السبت، 14 فبراير 2026

كتاب. في المدينة رؤى للعابرين

 

 

محمد فتحي المقداد

 

 

 

 

 

 

 

في المدينة رؤى للعابرين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد فتحي المقداد

 

 

 

في المدينة رؤى للعابرين

مقالات

 

 

2026

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في المدينة رؤى للعابرين

 

*المدينة غافية على أحلامها غير آبهة بالعابرين، وهم يفتضّون بكارة أحلامها المعتقة بعبق الماضي.

*غايات مرتاديها تختلف من شخص لآخر.. كل منهم متدثّر يخصوصياته خلف واجهة ملامح وجهه، وثيابه ذات الألوان المحببة له، ربما لا تروق لآخر ولا تعني له شيئا، ربما يزدريها لتعالٍ في نفسه، أو حسد لصاحبها.

* رتم الحياة السريع لا يتوقف أبدًا ليرحم المتعبين، قطار يسير بسرعة البرق إلى منتهاه، يتخلّف عنه المرضى والعجزة والكسالى، ولليائسين والمحبطين وفاقدي الأمل في الحياة والمستقبل فلهم حكايا أخرى.

* مراكز الانطلاق مثيرة للاهتمام، نظيرتها قديمًا مبارك القوافل في زاوية من سوق المدينة.

في هذه الفسحة التي تستحوذ على خدمات المسافرين، من سبل الراحة العديدة كالمطاعم والمحلات التجارية التموينية. حمامات عامة أغلبها مأجورة وهي نظيفة، مقارنة مع أخرى مجانية ليست بمستوى تلك.

مواقف منظمة للحافلات والباصات وسيّارات تاكسي عمومية، مبين عليها الجهات وخطوط سيرها على الطرق من خلال لوحات مكتوب عليها بخطوط جميلة واضحة.

ففيها تتجلى عميليات التركيب والتحليل، مجمّعات يجتمع فيها البشر.

جاؤوا إليها من أماكن مختلفة متباعدة بغرض الانتقال إلى أعمالهم وأشغالهم ليبلغوا أهدافهم في مواعيدها المضبوطة يلا تأخير، هذا الآمر لا يتوقف على مدار الساعة.

* لماذا لا يتمسك المسافرون بكراسي الحافلات والباصات والسيارات العمومية ومقاعد محطة الانطلاق او كرسي المقهى او المطعم. أهم زاهدون بالكرسي..

ولماذا يزهد المسؤول بكرسي المقهى والمطعم.. ويعمل بعناية فائقة للحفاظ على كرسي وظيفته..

* تساؤل مشروع: لماذا يترك الكرسي طواعية وبكامل الرضا.. ولا يحدث صراع عليه، كما يحدث مع الكراسي الأخرى؟.

* يتبادر للذهن من الوهلة الأولى أنه لا أهمية له في حياة الأفراد.

كونه أدى خدمة لهم خلال فترة زمنية.. عليهم المغادرة لوجهتهم دون تلكؤ. فبتركوه ليستبيحه غبرهم. وبدوره يتركه أيضا لغيره.. وهكذا دواليك.

* كيف لمن يجلس على كرسي يسمح للآخرين بتقاسمه معهم. رغم ما يقال: "الكرسي غالي".. ولكنه على كل حال، هو كرسي الباص والقطار والسيارة العمومية والمحطة والحديقة العامة، وكرسي طبيب الأسنان، وكراسي أماكن الانتظار في المشافي والعيادات الخاصة والعامة، وكرسي الحلّاق رغم ما يراق حوله كثيرا من الاعترافات والنكات المضحكة وغير المضحكة، والمؤدبة والخارجة عن حدود الآدب.

