، متربعة على الكتف الغربي الجهة من نهر الفرات، مقابل قلعة جعبر من جهتة الشامية ، بينهما مسافة قليلة ، وهي تقع في منطقة عالية مطلة على الفرات.
والذي كان مجهولاً لي، استناداً إلى معلوماتي القديمة، المختزنة من أيام الدراسة الثانوية، والتي علاها غبار النسيان، أن التحكيم جرى في أذرح، لأنني كنت أعتقد أن الأمر جرى في صفّين بعد حادثة رفع المصاحف على الرماح و السيوف، وانتهى الأمر، لكن الموضوع طال، بعد قبول التحكيم من الطرفين المتصارعيْن، فاتفقوا على اللقاء في الموسم القادم، في أذرح، للفصل والبتّ في الموضوع، عندما يلتقي أهل العراق والشام والحجاز ومصر.
ومن هنا، جاءت قراءة الأستاذ نايف لهذا الموضوع الشائك، القديم المتجدد، الذي كثر الاختلاف و الجدال حوله و تكلّس حوله الكثيرون بعقول متحجرة متعصبة، ولم يكن باستطاعتهم مبارحته، فغاصوا في متاهاته، وتعصّب كلّ منهم للفريق الذي رأى أنه على حق، وأهمية الإسقاطات بنظرتها الشاملة على مستوى فكر الأمة قاطبة، والعثرات الناتجة عن صفّين، والتي امتدّت ذيولها الخائبة، حتى وصلت لحاضرنا، مما حدا بأناس لنبش ذلك التاريخ، ومحاكمة الحاضر على ضوء ما جرى في الماضي، الذي لم نحضره، ولم يكن لنا خيار المشاركة فيه، إلا من خلال المراجع التاريخية، فمن المفترض أن تكون لنا العبرة و العظة منه لا أن يكون مجالاً للإحتراب، وعبئاً ثقيلاً على كاهل الأمة، وتحدياً صعباً مضافاً للتحديات الحضارية، حتى أصبح تاريخنا لعنة علينا. 
وللنأي عن المستنقع فقد لجأ الأستاذ للترميز غير البعيد عن إدراك وفهم القارئ، يسير به بثقة كبيرة، للوصول إلى الهدف الأسمى وهو الحق، والانتصار للحق كانت غايته الأسمى، بعيداً عن مناصرة فريق على حساب فريق آخر، فكان موقفاً موفقاً يسمو بالعقل و الفكر إلى عوالم سحرية مليئة بالأسرار.
ذاكرة المكان حُبْلى بحوادث الأيام، مليئة بالانحناءات الملتوية، مختفية في سراديب النسيان، ليأتي من يستنطقها، ويبث فيها دماء الحياة من جديد، فتستولي على عقله و لُبّه، فكان الحكيم الذي استنبط منها طريقاً جديداً واضحاً جليّاً كالشمس لا غبار عليه، وكانت أذرح القرية المنزوية في وادي موسى في جنوب الأردن, نقطة يلف الكون حولها بتاريخه، وهي مركز قضاء إداري في محافظة معان، و في اللغة نجد تفسير كلمة أذرح على أنها الهضاب تحيط بها السهول ليتوافق ذلك مع واقع الحال هناك، وهي حاضرة رومانية قديمة، .... أنشىء فيها معسكر لإحدى الفيالق الرومانية، فيما استمرت مزدهرة في العهد البيزنطي ,ودليلنا بقايا الكنائس والمعابد، واشتهرت أذرح قديما بوفرة وعذوبة مائها الذي كان يجري مشكلا "سيل اذرح" قبل أن ينضب منذ بداية القرن الماضي.
وتنتصب قبابُ الليل [ لتفيض الصحارى بالليل و الرجال، وبين العينين يتجلّى الجنوب، ملفوفاً بالسواد، ورماح الخديعة، وسذاجة البرانس ..، يا ليل الخديعة، افتح بسنابك العابرين سطوراً فوق لوحة النّور، اثْعب في الجبال جبلاً، تهيّأ .. واخرجْ لفيوض الصحارى, بآلاف الأصفار، لتركض وراء عورة اللحظة العابرة,, افرح يا ليل الجنوب بالفتنة الباصرة ].وهنا إشارة للخلاف الذي حصل، و الخديعة، وأصحاب البرانس ( الخوارج)، الذين كان لهم الدور الأكبر في توسيع شقّة الخلاف بين الفريقين، مما حدا بهم أخيراً لتكفير كلا الطرفين، احتجاجاً خاطئاً للآية الكريمة " إن الحكم إلاّ لله " والبشر لا يملكون من أمره شيئاً. 