فلسفة الكراسي الماثلة في الأذهان، أنها غير قابلة للتداول السلمي خاصة في عالم الشرق على العموم إلا من شوارد قليلة عن القاعدة العامة، على خلاف تداول الكراسي في عوالم الديمقراطية، والرضا طوعا بمخرجات صندوق الاقتراع المحوط بالنزاهة القانونية. بعيدٌ بنتائجه عن قاعدة ال ٩٩'٩٩ السائدة في بلاد الدكتاتوريات العاتية.

* مجمعات (مراكز انطلاق)، (كراجات) تحتل مساحات واسعة في عموم المدن والعواصم، فمنها ما هو مخصص للانطلاق الى أحياء وضواحي المدينة فقط يحتوي على باصات النقل الجماعي الداخلي وسيارات الخدمة (التاكسي)، وهناك قسم يحتوي على تسيير رحلات فيما بين مناطق ومحافظات البلد، أو إلى البلدان المجاورة.

* الأعداد الضخمة من الناس الذين يدخلونها بشكل يوميّ، لقضاء حوائجهم وتدبير سبل معاشهم يرتادون هذه الأماكن.. جاؤوا من أماكن شتّى متقاربة أو متباعدة، اجتمعوا على غير موعد.. وافترقوا بلا وداع، يقتلهم الانتظار، لا يفتؤون ينظرون إلى ساعاتهم، ولا حرج من سؤال شخص آخر عن مؤشر الوقت، عادة ما يكون التأفّف سيّد الموقف، والألسنة تعبر غاضبة عن التأخّر عن المواعيد، ونفخ دخان السجائر مصحوبًا بأنفاس القهر.

* الاختلاف سنة الحياة.. وظاهرة طبيعية معبرة عن حالة اجتماعية صحية، إذا لم يكن تعصبًا لرأي أو فرض رأي بالقوة.

وهذا الأخير لا مجال له في محطات ومجمّعات الرّكاب حتى في المطارات فيما بين مرتاديها، إلا رجل الأمن الذي يأمر وينهي، لتوطيد الأمن وتسهيل حركة العبور والخروج أو لتفتيش الأمتعة والحقائب، ولفرض القانون الذي يراه مناسبًا بدون أي اعتراض من أحد خاصة في بلادنا نظرًا للحساسية الأمنية تجاه كل همسة أو نَفَس، لأن كلّ المواطنين متّهمين حتى تثبت براءتهم.

اختلاف الوجوه وأشكالها وألوانها، والأجسام بطولها وعرضها، والأعمار بعدد سنينها، والألبسة أيضا بأشكالها وألوانها، والعيون بنظراتها ما بين ساهمة مبهورة، وأخرى مبحلقة بنظرات حادة تلتقط كل صورة، وغيرها خائفة ظاهرة برأرأتها غالبًا ما تُخفي شيئا.

* هذه الأماكن بوتقة لكنها عاجزة عن صهر مكونات محتوياتها على الاطلاق، فلكل وجهة هو مولّيها، لا يبرح تفكيره في شؤون بيته ووظيفته، أفكار كثيرة تتناوبه، والعامل المشترك الذي غالبا ما يوحد الرجال هو وجود امرأة لتلفت الانتباه إليها من الجميع، إما بنظرات عابرة أو زائغة حدّ الاشتهاء إذا ما كانت معالم الجمال ظاهرة عليها.

ولا تنقضي التأويلات والبحث عن دلائل للتعرف عن موطنها ووجهتها.

* الاختلاف والتنوّع سنّة المكان الذي هو الرابط الوحيد الذي يجمع فيه هذه المكونات البشريّة رغم تمايزها في كل شيء.. من ينظر الوجوه.. لا يرى فيها إمّا العبوس والاكفهرار.. أو الابتسامة.. فقط يرى الظاهر للعيان.. ويختفي خلفه الفرح والسرور.. والحزن والألم.. من النادر أن يخلو منها أحد على وجه البسيطة أبدًا.

 (المقال نشر في العدد 2 من مجلة الفصليَّة ملتقى الدبلوما  لعام 2025)

 

 

 

 

 

برج السَّاعة

 

أثناء إقامتي في مدينة "إربد" شمال المملكة الأُردنيَّة الهاشميَّة، وما لوسط البلد من جاذبيَّة نفسيَّة وروحيَّة، وقابليَّة مُعاودة الرُّجوع إليه المرَّة تِلوَ المرَّة بشوق أكثر من سابقتها، المكانُ موحٍ بمهابة؛ تأخذ بمجامع القلب، وأنت تخطو صُعودًا ليس حادًّا من ميدان "وصفي التلِّ" باتِّجاه بيت الشِّمال، مرورًا "ببُرج السَّاعة" الحديث العهد، بشكله المرُبَّع بطبقاته الثلاث مألوفًا إلى حدٍّ ما، وحجارته الكلسيَّة البيضاء بنت البيئة الإربديَّة، رؤيته مُريحة للنَّفس باعثة  للاِطْمئنان على أنَّ الوقت مضبوط، والأمور مُستقرَّة، فوق رأسي أثناء جلوسي عند صديقي "حسين" صاحب كِشْك الكُتُب "الزرعيني" الشَّهير، فهو معلم أصيل من معالم إربد الثقافيَّة يتفيَّأ ظلال بُرج السَّاعة، فقد عرفتُ فيما بعد أنَّه النُّسخة الثانية من بُرج ساعة مدينة "حماة" في وسط سوريَّا، والذي بُنيَ عام (1950) في العهد الوطني بعد الاِسْتقلال.

وبسُؤال نادل مقهى "الكمال" رجل في منتصف عقده السَّادس، تبدو علامات الوقار والرَّزانة، هذا المقهى من أقدم مقاهي إربد يتربَّع على مفترق طرق وإشارة ضوئيَّة، الاِزْحام والضَّجيج  على مدار السَّاعة لا يتوقَّف، وبُمتابعة السيَّر مُرورًا بمحلَّات العِطَارة التي تحمل لوحاتها أسماء التُجَّار الدمشقيِّين الذين قدموا لتنمية تجارتهم، وهناك مازالت بعض الأبنية التُراثيَّة القائمة، والمُسمَّاة أيضًا بأسماء العائلات السُّوريَّة، وتشمخ عمارة بلديَّة إربد ذات الطِّراز المعماريِّ الحديث بطوابقها العديدة، ومقصدنا بكلِّ الحالات هو "بيت عرار"، وهو بيت الشَّاعر "مصطفى وهبي التل" المُلقَّب بعرار، أهمُّ مَعْلَمٍ ثقافيٍّ على السَّاحة المحليَّة.

فالحكاية لا تكتمل إلَّا بمكان مُتآخٍ بالضَّرورة مع زمان، ولم تكُن لتكتمل لولا وجود المكان الذي يتوهَّج في ذهن المُتحدِّث، الذي التصقت ذاكرته بهذا المكان أو ذاك. وفي الفترة العُثمانيَّة (189م) أنشئ أوَّل بُرج للسَّاعة في مدينة "حلب" وسط ميْدان "باب الفَرج"، أمَّا فكرة أبراج السَّاعة في المُدُن تستهدف العابرين للمكان، وكلُّ عابرٍ مهموم بالوصول إلى وِجْهته بموعده المضبوط، فالسَّاعة ضابطة لروح البشر، وضابطة لتواقيت عُبروهم لميدان السَّاعة، والعُيون تُرسل نظراتها لتلتصق على حجارة البُرج، ويسوخ القلق بين عقارب السَّاعة الضَّخمة.

وتتابع قطار الزَّمن لإنشاء برج السَّاعة في مدينة "حمص" عام (1923) على أيدي المُستعمرين الفرنسيِّين. رَحَل العثمانيُّون وتلاهم الفرنسيُّون، ولم ينمح زمانهم الأوَّل. بقيت الأبراج شاهدة على العصر المُنشئ لها، تحكي للأجيال أن لا شيء يبقى على حاله، والثَّبات سِمَة لا يحوزها الإنسان الزَّائل باِنْقضاء عُمُره، إنَّما الثَّبات صِفَة من صفات ديمومة القانون الإلهيِّ الأزليِّ الباقي.