وجاء التحكيم، ليمنح أحد جبال أذرح الدانية منها، اسم جبل التحكيم، [ صفّين نصفين في كل القباب، ومن كل الجهات تتناسل نصفين، ونصبُ العينين جنوب.. يا هذا الجنوب المبتلى] و الخلاف لم يكن إلا صراعاً على الحكم، تحت غطاء رفع المصاحف، [ قباب الليل و الصحارى، وبقايا الصهيل، وثمّة صرصارات لعينة تواصل :" صفّين .. صفّين " ]. 
وجاءت الشهادة الأولى من [ أذرح المقعية على ثنية الطريق لا تدري ما الخبر..!! ، وأخرجت من جوفها هشيماً كالبشر، راحوا يشربون القادم، و يتنفسونه بعيون مظلمة.. صاح طفلٌ، أكلت الأيام وجنتيه، وعاف الأكل فمهُ المُقرّح : " عربٌ مثلنا " ، صاح طفلٌ آخر :" عربٌ مثلنا تلفظهم الصحراء"، صاح شيخٌ ضمّختهُ الأيام بالإعياء والحكمة :" هؤلاء من صفيّن ولدوا.. يا ضيعة الرؤيا، وانكسار الحلم..!! ، من صُفّين جاؤوا صَفّيْنِ ]. 
دراية باهرة في سرد الحدث بنفس شعري لافت، وكان القمة في اختيار طفلين يتكلما عن الجموع، أرادهما نايف النوايسة، أن يتكلما ببراءة الطفولة البعيدة عن التلوث الذي أصاب الكبار ذوي العقول، والفهوم، فهما يتكلما عن قدر فهمهما النظيف." عرب مثلنا " .. ويتكرر المشهد لينسحب علينا ونحن نرى غزة تحترق وتُباد بوحشية صهيونية، بحقد شايلوكيٍّ، ونحن نغرق في متاهات صمتنا اللعين، حيث أصبح سمةً عربية بامتياز، ومات الدم العربي فينا .. وماتت فينا النخوة العربية.. وماتت فينا إغاثة الملهوف .. ونصرة المظلوم.. لتأتي الشهادة الثانية ليقول :[ نحن ما زلنا حضارياً في قيد الإنكشافات المهينة، ولغة الخديعة والإجباب المتربصة ] كأن نايف النوايسة عندما كتب هذا النص في أواخر عام 1997كان يستقرئ حالنا اليوم، ونحن اليوم في مثل أيام العام من كتابته وتاريخنا 2014م، وينطبق بأبعاده الفكرية على ما يحصل لنا كأمة، بتقنية متفتقة عن ذهنية متوقدة، زاوجت بين الحاضر و الماضي، استثمرت واستوعبت الدرس التاريخي : [ المصاحف فوق الرماح.و لا شيء في فضاء اللحظة إلا العاصفة، وصُفّين رسولةُ التمزق في زمن القحط، الموجُ يداهم الجموع، والطوفان يعلو ويعلو، وزُبى أذرح تنتظر السيل الجارف ] .. يا ألله .. !! لله درك أيها الجميل.. لقد قرأت ففهمت، وأفهمتنا معك، فرأيت المستقبل وقرأت ما في نفوسنا من طنجة حتى رأس الخيمة، ولو قلت كلمة أتزلف بها إليك : " لقد أوتيتَ الحكمة "، وهذا من باب الإنصاف مني على الأقل، إن لم يعرف ذلك ممن هم حولك.
ويتابع بنصب راية المشهد من جديد :[ أزمات الأمة تتناسل في غيابةٍ ما بين الحلم واليقظة في زمنٍ كالومضة.. استحكم الطين فابتعدت السّماء ] .. ما هذا الإلهام .. ونفاذ البصيرة.. وآخرها شهادة منه ناتئة عل حوّاف الزمن العربي :[ الانفجار قادمٌ، ولا يليق بالصّغار إلا الركونُ في قرار ]، ونتيجة لذلك.. لا يمكن أن يكون هناك تاريخ بلا جغرافية، وتعني المكان المرتبط زماناً بإنسان، وعليه يكون الوطن ، جغرافية و إنسان، وارتباط الإنسان من خلال الذكريات و الأحلام، والآمال والآلام، فهذه التي جعلت منها تعادل الروح من الإنسان، فيفتديها بالدفاع عنها، وهي الأرض و الجسد و الواقع، إنها تربة الأفكار وروحها وواقعها
.

عمّان \ الأردن

تأملات قرآنية