ثبات أبراج السَّاعة في المُدُن السُّوريَّة الثَّلاث ذكرى دائمة، ذهب من شيَّدوها لغاياتهم، بينما تحكي قصَّة الصِّراع البشريِّ، وما زلنا كسوريِّين نحتفل بعيد الجلاء (الاستقلال) عن فرنسا، ويذكُر أجدادُنا أيَّام (العصملِّي) و"سفر برلك" بمرارة ذاك الزَّمن الغابر، واللَّعنات تُلاحِقُ آلام وأحزان الماضي؛ فالعِبْرة بأنَّ الوافدين لأيَّة غاية جاؤوا، سيبقون غُرباء يُشار لهم بالاِسْتياء والقَرَف.

ومنذ بداية اِهْتمامي بمُتابعة الأخبار العربيَّة والعالميَّة، لا زلتُ أذكُر المقولة الشَّائعة الخالدة: (اِفْتح ع لُندن؛ لنعرف شو في عندنا)، وكان الاِعْتقاد السَّائد أنَّ أخبارها هي الأصحُّ، والحقُّ أنَّ لا وسيلة إعلاميَّة بريئة على الإطلاق.

لكن رنين ساعة "بيغ بين" ذات الأجراس الضَّخمة، التي يُغطِّي رنينها أطراف العالم بأكمله، وكأنَّ الإمبراطوريَّة التي لا تغيب عنها الشَّمس، بعد اِنْحسار نفوذها جُغرافيًّا، أبَتْ  إلَّا أن تقول للعالم أجمع: ما زلتُ سيَّدة العالم. وعليكم جميعًا الاِلْتزام بتوقيت (جرينتش) الذي وضعته، ولا غِنى لكم عن خدماتي.

ذات مرَّة اِحتجَّ بعض الأصدقاء على منشوراتي المُذيَّلة بتاريخ "توقيت بُصرى" ظنًّا منهم أنَّني مُنحاز لمدينتي "بُصرى الشَّام" أقصى جنوب سوريَّا، وقد اتّخذتُ من "توقيت بُصرى" عنوانًا لكتابي، وما درى من احتجَّ بأنَّ أجداده العرب الأنباط، قد أرَّخوا لأحد مُلوكهم من شهر (كُسْلول لعام231 م)، ويُعدُّ برج السَّاعة الفلكيَّ في مدينة "براغ" في التشيك، الذي أنشئ في القرن الخامس عشر الأقدم في العالم، وأيضًا بُرج "سباسكايا" في مدينة "موسكو"، ويعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر".

حتَّى الكثير من المُدن العالميَّة أصبح "برج السَّاعة" من معالمها الأساسيَّة، وكأنَّها لِسَان المدينة الصَّامت، البطيء بِعَدَّ الأنفاس للنَّاس المُتهالِكَة على الوقت، ظنًّا منهم بقصره وعدم كفايته، ومع التسارُع التقنيِّ المُذهِل والمُحيِّر، وتطوُّرات وسائل التواصُل والذَّكاء الاصطناعيّ بجنونها الجارف، ستبقى أبراج السَّاعة ثابتة على مواقفها بضبط الوقت، وشاهدة على الحاضر كما شهدت على الماضي، وستشهد على المُستقبل إن بقيت قائمة، وستنال حظَّها من التَّبجيل والاِحْترام، بأنَّها معالِم حضاريَّة وتاريخيَّة تُزار، وتنقلها كاميرات أجهزة الهواتف النقَّالة إلى عالم (السُّوشال ميديا).

*(المقال نشر في العدد 3 من مجلة ملتقى الدبلوما لعام 2026)

 

الفهرس

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق